السبت، 3 سبتمبر، 2011

الثورة السورية بين نظرتين

شمس الدين الكيلاني

منذ بدايات الانتفاضة السورية أفصح النظام والحركة الشعبية، كلٌ على حده، عن
طريقتين مختلفتين في تغطية ما يجري من أحداث: إذا كان المنتفضون قد اختاروا الإطلالة على العالم تحت الأضواء الباهرة، واستخدموا ما يستطيعون من وسائل وتقنيات لنقل ما يحدث إلى الفضاء المفتوح، فلأنهم استندوا على ثقة غير محدودة بعدالة قضيتهم، التي اختصروها بشعاري الحرية(=الله، سوريا، حرية، وبس) والكرامة (=الموت ولا المذلة)، للتعبير عن خطابهم للتغيير. وقد عزَّزت ثقتهم هذه تأييد الشعوب واحترامها لاختيارهم التظاهر السلمي والتحشيد الجماهيري أسلوباً وحيداً لمواجهة جبروت قوة السلطة لتغيير ميزان المعادلة السياسية لصالح ثورتهم.
فهم لا يقومون بشيء يخشون افتضاحه، بل استمدوا بعضاً من قوتهم من تفهم الناس وتعاطفهم، في الإقليم وفي العالم، مع القيم التي رفعوها ومع أسلوبهم السلمي للتغيير، وما أبدوه من شجاعة وإصرار. لذلك سمُّوا حركتهم (ثورة الكرامة )، مؤكدين بذلك أنها ليست ثورة الرغيف أو حرب الطبقات، أو احتجاجات الريف على المدينة، أو الفقراء على الأغنياء، أو المدن الصغيرة قبالة المدن الكبيرة المُتنعِّمة كما روج لذلك المتحذلقون من اليسار أو بعض مثقفي السلطة- بل إن ثورتهم، ككل الثورات الديمقراطية الكبرى، تتعلق بالكرامات وبالحريات المهدورة للفرد والجماعة السورية بأكملها، باستثناء الأجهزة المركبة للسلطة، وقمم رجال الأعمال الذين اندمجوا بالنظام أو كانوا استطالة طفيلية لفساده. واستخدم نشطاء التنسيقيات، بمهارة، تقنيات الاتصال الحديثة، للإضاءة على (صورة) ما يحدث إلى العالم، كي يضعوا هذا العالم برمته أمام مسؤولياته الأخلاقية والسياسية عمَّا يشاهد من استباحة للحقوق والكرامات والدماء.
بالمقابل اختار النظام إبعاد الأضواء والكاميرا عن الحدث، مصراً على إبقائه في العتمة، ليطلق لأقواله العنان، ولينكر ما يشاء ويؤكد على ما يشاء. وخصَّص لفضائياته، المدربة على مستلزمات الولاء، وظيفة فبركة الخبر أو اختلاقه، وإعلاء شأن رموز السلطة إلى مراتب ميتافيزيقية لا ينال منها الزيغ ولا الوهن، والنيل من صورة الخصم وغاياته وبواعثه الخبيثة! وجند لتلك الفضائيات الموالين من كل صوب، كما استقدم لبنانيين من أصحاب معلقات (المقاومة والممانعة!؟)، وممن اشتهروا بفن الردح بالمؤامرة الإمبريالية التي تدخل من بوابة الحرية؟!
فاتجه إعلام السلطة نحو غاية رئيسية، هي الإجهاز على الخصم، وذلك لأن السلطة اعتادت على التعامل مع المعارضة كعدو، عليها النيل منه ومن سمعته، وتدميره! ولم تتعامل معه كاحد مصادر الشرعية التي تحرص على نيلها كل سلطة ديمقراطية تحترم شعبها. يكفيها أنها استنسخت من تجربة كوريا الشمالية عسكرة المجتمع، وفكرة الحزب القائد للدولة والمجتمع وطبقتها حرفياً.
افتتح إعلام السلطة حملته بمقدمة كبرى، هدفها النيل من الخصم/ الشعب المنتفض، باتهامه بالعديد من الشرور: إنه ضالع بمؤامرة تنال من قلعة الممانعة، وتهدد وحدة سوريا واستقرارها. فهو تارة سلفية وتارة أخرى عصابات مسلحة لا نعرف هويتها ومصادرها، وتارة ثالثة قوى مأجورة تمتد يدها إلى ما وراء الحدود. فلم يتورع، على سبيل المثال، عن ترويج خبر وجود (امارة إسلامية في درعا بزعامة الشيخ صياصنة وإلى جواره رياض الترك )-الذي صرح أنه كان يتمنى لو كان فعلاً في الجامع العمري إلى جانب أهل درعا - كما ادعى اكتشاف امارة إسلامية في بانياس بمساندة عناصر من الموساد ونائب من تيار الحريري؟! وهو أمر مُغرق في الخيال.
على خلفية ذلك يسرد الإعلام الرسمي حكاياته ويبتكر قصصه. يعتمد في ذلك على تكتيك إنكار الوقائع (التظاهرات، المعارضة وأفكارها وشعاراتها، ومطالبها)، لتبدو كل له تلك التظاهرات والاحتجاجات من دون مسوِّغ مقبول، وبأهداف غير معروفة، ويعوزها وضوح الهدف والاتفاق، تختلف في الغايات وطرق الوصول، أما شعار الحرية والديمقراطية الذي أطلقته فهو أكثر غموضاً وإبهاماً، ليصل هذا الإعلام للاستنتاج، بأنه لا يمكن لهذه القوى أن تؤتَمن على قيادة البلد!؟ بينما يُشدِّد على وضوح خطاب السلطة وتوجهاتها، وفي مقدمها الاستقرار والأمان(!) وتلتقط فضائيات السلطة صور مسيرات الموظفين وعمال القطاع العام و(منظمات الشبيبة) ورجال الأمن: شرطة وجيش في لباسهم المدني، تنقلهم وسائل مواصلات السلطة على شتى التجمعات في كل اتجاه، ترفرف فوقهم الأعلام وصور الرئيس، وشعارات واضحة، وإلى جوارها لوحات بنحبك.
لم تقدِّم السلطة لأنصارها أهدافاً جديدة ذات مغزى سوى تقديس رموزها وتكريس ماهو قائم والدفاع عنه، وتبرير العنف ضد المحتجين. ميزة هذا الخيار، يتجلى في وعده بالسلامة والإفلات من التهديد واحتمال جمع المنافع، شرط التنازل عن الحرية وعن الرغبة فيها، بينما قدم المنتفضون مشروعاً للحرية، للتغيير الديمقراطي لاسترجاع الكرامة المهدورة، وإعادة سوريا لكل أبنائها من دون تمييز (الشعب السوري واحد) وفك العلاقة مع رموز السلطة وإنزالها من عليائها، لكن من دون هذا الخيار التغييري الدم والدموع الممتزجين بالأمل والحلم.