الأحد، 3 يوليو 2011

أساس الدولة الغربية أو المعاصرة

في أحد كتبه يعقد المفكر العراقي عادل عبد المهدي مقارنة بين أسس الدولة الغربية والدولة العربية فيرى أنه عـدا الأساس المعروف للدولة حسب جـان جاك روسو باعتبارها نتاج عقد اجتماعي يطرح "انغلز" منظوراً محدداً يحمل في آن واحد معنى الاتفاق والصراع وكيف يفرز المجتمع هذا التنظيم الرئيسي بقوله: "جاءت الدولة كنتاج للصراع الطبقي بعد ان يصل المجتمع الى تناقض غير قابل للحل .. ولكي لا يستهلك المجتمع نفسه في صراعات لا فائدة منها، كان لا بد من إيجاد قوة يبدو إنها تقف فوق المجتمع من أجل تهدئة النزاع والحفاظ عليه في حدود " النظام" وان هذه السلطة أو القدرة المتنامية ولكن الواضعة نفسها فوق المجتمع والمبتعدة عنه أكثر فأكثر هي الدولة" .
وانطلاقاً من مفهوم " العقد الاجتماعي" (اليميني) أو "الصراع الاجتماعي" (اليساري) رأى الغربيون " الدولة" من خلال المعايير التي اعتادوا عليها حسب خط التطور الأوروبي بكل المفاهيم التي حملها هذا الخط. لذلك حملت الدولة سمات محددة يلخصها "انغلز" بسمتين رئيسيتين يقول انهما تسمان كل دولة وهما قيامها على رابطة الموقع وتأسيسها السلطة العامة.. وانه للحفاظ على هذه السلطة العامة فإن مساهمة المواطنين تصبح ضرورية: الضرائب.
وهكذا تشكل مفهوم "الدولة" باعتبارها تقوم على رابطة الإقليم وتقيم سلطة عامة لا تتطابق مع التنظيمات العفوية والطبيعية للجماعات وتأخذ الضرائب للحفاظ على هذه السلطة التي تقوم على مفهوم " المواطنين.
عبر هذا المفهوم للدولة درس البعض التنظيمات الاجتماعية في التجربة الاسلامية دون ان تغطي هذه التجربة وخط تطورها أي أساس من ذلك. حيث رابطة الدم أو صلة الرحم لم تدمر (قبل الفترة الاستعمارية المعاصرة) لمصلحة رابطة الاقليم، وحيث المفهوم الرئيسي للانسان لم ينظمه الانتماء لطبقة أو أقليم، أو مفهوم "المواطنة" بل تنظمه أساساً روابط العقيدة ( الدين والمذهب) أو روابط الولاء لجماعة (طائفة أو عشيرة أو منطقة) وذلك بغض النظر عن الثروة والموقع الاجتماعي. لهذا حملت الدولة بالمفهوم الذي تشكلت عليه في التجرية الاسلامية مظاهر مخالفة تماماً تشير الى خلاف في الاسس التي قامت عليها.
- فالدولة بالمفهوم الغربي تحمل معني الثبات state أو Etat عن اللاتينية Status .. اما في المفهوم اللغوي العربي فهي "الانتقال من حال الى حال"، "وتلك الأيام نداولها بين الناس" ، وقالوا: "دواليك أي مداولة على الامر .. ودوالت الأيام أي دارت.. والله يداولها بين الناس.. (وتداولته الايدي) أخذته هذه مرة وهذه مرة".. الخ.
- أما الدولة حسب خط التطور الاوروبي فهي سلطة الاغنياء أو المالكين.. أي هي ثمرة تنظيمهم.. فهي اداتهم ضد الطبقات غير المالكة. فالدولة لاحقة للغنى لهذا جاء تاريخها مع تاريخ الطبقات المالكة. اما في التجربة الاسلامية فتبدو الدولة مستقلة أولاً عن الغنى والجاه وسابقة لهما، أي ان الدولة هي مصدر لهما. فمن يسعى للغنى والجاه – فرداً أو جماعة- سيسعى للاستيلاء على " الدولة" لأنها تحمل كثمرة لاحدى اشكال التنظيمات الاجتماعية استقلالية لذاتها في املاكها وأموالها وحقوقها ودوافعها... فهي اذا شاء البعض أقدر على صنع الطبقات من قدرة الطبقات على صنع الدولة . من هنا نفهم معنى الثبات في الدولة الغربية لأنه مرتبط بثبات الطبقات المالكة وتأسيس شرعية وايديولوجية وانظمة المجتمع (أي بنيته الفوقية) من خلال مبادراتهم والدفاع عن "حقوقهم" بينما هي في العالم العربي بمعنى التدوال والانتقال لأن حقوق ومنصب "الدولة" تتداولها الايدي عن حقٍِ أو باطل بين الافراد أو الكتل والجماعات لأسباب ودوافع عديدة.

الأربعاء، 29 يونيو 2011

جنبلاط: خرج مواطن عربي يقول أريد حياة لا حزب قائد فيها ولا معصوم

العقل "الاسير" يقول بأن الثورات العربية مؤامرة أميركية

الاثنين 27 حزيران (يونيو) 2011

أقامت جمعية متخرجي الجامعة الاميركية في بيروت حفلها السنوي التقليدي الرابع عشر لتكريم المتخرجين في بيروت مساء اليوم في فندق البريستول، كرمت خلاله رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ووزعت ميداليات على متخرجي اليوبيل الماسي والذهبي والفضي لمتخرجي دفعات اعوام 1936 و1961 و1986.
وقد ألقى السيد جنبلاط الخطاب التالي:
تحدث النائب جنبلاط فقال"اثناء وجودي في الجامعة الاميركية في بيروت بين سنوات 69 و 71 و72 صودف ان تتلمذت على ايدي اساتذة ومفكرين كبار امثال يوسف ابش وزين زين ووليد خالدي وابراهيم وكمال صليبي وغيرهم، وبعد 40 عاما تعود بي الذاكرة وان اصابها بعض الصدأ اذكر مثلا ان يوسف ابش الى جانب تركيزه على مفهوم الامة الاسلامية الجامعة بشتى انواع الاعراق والشعوب، كان يكره ما يسمى بالاحزاب التقدمية والقومية العربية وادعاءاتها الوحدوية، كان يوسف ابش سياسيا محنكا من بلاد الشام يكره ما يسمى بالاحزاب التقدمية والقومية العربية مفضلا ابن رشد وابن خلدون على ابن تيمية، كان يوسف ابش انسانا كبيرا وريثا للأمير عبدالقادر الجزائري، ومع زين زين كاد التاريخ ان يلفظ انفاسه وتسقط البيزنطية وينتصر العثمانيون على المماليك في مرج دابق، وتكاد ان تسقط فيينا فيهتز العالم، ولكن مالطا عطلت على سليمان كما رومل.وكم من سلطان قضى مسموما بكيد احداهن وما اجمل الاستانة على البوسفور يرقد في مائها من عصى او تآمر على السلطان، ونعود مع كمال صليبي في تاريخ لبنان الحديث الذي برهن اننا كنا ادوات صغيرة من حروب 1860 فتاريخنا هو حكايات وسوالف متنوعة لشيخ من هنا وشيخ من هناك وبيت طبعا وحديثي النعمة وما اكثرهم اليوم، ولكن هذه الفسيفساء الجامعة للاضداد خرج منها كبار كجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة واليوم نفتخر بأمين معلوف الذي التحق بالخالدين.
واعترف انني سقطت في علم النفس مع ندى تقي الدين ونديم خلف في الاقتصاد ولم افهم حتى هذه اللحظة لماذا كان يجب علينا ان نعود للقواعد العربية مع سامي مكارم. هذا هو الجو الذي كان سائدا في الجامعة الاميركية في قاعاتها او خارجها في الدردشة في مطعم فيصل.
سمح لي هذا الجو ولو لبرهة من الزمن لأن اطل على عالم بتعقيداته وتشعباته وتراثه الانساني فوق كل حدود، ان اتثقف واصقل شخصيتي".
الطريق إلى القدس لا تمرّ في جونيه!
اضاف "تعلمت ان التاريخ لا ينتهي فلا حقيقة مطلقة، بل كل شيء نسبي، لكن المحيط في تلك الايام، معطوفا على عنفوان الشباب، وكل هذا على وقع خطابات جمال عبد الناصر وصوت الجماهير والشباب الهادر وبداية التلاحم اللبناني الفلسطيني، الذي من خلاله التحم البلد ببعضه البعض ولا يزال والانقسام الحاد بين كميل شمعون وكمال جنبلاط واليمين واليسار والحركة الوطنية والانعزال واستباحة فلسطين والجنوب، ومعسكر السلام السوفياتي تقابله الامبريالية الاميركية المتوحشة، كل هذه العوامل قضت على امكانية الانفتاح وارست الحواجز واصبح العقل فيها لاحقا اسيرا وهذا المصطلح ليس لي بل لمفكر اوروبي، وما يصح في الستالينية يصح في الفاشية وورثنا في العالم العربي الكثير من هنا وهناك.وكيف اضيع واضيع، العقل الاسير جعلنا نؤمن ان الطريق الى القدس تمر بجونية والعقل الاسير كائن من كان جعلنا ندخل في حافلة عين الرمانة، في الاغتيال تلو الاغتيال. بالامس كنا يمينا ويسارا وصرنا اليوم 14 و 8 والجواب بسيط سهل جدا حيث لم يعد من قادة تاريخيين يفكرون عنا وصار العالم بقبضتنا بالفايسبوك".
وتابع "خرج اليوم مواطن عربي فقير بسيط ومتواضع ومهمش ولكن بارادة لا تتزعزع ليقول اريد كرامتي وحريتي، لا حزب قائد فيها ولا سلطان معصوم، انزلوا عن عروشكم، انصفوا او ارحلوا، لماذا اليوم هذه الثورة وهذه الانتفاضة، فجوابا على العقل الاسير او العقول الاسيرة بأن الثورات العربية مؤامرة اميركية او ما شابه. يقول لينين " تمر عقود ولا شيء، يحدث وتمر اسابيع وكأن عقودا تحدث".
وختم "سيثبت لنا هذا المواطن العربي البسيط والحر بأن الشعوب الحرة هي وحدها التي تحرر المقموعة منها او الاسيرة في فلسطين وغيرها، وتكون هذه المرحلة ومضة للانعتاق من عقلنا الاسير.

الأزهر: لا دولـة ديـنـيـة فـي الإســلام

أطلق شيخ الأزهر أحمد الطيب «وثيقة الأزهر» بشأن مستقبل مصر في الفترة المقبلة، وتضمنت التوافق على مبادئ عدة، من بينها «قيام دولة وطنية ديموقراطية على أساس دستور يرتضيه جميع المصريين، والتمسك بالثقافة الإسلامية والعربية والاحترام الكامل لدور العبادة ومناصرة حقوق الفلسطينيين».
وأكد الطيب في مؤتمر صحافي عقده مع مجموعة من الأدباء والكتاب في مشيخة الأزهر في القاهرة «أهمية اعتماد النظام الديموقراطي القائم على الانتخاب الحر المباشر». واعتبر أن «ذلك الإجراء يدعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديموقراطية الحديثة التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة ويفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة، ويحدد إطار الحكم ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح». وأوضح ان «الإسلام لم يعرف في حضارته ولا تشريعاته ولا تاريخه ما يُعرف بالثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس وعانت منها البشرية في بعض مراحل التاريخ». الا ان شيخ الازهر شدد على ضرورة ان «تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع وبما يضمن لاتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية في قضايا الأحوال الشخصية».
وأكد الطيب على «ضرورة الالتزام بمنظومة الحريات الأساسية في الفكر والرأي مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والمرأة والطفل، واعتبار المواطنة وعدم التمييز على أساس من الدين أو النوع أو الجنس أو غير ذلك مناط التكليف والمسؤولية، وتأكيد مبدأ التعددية، واحترام جميع العقائد الدينية السماوية الثلاث».
وقدمت مجموعة من الأدباء والمفكرين والعلماء قبيل المؤتمر الصحافي لشيخ الأزهر ورقة حول «رؤية الازهر والمثقفين لمستقبل مصر»، شارك في وضعها الرئيس السابق للجامعة الإسلامية بباكستان حسن الشافعي، والمفكر الإسلامي وعضو مجمع البحوث الإسلامية أحمد كمال أبو المجد، ومصطفى الفقي، والمفكرون سمير مرقص وليلى تكلا وجلال أحمد أمين وجابر أحمد عصفور والروائيون جمال الغيطاني ويوسف القعيد وبهاء طاهر والمخرج محمد فاضل.
وأضاف الطيب أن الوثيقة تهدف الى «تحديد المبادئ الحاكمة لفهم علاقة الاسلام بالدولة في المرحلة الدقيقة الراهنة ودعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديموقراطية»، وتشدد على «الالتزام بمنظومة الحريات الأساسية في الفكر والرأي، مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والمرأة والطفل، والتأكيد على مبدأ التعددية واحترام الأديان السماوية، واعتبار المواطنة مناط المسؤولية في المجتمع» ، وعلى ضرورة «الاحترام التام لآداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار، وضرورة اجتناب التكفير والتخوين واستغلال الدين واستخدامه لبعث الفرقة والتنابذ والعداء بين المواطنين، مع اعتبار الحث على الفتنة الطائفية والدعوات العنصرية جريمة في حق الوطن». كما تؤكد الوثيقة على «وجوب اعتماد الحوار المتكافئ والاحترام المتبادل والتعويل عليهما في التعامل بين فئات الشعب المختلفة، من دون أي تفرقة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين».
ودعا علماء الأزهر والمثقفون في الوثيقة إلى «تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، ومواجهة الاستبداد ومكافحة الفساد والقضاء على البطالة، بما يفجر طاقات المجتمع وابداعاته في الجوانب الاقتصادية والبرامج الاجتماعية والثقافية والإعلامية على أن يأتي ذلك على رأس الأوليات التي يتبناها شعبنا في نهضته الراهنة، مع اعتبار الرعاية الصحية الحقيقية والجدية واجب الدولة تجاه كل المواطنين جميعاً

رؤية لجان التنسيق المحلية في سوريا لمطالب الثورة الشعبية ومستقبل سوريا

انقضت ثلاثة أشهر على تفجر الثورة السورية الكبرى، أظهر خلالها الشعب السوري شجاعة استثنائية، وكافح من أجل حريته مقدما أكثر من ألف وأربعمئة من أبنائه شهداء، وفوق عشرة آلاف من المعتقلين. لقد واجه النظام الاستبدادي الفاسد احتجاجات الشعب بالنهج الدكتاتوري نفسه الذي أدى إلى تفجرها. فأطلق يد أجهزته الأمنية الإجرامية تغتال المواطنين وتعتقلهم وتعذبهم، وزج الجيش الوطني في مواجهة مع شعبه، كأنه ليس لسورية أرض محتلة، وعمل على إثارة المخاوف الطائفية بين السكان والعبث غير المسؤول بالنسيج الوطني، وسخر أجهزة الإعلام العامة لتجريم الثورة والتحريض على قتل المحتجين السلميين.
والقضية المطروحة اليوم على السوريين جميعا هي كيفية الخروج من الأزمة الوطنية التي ترتبت على مواجهة الثورة الشعبية العادلة بالعنف القاتل. ولا نرى غير واحد من مخرجين:
إما ترتيب تفاوضي سلمي للتحول نحو نظام ديمقراطي تعددي قائم على الانتخابات الحرة، يطوي صفحة نظام الحزب الواحد، والرئيس الذي تتجدد ولايته إلى الأبد، والحكم الوراثي، وحصانة الأجهزة الأمنية، واستخدام الدولة لحماية سارقي الشعب، والإعلام التحريضي الكاذب؛ أو دفع البلاد في نفق المجهول عبر المضي في خيار العنف ضد الاحتجاجات الشعبية السلمية، والتضحية بسورية من أجل بقاء نظام غير أخلاقي، لا يحترم نفسه ولا شعبه. ويحمل هذا الخيار الأخير مخاطر التدويل والنزاعات الأهلية، مما يتحمل النظام وحده المسؤولية الكاملة عنه. إننا لا نقبل بحال من الأحوال وضع الكرة في ملعب الثورة الشعبية السلمية، ومطالبتها بالتوقف، بذريعة أن النظام لن يتوقف عن القتل والتخريب. لا يجوز أن يُكافأ المجنون على جنونه، وليس مقبولا أن تبقى سورية رهينة بيد خاطفين غير مسؤولين إلى هذا الحد.
إننا نخاطب هنا الشعب السوري بمختلف أطيافه، ومن يحتمل أن لديهم شيئا من الغيرة على وطنهم من القريبين من النظام، ليساهموا في تجنيب البلاد المصير الذي تقودها إليه الطغمة الحاكمة، وندعو إلى وقفة ضميرية تصون سورية وشعبها، وتفتح لهما أبواب المستقبل. نقول للجميع بكل وضوح إن القضية المركزية والهدف الأول للثورة هو تغيير النظام السياسي، متمثلا كنقطة انطلاق من إنهاء ولاية الرئيس الحالي، المسؤول سياسيا وقانونيا عما ارتكبه نظامه بحق سورية والشعب السوري. هنا نقطة البداية للخروج من الأزمة، وغير ذلك هو التفاف على تضحيات الشعب السوري وتمديد للأزمة الوطنية التي تهدد مستقبل المجتمع السوري وكيان البلاد.
لتجنب هذه الآفاق القاتمة، هذه عناصر رؤيتنا لإنقاذ البلاد:
أولا: وكما أكدت لجان التنسيق المحلية في بيانيها السابقين، لا بد فورا من:
1. وقف القتل والعنف واستهداف المظاهرات من قبل أجهزة الأمن والميلشيات والشبيحة المرتبطين بهم.
2. الإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين جميعا، القدامى والجدد، ووقف الاعتقال والملاحقة بحق ناشطي الثورة والمعارضة.
3. وقف التجييش الإعلامي ضد المتظاهرين، والسماح لوسائل الإعلام العربية والدولية بدخول البلاد للاطلاع على الحقيقة على الأرض.
4. إن الثورة ستستمر، ولن يتوقف التظاهر السلمي ودون ترخيص مسبق، لأنه سلاح الشعب للدفاع عن حقوقه.
ثانيا: نؤيد فكرة الدعوة إلى مؤتمر وطني له موضوع واحد، هو التحول نحو نظام ديمقراطي تعددي، قائم على الحريات العامة والمساواة الحقوقية والسياسية بين السوريين.
1. مهمة المؤتمر هي ضمان تنحٍ سلمي وآمن للنظام القائم، وذلك بغرض تجنيب البلد مخاطر الانهيار العنيف. وهي أيضا التأسيس التوافقي لنظام جديد قائم على الحرية والمساواة وحكم القانون، يقطع الطريق على احتمالات الفوضى والأعمال الانتقامية.
2. يحدد المؤتمر فترة انتقالية لا تتجاوز ستة أشهر، يتولى الحكم خلالها مجلس انتقالي مكون من مدنيين وعسكريين، ويجري خلالها فتح وسائل الإعلام العامة للمجتمع وحراكه السياسي، وحل الأجهزة الأمنية وتولي الجيش مؤقتا أمن البلاد، وفصل الحزب عن الدولة، وحل "المنظمات الشعبية"، وإطلاق حرية العمل السياسي والنقابي، وضمان حق التظاهر السلمي.
3. وفي خلالها يجري انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستورا جديدا للبلاد، يتضمن تحديد سلطات رئيس الجمهورية، وقصر ولايته على مدتين، كل منهما أربع سنوات فقط, وينهي إقصاء الإيديولوجيات والأحزاب الأخرى المكونة لنسيج الشعب السوري.
4. يشارك في المؤتمر سياسيون من طرف النظام، لم تتلوث أيديهم مباشرة بدماء السوريين ولا بسرقة أموالهم. ويشارك فيه ممثلون عن المعارضة في الداخل والخارج، وممثلون لناشطي الثورة الميدانيين وغير الميدانيين. ويراقبه الإعلام المستقل وممثلو المجتمع المدني في العالم.
ثالثا: إن المبادئ التي نتطلع إلى أن تضبط حياتنا العامة في سورية الجديدة، هي:
1. سورية جمهورية ودولة مدنية يملكها السوريون، وليس فردا أو أسرة أو حزبا. وهي لا تورث من آباء لأبناء.
2. السوريون شعب واحد، أفراده متساوون في الحقوق والواجبات، لا ينال أحد منهم امتيازا أو ينتقص من حقوقه بسبب أصله الديني أو المذهبي أو الإثني.
3. ستنال كل المجموعات القومية الثقافية والدينية المكونة للمجتمع السوري الاحترام في سورية الجديدة،على أساس المواطنة ولن تحظى أي منها بامتياز خاص في الدولة. ولكل منها حقوق وواجبات على قدم المساواة مع الجميع. وعليه يبدو ضرورياً وأمراً ملحاً أن تتجاوز تماماً الدولة السورية مستقبلاً, ماضيها الاستبدادي, وتتخلص من ميراث التعسف بحق الكورد أو المجموعات الأخرى, عبر مجموعة من التدابير السياسية والتشريعية, وحتى الرمزية, التي تؤهلها لأن تكون دولة عموم مواطنيها
4. العدالة والتسامح، لا الثأر ولا الانتقام، هما المبدآن الناظمان لمعالجة أية خصومات بين السوريين.و إزالة آثار الغبن القومي والاضطهاد الذي تراكم خلال عقود من سياسات البعث.
5. لا حصانة لأحد فوق القانون،والمحاسبة مبدأ شامل لا استثناء لأحد منه.
6. إن الموارد الوطنية ملك للسوريين جميعا، وإن ثمار التنمية ينبغي أن توجه نحو رفع مقدرات ومستوى حياة الشرائح والفئات الأكثر حرمانا.
7. ان سورية الجديدة حرة ومستقلة الإرادة, وملتزمة مع المجتمع الدولي باتفاقياتها التي تضمن حقوقها الوطنية والقومية.
8. إن أية مصالح مشروعة قائمة اليوم لن يلحق بها الضرر، لكن ليس مقبولا أن تحمي الدولة أوضاعا سياسية واقتصادية تمييزية وغير عادلة.
رابعا: إن الثورة الشعبية هي مصدر الشرعية السياسية في البلاد، وإنها مستمرة إلى حين تحقيق أهداف الشعب السوري في الحرية والمساواة والكرامة.
الرحمة لشهدائنا الأبرار والنصر لثورتنا من أجل سورية حرة ديمقراطية

لجان التنسيق المحلية في سوريا

11-6-2011

رؤية لجان التنسيق المحلية في سوريا لمطالب الثورة الشعبية ومستقبل سوريا

انقضت ثلاثة أشهر على تفجر الثورة السورية الكبرى، أظهر خلالها الشعب السوري شجاعة استثنائية، وكافح من أجل حريته مقدما أكثر من ألف وأربعمئة من أبنائه شهداء، وفوق عشرة آلاف من المعتقلين. لقد واجه النظام الاستبدادي الفاسد احتجاجات الشعب بالنهج الدكتاتوري نفسه الذي أدى إلى تفجرها. فأطلق يد أجهزته الأمنية الإجرامية تغتال المواطنين وتعتقلهم وتعذبهم، وزج الجيش الوطني في مواجهة مع شعبه، كأنه ليس لسورية أرض محتلة، وعمل على إثارة المخاوف الطائفية بين السكان والعبث غير المسؤول بالنسيج الوطني، وسخر أجهزة الإعلام العامة لتجريم الثورة والتحريض على قتل المحتجين السلميين.
والقضية المطروحة اليوم على السوريين جميعا هي كيفية الخروج من الأزمة الوطنية التي ترتبت على مواجهة الثورة الشعبية العادلة بالعنف القاتل. ولا نرى غير واحد من مخرجين:
إما ترتيب تفاوضي سلمي للتحول نحو نظام ديمقراطي تعددي قائم على الانتخابات الحرة، يطوي صفحة نظام الحزب الواحد، والرئيس الذي تتجدد ولايته إلى الأبد، والحكم الوراثي، وحصانة الأجهزة الأمنية، واستخدام الدولة لحماية سارقي الشعب، والإعلام التحريضي الكاذب؛ أو دفع البلاد في نفق المجهول عبر المضي في خيار العنف ضد الاحتجاجات الشعبية السلمية، والتضحية بسورية من أجل بقاء نظام غير أخلاقي، لا يحترم نفسه ولا شعبه. ويحمل هذا الخيار الأخير مخاطر التدويل والنزاعات الأهلية، مما يتحمل النظام وحده المسؤولية الكاملة عنه. إننا لا نقبل بحال من الأحوال وضع الكرة في ملعب الثورة الشعبية السلمية، ومطالبتها بالتوقف، بذريعة أن النظام لن يتوقف عن القتل والتخريب. لا يجوز أن يُكافأ المجنون على جنونه، وليس مقبولا أن تبقى سورية رهينة بيد خاطفين غير مسؤولين إلى هذا الحد.
إننا نخاطب هنا الشعب السوري بمختلف أطيافه، ومن يحتمل أن لديهم شيئا من الغيرة على وطنهم من القريبين من النظام، ليساهموا في تجنيب البلاد المصير الذي تقودها إليه الطغمة الحاكمة، وندعو إلى وقفة ضميرية تصون سورية وشعبها، وتفتح لهما أبواب المستقبل. نقول للجميع بكل وضوح إن القضية المركزية والهدف الأول للثورة هو تغيير النظام السياسي، متمثلا كنقطة انطلاق من إنهاء ولاية الرئيس الحالي، المسؤول سياسيا وقانونيا عما ارتكبه نظامه بحق سورية والشعب السوري. هنا نقطة البداية للخروج من الأزمة، وغير ذلك هو التفاف على تضحيات الشعب السوري وتمديد للأزمة الوطنية التي تهدد مستقبل المجتمع السوري وكيان البلاد.
لتجنب هذه الآفاق القاتمة، هذه عناصر رؤيتنا لإنقاذ البلاد:
أولا: وكما أكدت لجان التنسيق المحلية في بيانيها السابقين، لا بد فورا من:
1. وقف القتل والعنف واستهداف المظاهرات من قبل أجهزة الأمن والميلشيات والشبيحة المرتبطين بهم.
2. الإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين جميعا، القدامى والجدد، ووقف الاعتقال والملاحقة بحق ناشطي الثورة والمعارضة.
3. وقف التجييش الإعلامي ضد المتظاهرين، والسماح لوسائل الإعلام العربية والدولية بدخول البلاد للاطلاع على الحقيقة على الأرض.
4. إن الثورة ستستمر، ولن يتوقف التظاهر السلمي ودون ترخيص مسبق، لأنه سلاح الشعب للدفاع عن حقوقه.
ثانيا: نؤيد فكرة الدعوة إلى مؤتمر وطني له موضوع واحد، هو التحول نحو نظام ديمقراطي تعددي، قائم على الحريات العامة والمساواة الحقوقية والسياسية بين السوريين.
1. مهمة المؤتمر هي ضمان تنحٍ سلمي وآمن للنظام القائم، وذلك بغرض تجنيب البلد مخاطر الانهيار العنيف. وهي أيضا التأسيس التوافقي لنظام جديد قائم على الحرية والمساواة وحكم القانون، يقطع الطريق على احتمالات الفوضى والأعمال الانتقامية.
2. يحدد المؤتمر فترة انتقالية لا تتجاوز ستة أشهر، يتولى الحكم خلالها مجلس انتقالي مكون من مدنيين وعسكريين، ويجري خلالها فتح وسائل الإعلام العامة للمجتمع وحراكه السياسي، وحل الأجهزة الأمنية وتولي الجيش مؤقتا أمن البلاد، وفصل الحزب عن الدولة، وحل "المنظمات الشعبية"، وإطلاق حرية العمل السياسي والنقابي، وضمان حق التظاهر السلمي.
3. وفي خلالها يجري انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستورا جديدا للبلاد، يتضمن تحديد سلطات رئيس الجمهورية، وقصر ولايته على مدتين، كل منهما أربع سنوات فقط, وينهي إقصاء الإيديولوجيات والأحزاب الأخرى المكونة لنسيج الشعب السوري.
4. يشارك في المؤتمر سياسيون من طرف النظام، لم تتلوث أيديهم مباشرة بدماء السوريين ولا بسرقة أموالهم. ويشارك فيه ممثلون عن المعارضة في الداخل والخارج، وممثلون لناشطي الثورة الميدانيين وغير الميدانيين. ويراقبه الإعلام المستقل وممثلو المجتمع المدني في العالم.
ثالثا: إن المبادئ التي نتطلع إلى أن تضبط حياتنا العامة في سورية الجديدة، هي:
1. سورية جمهورية ودولة مدنية يملكها السوريون، وليس فردا أو أسرة أو حزبا. وهي لا تورث من آباء لأبناء.
2. السوريون شعب واحد، أفراده متساوون في الحقوق والواجبات، لا ينال أحد منهم امتيازا أو ينتقص من حقوقه بسبب أصله الديني أو المذهبي أو الإثني.
3. ستنال كل المجموعات القومية الثقافية والدينية المكونة للمجتمع السوري الاحترام في سورية الجديدة،على أساس المواطنة ولن تحظى أي منها بامتياز خاص في الدولة. ولكل منها حقوق وواجبات على قدم المساواة مع الجميع. وعليه يبدو ضرورياً وأمراً ملحاً أن تتجاوز تماماً الدولة السورية مستقبلاً, ماضيها الاستبدادي, وتتخلص من ميراث التعسف بحق الكورد أو المجموعات الأخرى, عبر مجموعة من التدابير السياسية والتشريعية, وحتى الرمزية, التي تؤهلها لأن تكون دولة عموم مواطنيها
4. العدالة والتسامح، لا الثأر ولا الانتقام، هما المبدآن الناظمان لمعالجة أية خصومات بين السوريين.و إزالة آثار الغبن القومي والاضطهاد الذي تراكم خلال عقود من سياسات البعث.
5. لا حصانة لأحد فوق القانون،والمحاسبة مبدأ شامل لا استثناء لأحد منه.
6. إن الموارد الوطنية ملك للسوريين جميعا، وإن ثمار التنمية ينبغي أن توجه نحو رفع مقدرات ومستوى حياة الشرائح والفئات الأكثر حرمانا.
7. ان سورية الجديدة حرة ومستقلة الإرادة, وملتزمة مع المجتمع الدولي باتفاقياتها التي تضمن حقوقها الوطنية والقومية.
8. إن أية مصالح مشروعة قائمة اليوم لن يلحق بها الضرر، لكن ليس مقبولا أن تحمي الدولة أوضاعا سياسية واقتصادية تمييزية وغير عادلة.
رابعا: إن الثورة الشعبية هي مصدر الشرعية السياسية في البلاد، وإنها مستمرة إلى حين تحقيق أهداف الشعب السوري في الحرية والمساواة والكرامة.
الرحمة لشهدائنا الأبرار والنصر لثورتنا من أجل سورية حرة ديمقراطية

لجان التنسيق المحلية في سوريا

11-6-2011

الجمعة، 17 يونيو 2011

تعقيب على رسالة أدونيس.. "عن أمل لا شفاء منه"

عباس بيضون
كان ينبغي أن تكون لأدونيس كلمة. انه أكبر مثقف سوري حي وعليه واجب الشهادة على الأقل فيما بلاده تغرق وتتداعى. لكن شهادة أدونيس، ولنسمها وساطته تأخرت كثيراً عن الأحداث حتى باتت متخلفة عنها وتأخرت بوجه خاص عن مراسَلِها الرئيس السوري الذي منذ ذلك الحين اختار الطريق الذي لا عودة عنه. لقد صار وسط النهر ولم يعد أمامه إلا ان يتقدم فيه إلى الامام. وليست مناشدته الرجوع او التحول سوى ضرب من التنكر للواقع والغياب عنه. وساطة أدونيس إذا في غير وقتها. غير ان التأخر ليس مجرد خطأ في الحساب. انه تقريباً موقف. إذ ان أمل أدونيس في الرئيس وفي النظام ليس مرهوناً بوقت ولا بظرف ولا بمرحلة، انه أمل دائم، فأدونيس لا يزال ينتظر الحل من الرئيس ونظامه، ومهما كان مسار الأحداث وتطوراتها فإنه لا يتوب عن هذا الأمل. وإذا كان جواب النظام على رسالة أدونيس قائما في سلسلة أحداث لا تدحض فإن أدونيس المرتاع يزداد إصراراً على ان ينتظر ويزيده الهول اصراراً. الجواب بالنسبة له من فوق وكلما اشتدت الضائقة وأزداد إلحاح الظرف كلما استعجل صدوره من فوق وكلما زاده ذلك ايماناً بأن لا حل إلا من هنا، لا يثنيه عن ذلك ان النظام اختار وانه سار قدما في اختياره. اختار ما سماه أدونيس الطريق «العنفي الأمني» وسار شوطاً فيه.
أمل أدونيس في النظام مأزقي. ليس من ثقة في النظام ولا هو تزكية له، فرسالة أدونيس إلى الرئيس ان انتظمها شيء فهو هذه الخيبة في النظام «القومي العلماني» الذي تنكر لمبادئه ولأسسه واستحال «رجعياً ودينياً» وحمل بالتالي «بذرة سقوطه». يمنح أدونيس النظام والرئيس املا مجانياً لا يجتهد ليجد حجة واحدة على إمكانه. غير ان منطق رسالة أدونيس هو ان «الأمل» في النظام غير المبرر هو الجواب البديهي عن اليأس من المعارضة. إذا اتهم أدونيس حزب البعث بأنه استحال رجعياً ودينياً فلأنه، بحسب أدونيس، تدهور إلى حالة معارضيه. لا يشك أدونيس ولو انه يضمن ذلك ثنايا السطور في أن معارضة النظام سلفية دينية عشائرية طائفية، فمأساة الحزب هي في ان خصومه يحاربونه «هو الوحدوي العلماني في الأصل» تحت رايات بينها راية الطائفية او جمعة العشائر...». لا يشك أدونيس في ان الحزب في أسوأ ما يتردى إليه يغدو شبيهاً بمعارضيه، ذلك يعني أن المعارضة ليست فقط من جنس خصمها وليست فقط شبيهة به تشاركه في «انهيار سوريا وتشويه صورتها الحضارية بوحل «الطائفية» و«العشائرية» و«المذهبية» ووحل التدخل الخارجي ووحل التعذيب والقتل والتمثيل بجثث القتلى»، أما الشبه البعيد بين الحزب ومعارضته فناتج عن ان الحزب انقلب على نفسه وتنكر لمبادئه، أما المعارضة فلم تنقلب على نفسها ولم تتنكر لمبادئها. انها هكذا في الأصل وهذه هي مبادؤها. وهذه هي، لا تملك المعارضة وعياً شقيا ولا أزمة ضميرية كما يملك النظام وحزبه. فهذا هو وعيها وهذا هو ضميرها. أمل أدونيس في الرئيس وفي النظام ليس من لا شيء. ان له مرجعاً في ماضي الحزب وأصله وضميره الداخلي. وليس للمعارضة بالطبع شيء من ذلك فلا أمل فيها البتة. انها تنسجم مع نفسها حين تكون عشائرية طائفية. ألسنا نشعر هنا بأن أدونيس يلقي بتبعة تردي الحزب على عاتق المعارضة. ألسنا نرى ان انحرافه إلى الرجعية والدين والعشائرية وربما القتل كان تحت ضغط المعارضة التي اضطرته إلى محاكاتها. المعارضة نعم، فخطأ السلطات اليوم كما يقرر أدونيس انها «تبنت السياق التقليدي القديم وأكدت منطقه وأساليبه». اما هذا السياق التقليدي القديم، أي السابق على البعث، فهو بدون شك حال المجتمع ما قبل البعث، المجتمع الذي تتمرغ فيه المعارضة اليوم. المعارضة إذن هي ناتج العلاقات التقليدية التي تردى إليها الحزب الحاكم، يمكن القول إذن إن للنظام (وأدونيس في رسالته يفضل ان يتهم الحزب) أفضليه على المعارضة فهو ليس مثلها ناتج العلاقات التقليدية لكنه تردى إليها تحت ضغط ظروف قاهرة، أما المعارضة فهي بنت ووريثة هذه العلاقات وليس لها في هذا المجال سابقة اختلاف تتذكرها ولا أصل آخر تعود إليه ولا ماض يضغط على ضميرها وعلى وعيها. للحزب، بحسب أدونيس، بدون شك سابقة من هذا النوع يجوز تذكيره بها ومناشدته العودة إليها. هذا بالتأكيد ما يبرر وساطة أدونيس او رسالته إلى الرئيس التي لم تكن لولا انه يعوّل على الرئيس ويأمل فيه. هذا ما يفسر عودة أدونيس إلى طفولة الحزب و«براءته» الاولى رغم ان بينه وبين هذه البداية أكثر من نصف قرن حافل بالتقلبات والانقلابات على النفس وعلى الأصل وعلى البدايات. انه نصف قرن لا ينفع التذكير به في اعادة الروح إلى الحزب او النظام لكنه يقيم فاصلاً خيالياً بين النظام والمعارضة لمصلحة النظام وقيادته. أي ان الفارق هنا هو بين نسب النظام ونسب المعارضة، فنسب النظام خير من نسب المعارضة ولنا أمل في هذا النسب في حين ان نسب المعارضة صريح في تخلفه وفي تقليديته وفي رجعيته وفي سلفيته. انه حكم مبرم على المعارضة ليس له ما يماثله في الحكم على النظام الذي يبرر الأمل فيه براءته الأولى وماضيه «الخيالي». ماضيه الخيالي، اقول، لأن كل عودة إلى الماضي خيالية ولأن ماضي النظام الراهن ليس بهذه البراءة الأولى ولا ماضي الحزب الذي يتموه به. لكن أدونيس لا يفتأ يدفع الصراع الحالي إلى ثنائيات بسيطة. انه ليس فقط صراع العلمانيين المنقلبين على أنفسهم مع الطائفيين بالولادة. بل صراع عقليتين مغلقتين «السلفية الدينية والحزبية البعثية»، بين ثقافتين أحاديتين ومتدينتين. لكن الصراع في حقيقته وواقعه ليس ثقافياً، انه صراع أداته القتل، القتل الذي يرد في مقالة أدونيس مرة واحدة وما عداها يبدو صراعاً عقلياً وفكرياً وثقافياً، ما جرى في درعا وحماه وحمص وجسر الشغور لم يكن بحال حرب أفكار، بل حرب إزهاق الأرواح والقتل بدم بارد، والقتل الأعمى مادتها ووسائلها. الدم في الشوارع كان نيرودا يقول وليس معقولاً ان نجد مكان الدم أفكاراً ومكان الجثث تجريدات. ان حق الحياة هو ما ينبغي ان نعيره التفاتنا عندئذ والدفاع عن هذا الحق ضد إغراقه في الدم هو ما يجب ان نقف عنده. ليس الصراع الفكري هو ما يستفزنا ولكن خنقه بالاغتيال والإعدام والتعذيب. ليس الفكر المنغلق عدونا الرئيس ولكن تحوله إلى سلاح تصفية جسدية واستحلاله لنفسه إبادة الآخر وإلغاءه جسدياً.
ثم ماذا يعني هذا الإلحاح على اتهام حزب البعث وجلده، وكلنا نعلم ان الحزب تحول من عقود إلى سلطان وإلى ملك عضوض وإلى حكم. أليس يعني ذلك اتهام الثوب والعفو عن الرجل، ألا يعني اتهام القناع بدلاً من تعرية الوجه. ألا يعني تقريباً أمثلة الخصم وسحقه فكرياً فيما يبقى الخصم الحقيقي، بعيداً عن السمع، مستريحاً على رأس جهازه الأمني والبوليسي وعلى سلاحه الفعلي.
إن تبسيط الصراع بين سلفية وبعثية يغيب الصراع نفسه ويجعله بلا قضية، فيما ان الديموقراطية والحرية ليستا غائبتين عنه. إن الحراك العربي الحالي يطرح الحرية كقضية ولأول مرة في عصرنا الحديث، فيما انقضى الوقت السابق في مديح القوة حتى الاستبداد وحتى الهيمنة العسكرية. إن ما جرى في مصر مثل رائع على تبلور هذه القضية وما لحق مصر وتونس من انتفاضات ليس بعيداً عنها. لا يكفي القول ان الديموقراطية من خارج التراث الثقافي العربي فالأدب الحديث هو أيضاً كذلك ولا يعني هذا براءتنا منه، لا شك في ان الحرية هي قضية المتظاهرين العرب الأولى الآن، لا يعيب ذلك ان الإسلاميين جزء من هذا الحراك، فالاستبداد الذي خنق كل حراك مسؤول عن ذلك وبدلاً من ان نعينه عليهم علينا ان نتمسك بالقضاء الديموقراطي كساحة للجميع وكحد للجميع.
نص أدونيس عامر بنقد الحزب والنظام، لكن ما جرى وما يجري يومياً تجاوز ذلك بكثير. تجاوزت الأحداث أمل أدونيس وأكثر ما نخشاه ان لا يشفى منه.

الأربعاء، 15 يونيو 2011

بساطة أدونيس ومرجعية "السيد الرئيس"

أحمد بيضون

لا يملك أدونيس أن يسمي مدينة أو قرية مشّطتها المدافع أو ديس أهلها بالنعال. لا يملك أن يقول: درعا، بانياس، حماه، جسر الشغور، إلخ. لا يجد سبيلاً إلى ذكر ضحية بالاسم أو تعيين حادثة جرت في الشهور الثلاثة المنصرمة، وهي عمر الحركة الديمقراطية الجارية في سوريا، ولا في الأعوام الأربعين الماضية وهي عمر استبداد آل الأسد ورهطهم بالبلاد والعباد... ليس في هذه الرسالة غير الاسم النظيف الأنيق لما يجري: "الحل الأمني" وليس فيها فاعلون غير الحزب والعشائر والدين... وهذه كلها مثل أفلاطونية تنتهي إلى الاندراج في جهة واحدة. في الجهة الأخرى، يظهر مثقفون وشبان وشابات وتسمع "أصوات" تستحق ثناء أدونيس لتمثيلها "المواطنة" ولكن هذه الجماعة ضعيفة الحول، موعودة بالسحق على أيدي العتاة المنظمين...
يبقى "السيد الرئيس" الذي يبدو وكأنه جهة ثالثة يسعها الخروج من الجهة الأولى وعليها، وتسعها الاستجابة الحرّة لمطالب الجهة الأخرى: لا لأن في هذه الجهة تصميماً أو عزماً يملي الاستجابة ولكن لأن "السيد الرئيس" معني (من تلقاء ضميره، على ما يتراءى من منطق الرسالة) بمصير البلاد ولا يهون عليه أن يراها تتمزّق. الرئيس، على ما يبدو، هو القادر على تحييد ما يبدو أن أدونيس يخشاه في الحركة الشعبية: أي غلبة المتدينين والطائفيين والعشائر. والرئيس قادر على ذلك بعد أن ينحّي الحزب الذي فات أوان إصلاحه وبعد أن يسمو فوق العشائر والطوائف التي يبدو هذا الرئيس، عند أدونيس، بريئاً منها جميعاً. يصبح الرئيس كلي القدرة إذن حالما يتخفف من كل ما جعله رئيساً وأدامه وأدام أباه قبله في دست الحكم. وهو يصبح فارس الديمقراطية ينشرها على سوريا من هذه السماء السابعة وفي مواجهة لغليان في البلاد كنا قد علمنا من أدونيس أن الظلاميين والطائفيين والعشائر أقوى أطرافه وأوثقها إمساكاً بزمام المستقبل.ا
ينكر أدونيس أن تكون للحركة الجارية مطالب متوافق عليها. وحجته أن الحركة لم تنشر وثيقة وقّعها جميع أطرافها. لا صحّة لهذا فالحركة قالت الكلام السياسي نفسه، من حيث الأساس، بمائة لسان. وأدونيس لا يعدو أن يكرر هذا الكلام نفسه تقريبا، بلغته المعلومة، حالما يصل من رسالته إلى باب الاقتراحات. هذه واحدة. الثانية أن أدونيس يغلق الأفق كليا، في واقع أمره، أمام فرسيه المدللين: المواطنة المقرونة بالفردية والديمقراطية المتولدة منها أو المبنية عليها. هو يغلق هذا الباب لا في وجه السوريين وحدهم بل في وجه العرب والمسلمين أجمعين، على الظاهر. يغلق هذا الباب حين يأبى أن يرى في الحركة الجارية، على اتساعها، طورا مفتوحا على الاحتمال الديمقراطي، أي على احتمال الالتحاق بالعالم المعاصر، لا أكثر ولا أقل. وهذا التحاق لا حظ له في التحقق إلا في مساق متعدد الأطراف ومتناقض: مساق لا يملك أدونيس ولا غيره أن يجزم بمصيره بجرة قلم. ولا كان المثال الديمقراطي يجيز لأدونيس أن يستجير من حركة شعبية لها هذه السعة وهذا البأس برئيس كامل المسؤولية، لا عن القمع الجاري اليوم وحسب، بل عن كل ما نهضت هذه الحركة في وجهه، أصلاً. بل أيضاً عن جانب من عورات هذه الحركة نفسها أي عن بعض عشائريتها السياسية وعن بعض طائفيتها السياسية أيضاً
في المنطق العميق لرسالة أدونيس أنه كان على الحركة الجارية أن تقودها جهة واحدة تقول كلاماً واحداً: تقوله وتفرضه حالما تقوله. فلا يكون طمس لملامح الديمقراطية (وهي المفترضة جلية سلفاً) في لغو الأفرقاء المتداخل. ولا يكون رهن للديمقراطية بصراع ومخاض يستغرقان زمناً ويحتملان التردد والتقدّم والنكوص. وذاك أن أدونيس لا يقرّ بأهمّية الزمن إلا بعد أن يفترض للثقافة حدوداً مغلقة، غير مميّز في ذلك بين حال وحال ولا بين زمن وزمن. وهو لا يبقي للتغيير من مناط يعتدّ به، من بعد، غير القبول والرضى من جانب "السيد الرئيس": الرئيس الذي يزيد طينه وطين السوريين قبله بلة أنه "رئيس منتخب".
الطوائف والعشائر غالبة في المجتمع، والدين والعصبية مستوليان على العقول ولا أمل والحالة هذه في حركة أية كانت. إذ كيف ترانا نخرج، وبفعل أية استحالة داروينية من هذه الاستحالة التاريخية؟ أم ترانا، بخلاف ذلك، محتاجين إلى قرون من التربية الديمقراطية ونحن من لم تنفع في تربيتنا قرون تصرّمت؟ ومن يدخلنا في الزمن الجديد ومن يربي لنا من يجب عليهم تربيتنا ومن يجزم في يوم مشهود أننا بلغنا من التطور المنشود الغاية؟ وما دام أدونيس لم يفلح في ذلك ولا أفلح أضرابه من أضرابنا أفيبقى من يعوّل عليه، في هذه الأمة المنكودة الطالع، غير "سيد رئيس" ما؟
تحتاج الديمقراطية إلى تجريد. تحتاج إلى حديث الفرد المواطن وهذا كائن مجرّد وإلى حديث "سلطة الشعب" و"الفضاء العامّ" و"المصلحة العامّة"، إلخ. وهذه كلها مجرّدات. تحتاج الديمقراطية إلى ما سمّيناه، قبل سنين: "عمل التجريد السياسي". ولكن هذا العمل الذي يمنح النظرية الديمقراطية لغتها، يفتح على الفور أفقا مقابلاً له يتسع للأسماء الشخصية ولأشياء العالم ولتفاصيل الحياة وعلاقاتها ولوجوه السلوك بما فيها تلك الحسيّة والمفردة للغاية. عليه كان العالم الديمقراطي هو العالم الذي تزدهر فيه، لا النظرية السياسية وحدها، بل الرواية أيضاً وخصوصاً. أو أن هذه الأخيرة تبشر بولادته وتسهم في حدوثها إن هي لم تجده قائماً لتزدهر فيه.
ليس أدونيس روائياً. هو، من حيث الأساس، شاعر العناصر الأربعة. قدرته على توليد الشعر من أسماء هذه العناصر قدرة معجزة. ولكن عالمه مردود، في مبدإ مطافه ومنتهاه، إلى بساطة مبالغ فيها جدّاً. والمبالغة هذه (وهي قد تكون لازمته من مصادر شبابه الفكرية ) تظهر حين يخوض في حديث السياسة، شأنه في رسالته اليوم إلى "السيد الرئيس". ولأن هذه البساطة لا ترى المجتمع أهلاً لتولي أموره وللسير في مجرى تاريخه وتاريخ العالم المعاصر بإسهامٍ مختلف المشارب والمجالي من سائر مكوّناته وقواه، فهي ليست، على ما تزين لنا قراءتنا لـ"سياسة" أدونيس، بساطة ديمقراطية.ا