السبت، 3 سبتمبر، 2011

التاريخ لن يلوي عنقه

حسام عيتاني
في سبيل طمأنة النظام السوري، لا يمانع سياسيون وكتاب من ليّ عنق التاريخ وابتذال منطقه. وبدلاً من النظر في أسباب الانتفاضات الشعبية والتوق إلى التحرر والانعتاق من الاستبداد، تحضر المؤامرات والتفسيرات البهلوانية للحاضر والماضي.
لا يريد هؤلاء، أو لا يستطيعون، فهم العمق والاتساع التكتوني (إذا جاز التعبير) للثورات العربية. وبينما يرقى «الربيع العربي» إلى مستوى انزياح القارات وتغيير الخرائط، يصر محللون ومثقفون على اعتباره غيمة صيف عابرة أو صاعقة في سماء زرقاء.
العالم العربي لن يعود الى ما قبل 14 كانون الثاني (يناير) 2011، ولا إلى ما قبل 11 و17 شباط (فبراير) ولا الى ما قبل 15 آذار (مارس). الطريقة الأسرع للتصالح مع الحاضر والسعي الى التعامل معه، تكمن في التخلي عن أوهام تجميد ما تبقى من زمن ولّى ومضى. كل رطانة الممانعة والخصوصيات الطائفية والقومية والتهويل بالحروب الأهلية والتقسيم، لا تكفي لترميم النظام السوري الذي بات سقوطه أو إدخال تعديلات جذرية على صيغته (كحد أدنى) في حكم المؤكد.
وسيان إذا رفع ممانعو بيروت أصواتهم ونبرات تهديداتهم أو لزموا الهدوء، وراء شاشاتهم العملاقة ومنابرهم المضادة للرصاص. لقد شبّت الشعوب العربية عن طوق السلطات وخداعها، ولن تعود إلى بيوت الطاعة بعد اليوم. وعلى الخائفين من مستقبل تصوغه الشعوب، أن يعيدوا النظر في المواقع التي زعموا الانتماء اليها. الخطوة الأولى في المجال هذا، التوقف عن رمي الاتهامات على شعوب بأسرها بالعمالة للحلف الأطلسي والبحث عن المسؤول الحقيقي عن استدراج التدخل الدولي.
هذا لا ينفي أن العالم العربي دخل فترة طويلة من الاضطراب وغياب الاستقرار. ومن السذاجة الاعتقاد ان الانتخابات المقررة هذا الخريف في مصر وتونس، وان البدء بالاعداد لقانون انتخابي وجمعية تأسيسية في ليبيا، أمور ستعني استهلال الخروج من المرحلة الانتقالية الى طور الاستقرار. الأقرب إلى الصواب ان عمليات الفرز السياسي والاجتماعي في الدول التي انتصرت ثوراتها لم تبدأ بعد ولن تحسمها دورة انتخابات واحدة او دورتان. ولا ينفي، خصوصاً، ان موجة الثورات العربية لم تصل بعد إلى ذروتها أو إلى خاتمة مطافها.
والأهم من ذلك ان الثورات العربية انهت الشكل الإنقلابي للثورة ووضعت، مجدداً، الناس العاديين او «الجماهير» التي استغلت ووظفت من دون علم او دراية، في موقع القيادة، ما يفترض تراجع الشكل الحزبي، الضيق والإئتلافي، عن التأثير لمصلحة قوى جديدة على تماس مباشر مع الشارع. ولعل التجربة المصرية هي الأكثر غنى حتى الآن في هذا التعبير.
والتدقيق في الوضع الحالي يُبين أن الدفاع عن الواقع المتهالك للأنظمة العربية، تارة بذريعة الحفاظ على الاستقرار وطوراً بحجة الوقوف في وجه الهيمنة الاميركية والاحتلال الاسرائيلي، لن يؤدي سوى إلى مفاقمة المسار الذي شقته تلك الانظمة منذ خمسين عاماًَ والذي أدى إلى هيمنة سياسية واقتصادية غربية شاملة على المنطقة وإلى جعل الاحتلال الاسرائيلي يهنأ بالاقامة سعيداً على الاراضي العربية.
الخروج من النفق العربي المظلم لن يكون مجانياً. ستضطر الشعوب العربية الى دفع فاتورة طويلة ثمن تلكؤها عن إزاحة تلك الحكومات طوال الأعوام الماضية. وستقاوم أنظمة الفساد والجمود كل محاولات التغيير، بالقوة وبمزاعم الإصلاح وبغيرهما. بيد أن مقاومتها تلك لن تشكل غير مظهر من مظاهر التعلق بالماضي.