الأربعاء، 15 أبريل، 2009

الغنوشي: العصبية المذهبية دعوة للعلمانية

الغنوشي: العصبية المذهبية دعوة للعلمانية

أجرى المقابلة : مصطفى عاشور, عبد الله الطحاوي



كتب أثناء الأزمة الأخيرة السنية الشيعية "كلنا يوسف القرضاوي"، فنَّد فيها الاتهامات التي وجهتها إحدى الوكالات الإيرانية للشيخ القرضاوي.. له رؤية مفكر وتجربة حركي، ويقيم في الغرب.. إنه الأستاذ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية، ويحاول هذا الحوار تلمس جوانب متعددة تحيط بالإشكال الحالي، خاصة قدرة الفكر الإسلامي في تنظيم خبراتنا المدنية وإدارة مكونات الأمة الدينية والمذهبية والعرقية، لا سيما أن البديل العلماني ينتظر، والتجربة الأوروبية في ضبط الصراعات تلوح، كما أنه في هذا الحوار ما زال يرى أن فكرة التقريب ما زالت تمثل مصدرا للإلهام والتفعيل، وأن الفقه ما زال أكثر قوة من السياسة.
اختزال مشوه

* كنت طرفا في الحوار الأخير الذي دار حول العلاقات السنية الشيعية، على أي أساس بنيت موقفك في الأزمة وكيف ترى الحالة السنية الشيعية الآن في العالم الإسلامي؟

- هناك مشكلات في العلاقة بين المسلمين، وتبدو هذه المشكلات كأنها تختصر في العلاقة السنية الشيعية، لكنه في الحقيقة اختزال مشوه؛ لأنها أعمق من ذلك.

فهناك مشكلات بين الصوفية والسلفية داخل السنة، وهناك مشكلات ذات طابع منهجي بين من يعتمدون على منهج العنف في التغيير باسم الجهاد، وبين أصحاب خيار المنهج السلمي والأساليب الديمقراطية، ويكفرون بالأساليب الأخرى.

والتشيع هو الآخر ليس شيئا واحدا، كالتسنن أيضا، ولكن عندما يراد تقسيم الأمة إلى معسكرين للحرب بين سنة وشيعة يتم تذويب كل ما في الخريطة من تضاريس واختلافات، وهذه خطة العدو أن يصور الأمة وكأنها معسكران، والأمر ليس كذلك.

فهناك تشدد واعتدال على الجانبين، والخطر على الأمة ليس قائما في وجود تسنن وتشيع بحد ذاته، بل في التشدد في كل جهة، فهناك فكر إصلاحي، وهناك فكر معتدل، وعلى الأمة أن تعتبر أن عدوها هو التشدد والتكفير والجمود والتعصب.. ويجب تنمية عناصر الحوار وعناصر التواصل والتوافق والاعتدال في كل المعسكرات المذهبية والسياسية.


* معالم التشدد السني ملحوظة.. ولكن كيف تلحظ معالم التشدد الشيعي؟
- حدث في العراق مثلا تقاتل بين السنة والشيعة في ظل الاحتلال، ولكن هذا التقاتل لم يحدث من قبل، بل تعايشت كل فسيفساء المذاهب والديانات التي حفل بها المجتمع العراقي على مر التاريخ حتى بلغت الزيجات المشتركة بين السنة والشيعة أكثر من ربع الزيجات، فلما نكب العراق بالاحتلال أخضع لسياسة فرق تسد، فضرب بعضه ببعض؛ لذا أعتقد أن المسئولية الأولى عن هذا الاقتتال توجه إلى الاحتلال.

لقد تم خطأ تصوير التقاتل باعتبار أن هناك معسكرين في العراق: سني وشيعي يتقاتلان بسبب المذهب، إلا أنه سرعان ما استعر القتال بين السنة أنفسهم، بين أنصار العملية السياسية وبين أنصار المقاومة، ثم تقاتل هؤلاء الأخيرون، ثم قاتلت القاعدة العشائر السنية لإخضاعهم، مما دفع هؤلاء إلى أحضان الاحتلال الذي شكل منهم جيش الصحوات، مما تسبب في إضعاف المقاومة وحتى تصفيتها أحيانا، وأعاد سلطة الاحتلال إلى السيطرة على قلاع المقاومة في بغداد والأنبار والموصل.. فكان التقاتل السني السني بدعم مباشر من الاحتلال الأمريكي فهو من مول هذه الصحوات من أجل إضعاف المقاومة.

ثم كان التقاتل بين الشيعة بين المتحالفين مع الاحتلال وبين الصدريين المدعومين من إيران، فما ينبغي تبسيط الأمور ووضع العراق معسكرين متقاتلين سنة وشيعة، مع أن ذلك قد حدث، ولكنه ليس الصورة الوحيدة، فأوضاع البشر والمجتمعات أعقد من أن تصنف هذا التصنيف.. فهذا التبسيط غير صادق، بل يمثل خطرا.

إن الصحوة الإسلامية على امتداد المسلمين في حالة صعود وتحقق انتصارات، وتقع في إخفاقات ككل عمل بشري، وتقدم بدائل بعضها جيد، وبعضها غير موفق إلا أن محاولات وخطط النيل منها وتحريف مسارها، وحتى إجهاضها مستمرة، وربما يكون الأوان موسم تفجير التناقضات بينها، وبالخصوص بين السنة والشيعة، والسلفية والصوفية.. إلخ.

فما ينبغي تبسيط الأمور وحصر التناقضات والخلافات في قضية واحدة، وإنكار أن هناك خلافات وتحديات أخرى قد تكون أشد وطأة، بدءا بالمخطط الصهيوني الأمريكي ضد أمة العرب والمسلمين، وصولا إلى الصراع بين شعوبنا الطامحة للتغيير الديمقراطي الإسلامي وبين الحكومات الطاغوتية الممسكة بخناقها مستظهرة عليها بالقوى الدولية، فضلا عن الخلافات الموروثة، والتي تستعر بين الحين والآخر، وبالخصوص في ظروف الغزو الخارجي كالاختلاف بين الشيعة والسنة الخلاف القديم الذي تعايشت معه الأمة عموما.

والتشيع ليس حديثا ولا التسنن بطبيعة الحال، لكن الأمة تعايشت مع هذه المشكلات بضروب من الوفاقات، ويستعر الخلاف اليوم في ظروف الهجمة الدولية على الأمة بالإفادة من تيارات التشدد ورغبة البعض في التمدد في ساحة أخيه بدل اكتساب أرض جديدة للإسلام، بما يوقعه في شرك خطة دولية لضرب الأمة بعضها ببعض، وزرع بذور الفتن.. ينبغي الحذر من ذلك.

* كان لكم موقف إيجابي من الثورة الإيرانية هل هذا الموقف تغير؟

- في جوهره لم يتغير.. فما من شك أن الثورة الإيرانية كانت من أكبر أحداث القرن العشرين، إذ إنها قد أطاحت بأعتى وأظلم حكم استبداد عرفته المنطقة، طحن شعبه طحنا، وسخر موارده لخدمة قوى الهيمنة الصهيوأمريكية، واشتغل حارسا للمصالح الأجنبية في المنطقة، فعندما تطيح ثورة هكذا بنظام، وتقيم بديلا مندفعا بقوة لنصرة المقاومة الفلسطينية، متصديا لمخططات الهيمنة على المنطقة، فلا يمكن إلا دعمه، ولكن ليس بإطلاق، بل دعمه فيما هو إيجابي، والاعتراض على ما هو سلبي من سياساته.. وذلك الذي فعلناه بعد مرور مرحلة الاندفاع وتحول الثورة إلى دولة، يحكمها في أحيان غير قليلة منطق مصلحة الدولة لا المبادئ ولا مصلحة الأمة ككل.

فعلى قدر ما كانت سياساتها مبدئية تصب في مصلحة الأمة إزاء القضية الفسطينية واللبنانية والبوسنية، بقدر ما واليناها، وعارضنا سياساتها بقدر ما شابها من دخن في العراق وأذربيجان، وفي دعمها لأنظمة فاسدة على حساب مصالح الشعوب، وحتى حركات الإسلام، إلى جانب شبهة دعم جهود التبشير الشيعي في المجتمعات السنية والتضييق من حقوق السنة في إيران، وكل ذلك محكوم إما بتعصب مذهبي أو بمنطق الدولة القومية، وليس بمقاصد الإسلام العامة، ولا بمصلحة الأمة، ولا حتى مصلحة الجمهورية بعيدة المدى.


* البعض رأى أن وجود كيان سياسي للشيعة مثل إحداث فجوة في العلاقات السنية الشيعية على صعيد الولاء والتمدد المذهبي.. فهل ما زلت ترى أن الثورة الإيرانية أسهمت في التقريب؟

- لا نستطيع أن نقول إن إيران العلمانية هي أقرب إلينا من إيران الشيعية التي يحكمها علماء.. فإذا كنا نعتقد أن المسيحيين أقرب إلينا من الملحدين؛ لأنهم أهل كتاب، فكيف نقول إن من يؤمنون بأركان الإيمان مثل الإيمان بالله سبحانه وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبأركان الإسلام كالصلاة والزكاة والحج والصوم، ويحرمون المحرمات الأساسية كالخمر والزنا.. أنهم الأبعد منا؟!

ينبغي أن نطور فكرنا وأدوات ووسائل عملنا؛ حتى نستوعب وننجح في إدارة الخلافات داخل الأمة؛ وبالخصوص خلافات السياسة، وإنما أصول هذا الاختلاف سياسية، والتحدي الكبير اليوم كما كان بالأمس، وقد فشلنا فيها غالبا وهو: كيف ندير اختلافاتنا كلها، ومنها اختلافات السياسة حول الحكم، كيف نديرها بأسلوب حضاري، حتى لا يتم تصوير أن ثمة خللا في الفكر الإسلامي السياسي قاد إلى الفشل في إدارة خلافات السياسة إدارة سلمية مدنية مدارها البحث عن المصالح ودرء المفاسد بما يجعل الاختلاف ليس بين كافر ومؤمن، وإنما مصيب ومخطئ، إلا أن أطراف الخلاف كثيرا ما أضفت على موقفها الصبغة الدينية ليسهل عليها تجييش الجماهير وراءها، وتعبئتها ضد المخالف.. ومن هذا القبيل رفع المصاحف تضليلا.

الأطراف كلها استخدمت العنصر الديني لحسم المعركة لصالحها، وكانت فرق التشيع الأكثر استعمالا حتى حولوا مبحث الإمامة وروايتهم لوقائع اختلافات الصدر الأول جزءا لا يتجزأ من الاعتقاد الإسلامي، لا عبرة بدين من لا يوافق على تلك الرواية التي حولوها دينا.. بينما نجح الغرب في تطوير فكر وأدوات لإدارة الأزمات والصراعات بشكل سلمي، فهذه أوروبا التي توحدت 35 دولة في اتحاد واحد بعد قرون من التطاحن، وإسالة الدماء أنهارا؛ بسبب الصراعات بين الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس؛ مما اضطر أهل الرأي والسياسة إلى وضع الدين جانبا، وحصره في المجال الخاص باعتباره سبب تفريق وعداوة.

* ترى هل سنسمح بأن يؤدي الصراع الديني بين السنة والشيعة في بعض الأقطار الذي تفجره القوى الأجنبية إلى المناداة بالعلمانية حلا وسبيلا للتوحد، مع أن الإسلام كان دائما عامل النهوض والتوحد في أمتنا أيام عصور ازدهارها؟

- يقول العلمانيون إن الدين عامل تفرق، وإن أردنا التوحد فعلينا بالأسلوب الأوروبي، ونقول مقابل ذلك لا؛ لأن الدين عامل توحيد في الأساس، فقد قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران : 103] أولم يوحد أقواما لم يتوحدوا قط مثل العرب، بل ألم يوحد ويدمج شعوبا متنافرة ومختلفة في وحدة سياسية وحضارية؟!

ما يحتاجه المسلمون هو تطوير أدوات العمل السلمي وإدارة الاختلافات سلميا، بما يعيد للدين دوره ومجده كعامل نهوض وتوحيد، وليس دافع خمول وتمزق.. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام:160]، فالخطر ليس في المذهبية، ولكن الخطر في التعصب المذهبي، واعتبار البعض مذهبه وكأنه ناطق رسمي ووحيد باسم الحقيقة الإسلامية.

ونذكر الجميع أن الأمة منذ بدايتها اختلفت في مذاهبها، وتعايشت مع تلك المذاهب المختلفة في نفس الوقت.

التبشير.. والسب

* وكيف ترى في هذا السياق موقف الشيخ القرضاوي وتصريحاته الخاصة بأزمة العلاقات السنية الشيعية خاصة التبشير المذهبي؟

- لقد دعوت منذ أكثر من عقدين إلى ألا تكون الأمة الإسلامية موضوعا للدعوة المذهبية، فلا يكون المستهدف من دعوتك أهل المذهب الإسلامي الآخر؛ لأن مثل هذه الدعوة كثيرا ما كانت تفريخا للفتنة.. والدكتور القرضاوي محق في هذا.. والإخوة الشيعة يقولون إن هذا العمل تقوم به بعض الجهات المتعصبة داخل الشيعة مثل الشيرازية، وليس سياسة رسمية للدولة الإيرانية ولا للشيعة عامة، وكما توجد في السنة بعض الجهات التي تعتقد أن مهمتها الأساسية هي دعوة الشيعة إلى التسنن فهناك في الطرف الآخر أيضا جهات تخصص الأموال والبرامج للدعوة الشيعية.

* وما الخطر في تبادل التبشير المذهبي؟

- الدعوة داخل الأمة، سواء كانت من السنة للشيعة أو العكس ضررها أكبر من نفعها، وتشكل خطرا على الأمة، وهي مشروع فتنة في المستقبل؛ ولذلك قلنا للإخوة الشيعة إننا نحن من نصر الثورة الإيرانية، ونصرنا حزب الله، ونحن لا نرتضي لبلادنا التي برئت منذ أكثر من ألف سنة من التنازع المذهبي، وما كان قد فجر من فتن، وأسال من دماء زمن حكم الفاطميين أن يأتي أحد الآن ويدعونا إلى مذهبه، وكذلك نحن لا نرى مصلحة للإسلام أن ننفق جهودنا من أجل فتنة أحد عن مذهبه، والحال أن أربعة أخماس البشرية يموتون على غير أي مذهب إسلامي.. فلماذا لا تنفق الجهود هناك لإنقاذهم؟ أوليسوا أولى بالاهتمام؟ أولسنا مسئولين عنهم أمام الله عز وجل؟.

وبالنسبة لتصريحات شيخنا القرضاوي -حفظه الله- إلى جانب هذه المؤاخذة، مؤاخذة التبشير لمن يمتهنها شيعيا كان أم سنيا مؤاخذة أخرى حقيقية لمن هو متورط فيها من أهل التشيع هي الدأب على النيل من صحابة رسول الله وأزواجه الطاهرات.. إنه لأمر غاية في القبح.. لا يمكن للأمة بحال قبوله والسكوت عليه.. وكيف يمكن للأمة أن تتوحد إذا لم تتوحد حول ذلك الجيل الفريد مؤسس الإسلام برعاية الرسول الأكرم -عليه السلام- الذي تولى بنفسه -عليه السلام- تربيته وتنشئته على أتم خلق وسجية؟؟.. وهذا عنصر آخر صحيح في دعوة الشيخ القرضاوي.

نحن لسنا مع إثارة حملة ضد التشيع عموما، ولا ضد حزب الله، ويجب أن يحصر الخلاف في قضايا محدودة، ولا يجب أن يتوسع؛ لتصبح حربا مفتوحة بين السنة والشيعة لا يستفيد منها غير المتربصين بالفريقين.

لقد اشتد غضبي على مقالة سفيهة سافلة صدرت عن وكالة أنباء إيرانية تجرأت على شيخ الأمة ورأسها، رمته بأوصاف نذلة من صهيونية وماسونية.. رددتها بما يستحق صاحبها، وما أنا بداعية حرب وشقاق بين المسلمين، ولا حتى مع غيرهم.

إدارة الأزمات

* نعود مجددا لآليات ضبط وإدارة الصراعات اجتماعيا وسياسيا.. هل الآليات الأوروبية في تهدئة المذهبيات وإيجاد البديل العلماني هو حل في المنطقة؟

- العلمانية مشكلة وليست حلا، وقد مثلت حلا، ولكنه كان جزئيا في البيئات الغربية؛ بسبب ملابسات تاريخية، كما أن التدين المنغلق هو أيضا مشكلة، ويدعو إلى حل علماني، وعندما يصبح الدين سببا للتحارب يأتي العلماني ويقول علينا حصر الدين في المسائل الشخصية، ودعونا ننظم حياتنا واختلافاتنا بشكل علماني عقلاني، وذلك عندما لم ينجح أهل الدين في إدارة الأزمات والاختلافات إدارة سلمية مدنية حضارية..

ولكن من ناحية أخرى إذا كان المشروع المجتمعي الإسلامي مشروع دولة دينية بالمعنى الضيق يستبعد الآخرين؛ أي إنه مشروع إقصائي، واختزال للأمة في مذهب واحد، فهذا مشروع حرب أهلية، بما يفتح الطريق فسيحا في وجه الحل العلماني.. بالرغم من أن العلمانية حتى في مجتمعاتها الأصلية فضلا عن مجتمعاتنا –في المحصلة- هي الداء؛ لأنها تتجاهل طبيعة الإنسان الدينية، وأن العقل وحده دون نور من الوحي يهديه لا محالة سيقع في الضلالة.

قد يعلي العقل البناء، ولكنه بناء على شفا جرف هار، وسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا غير الكوارث.. وما أزمة الرأسمالية بعد انهيار الشيوعية غير شواهد على ذلك، على أن الإنسان لا يستقل عن ربه حتى يشقى.

* لكنهم في أوروبا نجحوا ووعوا الدرس، ونحن ما زلنا نعيد إنتاج وتصنيع الصراع!!

- ينبغي لشأن الدولة أن يكون شأنا مشتركا، وأن نبني الدولة على فكرة المواطنة، حيث الإيمان بأن الوطن ملك لكل أبنائه بالتساوي، وبالتالي لا نفرق بين الوظائف وتكون الكفاءة هي المعيار وليس الدين أو المذهب؛ ولذلك مطلوب من الإسلاميين تطوير فكرهم ومنظورهم للدولة على نحو تكون معه الدولة لكل مواطنيها بالتساوي.

فتاوى.. التقريب

* قدم علماء السنة من أجل التقريب اجتهادات وفتاوى، فماذا قدم علماء الشيعة من أجل التقريب؟ أم أن التقريب كان من طرف واحد؟

- حسب اطلاعي المحدود على فتاوى المراجع الشيعية، تبدو مبادراتهم المتجاوزة لموروثهم التقليدي المنشد بقوة إلى المبالغة في الحب والتقديس إلى حد اقتراف البدع الشنيعة مثل التقرب بلعن أقرب الأصحاب إلى مؤسس الدعوة كلعن أحب أزواجه وكالإساءة لصورة الإسلام بالتقرب بتعذيب النفس، وإسالة الدماء في عاشوراء، مما هو من أبغض المشاهد المجافية للإسلام.

كل ذلك في ما يشبه الصمت من المراجع ربما خشية خسارة الأتباع وأخماسهم، بما يجعل العلماء في وضع مقلوب أتباعا للعامة خلافا للأصل، وهو ربما ما جعل حجم التجديد وتجاوز إكراهات التاريخ لدى إخواننا قليلة هنا.

وفيما نعلم فإن الدعوات السلفية جرؤت على وضع التاريخ وما حفل به من مرويات موضع مساءلة نقدية جادة على محك القرآن ومقاصد الدين وبدهيات العقول، وإخضاعها لأصول النقد العلمي كما فعلت المذاهب السنية، بما لا ينفي استمرار الضلالات والبدع، ولكنه يجردها من الشرعية ويقيم جدارا فاصلا بينها وبين أصول الدين وأصول المذهب.

قليل من معاصرينا من فَعَل فِعْل الشيخ أحمد الكاتب في مراجعاته للمذهب بعرضها على أصوله، لكنه حورب وعزل.. وبسبب ثقل التاريخ هنا فقد تعرض مرجع بحجم صديقنا آية الله حسين فضل الله لحملات مسعورة من قبل أنصار المذهب المتشددين فقط؛ بسبب إقدامه على تفنيد بعض مرويات الكافي القبيحة حول ما نسبه زورا إلى الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من تعنيفهما للزهراء رضوان الله عليها!!، حتى بلغت الحملة على المرجع حد تهديده بالقتل، وهو ما جعل مثل هذه المراجعات محدودة، وفي حاجة إلى تطوير، مع كثرة مثل هذه المرويات الساقطة المؤثرة جدا في الثقافة الشيعية والشارع الشيعي، وهي خطوة جديرة بالتشجيع رغم ما قابل صاحبها بسبب ذلك من أذى.

والمشكلة في الجو الشيعي أن التقليد يكون للحي وليس للميت، وهذا ما يجعل لعامة الناس سلطة على المشايخ، باعتبار أن عامة الناس يمكن أن ينصرفوا عن أي مرجع مجدد إلى مرجع آخر تقليدي؛ مما يحمل المرجع على أن يحافظ على أتباعه، فلا يصدم ما استقر في اعتقادهم عبر القرون من مرويات غدت من جوهر الاعتقاد ومقدساته، حتى ولو لم تحز ثقة المرجع.

* مفارقة.. إذا كنت لا تستشعر وأنت على رأس حركة إسلامية عريضة بالمغرب، ألا تجد أن رجل السنة العادي معذور بعدم استشعاره هو الآخر؟

- السنة هم الأغلبية؛ ولذلك لم يدخلوا في عناصر تثقيف أبنائهم السجال المذهبي، خاصة بيئة شمال إفريقيا ومصر، حيث انتفت منها الأقلية الشيعية منذ قرابة ألف سنة، وهذا ربما ما سهل لبعض دعاة التشيع إحداث بعض الاختراقات؛ لأن الناس ليس لديهم تحصين، ربما يكون أحدنا قد قرأ عن الشيوعيين باعتبارهم تحديا مطروحا في الساحة أكثر مما قرأ عن الشيعة الغائبين.. أما اليوم فقد تأسست في تونس جمعية تدعى جمعية أهل البيت، وهي مدعومة من جهات خارجية، وتمارس نشاطها، ونحن لسنا دعاة لحجب أي جمعية، ولكنا محتجون على التمييز، يحدث هذا التشجيع لتخليق أقلية فبينما الحركة الإسلامية الأقرب إلى (سكان البلاد الأصليين) محجوبة ومطاردة.

كما تنشر هذه الجمعية كتابات وتتمتع بحريات وهذا يثير الحساسيات، وقد كتب رأس هؤلاء كتابا سماه" ثم اهتديت" وروجته مؤسسات شيعية حول العالم بينما هو كتاب تافه محشو بالأكاذيب والنيل من صحابة الرسول الأبرار وأزواجه الأطهار، وكان ينبغي لإخواننا الشيعة أن يستنكروا هذا الكتاب الساقط ويقولوا إنه لا يمثلنا.. عيب كبير ألا يرفع الشيعة المعتدلة صوتهم باستنكار هذا الكتاب التافه بما يدل على القبول، بينما أمضى الشيخان الغزالي والقرضاوي جزء كبيرا من عمرهما في التصدي لتيارات التكفير والتطرف في حين لم يرتفع صوت واحد من علماء التشيع بالنكير على سيل من الكتابات والأدعية اللاعنة لقادة الأمة الكبار من أعلام الصحابة.. فهل يبقى لدعوات التقريب بعد ذلك من معنى؟.. حتى إن الدولة الإيرانية لم تتبرأ مما قيل بالوكالة، ولم تقل إن هذا لا يعبر عنها، وإنه كذب وبهتان ونيل من شيخ علماء العصر، لم تقله إلا متأخرة من خلال إرسال علي ولايتي يسترضي الشيخ!.

نقطة الصفر

* الحوار ثم العودة إلى النقطة الصفر.. ملخص فكرة التقريب على مدار نصف قرن.. هل تجد فكرة التقريب صالحة الآن للبناء عليها، ولماذا لم ندرس خطواتنا نحن السنة، ونحاول أن نبني موقفا محددا نلتزم به؟

- التقريب ليس خطأ.. وهو بين المذاهب يقصد به التقارب الفقهي، والتقارب في مستوى الفقه أكثر بكثير من المستويات العقدية المتحولة من السياسة؛ لأن الخلاف في الأساس خلاف سياسي حول من يتولى أمر المسلمين، فانبعث فريق من المسلمين يرتفع بهذا الخلاف إلى مستوى العقائد.. فعندما يجلس فقهاء السنة والشيعية والزيدية والإباضية يجدون أن الذي يجمعهم أكثر من الذي يفرقهم، ويدل على ذلك مقدمة كتاب وهبة الزحيلي "الفقه الإسلامي وأدلته على المذاهب الثمانية"، حيث صرح بأن دراسته المقارنة لمذاهب أهل السنة والشيعة انتهت إلى أنه لم يظفر إلا بأقل من عشرين مسألة من مسائل الفقه في مذاهب الشيعة لا أصل لها في مذاهب السنة.

وهذا يدل على أن التقريب الفقهي له مجاله، وهناك أرضية واسعة لتبادل الاستفادة.. ففي العراق هناك من يعلن انتقاله إلى المذهب الشيعي إذا لم يكن له غير بنت يحرص على توريثها كل ثروته عن طريق الوصية المحظورة لوارث في مذاهب السنة، وهو مباح هناك، فعلته شخصيات عراقية سنية ولبنانية معروفة.

ففي مجال الفقه هناك مجال واسع لتبادل الإفادة؛ ولكن المشكلة تكمن في رؤية التاريخ في صدر الإسلام، حولها الشيعة إلى عقائد، فلن يتم لك إسلام ما لم تؤمن بروايتهم لوقائع الخلافات السياسية في تلك المرحلة، فتصدق معهم أن السلطة حكر على أسرة واحدة، وأن تعتقد ذلك دينا وتلعن كل من نازع في ذلك، واعتبر أن الخلافة حق للأمة تختار له من تشاء، وتلعن من لم يلعنه ويتبرأ منه.

وهكذا حكموا على تاريخ الإسلام بالتمزق الأبدي، فلا مناص إذا أردت أن تنسلك في سلك المؤمنين إلا أن تسلم بأن الإمامة كالنبوة هي هبة سماوية لأسرة واحدة ضمن تسلسل اختلفت حوله فرقهم، وهو ما حول قراءتهم لوقائع تلك المرحلة عقيدة إسلامية لا يصح لامرئ إسلام دون التسليم بمروياتها التي لفقوها، ولا تصمد أمام أي نقد علمي جاد.. فكان من ذلك عقائد العصمة والإمامة في آل البيت والغيبة والرجعة.

رؤية معينة للاختلافات السياسية التي دارت في صدر الإسلام حولوها اعتقادا لازما للمسلمين بينما جمهور الأمة نظر للإسلام نظرة شمولية لا تمزقه أجزاءه بما يجعل مشاغل الحياة -ومنها السياسي- جزءا من برنامج الإسلام لحياة الناس، إلا أنه ميز بين مواطن اليقين والثبات مثل مجالات العقيدة وبين مجالات الحركة والتطور والاجتهاد والاختلاف مثل المجال السياسي، حيث تمارس الأمة سلطتها على حكامها وسياساتها عبر الشورى، ولا ضير عليهم ولا ينال من معتقداتهم شيئا أن يختلفوا في من هو أولى بتولي أمرهم.

ومن أجل ذلك جاء الأمر بالشورى السبيل الأقوم لوحدة المسلمين بدل سلبهم حرياتهم وحقوقهم في السلطة لصالح إمام معصوم طال غيابه عنهم فنصبوا نائبا عنه هو غير معصوم، ولكن ظلالا من المعصوم الذي ينوب عنه -وقد يتصل به في خلواته لتوجيهه- تظل متلبسة بالنائب تخوله سلطانا أعلى ومطلقا أو شبه مطلق وفق القاعدة: "نائبه كهو".

وهو ما جعل فكرة ولاية الفقيه لئن كانت تخليا -ولو وقتيا في انتظار غائب قد يطول- وعودا إلى الشورى بديلا عن الوصية؛ أي انضماما إلى جمهور الأمة وإلى منطق العصر، إلا أن ظلال التاريخ وموروثات العصمة تظل مخيمة على أجواء السياسة ومربكة لها، ومنتقصة من حق الأمة الكامل والدائم في سلطة خولها لها ربها من فوق سبع سموات جاعلا لها الأمر كله أي كل السياسة {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى:39] فلا يحق لأحد بأي ذريعة أو مبرر من وصية أو عهد أن يسلبها هذا الحق أو ينتقص منه.. وعليها –دينا- أن تجاهد من أجل استرداد ذلك الحق.

* لدينا رؤية للتاريخ، وليس لدينا رؤية للمستقبل!!

- نعم، وهذه الرؤية للتاريخ تقف عقبة أمام رؤية المستقبل؛ لأن الشيعة غير قادرين على إقناع الأمة أن الصحابة خانوا الأمانة، ولا السنة قادرون على إقناع الشيعة بأن الرجال والنساء الذين صاحبوا مسيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومات وهو راض عنهم بمن فيهم أحب النساء وآثرهن في قلب النبي السيدة عائشة؛ من نزل قرآن ببراءتها، وأن هؤلاء ينبغي احترامهم، وأن النيل منهم نيل من صاحب الدعوة وعموم الأمة.

وهو ما يجعل التقريب في مواجهة جدار مسدود، ولا يتبقى غير سبيل البحث على التعايش كما ذكر بعض الإخوة.

* نصر حزب الله من عوامل التقريب أم من عوامل التبعيد؟

- صبيحة الانتصار المدوي على دولة العصابات الصهيونية عدو الأمة الألد والإنسانية، هللت الأمة له وباركته انطلقت بعض الأصوات تفتي بحظر العون والدعاء للحزب الذي تشرف بهذا الإنجاز التاريخي الرائع، فما كان من الشيخ يوسف القرضاوي إلا أن تصدى لهذه الفتوى مفندا ضمن حلقة من حلقاته الشهيرة "الشريعة والحياة"، وكيف لا تفرح الأمة لهذا النصر الذي كانت ستفرح لمثله حتى لو تحقق على يد جهة علمانية، فقد كانت الأمة تتمنى لعبد الناصر أن يكسر شوكة الصهاينة، فكيف وقد أنجزته قوة شعبية بدوافع إيمانية عالية وبتضحيات جسام؟

هل كان علينا أن نحزن ونبكي مع الصهاينة؟ أم نتحول صخرة خرساء لا تبالي بما يجري حولها ويحدد مصائرها؟

هل كان علينا أن نفرح بالانتصار الصهيوني سنة67؟ أم نلتفت لأصوات هبل لا تخجل من ترديد إنه ليس نصرا، بل تمثيلية لتلميع حزب الله والتشيع؟

لكي نصدق ذلك ونستمع مجرد السماع لمثل هذا الهراء علينا قبل ذلك أن نرمي بعقولنا جانبا، وهو ما يخشى أن تكون بعض الجماعات قد قادها التعصب الأعمى إليه..

إن الصهيونية العدو الألد والأخطر الأعظم على الأمة، فكل من يواليها منها، وكل من يعاديها منا، صديق لنا قال تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}[المائدة:52].


--------------------------------------------------------------------------------

من أسرة إسلام أون لاين