الأحد، 20 مارس، 2011

في الهوية الشيعية

مقتطفات من دراسة للدكتور جابر حبيب جابر
أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، نائب في البرلمان
المشكلة الشيعية الراهنة تكمن أولاً في أن ولاية الفقيه ليست جواباً شيعياً يقبله جميع الشيعة وبالتالي فإن أصل الإشكال الأساسي المتمثل بغياب جواب شيعي لسؤال السلطة بعد الغيبة مازال قائماً لدى جزء كبير من الشيعة لا سيما في العراق. ثم أن ممكنات ولاية الفقيه ليست متاحة في العراق ولبنان والبحرين كما هي في إيران وبالتالي على الهوية السياسية الشيعية أن تعرِّف نفسها بمخارج أخرى. ثانياً إذا كانت كل الهويات الإجتماعية متغيرة وقابلة للصعود والهبوط فإن الهوية الطائفية – الدينية هي أكثر عرضة لهذا التقلب والتغير لأنها لا تقوم على عناصر إثنية أو عرقية محسومة وبالتالي فإن الهوية الشيعية مازالت تتداخل مع عناصر هوية أخرى مثل الإنتماء القومي أو الإثني أو حتى القبلي، مما يصبح لزاماً معه علاقة هذه الهويات ببعضها.. واذا ما كانت تراتبية التعريف تقضي بثانوية الهوية الطائفية مقابل الهوية الوطنية تغدو الشيعية السياسية مجرد أيديولوجية بما يعنيه ذلك من قابلية الإندثار مع تقادم الزمن أو تغير علاقات السلطة وبما يعنيه أيضاً من إمكانية توظيفها لخدمة مشروع السلطة أيضاً. مع ذلك فإن وجود وجدان شيعي يتعالى على الفروق القومية والإثنية يشي بوجود هوية شيعية حية.. أزمة هذه الهوية تكمن في حل معضلة العلاقة مع الوطن الذي لا يتطابق بالضرورة معها.. وهل يكمن الجواب في إيجاد وطن ينسجم معها عبر ما يعنيه من الإنفصال عن الآخر الذي لا تحتويه الهوية أو بتعريف الشيعية تعريفاً غير سياسي يعيدها إلى الدائرة المذهبية والتوقف عن إستنطاق تلك الدائرة حول سؤال السلطة بقبول مصدر شرعية بديل هو الدولة الديمقراطية التعددية كما في الحالتين العراقية واللبنانية... إننا هنا بصدد تحد كبير يرتبط به مصير أوطان بقدر ما يرتبط به مصير الهوية الشيعية نفسها.
لقد كان صعود الشيعية السياسية مجدداً مرتبط بسياق تاريخي لا يصح أبداً قراءته بطريقة لا تاريخية.. إنه مرتبط بأزمة مشروع الحداثة وإنغلاق المشروع القمومي وتهميش الغالبيات والأقليات الشيعية وحتمية سؤال الهوية.. لكنه ليس القاعدة وليس الجواب النهائي.. إنه كأي طرح أيديولوجي يولد وينمو ويخبو وقد يموت.. والخطر الذي أعتقد وجوده هو في النظر إلى الصعود خارج سياقه التاريخي وبالتالي الإرتماء في حضن الإغراء الأيديولوجي لتبسيط الواقع وفك العلاقة مع الإطار الزماني والمكاني معبراً عنه في فكر الثورة الدائمة. من هنا لابد من موضعة التشيع السياسي في أطره الوطنية والنظر إليه إرتباطاً بخصوصية كل بلد دون أن يعني ذلك تفكيك الوجدان الشيعي أو إلغاؤه. إن ما يشكل خطراً على الهوية الشيعية هو محاولة البعض إعطاءهاً طابعاً رسالياً وبالتالي رهنها بصراع دائم سيستنزف تدريجاً قدرة أبنائها ويرهن مصائرهم بتحولات ذلك الصراع في الوقت الذي يعمد الآخر بكل ما لديه من موارد هائلة وشبكة تحالفات إقليمية ودولية وأدوات صناعة الرأي العام والتعبئة والتحشيد إلى مواجهة شاملة ومكلفة يتم عبرها إحياء نمط الطائفية السنية التي تستمد وجودها وزخمها من شيطنة الشيعة ومن أسطورة المؤامرة الشيعية.
ليس في هذا الكلام دعوة لتحييد مطلق للبعد السياسي في الهوية الشيعية بل لعقلنته كي يكون قادراً على تمثيل مصالح من يتم تهميشهم وطنياً أو إقليماً لأنهم شيعة دون أن يهدد مصالح الآخرين الذين سيظلون ينظرون الى الشيعية السياسية بتوجس ويوظفون صعودها لإسباغ مصادر شرعية على علاقات السلطة والهيمنة القائمة لا سيما في النظام الرسمي العربي وبتوظيف الأصولية السنية بإسم مواجهة المرتدين الشيعة والأصولية القومية بإسم مواجهة المد الفارسي.

لذلك مثلما يصعب للهوية الوطنية العراقية أن تحيد الحسين أو تتجاهله ومثلما أن رمزية الحسين ستظل قادرة على الفعل في الوجدان العراقي وضاغطة على أي تكوين حقيقي للهوية الإجتماعية العراقية فإن المبالغة في تشييع السياسة وعدم مساومة الآخر الشريك في الوطن والممتلك لرموزه الخاصة وقراءته المختلفة للتاريخ ستؤدي إلى إستقطاب طائفي دائم ليس الشيعة في وضع يؤهلهم لتحمل أكلافه السياسية والمادية والإنسانية وثقله المؤذي لهويتهم كما يراها الآخر.