الاثنين، 11 مايو، 2009

الفلسطينيون في لبنان: رؤية لبنانية

مداخلة الدكتور سعود المولى في مؤتمر التربية والثقافة الفلسطيني-بيروت 20 ايار 2009
الفلسطينيون في لبنان: رؤية لبنانية

نحن ننتمي الى جيل والى مدرسة تفتخر بأنها ما تركت ولن تترك فلسطين ولا قضيتها ولا أهلها ولا ثورتها...... فهذا الموقف، والمشاعر والعواطف الملازمة له، هو ما عاش له وما سيموت عليه جيلنا الذي كانت فلسطين اسماً حركياً لوطنه لبنان، الذي حلم به وطناً حراً لشعب حر، ولعروبته التي أرادها ديمقراطية تقدمية تحررية. وعلى قاعدة هذا الانتماء الفلسطيني كان لنا موقف واضح وحازم في مسألة حقوق الفلسطينيين المقيمين في لبنان، هو موقف الدعم المطلق، ودون استنساب أو تردد، لكل ما يحقق الكرامة والحرية والامن والامان والاستقرار لهؤلاء الاخوة في كل تفاصيل حياتهم في لبنان وحتى ساعة عودتهم الى ديارهم واقامة دولتهم الوطنية السيدة الحرة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.......ونحن لم نستسغ يوماً ، ولا نستسيغ اليوم، كل ذلك النفاق والدجل الذي يتستر بشعار رفض التوطين وبدعوى حق العودة ، وهو يخفي (لا بل ويُعلن) أبشع أنواع العنصرية والفاشية ضد شعب فلسطين وضد حقوق اللاجئين منه في لبنان...

وقد قدمت الورقة التي أعدها الدكتور سعود المولى قراءة تفصيلية لأشكال التعامل الرسمي اللبناني مع اللاجئين الفلسطينيين على أرضهم، ثم جردة تفصيلية أخرى بالقوانين اللبنانية التي تنظم موضوع حق العمل وحق الاقامة والتنقل وحق التملك،
وسجلت الورقة أن معظم القوانين اللبنانية التي تنظم شؤون اللاجئين الفلسطينيين تنطلق من مبدأ المعاملة بالمثل الساري بين الدول (( 319 –1962 )) وطالما لا توجد دولة فلسطينية تعامل اللبنانيين بالمثل فان اللاجئين المتواجدين في لبنان لا يحصلون على حقوقهم في التعليم والطبابة والعمل والضمان الاجتماعي والانتساب إلى النقابات اللبنانية وبالتالي فان الحكومة اللبنانية لا تتحمل التبعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للاجئين الفلسطينيين ولذلك لا تمارس أي دور في إدارة المخيمات والتجمعات الفلسطينية كما انه ليس للوزارات آو المؤسسات آو البلديات اللبنانية أي دور تجاه الشؤون الحياتية اليومية للاجئين الفلسطينيين باستثناء تسجيل اللاجئين ومنحهم بطاقات هوية وسفر وخضوع الفلسطينيين للقوانين اللبنانية من أصول محاكمات وأحوال مدنية وتجارية ..
وللتذكير فإن اتفاقية جنيف المتعلقة باللاجئين وفي الفقرة 24 منها نصت على حق اللاجئين الاستفادة من الامتيازات التي يستفيد منها المواطنون كالضمان الاجتماعي والأجور والتعويضات العائلية ومدة ساعات العمل، كذلك فإن بروتوكول الدار البيضاء الذي صدر عن مؤتمر وزراء الخارجية العرب في العام 1965 في الفقرة الاولى ينص على ان يعامل الفلسطيني في الدول العربية التي يقيم فيها معاملة رعايا الدول العربية سواءً في سفرهم او إقامتهم وتيسير فرص العمل لهم مع احتفاظهم بجنسيتهم..كما ان قرار مجلس جامعة الدول العربيه رقم 462، في 23-9-1952، سمح للفلسطينين بحق العمل والاستخدام في الاقطار العربية........
ويعتبر مبدأ المعاملة بالمثل الذي تضعه السلطات اللبنانية كأساس للتعاطي مع اللاجئين الفلسطينيين في قضايا العمل مخالفًا للمعاهدات والاتفاقات التي وقعتها ووافقت عليها الدولة اللبنانية.
فمبدأ المعاملة بالمثل مخالف لاتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين المعقودة في 28/7/1951 والتي تنص "بعد فترة إقامة ثلاث سنوات يستفيد كل اللاجئين على أراضي الدول الموقعة بإيقاف قانون التعامل بالمثل". وتقول في المادة "17": "الإجراءات المفروضة على الأجانب أو على عمل الأجانب لحماية السوق الوطنية لا يعمل بها على اللاجئين...
ورغم أن لبنان كان من بين الدول التي صادقت على بروتوكول الدار البيضاء إلا أن للبنان ضمن مذكرة التوقيع بتاريخ 3 آب/ 1966 تحفظات قوضت عملياً المضامين الأساسية للبروتوكول بمنح الحقوق المدنية الاقتصادية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين ، وبقي اللاجئون الفلسطينيون في لبنان يعاملون كأجانب محرومين من أبسط الحقوق المدنية من حيث العمل والاقامة والتنقل والتملك......كما ان قانون منع اللاجئ الفلسطيني من التملك يشكل انتهاكا للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز العنصري الذي ينص في المادة الثانية منه:
"ويحظر على اي دولة او مؤسسة او جماعة او أي فرد اجراء أي تمييز عنصري كان في ميدان حقوق الانسان والحريات الاساسية في معاملة الاشخاص او الجماعات او المؤسسات بسبب العرق او اللون او الاصل الإثني. "


اللاجئون الفلسطينيون والوضع اللبناني:
لم يمض على استقلال لبنان أكثر من 5 سنوات حتى كانت نكبة فلسطين زلزالاً على حدوده الجنوبية استمرت تداعياته الى يومنا هذا... ذلك ان البلد الصغير، الحديث التشكيل، المعقد التركيب، الدقيق التوازنات، وجد نفسه في خضم أمواج عاتية لا قدرة له على خوض غمارها..ولم يكن الامر ليتعلق بأفواج اللاجئين الهاربين الى جنوب لبنان من مجازر عصابات الصهاينة، وقد كان لبنان الرسمي والشعبي حريصاً على التضامن والتعاطف معهم..... وقد تجلى الترحيب اللبناني في أبهى صوره في التصريحات والمواقف الإيجابية المرحبة التي أطلقها رئيس الجمهورية بشارة الخوري ووزير خارجيته عبد الحميد فرنجية.
وبلغ التضامن والتأييد اللبناني للفلسطينيين أن الجيش اللبناني شارك في المعارك ضد الاسرائيليين عام 1948 كما أن مئات المتطوعين اللبنانيين خاضوا المعارك بكل تضحية وشجاعة إلى جانب إخوانهم الفلسطينيين. ولم يتوان اللبنانيون عن فتح منازلهم للاجئين وتقديم كل ما أمكن تقديمه إليهم، وهذا ما فعلته المؤسسات الحكومية والمنظمات والجمعيات.لا بل ان هذا التعاطف استمر طوال الخمسينيات حيث كان اللبنانيون يرافقون المتسللين الفلسطينيين الى ديارهم المحتلة لتفقد منازلهم وأرزاقهم.....وحول هذا الترافق الكفاحي نسجت نواة المقاومة الفلسطينية اللاحقة وقواعدها في الجنوب اللبناني...........

الا انه، وبعد سنوات قليلة من شهر العسل تفجرت التناقضات العربية عن سلسلة انقلابات عسكرية حملت عنوان تحرير فلسطين..ثم كانت أحزاب وحركات قومية سورية وقومية عربية واسلامية تحريرية حملت هي ايضاً شعارات التحرير والعودة... بحيث صارت المخيمات مركزاً للنشاطات الراديكالية على أنواعها..وهكذا فان السلطات اللبنانية صارت تخشى من النتائج السياسية والأمنية والاقتصادية التي يمكن أن تعكسها قضية اللاجئين الفلسطينيين، خاصة بعد اتضاح حجم الكارثة التي سببها الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وطرد سكانها، والدعم السياسي الذي كانت تتلقاه الدولة الصهيونية من الغرب. وفي تلك الآونة بدأت مشاريع ومخططات توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تظهر من خلال ممارسات المنظمات الدولية، وهذا ما أقلق اللبنانيين على مستقبل المعادلة الطائفية في البلد، ودفع الدولة اللبنانية إلى التعاطي الأمني مع قضية اللاجئين، حيث باتت الأجهزة الأمنية هي المكلّفة بمتابعة قضية اللاجئين وأصبحت هذه الأجهزة تفرض الرقابة على المخيمات وتعنى برصد الأنشطة السياسية.
الى أن كانت نكسة 1967 والانطلاقة الثانية للعمل الفدائي الفلسطيني الذي وجد في المخيمات قاعدة صلبة لانتشاره ولحمايته......ثم كانت انتفاضة تشرين 1969 التي حررت المخيمات ونقلتها الى سلطة الكفاح المسلح الفلسطيني وفق ما نصت عليه اتفاقية القاهرة الشهيرة يومذاك..وشهدت سنوات 1970-1975 تمددا وانتشارا فلسطينيا في جنوب لبنان، تردفه عناصر لبنانية يسارية أو فتحاوية وجدت في الثورة الفلسطينية و لأسباب مختلفة، الحلم والأمل في التغيير...إلى جانب الأسباب اللبنانية الإسلامية المتعلقة بانهيار التوازن الذي قام عليه الكيان اللبناني.... أدى ذلك الى حرب أهلية شارك فيها الفلسطينيون الى جانب الحركة الوطنية اللبنانية والطوائف الاسلامية بحيث صارت المقاومة الفلسطينية بالنسبة للكثير من اللبنانيين جزءاً لا يتجزأ من ما كان يسمى حركة التحرر الوطني العربية ومن اليسار الدولي والإقليمي ومن استراتيجيات مصرية وسورية وسوفياتية وفلسطينية (ولاحقا ليبية وعراقية وعدنية وغيرها) وجدت في بقاء جبهة الجنوب مفتوحة وفي استمرار الحرب الأهلية اللبنانية خير جسر للعبور إلى ما تريد أو لإيصال الرسائل أو لخدمة مصالحها الخ..وفي حين انه لم يكن هناك من مشروع عربي للمواجهة خصوصاً بعد حرب تشرين 1973 ثم اتفاقيات فك الاشتباك الاولى في سيناء 1975 ونشوء جبهة الصمود والتصدي 1975 وصولاً الى اتفاقية كامب ديفيد المصرية-الاسرائيلية 1977-1979، فانه لم يكن هناك ايضاً من هوية لبنانية وطنية جامعة ومستقلة تحمل عنوان المقاومة، بل يمكن القول حتى أن القوات المشتركة في الجنوب كانت جزءا من الانقسام الداخلي كما أنها كانت تغذيه من جهة أخرى....لكل ذلك اضطربت العلاقات اللبنانية-الفلسطينية وخضعت للانقسام الدولي من جهة (يمين- يسار) وللانقسام الطائفي اللبناني من جهة اخرى(مسلمين-مسيحيين) وللانقسامات العربية من جهة ثالثة (اعتدال في مقابل الصمود والتصدي)......وقد تميزت المرحلة من 1978 الى 1982 بصراعات لبنانية-لبنانية خصوصاً بين شيعة الجنوب (بعد خطف الامام الصدر) وأحزاب اليسار اللبناني والفلسطيني...ثم كان اجتياح 1982 الذي اخرج منظمة التحرير من بيروت واستكملت سوريا مهمة اخراج المنظمة من البقاع والشمال ثم الاجهاز على قواها المستقلة في حروب المخيمات (طرابلس 1983-1985 وبيروت والجنوب 1985-1987)...ورغم ذلك استطاع الشعب الفلسطيني اطلاق الانتفاضة الاولى (كانون الاول 1987 اي قبل ولادة حركة حماس) التي كانت الايذان الرسمي باعلان خروج العامل الفلسطيني من الوضع الداخلي اللبناني...

أكّد اتفاق الطائف (1989) الذي وضع أسس لبنان الجديد على شرعية المقاومة اللبنانية وأعطاها حصانة الالتفاف الشعبي والإجماع الوطني الذي صار حقيقة ملموسة عبّرت عن التوافق على أمرين:1- عدم إدخال العامل الإسرائيلي في أي تناقض داخلي، أي إنهاء ذلك التاريخ الأسود والمشؤوم الذي "اضطر" فيه بعض الأطراف إلى اللجوء للعون الإسرائيلي..و2-عدم طرح موضوع الانسحاب السوري قبل إنجاز التحرير من الاحتلال الإسرائيلي...وكان هذا يعني تحديداً سحب الموضوع الفلسطيني من التداول اللبناني الداخلي لا بل من كل معاني التضامن والتعاطف باعتباره صار شأناً أمنياً سورياً.......وقد شهدت سنوات 1990-2005 حالة فقدان ذاكرة لدى اللبنانيين بحيث صاروا يتبرأون من أي شيء له ولو أدنى علاقة بالوجود الفلسطيني وتاريخه على أرضهم.... .. وليس صدفة بالتالي ان اتفاق الطائف لم يأت على ذكر الفلسطينيين الا من خلال شعار رفض التوطين (في البند 9 من المبادئ العامة ترد عبارة:"ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين"...) ثم من خلال البند المتعلق ببسط سيادة الدولة على كامل اراضيها (في عبارة: "الاعلان عن حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة خلال ستة اشهر.."...) ودون مجرد ذكر اسم فلسطين او الشعب الفلسطيني او اللاجئين...


موضوع السلاح الفلسطيني:
في 18 من آذار عام 1986 أجاز البرلمان اللبناني قانوناً يلغي ما يسمى بالاتفاقية الإسرائيلية ـ اللبنانية (اتفاقية 17 ايار) ، والاتفاقية الفلسطينية ـ اللبنانية (اتفاقية القاهرة). الفقرة الثانية من القانون رقم 87/25 تقول: "2- تعتبر المعاهدة الموقعة بتاريخ 3/11/1969 بين رئيس البعثة الجنرال أميل البستاني وبين رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، التي تعرف باتفاقية القاهرة لاغية وكأنها لم توجد في الواقع أصلا. وكذلك فان كل الاتفاقيات والملحقات المتعلقة باتفاقية القاهرة تعتبر ملغاة وكأنها لم توجد أصلا".
اتفاق القاهرة عام 1969 كان أقر جزءاً من حقوق الفلسطينيين أهمها حق حمل السلاح والدفاع عن النفس أمام الهجمات الإسرائيلية المتوالية على المخيمات الفلسطينية .
واليوم يكثر الحديث عن السلاح الفلسطيني داخل وخارج المخيمات ...... البعض يربطه بالقرار 1559 الذي يدعو إلى تجريد الميليشيات من سلاحها والبعض الآخر يستعمله للتهييج على الفلسطينيين والتحريض على اقتحام المخيمات وإنهاءها كبؤر أمنية خارج السيادة اللبنانية .
في منتصف أيار 1990 توصلت الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى تفاهم غير مكتوب تم بموجبه أ= جمع السلاح الفلسطيني الثقيل والمتوسط وتقديمه هدية إلى الجيش اللبناني وقد تم ذلك بكشوف موثقة ومدققة من قبل قيادة الجيش اللبناني وأعلن بعدها أن المهمة قد أنجزت بالكامل .
ب- ينطبق على السلاح الخفيف في المخيمات ما ينطبق عليه بيد اللبنانيين أي لا يتم جمعه ويترك للتنظيمات والفصائل الفلسطينية التعامل معه بالطريقة المناسبة .
ج- ينكفئ المقاتلون الفلسطينيون من المحيط اللبناني إلى داخل المخيمات وقد تم ذلك بدءاّ من أقلم التفاح وبيروت الكبرى والجبل وانتهاء في منطقتي صيدا وصور ومحيط المخيمات .
ورغم أن السلاح الخفيف ، المتواجد في مخيمين فقط من أصل 12 مخيماّ ، له ما يبرره (في الذاكرة الفلسطينية إلى الآن مجازر صبرا وشاتيلا عام1982، والتجربة المرة التي عاشها الفلسطينيون في حرب طرابلس (1983-1985) ثم المخيمات 1987-1985 ، بالإضافة إلى عدم نزع السلاح من الميليشيات اللبنانية، واستمرار الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية على المخيمات ، الا ان المسألة تتعلق بضبط السلاح الثقيل ووضعه تحت امرة الشرعية الفلسطينية وبالتنسيق مع الشرعية اللبنانية، ناهيك عن الخلاص من موضوع السلاح خارج المخيمات وهو ليس سلاحاً فلسطينياً بقدر ما انه سلاح اقليمي يخدم سياسات اقليمية معروفة.....

موضوع التوطين:
يعرف الناس جميعاً ان مشاريع التوطين حقيقة واقعية عرفتها بلادنا منذ مطلع الخمسينيات من القرن العشرين. وكانت الولايات المتحدة ولا تزال هي المسوق الاكبر لهذه المشاريع .... ولكن الشعب الفلسطيني رفض وما يزال كل مشاريع التوطين والتعويض محافظاً على حلم العودة الى ارضه ودياره في فلسطين........ وهذا الحلم حق شرعي وطني وانساني كرسته مواثيق المجتمع الدولي وقرارات الشرعية الدولية من الامم المتحدة الى الجامعة العربية الى المؤتمر الاسلامي الى عدم الانحياز، كما المجالس الوطنية الفلسطينية على امتداد تاريخ نضال الشعب الفلسطيني..وكلنا نذكر مشاريع منتصف الخمسينيات وابرزها مشروع جونستون (نسبة الى السيد اريك جونستون مبعوث الرئيس الاميركي دوايت ايزنهاور الى الشرق الاوسط لاقناع العرب بالتعويض والتوطين)......
وكلنا يعرف ان النقطة المركزية في الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي والعربي-الاسرائيلي كانت ولا تزال حق العودة ورفض التوطين...وان الشعب الفلسطيني على اختلاف تياراته واتجاهاته يرفض بالكامل اي حديث عن التوطين ويتمسك بالمطلق بمبدأ حق العودة...كما ان لبنان المتضامن مع اشقائه العرب في الصراع مع اسرائيل، والمتمسك بوحدته وسيادته واستقراره يرفض التوطين ويدعم الشعب الفلسطيني في التمسك بحق العودة.
الى جانب هذا فانه ليس من العيب ان نعترف بأن لبنان لا يتحمل نتائج اي تسوية مفروضة خصوصاً لجهة التوطين. فلا جغرافيته ولا ديموغرافيته ولا اقتصاده ولا سياسته بقادرة على الصمود في وجه اي مشروع للتوطين مما قد يؤدي الى تفجيره او انفجاره. وهذا الخطر حقيقي وليس وهماً او عنصرية مقيتة.... ان القول بان لبنان لا يتحمل اقتصادياً او جغرافياً او سكانياً او سياسياً توطين اللاجئين الفلسطينيين ليس موقفاً طائفياً (لانهم من أهل السنة) ولا عنصرياً (غرور لبناني بازاء العرب) بقدر ما هو حقيقة واقعية لا يقلل من واقعيتها وجود طائفيين او عنصريين في صف من يرقض التوطين........ واذا أعطي مثال توطين الارمن وتجنيسهم وقبول لبنان لهم فاننا نقول باننا لو كنا نملك في تلك المرحلة قرارنا الوطني ودولتنا المستقلة لكنا رفضنا توطين وتجنيس الارمن من نفس المنطلقات المتعلقة بحق العودة الى وطنهم وبعدم قدرة لبنان على تحمل نتائج التوطين والتجنيس. وهذا الامر لا علاقة له باحترامنا وتقديرنا ومحبتنا لاخواننا الارمن الذين حملوا هم ايضاً السلاح من اجل قضيتهم. ان عدم الاعتراف بالوضع الحساس والدقيق للبنان والتعامل معه على انه "ساحة" عليه ان يتقبل ويتحمل كل "الحالات"، هو الاساس المبدئي للخلل العميق في رؤية وتفسير أسباب معارضتنا للتوطين......ولكن معارضة التوطين التي هي معارضة فلسطينية بالاساس ، لا علاقة لها بتلك الجوقة من "ابطال حق العودة" من جزاري الشعب الفلسطيني واللبناني الذين صاروا اليوم بقدرة قادر يدافعون عن حق العودة ولا يتركون مناسبة دون ادخال موضوع التوطين فيها حتى صار قميص عثمان وصار لونه بائخاً لكثرة الاستعمال....... ينبغي وضع حد لهذا الاستغلال الذي ينبع من عنصرية شوفينية فاشية مقيتة لا علاقة لها بحقوق الشعب الفلسطيني ولا بنضال الشعب اللبناني الى جانب اخوانه الفلسطينيين...

المراجعات الفلسطينية واللبنانية : نحو رؤية مشتركة:

حين كان اللبنانيون يسيرون في اتجاه اقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف (1989) كان الفلسطينيون قد بدأوا مسيرة تصويب نضالهم من خلال الانتفاضة الاولى (كانون الاول 1987) وقد روتها لاحقاً دماء الشهداء أبو جهاد وأبو اياد وأبو الهول (ومعهم علي ومروان وحمدي وابوحسن) .. ثم كانت وثيقة اعلان استقلال دولة فلسطين في المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد بالجزائر (15 تشرين الثاني 1988) وصولاً الى المشاركة في مؤتمر مدريد (تشرين الثاني 1991)وانجاز اتفاقية اوسلو(13 أيلول 1993) ثم الانتقال الى الارض المحتلة لاقامة السلطة الوطنية(1 تموز 1994)....وبغض النظر عن تقييمنا لهذه المسيرة (من الجزائر الى مدريد الى اوسلو الى اليوم) الا ان ما نريد ابرازه هنا هو ان الشعب الفلسطيني ومن خلال منظمة التحرير الفلسطينية (ممثله الشرعي الوحيد) لم يعد له اي مشروع أمني أو سياسي في لبنان أو انطلاقاً منه، ولا عاد أداة (أو رافعة) في خدمة أي مشروع على أرض لبنان........
وقد جاء اعلان فلسطين في لبنان الذي صدر كوثيقة رسمية عن منظمة التحرير في لبنان (9 كانون الثاني 2008) ليفتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية الفلسطينية اساسها الاعتراف بأخطاء وخطايا الماضي والدعوة الى تجاوزها من الطرفين وانجاز مصالحة حقيقية بين الشعبين .. والوثيقة تؤكد على الموقف الرسمي الفلسطيني الذي ما انفكت تؤيده كل القيادات الفلسطينية، في الداخل والخارج،في منظمة التحرير والسلطة الوطنية وخارجها،في حماس والجهاد والفصائل الموجودة في دمشق،والذي يعلن الالتزام الكامل وبلا تحفظ بسيادة لبنان واستقلاله وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.. الا ان الاهم في الوثيقة كما في المواقف التي أعلنها ويعلنها الرئيس محمود عباس ،والاخوة في فتح وحماس على السواء،هو الاعلان عن التمسك بحزم وثبات بحق العودة ورفض كل اشكال التوطين والتهجير مع التمسك بالحق في العيش بكرامة....والاعلان بان السلاح الفلسطيني في لبنان يخضع لسيادة الدولة اللبنانية وقوانينها وعن استعداد منظمة التحرير للتفاهم مع الشرعية اللبنانية على موضوع السلاح وعلى الحقوق المشروعة للاجئين الفلسطينيين في لبنان.
وقد تجاوبت قيادات لبنانية عديدة مع الاعلان الفلسطيني أبرزها الرئيس أمين الجميل والدكتور سمير جعجع والوزير نسب لحود، في حين استمر البعض الآخر في التحريض ضد الشعب الفلسطيني ومخيماته في لبنان وبعبارات وصيغ أقل ما يقال فيها انها مثال فاقع على العنصرية...الا ان المعيار في التعامل اللبناني الفلسطيني ينبغي ان يكون ما ورد في خطاب القسم للرئيس ميشال سليمان (26 أيار 2008):" إن رفضنا القاطع للتوطين، لا يعني رفضا لاستضافة الأخوة الفلسطينيين، والاهتمام بحقوقهم الانسانية، بل تأسيسا لحق العودة حتى قيام الدولة القابلة للحياة. ولهذا، فإن لبنان، يشدد على ما ورد في المبادرة العربية، التي انطلقت من عاصمته بيروت العام 2002"، كما على البيان الوزاري لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولى في عهد الرئيس سليمان(6 آب 2008) والذي ورد فيه: "وانطلاقاً من وثيقة الوفاق الوطني التي أُعلنت في الطائف، وما نصت عليه بشأن بسط سيادة الدولة على كل الأراضي اللبنانية وضرورة احترام الإخوة الفلسطينيين المقيمين في لبنان سلطة الدولة وقوانينها، سوف تعمل الحكومة، تنفيذاً لما أجمعت عليه هيئة الحوار الوطني، على إنهاء وجود السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ومعالجة قضية الأمن والسلاح في داخل المخيمات، مع تشديدها على مسؤولياتها والتزامها حماية المخيمات الفلسطينية من أي اعتداء. ستعمل الحكومة بالتعاون مع ممثلي القوى الفلسطينية والأطراف العربية المعنية للوصول إلى المعالجات المطلوبة، بما يحفظ أمن اللبنانيين والفلسطينيين.من جهة أخرى، سوف تواصل الحكومة اللبنانية الجهود المبذولة لمعالجة المشكلات الإنسانية والاجتماعية للفلسطينيين في لبنان، داخل المخيمات وخارجها، مع ما يقتضيه ذلك من إجراءات وتدابير تعزّز الموقف اللبناني الرافض للتوطين وتتماشى مع حق الفلسطينيين المقيمين في العيش الكريم. وفي هذا الإطار، ستتابع الحكومة العمل على وضع السياسات التي تخفف من الأعباء الاقتصادية وسواها من المفاعيل السلبية على لبنان. وتعمل على زيادة الدعم العربي الدولي في هذا المجال. كما ستواصل مطالبتها المجتمع الدولي بتحمل كامل مسؤولياته تجاه الفلسطينيين. وستواصل كل الجهود الضرورية من أجل إعادة إعمار مخيم نهر البارد لتأمين الإقامة فيه بكنف السلطة اللبنانية"..........
وكنا السباقين (مع سمير فرنجيه وفارس سعيد ومحمد حسين شمس الدين في المؤتمر الدائم للحوار اللبناني) الى طرح رؤية متكاملة للعلاقات اللبنانية الفلسطينية وذلك في اعلان بيروت (17 حزيران 2004) الذي قلنا فيه:
"نريد أن نقول لأشقائنا الفلسطينيين: لقد طوينا نهائياً صفحة الحرب المشؤومة، التي كنا، نحن وأنتم، من ضحاياها، على اختلاف المواقع والتصوّرات والرهانات والأوهام .من الدروس الأساسية التي استفدناها معاً، ودفعنا ثمنها معاً، أن خلاص لبنان لا يكتمل إلا باستقرار الشعب الفلسطيني في دولة سيّدة مستقلة، بالشروط التي يرتضيها الشعب الفلسطيني لنفسه: فليس لنا أن نعلّمكم أو أن نملي عليكم أي خيار. ومن الدروس الأساسية التي استفدناها معاً، ودفعنا ثمنها معاً، أن لبنان المعافى داخلياً هو خير عونٍ لقضية فلسطين ولكل القضايا العربية: وليس لكم أن تحدّدوا لنا مواصفات موقفنا القومي. بإمكانكم التأكد من حقيقة هذه الخلاصة حين ترون اليوم هذا الاجماع اللبناني، من مختلف الطوائف والاحزاب، على تأييد قضيتكم بعد انتقال مركز نضالكم الى داخل فلسطين، وبعد إعلانكم، قولاً وعملاً، أنه لم يعد لديكم أي مشروع سياسي أو أمني في لبنان، أو عبر لبنان: لم تعد القضية الفلسطينية مسألة خلافية بين اللبنانيين. وعليه فإننا نرفض معكم الاستغلال السياسي الذي يتعرّض له وجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، كما نتضامن معكم للحصول على كامل حقوقكم الانسانية. كذلك ينبغي أن نعمل معاً على بسط سيادة الدولة اللبنانية على جميع المخيمات. وهذا الأمر يتحقق عبر اتفاق مباشر بين الحكومة اللبنانية والقيادة الفلسطينية الشرعية. نحن نؤمن، أخيراً، بأن قيام دولة فلسطينية مستقلّة في حدود العام 1967 وعاصمتها القدس ، تكون مسؤولة عن الفلسطينيين في الداخل كما في بلدان الشتات، سيساهم إلى حدٍ بعيد في حلّ مشكلة اللاجئين، وسيطرد عملياً شبح التوطين الذي نرفضه وإياكم على السواء."........