الأربعاء، 15 أبريل، 2009

الصوفية في الكويت.. نبتة في بيئة سلفية

الصوفية في الكويت.. نبتة في بيئة سلفية

رجب الدمنهوري / 14-04-2009



يوسف الرفاعي الأب الروحي للصوفية بالكويت قد يبدو غريبا على البعض القول بأن الكويت -شأنها شأن الكثير من الدول العربية والإسلامية- تحتضن إلى جانب التيارات الإسلامية الإخوانية والسلفية والشيعية والتبليغ والدعوة، تيارا صوفيا له زعماؤه الروحيين وأتباعه ومريدوه وأفكاره وطقوسه ودواوينه التي يقام فيها حلقات الذكر والإنشاد، كما يحيي أنصاره المناسبات الإسلامية على طريقتهم ويزورون القبور بل ويمارسون جميع شعائرهم في حرية تامة.
ووجه الدهشة التي قد تثار في هذا الصدد، أنه كيف استطاع الفكر الصوفي اختراق الكويت، وهى إحدى مناطق شبه الجزيرة العربية التي يطغى عليها التوجه السلفي، والمحصن أبناؤها بفكر علماء السلف ضد أي فكر دخيل؟ وكيف غزت الطرق الصوفية الكويت، والسلفيون يقفون لها بالمرصاد مشرعين أسلحتهم ومجيشين سيوفهم البتارة -سياسيا وبرلمانيا وفكريا– في مواجهة كل فكر يعتبرونه وافدا على بلادهم أو محاولا الولوج إليها للتبشير بمعتقداته وأفكاره؟ ومن هنا تأتي أهمية المحاولة لسبر أغوار الحركة الصوفية في الكويت ورسم معالمها.

رموز المتصوفة

الوزير الأسبق يوسف السيد هاشم الرفاعي المولود في الكويت سنة 1932م يعتبر الأب الروحي للصوفيين، وأحد المنظرين لأفكارهم والمدافعين عن معتقداتهم في مواجهة الانتقادات الموجهة إليهم عبر مختلف وسائل الإعلام، والرفاعي شخصية ذات حيثية معروفة في المجتمع يدافع عن منهجه بإيمان ويقين، وقد انتخب عضوا في مجلس الأمة سنة 1963م، وعين وزيرا للبريد والبرق والمواصلات سنة 1964م، ثم عين وزيرا للدولة لشئون مجلس الوزراء ورئيسا للمجلس البلدي ورئيسا لمجلس التخطيط من سنة 1965- 1970م، وبعد أن ترك الوزارة انتخب عضوا في البرلمان مرة ثانية 1970 – 1974م.

وهو من مؤسسي مجلة البلاغ ذات التوجه الإسلامي، وأحد مؤسسي المعهد الديني لتدريس العلوم الشرعية واللغة العربية في منطقة المنقف، وللرفاعي جهود واضحة خارج الكويت؛ فقد تولى عضوية المكتب التنفيذي لمؤتمر العالم الإسلامي، ثم أصبح نائب رئيس المؤتمر حتى نهاية 1992م، ورأس لجنة الأقليات في مؤتمر العالم الإسلامي في باكستان، وله دور كبير في تأسيس الجمعية الكويتية لمساعدة مسلمي بنجلاديش والاتحاد العالمي الإسلامي للدعوة والإعلام في لاهور مع عدد من الشخصيات الإسلامية.

وينتمي يوسف الرفاعي إلى طريقة الشيخ أحمد الرفاعي، العراقي المولد والنشأة، وهي الطريقة التي أدخلت الصوفية إلى الكويت حسب بعض المصادر، ويستضيف في ديوانه حلقتين أسبوعيا، يلتقي فيها أتباعه لتلاوة الأوراد والأذكار وممارسة التقاليد الصوفية، والرفاعي كان أحد الناشطين في جمعية الإرشاد التي تأسست 1952م ثم تحولت بعد ذلك إلى جمعية الإصلاح الاجتماعي عام 1963م "الإخوان المسلمون"، ثم انتقل إلى جماعة الدعوة والتبليغ، وانتهى به المقام إلى الحركة الصوفية التي تعتبر كتاب إحياء علوم الدين القانون الأهم للتصوف.

والصوفية في الكويت -والتي يعدها البعض سورية المنبع– لها أتباع في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة الكويت ووزارة الأوقاف، لكنهم لا يعلنون عن أنفسهم خشية استهدافهم من جانب التيار السلفي والإنكار عليهم من عموم المجتمع، ومن أبرز الرموز المحسوبة على الفكر الصوفي الدكتور محمد عبد الغفار الشريف الأمين العام للأمانة العامة للأوقاف وعميد كلية الشريعة سابقا، والدكتور يوسف الشراح، والشيخ حمد سنان، والدكتور عبد الله المعتوق وزير الأوقاف السابق الذي كان ضحية التجاذب السلفي – الصوفي إذ تعرض إلى حملة انتقادات حادة من جانب البرلمانيين السلفيين بذريعة أن وزارته كانت تستضيف أقطاب الصوفية في العالم الإسلامي لإلقاء محاضرات ودروس في الكويت، في الوقت الذي تمنع فيه كتب علماء السلف كابن باز وابن عثيمين من معرض الكتاب الإسلامي، ولم تتوقف هذه الحملة إلا بعد الإطاحة بالمعتوق من الوزارة.

تجديد الفكر الصوفي

عبد الله نجيب سالم الباحث في الموسوعة الفقهية الكويتية والمولود بمدينة حلب السورية، والمقيم في الكويت يعد من رموز الصوفية الفاعلين أيضا، وهو إلى جانب دفاعه عن الفكر الصوفي، واعتباره أن70 % من أمة الإسلام متصوفة، وأن أصحاب الطرق الصوفية من كبار أئمة الإسلام علما ومسلكا، فإنه صاحب رؤية نقدية للعديد من ممارسات الصوفيين، ومن دعاة تجديد الفكر الصوفي، إذ يرى أن الطرق الصوفية وصلت إلى مرحلة الشيخوخة، وأن مناهجها التربوية ارتبطت ببيئة نشأتها، وأن توريث مشيختها من أسوأ التقاليد التي قد تعجل بانقراضها، ولا ينكر أن هناك انحرافات دخلت على الطرق الصوفية غير أنها في رأيه لا تعتبر أساس التصوف، كما يرى أن هذه الطرق أصبحت قوالب جامدة، وإذا كانت قد نجحت في زمنها، فإن جمودها على هذه الحالة سيؤثر سلبا على مستقبلها، وكان برنامج المدائح النبوية في خير البرية الذي قدمه سالم عبر إذاعة القرآن الكريم قد أثار جدلا واسعا، خاصة في ظل اتهام الصوفيين بالسعي إلى اختراق هذه الإذاعة والسيطرة عليها.

طقوس صوفية

ويحتفل الصوفيون بمناسبات المولد النبوي الشريف وذكرى الإسراء والمعراج والنصف من شعبان وذكرى معركة بدر بالطريقة التي يحتفل بها نظراؤهم حول العالم من تلاوة أوراد وإقامة حفلات الأكل والمشروبات، كما لهم مجالس ذكر وإنشاد، منها حلقة بني حميل التي بدأت عام 1975م حيث كانت تعقد في أحد المنازل في منطقة شرق بالكويت العاصمة ثم انتقلت بعد ذلك إلى محافظة حولي (إحدى المحافظات الست الكويتية) حيث كانت تعقد في مدرسة بيت المقدس ثم انتقلت إلى منطقة خيطان في عام 1991م، وروادها يجتمعون في ليلة الجمعة انطلاقا من أن هذه الليلة لها خصوصية لديهم وأنها ليلة تجلٍّ، ويشارك فيها المصريون الصوفيون، وهناك أيضا حلقة ذكر تقام في منطقة تسمي الحساوي منذ 1996م، ويحضرها السوريون والكويتيون الرفاعيون وينتمي بعض المشاركين في هذه الحلقات إلى طرق مختلفة كالشاذلية والبيومية والرفاعية والخلوتية والنقشبندية، وتتألف حلقة الذكر من 100 - 120 ذاكرا.



حلقة ذكر صوفية

ولا يعرف على وجه الدقة أعداد الصوفيين الكويتيين، فهم يرون أنفسهم كثرة، وأن طريقتهم لديها أتباع ومريدون عديدون، ويتواجدون بشكل لافت في محافظة الجهراء، إلا أن خصومهم -من السلفيين تحديدا- يقولون إنهم قلة محدودة، وإن خطورتهم لا تكمن في كثرتهم أو قلتهم، بل في ترويج البدع والأساطير والكرامات الخارقة المصادمة للمعتقدات الإسلامية الصحيحة التي وردت في الكتاب والسنة، وهناك من يقول إن مساحة التصوف في الكويت تراجعت بعد ظهور النفط وطغيان الجانب المادي، فيما يرى آخرون أن الوفرة المادية لم تحقق للكثيرين السعادة فبدأ بعضهم يتخذ من الصوفية وأورادها ملاذا لاستشعار الأمن النفسي والروحي، كما لا يعرف أيضا عدد الطرق الصوفية في الكويت، وإن أشارت المصادر إلى وجود مختلف الطرق المنتشرة في العديد من البلاد العربية والإسلامية.

وتعزو المصادر انتشار الفكر الصوفي في الكويت إلى عوامل عدة منها اتساع مساحة الحرية التي تتمتع بها الكويت وتعيين أئمة ومؤذنين من مختلف البلاد العربية في المساجد التابعة لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، وبعضهم ينتمون إلى الصوفية ويعكسون أفكارها في خطبهم ودروسهم، كما أن الفضائيات ووسائل الإعلام تلعب دورا كبيرا في هذا الشأن لاسيما في ظل حرص بعض المتصوفة على استخدام هذه المنابر في البيان والتوجيه، يضاف إلى ذلك حرص الصوفيين على عدم الخوض في السياسة.
بيادر السلام

وكما هو حال العديد من التيارات الإسلامية في الكويت في السعي إلى إنشاء الجمعيات الخيرية والمؤسسات التعليمية والتربوية، فقد أسس المتصوفة جمعية بيادر السلام النسائية سنة 1981م وقد أنشئت هذه الجمعية بدعم من الشيخ يوسف الرفاعي في الأوساط النسائية، وتشرف على عدد من المؤسسات التربوية ومنها مدرسة القطوف الخاصة، وحضانة السلام، وحضانة دار الفرح، ورأست مجلس إدارة الجمعية دلال عبد الله العثمان، وتربط بعض الروايات بين الجمعية والطريقة النقشبندية في سوريا، كما تنشط الجمعية في مناصرة القضايا الإسلامية وإقامة الأسواق الخيرية لصالح المنكوبين هنا وهناك وتنظيم المسابقات في حفظ القرآن الكريم.

الكرامات والخوارق

ويغالي صوفيو الكويت في طقوسهم، إذ يعتبرون أنفسهم أصحاب كرامات ومواقف خارقة للعادة، ويؤرخون لها بأنها ظهرت في عهد خلفاء شيخ طريقتهم أحمد الرفاعي عندما احتل التتار العاصمة العراقية بغداد، وأخذوا يرمون المسلمين في النار ويقتلونهم بالسيوف، فتصدي لهم أنصاره، وأبطلوا سلاحهم عن طريق مسك النار وضرب السلاح، وهو الأمر الذي جعل بعض التتار -حسب الرواية الصوفية- يعتنقون الإسلام، كما يسوق الصوفيون في أدبياتهم روايات كثيرة يحاجون بها خصومهم ويتحدونهم أن يأتوا بمثلها، وتتجلى إحداها في أن شيخ الطريقة الرفاعية بسوريا تحدى وفدا روسيا، وطلب من أحد أعضاء الوفد أن يسدد رمية رصاص إلى قلبه، مشترطا عليهم أنه في حالة إذا لم يصب بأذى فليدخل الوفد في الإسلام، كما يستدلون أيضا على كراماتهم بأن السفارة الروسية في مصر عانت إبان حكم الرئيس عبد الناصر من وجود حية فشل في إخراجها الدفاع المدني، وعندما أتوا بأحد الفلاحين المنتمين إلى الطريقة الرفاعية نجح في إخراجها، ويبرر الصوفيون مثل هذه المواقف بأن الله يجري هذه القدرة على يد من يشاء من عباده.

المتصوفة والشيعة

زعيم المتصوفة في الكويت يوسف الرفاعي يؤمن بأنه شيعي على طريقته إذ يقول: "أنا شيعي وفق مفهومي الخاص.. لكنني سني العقيدة شافعي المذهب"، لذلك يعتبر متصوفة الكويت أقرب أهل السنة إلى الشيعة لما يعلنونه في طقوسهم وأنشطتهم من حب آل البيت، ومن ثم فالعلاقة بين الجانبين تبدو حميمية.

وقد تطورت هذه العلاقة في الآونة الأخيرة إلى الإعلان عن تأسيس مركز للحوار السني الشيعي بهدف نزع فتيل الاحتقان بين السنة والشيعة والبحث عن القواسم المشتركة بين الجانبين، ويحظى المركز برعاية الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية بالسعودية، ودعم عدد من الشخصيات الكويتية المحسوبة على المتصوفة، ومنهم يوسف الرفاعي والدكتور يوسف الشراح والشيخ حمد سنان، ومن الجانب الشيعي عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور أحمد حسين والداعية مصطفى الزلزلة، ويسعى المركز إلى تنظيم مؤتمر بالكويت لمناقشة قضايا الحوار السني الشيعي ومحاولة إزالة أسباب الخلاف، تمهيدا لتعميم هذا النشاط على كل الدول التي تضم سنة وشيعة.

وللرفاعي جهود في مجال التقريب بين السنة والشيعة، إذ سبق له أن طالب الشيخ الراحل حسن الشيرازي والشيخ حسن الصفار بضرورة الاتفاق على أن يقوم السنة بإدانة كل من يسيء إلى أهل البيت ويناصبهم العداء في مقابل أن يُدين الشيعة كل من يتهجم على أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة رضي الله عنهم، ولا يرى الرفاعي مانعا من الذهاب إلى المجالس الحسينية للاحتفال بذكرى رحيل أئمة الشيعة، غير أنه يفضل الاحتفال على طريقته الخاصة مع أنصاره عبر ختمة القرآن الكريم وإهدائها إلى روح الإمام وأهل بيته من شهداء كربلاء.

المتصوفة والسلف

إذا كانت التجاذبات بين التيارات الإسلامية بصفة عامة أمرا واقعا لا يمكن إنكاره لاختلاف الرؤى والاجتهادات، فإنها في حالة اشتباك السلفيين مع الصوفية ذات خصوصية، والسؤال البدهي في هذا السياق: كيف يمكن للصوفيين أن يروجوا أفكارهم في مجتمع يرى معظم سكانه أنها طقوس بدعية وشركية وعبثية ومخالفة للكتاب والسنة؟ ومنذ ظهور متصوفة الكويت والمعارك والمساجلات بينهم وبين أئمة وشيوخ وكتاب الفكر السلفي لم تهدأ، فقد كتب الأب الروحي للتيار السلفي في الكويت مجموعة من المؤلفات التي تناولت العديد من الجوانب في الفكر الصوفي ومنها: "فضائح الصوفية" و"الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة" و"الاحتفال بالمولد النبوي" و"الحقيقة الصوفية" و"ابن عربي صاحب كتاب فصوص الحكم.. إمام من أئمة الكفر والضلال" و"بين شيخ الإسلام بن تيمية وابن عربي".

هذه المؤلفات استخلص منها الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق القول بأن التصوف "أعظم فتنة ابتلي بها المسلمون قديما وحديثا، فقد تلبست للمسلمين برداء الطهر والعفة والزهد والإخلاص، وأبطنت كل أنواع الكفر والمروق والزندقة، وحملت كل الفلسفات الباطلة ومبادئ الإلحاد والزندقة.. فأدخلتها إلى عقائد الإسلام وتراث المسلمين على حين غفلة منهم، فأفسدوا العقول والعقائد.. ونشروا الخرافات والدجل والشعوذة، ودمروا الأخلاق.." إلى غير ذلك من الانتقادات الموثقة بالأدلة والبراهين سواء من أقوال أقطاب المتصوفة ومن ممارساتهم أو من مقولات أئمة السلف، وفضلا عن ذلك دخل عبد الخالق وغيره من شيوخ السلف في حوارات ومناظرات تليفزيونية وصحفية واتهموا الصوفيين بالغلو في الأنبياء وأولياء الله الصالحين والعمل على نشر البدع العقائدية والأخلاقية والأساطير والخرافات، وفي كل مرة ينتهي الحوار باتساع الهوة بين الجانبين واستحالة التلاقي.

ويدافع المتصوفة عن طرقهم بأنها أسهمت في نشر الإسلام في إفريقيا وأن الجيوش الإسلامية لم تصل إلى نيجيريا وكينيا وأوغندا وإنما الذي نشر الإسلام في هذه الدول هي الطرق الصوفية، كما أن التصوف منهج سلام وعدالة، يركز على تحبيب غير المسلم في أخلاق المسلمين ولا يحث على استخدام أسلحة القوة والتكفير والتفسيق، متهمين السلفيين بأنهم يبحثون في الدفاتر القديمة، وأن وحدة الوجود (أي وحدة الخالق والمخلوق) التي تكلم عنها ابن عربي والتي كثيرا ما يستشهد بها السلفيون قد أخذها من فلاسفة اليونان والحديث عنها نوع من الترف العقلي، وأن التصوف في رأيهم مدرستان؛ الأولى مدرسة سلوكية إيمانية ملتزمة بالكتاب والسنة كالطريقة الشاذلية والرفاعية وغيرهما، والثانية مدرسة فلسفية كابن عربي وابن سبعين، وأن المدرسة السلوكية تتبرأ من فكرة وحدة الوجود، مستدلين بأن أحمد الرفاعي يقول إنه يكفر من يقول بوحدة الوجود إذا قصد به أن الخالق من جنس المخلوق.


--------------------------------------------------------------------------------

صحفي وباحث مصري مقيم بالكويت