الأربعاء، 15 أبريل، 2009

عبد الوهاب المسيري الانسان

"ندوة


تميز بكونه العالم العامل الذي يعد مصدر الخير وأساس التقدم وطوق النجاة لأمة محاطة بالصراعات الداخلية والخارجية.. امتلك رؤى إستراتيجية مكنته من تجاوز الحاضر إلى ما هو أبعد من خلال دراسته للقضايا والظروف المعاصرة، والتنبؤ بما ستؤدي إليه في المستقبل القريب مثلما ذكر في رؤيته للمشروع الصهيوني الغربي.
لم يكن أسيرًا لمنظومته الفكرية بل أجرى عليها مراجعات كثيرة كان آخرها مراجعته للفكر الإسلامي.. فاختار الإسلام محطة أخيرة لرحلته الفكرية، وهنا اتصل بالنبع الصافي فرأى الحقيقة وأبدع في وصفه والتعبير عنه.

وفي محاولة لإلقاء الضوء على بعض جوانب الرصيد الفكري الثري للراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري عقد برنامج الدراسات الحضارية وحوار الثقافات ومركز الدراسات المعرفية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة ندوة تحت عنوان: "المسيري الإنسان" تحدث خلالها نخبة من المفكرين والباحثين حول ما خلفه المسيري من موروث ثقافي وفكري غني بالعديد من الرؤى المنهجية والفلسفية حول كثير من الظواهر السياسية والاجتماعية المؤثرة في المجتمع المصري والعربي ككل.

تعددت محاور النقاش ما بين المسيري الإنسان الذي أثر وتأثر بالبيئة المصرية وما تحويه من مضامين متنوعة وبين المسيري المناضل السياسي الذي لم يتوان عن المشاركة في الحركات السياسية الداعية إلى تغيير وإصلاح المجتمع المصري، وأخيرا المسيري الذي صارع المرض بكل جوارحه لسنوات طويلة.

السيرة والمسيرة

فؤاد السعيد، خبير الدراسات الثقافية والحضارية، رأى أن إسهامات المسيري ليست من النوع التراكمي بل من النوع العميق ذي الأسلوب المنهجي.. والدليل كتابته لموسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" عدة مرات بسبب اهتمامه الشديد للوصول إلى رؤية منهجية.

كما سجل السعيد من خلال كلمته ملاحظة بأن المسيري لم يقع في فخ الخلط بين العلم والأيديولوجيا السياسية؛ بل كان على وعي بأن النقد الحقيقي هو النقد المنهجي، ورأى أن التحرر من الغرب لن يتحقق من خلال النظر إليهم من بعيد، بل من خلال التعمق في فكرهم ورصد إيجابياتهم، والتمييز بين ما يلائمنا من فكرهم وما هو دون ذلك.

كما لم يكتفِ المسيري يوما بالمستوى النظري، بل كان يعمل على التقاط المواقف والأحداث النموذجية من الحياة، وتحليلها، وتفسيرها، واستخلاص الحقائق منها.

المسيري بعد الوفاة



د.هبة رؤوف تتحدث عن المسيري

وقبل استعراض الأستاذ هشام سليمان المدرس المساعد بقسم العلوم السياسية لبعض الكتابات التي كتبت عن المسيري بعد وفاته نوه على أن المسيري كان ضمن القلائل المحظوظين الذين اهتم المجتمع بهم وبإنتاجهم الفكري والثقافي وهم أحياء، عكس الكثيرين الذين توجه إليهم الأضواء وعلى إنتاجهم الفكري بعد وفاتهم.

وقد تنوعت الكتابات المختلفة التي تناولت المسيري بعد وفاته في مختلف وسائل الإعلام، التي وصفت المسيري بالمناضل السياسي والإنساني بتحديه للمرض ومقاومته له، إلى جانب تناولها له كعالم ومفكر موسوعي، وأكدت تلك الكتابات على أن تأثير المسيري لم يكن على مستوى النخبة المثقفة فقط؛ بل امتد إلى المستوى الشعبي أيضا، وركزت بعض الكتابات على البعد العلمي في فكره وكتاباته.

المسيري فخر لإيران

وفي مداخلة السيد محمد سماني المستشار الثقافي الإيراني بالندوة أكد على أن المسيري لم يكن فخرا لمصر فقط، بل كان فخرا للعالم الإسلامي ولإيران من خلال مناضلته الفكرية للكيان الصهيوني بموسوعته الشهيرة، كما أن أهمية فكر المسيري تأتي في تأكيده لخطورة المشروع الصهيوني وليس في اليهود فقط، كما أعرب عن تقديره لحرص المسيري على تحقيق العدالة الاجتماعية، ورأى أن أهم أسباب الضغط الدولي على إيران هو إخراج إيران السفارة الإسرائيلية من أراضيها.

وعلق محمد هشام أستاذ الأدب الإنجليزي بآداب حلوان في كلمته على حرص المسيري على توجيه تلاميذه إلى الاختلاف معه، وعدم اقتصار علاقتهم به في إطار التبجيل والتأييد فقط بل إلى الارتقاء بها إلى مستوى النقاش والحوار وتبادل وجهات النظر المختلفة، مستدلا على ذلك بنقاشاته واختلاف وجهات نظره الشخصية التي كانت تدور بينه وبين المسيري قبل وفاته.

كما ذكر أن لدى معظم العلماء والمفكرين بعض النقاط والأحكام التي يجب التوقف عندها، وأن المسيري كان يعتمد على التقاط بعض المشاهدات والبناء عليها والاستنتاج منها، وأعطى مثالا على ذلك بكتاب "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة" الذي ذكر فيه المسيري الحوار الذي دار بينه وبين ممرضة أمريكية لم تكن تعلم أي شيء عن حرب الهند وباكستان، ولا حتى موقعهما الجغرافي، فخرج المسيري من ذلك بأن هناك تضاؤلا في الوعي السياسي والثقافي لدى الأمريكيين.. وتساءل هشام: هل تكفي تلك الواقعة للدلالة على انخفاض وعي وثقافة الأمريكان، وأشار إلى أهمية إعادة النظر في تلك الأمثلة وعدم الأخذ بها كمسلمات.

أنسنة اليهودية

وجاء تعقيب د.هبة رءوف خاتما للندوة؛ حيث ذكرت أن المسيري لم ينظر إلى اليهودي كعدو بل أنسن اليهودية بمعنيين: أولهما نزع الأسطورية عنه، والثاني إعطاؤه الإمكانية بعودته كإنسان؛ لأن اليهودية ليست جينا بل هي منظومة يمكن تفكيكها، كما حاول المسيري تحويل المعرفة إلى فعل من خلال فكه لشفرة الانتفاضة والحضارة الغربية وصلتها بالصهيونية في كتابه "نهاية التاريخ" والمصطلح اليهودي إلى أن فك شفرة الفيديو كليب من خلال رؤيته بعد هيمنة الجسد على الروح، وتسليع المرأة وتحويلها إلى شيء مادي، وإفساد الذوق العام بالتركيز على بعض الجوانب الاستهلاكية حتى على مستوى الأجساد.

ثم انتقلت هبة رءوف إلى تصنيف العقل المتجاوز (الذي يبحث عن الكرامة) والعقل التوليدي (الذي ينشد تحويل ما هو موجود إلى نموذج أكثر إنسانية)، وهو ما جعل المسيري يهتم بالانتفاضة وانتصار حزب الله بجنوب لبنان.

وأشارت إلى عدم إدراك المسيري فقط أهمية السؤال بل إدراكه أيضا أهمية الإجابة والبحث في الأسئلة المطروحة عن الأجزاء التي لم يجب عنها ليجتهد هو بدوره في ذلك، فلقد حذر المسيري من التركيز على الباطن في مواجهة التركيز على الظاهر العلماني الرأسمالي المادي الحداثي وغيره، فلا يجب أن يؤدي بنا إلى الإغراق في الباطن؛ وبالتالي نجنح إلى الغنوصية وتحويل الإنسان إلى إله ذاته، وهناك تيارات في التاريخ تدل على ذلك بما فيها الصوفية اليهودية.

وأكدت أن المسيري بالغ الحساسية في الوسطية وإمكانية الجمع والتأليف والتوفيق بين الجوانب المركبة للظواهر والجوانب المركبة للقضايا الإنسانية دون إفراط ولا تفريط حتى لا يكون هناك رد، ففي مقابل الإغراق في المادية نغرق في الباطنية.

ورأت هبة رءوف أن المسيري أحدث نقلات مختلفة عن نقلات جمال حمدان وسيد قطب؛ حيث إنه كان يفضل أن يجرد الخطاب الديني تجريدا يسمح لغير المؤمنين به أن يروا فيه أنفسهم وإنسانيتهم حتى لو لم يؤمنوا به؛ لأن القرآن نزل للعالمين جميعا، ثم انتقل المسيري من النص إلى الخطاب إلى الوحي، واهتم في الفترة الأخيرة من حياته بالاقتراب من النص القرآني خاصة في كتابه "اللغة والمجاز"؛ حيث تحدث فيه عن كيفية قراءة القرآن قراءة تليق بالرؤية الإنسانية، وليست القراءة الحرفية فقط.

المؤلفات

كما قام بعض الباحثين بعرض مختصر لأهم مؤلفات المسيري وإظهار المحاور الرئيسية التي تناولتها، ككتاب "الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية" دراسة في الإدراك والكرامة كأحد المؤلفات المتعمقة في دراسة انتفاضة 1987- انتفاضة الحجارة-.

وكتاب "الدراسات المعرفية في الحداثة الغربية" الذي يركز على محورية البعد الإنساني في الفكر من خلال ضمه لدراسات قام بها المسيري فيما لا يقل عن ربع قرن عن الحضارة الغربية الحديثة؛ حيث ركز على محاولة استكشاف إبعاد المسيري الإنسان وخريطته المفاهيمية التي ينظر من خلالها ونموذج التفسير الذي يطبقه على الحداثة الغربية وأسئلته النابعة من رؤيتنا وتجاربنا الإنسانية.

وقدمت ورقة بحثية حول كتاب "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة" والذي صنف المسيري من خلاله الغرب باعتباره مستقبل الشرق، فسلط المجهر عليهم ملقيا الضوء على أهم خصائص الإنسان الغربي وهي التعلم والعلمانية، مفرقا من خلال صفحاته بين جزئية العلماني وشموليتها، حيث يرى أن الجزئية تتمثل في فصل الدين عن السياسة أو الدولة وهي التي تمكنت من استقطاب أفكار العرب، بينما العلمانية الشاملة تتمثل في حشو عالم الأفكار والأشخاص والمؤسسات والرموز، أي أنها الفصل بين المعنى (القيم والروح والوجدان) وبين الحياة بمظاهرها وأصلها ومجملها.