ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل
واستسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية
لا يتسع الوقت المتاح لتكريم شهيدنا اليوم أن نقف أمام كل ما كان من إنجازات الحركة الوطنية اللبنانية وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وقد شكلتا متصلتين رهان عمره الأكبر. لقد كنا معاً ثنائياً عمل تحت قيادة الشهيد كمال جنبلاط، ويكفينا فخراً أن نقول اليوم، ونحن في مجال تكريمه، إن الحركة الوطنية التي إليها انتسب لم تقدم للبلد، في ذلك الصيف الحارق من عام 1975، مجرد نص برنامجي شهد الجميع بتقدمه وإستنارته، بل هي قدمت أولاً وأساساً ممارسة غنية حركت وأطلقت تياراً شعبياً زاخراً عابراً لكل المناطق ولجميع الطوائف، احتشدت ضمن شوارعه كتل إجتماعية شتى في وحدة مطلبية متصلة الأواني من دون غفتعال. وحين كان على هذه الحركة الوطنية أن تشتق من وقائع ممارستها المديدة، خلال كل الستينات والنصف الأول من السبعينات، برنامجاً يخاطب مصالح البلد ويلبي حاجاته خرجت بما يمكن إعتباره أبرز وأهم برنامج نهضوي في تاريخ لبنان الحديث. وفيه تلازمت مفاهيم وقضايا عانى اللبنانيون من افتراقها زمناً طويلاص: الإستقلال الوطني الحاسم بما هو حق صريح لشعب لبنان بعيداً من أي مركب نقص أو عن الإختناق بين جدران العزلة واساطيرها، والعروبة الثقافية والسياسية المستنيرة بما هي أفق حيوي لبقاء لبنان نقيضاً لكل إستبداد، والديموقراطية المسيجة بالعلمانية الرحبة محط أمان وتفتح، والمسلحة بالقاعدة الغجتماعية العابرة للطوائف ولجغرافياتها الضيقة ضمانة ومرجعاً. وإلى ذلك يضاف نبض لبناني مع فلسطين يعرف أصحابه جيداً ما بين لبنان وإسرائيل من صراع مصير، ويدركون تماماً أن الشعب الفلسطيني إذ يرابط منذ قرن من الزمان على خط المواجهة الأمامية لأعنف غزوة كولونيالية إستيطانية، مستمرة متسعة، تعرضت لها المنطقة العربية وما تزال، لا يدافع عن وجوده الوطني فحسب، بل هو يحجز ويضبط وسع طاقته خطراً يتهدد كل ارض الجوار العربي لفلسطين. لذا أعتبرت الحركة الوطنية اللبنانية دعم نضال الشعب الفلسطيني قضية وطنية تخص لبنان مثلما يجب ان تخص كل بلد عربي تضعه إسرائيل ضمن استهدافاتها المباشرة وغير المباشرة.
هل تراني في هذا التقديم التكريمي لما كان عليه دور الحركة الوطنية اللبنانية وبرنامجها، وقد ساقني إليه واجب تكريم جورج حاوي بصفته أحد بناتها الكبار، هل تراني أردت الإفلات من مسؤولية النقد الصريح لما كان من أخطاء هذه الحركة الوطنية وبعضه كان قاتلاً؟ كلا بالتأكيد، فليس هذا نهجي ولا هو نهج رفيق دربي أبي انيس. وإذا كان ثبت الأخطاء هنا يطول فإنني أكتفي بإيراد إثنين منها كان ضررهما عظيماً على الحركة الوطنية اللبنانية وعلى البلد في آن. الخطأ الأول إننا في معرض دعم نضال الشعب الفلسطيني ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل، طاقة وعدالة وإنصافاً. والخطأ الثاني إننا استسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم إختصار الطريق إلى التغيير الديموقراطي. فكان ما كان تحت وطأة هذين الخطأين من تداعيات سلبية خطيرة طاولت بنية البلد ووجهت ضربة كبرى إلى الحركة الوطنية وفي القلب منها يسارها الذي كان واعداً في يوم من الأيام. وأسوق مجدداً هذا النقد الذاتي الواضح بإسم رفيقي جورج وبإسمي على رغم أننا لم نسمع حتى اللحظة ما يعادل هذا النقد وضوحاً أو يلاقيه صراحة من الضفة الاخرى، أو من أي ضفة. فمتى تصبح للبلد ذاكرة نقدية مشتركة نستطيع أن نستلهم منها معادلة لبنانية شاملة ترسي ثوابت صون الموقع الإقليمي للبلد من ناحية وتحدد أصول الصراع حول مستقبل نظامه السياسي من ناحية ثانية؟
الخميس، 24 نوفمبر 2011
الفايسبوك وما أدراك ما الفايسبوك؟
سعود المولى
شهد العقد الأول من الألفية الثالثة للميلاد انحسار أشكال الاتصال والتواصل التي كانت تؤمنها الأحزاب ونواديها وصحفها خصوصاً مع تحول الصحف السياسية والفضائيات التابعة للأنظمة أو المتواطئة معها على تعميم النمط الثقافي السريع الاستهلاك، الى أبواق استرزاق نخبوية بعيدة كل البعد عن هموم الناس ومشاغلها..فجاء الانترنت ثم الفايسبوك والتويتر ليسد الفراغ في آليات وأشكال الإتصال والتواصل بين الأجيال الشابة من خلال العالم الافتراضي للتواصل عن بعد.. كما لعب هذا الإعلام التواصلي الاجتماعي دور الجماعة الفاعلة التي عوضت بعض الشيء إنحلال أواصر العلاقات الاجتماعية والتضامنية التقليدية التي حرصت الأنظمة الاستبدادية على تفكيكها وتقويضها والاستعاضة عنها بالولاءات الزبائنية والمصلحية والفردية الانتهازية...
وفي حين رأى قدامى اليساريين والقوميين في الفايسبوك مؤامرة صهيونية إمبريالية أو في أحسن الأحوال أن الفايسبوك يخلق فضاء تتحكم فيه سلطة الرأسمال المعولم والمخابرات أو السلطة الخفية لمن يملك مفاتيح إغلاق أو فتح هذه الوسيلة أمام الاستخدام الشعبي الحقيقي (غوغل وغيرها من المشغلين كمثال)..فإن الفايسبوك ساهم في الواقع في افراز خطاب جماهيري ثوري موحد يتم تداوله على نطاق أوسع ويسمح بتفاعل حي ما بين المرسلين والمتلقين (حتى تضيع الفواصل والحدود بينهما).كما أظهرت أحداث الثورات أن الفايسبوك والتويتر لعبا دور الإعلام المباشر عن الحدث ونقله وفضح الممارسات القمعية وتأمين امكانيات الرد والحشد والتعبئة إضافة الى الدور التثقيفي السياسي والتنظيمي الهائل من خلال نقل الخطب والشعارات والأناشيد والأغاني والنكات والحكايات والتجارب الشخصية والجماعية ما أسهم ويسهم في تشكيل الوعي السياسي للناشطين الشباب وتحويلهم من مستخدمين لأداة الى فاعلين اجتماعيين مباشرين في الحدث ونتائجه وتداعياته[1]..لقد ساهم الفايسبوك في صياغة وعي قطاعات واسعة من جيل الألفية الثالثة بلغة العصر، وربط همومه المحلية والقومية بهموم العالم، وساعده على صياغة لغة جديدة إنسانية يمكن لها أن تؤثر في العالم وتتأثر به... ولئن كان صحيحاً القول بأن العلاقات الاجتماعية الناشئة عن الفايسبوك تقوم على عالم افتراضي وعلى تواصل عن بعد، إلا أنه لا ينبغي أن نتجاهل كون هذا العالم الافتراضي هو إمتداد للعالم الواقعي الحقيقي وهو سرعان ما يتماهى معه من خلال النزول اليومي الى الميدان والساحة ومن خلال الجامع صلاة الجمعة أو مظاهرات الأحياء الشعبية في الليل أو زحف الأرياف والقرى نحو المدن كما حدث في تونس ومصر وأخيراً بشكل رائع في سوريا..
فالأساس في الثورات ما زال لنبض الناس الحار واللقاء المباشر في الميدان الفعلي للمواجهة..
إلا أن هذا لم يكن ليتحقق لولا التواصل عبر الفايسبوك والإنترنت والتويتر أولاً..
أما القول بوجود سلطة خفية مهيمنة فهذا قول مردود لأن هذا المجال المفتوح هو ككل مجال معرفي جديد حقل صراعي مفتوح وليس حقلاً سكونياً جامداً..والفاعلون هنا يملكون من الرساميل الرمزية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ما يسمح لهم بخوض هذا الصراع وبامتلاك مفاتيحه ونواصيه...وهؤلاء الشباب لا يأتون من فراغ بل هم أبناء جيل وجيلين من الحركات السياسية والنقابية والشبابية النضالية ومن الأجواء والاختمارات الفكرية والذهنية والسلوكية ومن ثقافة سياسية تسربت اليهم من التعليم الجامعي الذي تلقوه ومن معايشتهم لأزمات بلادهم ومن الاعلام المفتوح عبر الفضائيات المتنافسة..
شهد العقد الأول من الألفية الثالثة للميلاد انحسار أشكال الاتصال والتواصل التي كانت تؤمنها الأحزاب ونواديها وصحفها خصوصاً مع تحول الصحف السياسية والفضائيات التابعة للأنظمة أو المتواطئة معها على تعميم النمط الثقافي السريع الاستهلاك، الى أبواق استرزاق نخبوية بعيدة كل البعد عن هموم الناس ومشاغلها..فجاء الانترنت ثم الفايسبوك والتويتر ليسد الفراغ في آليات وأشكال الإتصال والتواصل بين الأجيال الشابة من خلال العالم الافتراضي للتواصل عن بعد.. كما لعب هذا الإعلام التواصلي الاجتماعي دور الجماعة الفاعلة التي عوضت بعض الشيء إنحلال أواصر العلاقات الاجتماعية والتضامنية التقليدية التي حرصت الأنظمة الاستبدادية على تفكيكها وتقويضها والاستعاضة عنها بالولاءات الزبائنية والمصلحية والفردية الانتهازية...
وفي حين رأى قدامى اليساريين والقوميين في الفايسبوك مؤامرة صهيونية إمبريالية أو في أحسن الأحوال أن الفايسبوك يخلق فضاء تتحكم فيه سلطة الرأسمال المعولم والمخابرات أو السلطة الخفية لمن يملك مفاتيح إغلاق أو فتح هذه الوسيلة أمام الاستخدام الشعبي الحقيقي (غوغل وغيرها من المشغلين كمثال)..فإن الفايسبوك ساهم في الواقع في افراز خطاب جماهيري ثوري موحد يتم تداوله على نطاق أوسع ويسمح بتفاعل حي ما بين المرسلين والمتلقين (حتى تضيع الفواصل والحدود بينهما).كما أظهرت أحداث الثورات أن الفايسبوك والتويتر لعبا دور الإعلام المباشر عن الحدث ونقله وفضح الممارسات القمعية وتأمين امكانيات الرد والحشد والتعبئة إضافة الى الدور التثقيفي السياسي والتنظيمي الهائل من خلال نقل الخطب والشعارات والأناشيد والأغاني والنكات والحكايات والتجارب الشخصية والجماعية ما أسهم ويسهم في تشكيل الوعي السياسي للناشطين الشباب وتحويلهم من مستخدمين لأداة الى فاعلين اجتماعيين مباشرين في الحدث ونتائجه وتداعياته[1]..لقد ساهم الفايسبوك في صياغة وعي قطاعات واسعة من جيل الألفية الثالثة بلغة العصر، وربط همومه المحلية والقومية بهموم العالم، وساعده على صياغة لغة جديدة إنسانية يمكن لها أن تؤثر في العالم وتتأثر به... ولئن كان صحيحاً القول بأن العلاقات الاجتماعية الناشئة عن الفايسبوك تقوم على عالم افتراضي وعلى تواصل عن بعد، إلا أنه لا ينبغي أن نتجاهل كون هذا العالم الافتراضي هو إمتداد للعالم الواقعي الحقيقي وهو سرعان ما يتماهى معه من خلال النزول اليومي الى الميدان والساحة ومن خلال الجامع صلاة الجمعة أو مظاهرات الأحياء الشعبية في الليل أو زحف الأرياف والقرى نحو المدن كما حدث في تونس ومصر وأخيراً بشكل رائع في سوريا..
فالأساس في الثورات ما زال لنبض الناس الحار واللقاء المباشر في الميدان الفعلي للمواجهة..
إلا أن هذا لم يكن ليتحقق لولا التواصل عبر الفايسبوك والإنترنت والتويتر أولاً..
أما القول بوجود سلطة خفية مهيمنة فهذا قول مردود لأن هذا المجال المفتوح هو ككل مجال معرفي جديد حقل صراعي مفتوح وليس حقلاً سكونياً جامداً..والفاعلون هنا يملكون من الرساميل الرمزية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ما يسمح لهم بخوض هذا الصراع وبامتلاك مفاتيحه ونواصيه...وهؤلاء الشباب لا يأتون من فراغ بل هم أبناء جيل وجيلين من الحركات السياسية والنقابية والشبابية النضالية ومن الأجواء والاختمارات الفكرية والذهنية والسلوكية ومن ثقافة سياسية تسربت اليهم من التعليم الجامعي الذي تلقوه ومن معايشتهم لأزمات بلادهم ومن الاعلام المفتوح عبر الفضائيات المتنافسة..
الشباب وثورة الاتصالات والعولمة
سعود المولى
في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا صعد إلى واجهة النضال الجديد شباب بعمر الورد وطراوته خبروا وسائل العصرواستخدموها على أفضل ما يكون: من الهاتف الخلوي إلى الإنترنت، ومن الفايسبوك إلى التويتر واليوتيوب... وصف موقع أون إسلام[1] مظاهرات مصر كالتالي: «حشود بعشرات الآلاف، لم يرفع واحد منها لافتة تميز هذا عن ذاك، ولم يردد شعاراً يكشف هويته أو التيار الذي يتبعه، فقط كانت اللافتات والشعارات تنطق بنفس المطالب التي يرددها المصريون في منازلهم... وهذا ما جذب إليها بعفوية الآلاف من شرفات المنازل ومن المتاجر والسيارات... حشود من كافة شرائح المجتمع المصري: أطفال وشيوخ وشباب، مسلمون ومسيحيون، نساء ورجال، ليبراليون وإسلاميون ويساريون ومستقلون، من مهن مختلفة وعاطلون، أغنياء وفقراء، منهم المعتادون على التظاهرات ومنهم أيضاً من كان يتظاهر لأول مرة، أو كان مقاطعاً للتظاهرات ثم اندفع إليها بقوة التأثير والتفاعل... الكل كان يوحدهم ويذيب أي فروق بينهم شعار واحد طغى على باقي الشعارات: "الحرية... التغيير... العدالة الاجتماعية"...
وبحسب ما كتبه عمرو الشوبكي[2] في بداية الحراك المصري فإن كثيرين من أبناء هذا الجيل الجديد قد تفاعلوا مع العمل السياسي خارج إطار التنظيمات السياسية السرية والمفاهيم الحلقية للعمل الحزبي القديم ؛ وهكذا صار الناصريون والقوميون والماركسيون ينتمون إلى قيمة التحرر الوطني والوحدة العربية، والى فكرة العدالة الاجتماعية والاشتراكية الديموقراطية بالمعنى الحديث للكلمة ، وظهر إسلاميون يدافعون عن جوهر القيم الدينية والأخلاقية والحضارية التي نادى بها الإسلام، وعلى كون الاسلام مشروع ثقافي وسياسي لا يلغي الآخر بل يتحاور معه ويتكامل في إطار الجماعة الوطنية... والشيء الرئيسي الذي ميّز جيل الألفية الثالثة عن جيل آبائه هو براءته من شتى أنواع العقليات والذهنيات التكفيرية والتخوينية التي سادت في الستينيات والسبعينيات؛ وقد تمتع الجيل الجديد بسعة صدر وسعة أفق وتسامح وسلمية لم تكن موجودة لدى جيل قدامى اليسار الماركسي والقومي أو الاخوان المسلمين أو حتى اليمين الليبرالي...لم يحمل جيل ثورة يناير أحقاد أهله الحزبية والشللية ولا مرارات من تخرج من سجون ناصر والسادات..فهو جيل لم يعرف الاعتقالات الجماعية على نمط حملات الخمسينيات ضد الشيوعيين والإخوان المسلمين، أو كما حدث في 1981 مع كل القوى السياسية..."إنما عاش مرحلة فيها قدر أكبر من التوافق الوطني والجيلي العام على أجندة معارضة لجوهر سياسات الداخل والخارج، قائمة أساسًا على الإصلاح السياسي والديموقراطي وعلى احترام حرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان".
وقد انتمى هذا الجيل إلى جمعيات العمل الأهلي والمنظمات غير الحكومية التي تعاظم عددها ودورها منذ العام 1990 أي منذ انتهاء الحرب الباردة وشيوع مفهوم وممارسة المجتمع المدني. ويمكن القول بأن الممارسة السياسية والمدنية للجيل الجديد صارت "متعولمة" تطرح أفكاراً سياسية جديدة (الديموقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والمشاركة والتنمية المستدامة)، وصارت جمعيات المجتمع المدني نفسها عابرة للقوميات ومتداخلة مع العالم عبر شبكات المعلومات والبريد الإلكتروني.
وقد امتلكت قطاعات واسعة ومتزايدة من هذا الجيل خبرتها وتكوينها السياسي من خلال الانتماء إلى قضايا العالم وهمومه والتفاعل معه عبر تقديم قراءة نقدية لكثير من مثالب عصر العولمة، ولكن من خلال الحداثة وقيم العصر الديموقراطية ومفاهيم التعددية والمواطنة المتساوية والدولة المدنية.
السمة الشبابية للاحتجاجات لم تكن في العمر فقط، بل في الروح الجريئة أيضاً التي شملت كبار السن. ولكن الأهم هو أن هؤلاء الشباب اللاحزبي قاموا ببناء تحالفات عريضة ضد فساد وجشع الليبرالية الرأسمالية المتوحشة، تحالفات شملت كل الناس وكل الجماعات وبشكل عابر للطبقات وللإيديولوجيات: من مساجد وجمعيات أهلية تقليدية إلى أحزاب ومجتمع مدني حديث، ومن تجمعات يسارية إلى ليبرالية ديموقراطية وطنية... ومن حركات إنسانية وسلمية وبيئية ونسوية، إلى راديكالية دينية منحازة للعدل... الأمر الذي سمح تالياً بتنويع استراتيجيات وتكتيكات النضال بشكل استبق سياسات السلطة وأربكها... كما أن ذلك ضََمن بالأساس غلبة الطابع المعنوي الأخلاقي على الطابع المصلحي المادي للحركة الاجتماعية الواسعة...
وقد كتب المستشار طارق البشري[3] في بدايات الثورة أن الحركة الشبابية الحالية هي نتاج تراكم لثقافة الخروج إلى الشارع في حركات احتجاجية جزئية جرت على مدى السنوات الست الماضية من سنة 2005. وأنها ذات أساليب مستحدثة، وأنها وإن لم تنجز ما يطمح إليه المصريون من احتياجات سياسية حيوية، فإنها يمكن أن تكرر ما عملت بعد فترة أو فترات وأن تستحدث أساليب أخرى بما أظهرت من ذكاء وحيوية، ومما فاجأ أمثاله من ذوي الخبرات القديمة عن الثورات والحركات الشعبية، وأن هذه الحركة قادرة على البقاء كقوة سياسية مؤثرة في موازين السياسة المصرية وذات تشكيلات تستحدثها، وسيبقى أثرها في الساحة المصرية السياسية، وقد أوجدت جيلاً جديداً من ساسة مصر وقادتها المستقبليين. ذلك ان الشعب المصري رمى إلى الشاطئ بموجة جديدة من شبابه الطيب، وهي موجة ما أعلاها وما أطيبها.
ونفس الأمر يمكن قوله عن شباب تونس وليبيا وسوريا والبحرين واليمن والسعودية..الخ
في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا صعد إلى واجهة النضال الجديد شباب بعمر الورد وطراوته خبروا وسائل العصرواستخدموها على أفضل ما يكون: من الهاتف الخلوي إلى الإنترنت، ومن الفايسبوك إلى التويتر واليوتيوب... وصف موقع أون إسلام[1] مظاهرات مصر كالتالي: «حشود بعشرات الآلاف، لم يرفع واحد منها لافتة تميز هذا عن ذاك، ولم يردد شعاراً يكشف هويته أو التيار الذي يتبعه، فقط كانت اللافتات والشعارات تنطق بنفس المطالب التي يرددها المصريون في منازلهم... وهذا ما جذب إليها بعفوية الآلاف من شرفات المنازل ومن المتاجر والسيارات... حشود من كافة شرائح المجتمع المصري: أطفال وشيوخ وشباب، مسلمون ومسيحيون، نساء ورجال، ليبراليون وإسلاميون ويساريون ومستقلون، من مهن مختلفة وعاطلون، أغنياء وفقراء، منهم المعتادون على التظاهرات ومنهم أيضاً من كان يتظاهر لأول مرة، أو كان مقاطعاً للتظاهرات ثم اندفع إليها بقوة التأثير والتفاعل... الكل كان يوحدهم ويذيب أي فروق بينهم شعار واحد طغى على باقي الشعارات: "الحرية... التغيير... العدالة الاجتماعية"...
وبحسب ما كتبه عمرو الشوبكي[2] في بداية الحراك المصري فإن كثيرين من أبناء هذا الجيل الجديد قد تفاعلوا مع العمل السياسي خارج إطار التنظيمات السياسية السرية والمفاهيم الحلقية للعمل الحزبي القديم ؛ وهكذا صار الناصريون والقوميون والماركسيون ينتمون إلى قيمة التحرر الوطني والوحدة العربية، والى فكرة العدالة الاجتماعية والاشتراكية الديموقراطية بالمعنى الحديث للكلمة ، وظهر إسلاميون يدافعون عن جوهر القيم الدينية والأخلاقية والحضارية التي نادى بها الإسلام، وعلى كون الاسلام مشروع ثقافي وسياسي لا يلغي الآخر بل يتحاور معه ويتكامل في إطار الجماعة الوطنية... والشيء الرئيسي الذي ميّز جيل الألفية الثالثة عن جيل آبائه هو براءته من شتى أنواع العقليات والذهنيات التكفيرية والتخوينية التي سادت في الستينيات والسبعينيات؛ وقد تمتع الجيل الجديد بسعة صدر وسعة أفق وتسامح وسلمية لم تكن موجودة لدى جيل قدامى اليسار الماركسي والقومي أو الاخوان المسلمين أو حتى اليمين الليبرالي...لم يحمل جيل ثورة يناير أحقاد أهله الحزبية والشللية ولا مرارات من تخرج من سجون ناصر والسادات..فهو جيل لم يعرف الاعتقالات الجماعية على نمط حملات الخمسينيات ضد الشيوعيين والإخوان المسلمين، أو كما حدث في 1981 مع كل القوى السياسية..."إنما عاش مرحلة فيها قدر أكبر من التوافق الوطني والجيلي العام على أجندة معارضة لجوهر سياسات الداخل والخارج، قائمة أساسًا على الإصلاح السياسي والديموقراطي وعلى احترام حرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان".
وقد انتمى هذا الجيل إلى جمعيات العمل الأهلي والمنظمات غير الحكومية التي تعاظم عددها ودورها منذ العام 1990 أي منذ انتهاء الحرب الباردة وشيوع مفهوم وممارسة المجتمع المدني. ويمكن القول بأن الممارسة السياسية والمدنية للجيل الجديد صارت "متعولمة" تطرح أفكاراً سياسية جديدة (الديموقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والمشاركة والتنمية المستدامة)، وصارت جمعيات المجتمع المدني نفسها عابرة للقوميات ومتداخلة مع العالم عبر شبكات المعلومات والبريد الإلكتروني.
وقد امتلكت قطاعات واسعة ومتزايدة من هذا الجيل خبرتها وتكوينها السياسي من خلال الانتماء إلى قضايا العالم وهمومه والتفاعل معه عبر تقديم قراءة نقدية لكثير من مثالب عصر العولمة، ولكن من خلال الحداثة وقيم العصر الديموقراطية ومفاهيم التعددية والمواطنة المتساوية والدولة المدنية.
السمة الشبابية للاحتجاجات لم تكن في العمر فقط، بل في الروح الجريئة أيضاً التي شملت كبار السن. ولكن الأهم هو أن هؤلاء الشباب اللاحزبي قاموا ببناء تحالفات عريضة ضد فساد وجشع الليبرالية الرأسمالية المتوحشة، تحالفات شملت كل الناس وكل الجماعات وبشكل عابر للطبقات وللإيديولوجيات: من مساجد وجمعيات أهلية تقليدية إلى أحزاب ومجتمع مدني حديث، ومن تجمعات يسارية إلى ليبرالية ديموقراطية وطنية... ومن حركات إنسانية وسلمية وبيئية ونسوية، إلى راديكالية دينية منحازة للعدل... الأمر الذي سمح تالياً بتنويع استراتيجيات وتكتيكات النضال بشكل استبق سياسات السلطة وأربكها... كما أن ذلك ضََمن بالأساس غلبة الطابع المعنوي الأخلاقي على الطابع المصلحي المادي للحركة الاجتماعية الواسعة...
وقد كتب المستشار طارق البشري[3] في بدايات الثورة أن الحركة الشبابية الحالية هي نتاج تراكم لثقافة الخروج إلى الشارع في حركات احتجاجية جزئية جرت على مدى السنوات الست الماضية من سنة 2005. وأنها ذات أساليب مستحدثة، وأنها وإن لم تنجز ما يطمح إليه المصريون من احتياجات سياسية حيوية، فإنها يمكن أن تكرر ما عملت بعد فترة أو فترات وأن تستحدث أساليب أخرى بما أظهرت من ذكاء وحيوية، ومما فاجأ أمثاله من ذوي الخبرات القديمة عن الثورات والحركات الشعبية، وأن هذه الحركة قادرة على البقاء كقوة سياسية مؤثرة في موازين السياسة المصرية وذات تشكيلات تستحدثها، وسيبقى أثرها في الساحة المصرية السياسية، وقد أوجدت جيلاً جديداً من ساسة مصر وقادتها المستقبليين. ذلك ان الشعب المصري رمى إلى الشاطئ بموجة جديدة من شبابه الطيب، وهي موجة ما أعلاها وما أطيبها.
ونفس الأمر يمكن قوله عن شباب تونس وليبيا وسوريا والبحرين واليمن والسعودية..الخ
عن التكفير والتخوين ماضياً وحاضراً
سعود المولى
في تاريخنا العربي الإسلامي أن كتب حجة الإسلام أبي حامد الغزالي أُحرقت على يد علماء مسلمين..كما أحرقت كتب شيخ الإسلام ابن تيمية... الأول أشعري شافعي ينحو نحو التصوّف والثاني حنبلي ينحو نحو السلفية...وإحراق كتبهما جرى بتهمة "الإبتداع المخالف للسنة"..
وقد تراشق القوم بالأحاديث الموضوعة على لسان الرسول فنقل بعضهم أنه قال "سيكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي"..وروى آخرون عن الرسول أنه قال "عالم قريش يملأ طباق الأرض علماً" وحملوه على الشافعي..فرد عليهم الأحناف بحديث يقول "سيكون في أمتي رجل يُقال له محمد إبن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس" (الشافعي هو محمد ابن إدريس)..وروى المالكية أن أبي حنيفة هو "شر مولود وُلد في الإسلام..وأنه لو خرج على هذه الأمة بالسيف لكان أهون"..واتهم العلماء إبن تيمية بالكفر..فكتب أحد الحنابلة (أبو بكر تقي الدين بن أحمد الحصني الدمشقي) في إفتاء أهل المذاهب الأربعة بكفر إبن تيمية..وكتب الحافظ ابن حجر (في الفتاوى) "إبن تيمية عبد خذله الله واضله وأعماه وأصمه وأذله..بذلك صرًح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه مطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الإجتهاد: أبي الحسن السبكي وإبنه التاج، والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية"..وفي الدر الكافية لإبن حجر العسقلاني أنه نودي في دمشق "من إعتقد عقيدة إبن تيمية حل دمه"..وفي رسالة الذهبي إلى إبن تيمية ما لا يقل سوءاً عن ذلك..
وإبن تيمية هذا هو الذي تستخدم فتاويه لتكفير الشيعة والدروز والعلويين وحتى الأشاعرة والمعتزلة والأحناف والشافعية من المسلمين السنة..
ولعل أهم عوامل الصراع وسوء التفاهم بين أتباع المذاهب الإسلامية هو الجهل المتبادل وعدم الانفتاح الفكري فيما بينهم حتى على مستوى العلماء والقيادات، حيث يحتفظ كل طرف لنفسه بانطباع وموقف سلبي تجاه الطرف الآخر، دون أن يكلف نفسه عناء البحث والتأكد من صحة انطباعه وموقفه وكأنه ليس مسؤولاً أمام الله عن سوء ظنه بالآخرين وخطأ حكمه عليهم، أو غير مدرك لما ينتجه هذا الموقف الجاهلي من أخطار وتبعات على وحدة الأمة وتماسك صفوفها. ويبدو أن هناك إشكالا عميقا يكمن في مناهج الدراسة في الحوزات والجامعات والمعاهد الدينية، حيث تقتصر كل مؤسسة على تدريس اتجاه معين في العقائد والفقه والعلوم الدينية متجاهلة سائر الاتجاهات والمذاهب، والأخطر من ذلك هو تعبئة الطلاب في كل معهد ديني ضد ما يخالف مذهبه ومنهجه عبر أسلوب التهريج والإسقاط والدعاية السوداء، فيتخرج طلاب العلوم الدينية بفكر منغلق وعقلية ضيقة جاهلين بالرأي الآخر منحازين بتعصب ضده.
ولقد حدثنا التاريخ أن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رأى- قبل أخذه شهادة التدريس- أن يطالع مع بعض الطلاب كتباً منها (شرح العقائد النسفية) للتفتازاني مع حواشيه، وسوغ لنفسه في أثناء ذلك أن يرجح مذهب المعتزلة في بعض المسائل الكلامية، على مذهب الأشعرية، فقامت لذلك ضجة كبرى في الأزهر ووصل الأمر إلى المرحوم الشيخ عليش الكبير، وكان رجلاً حاد المزاج، سريع الغضب، شديد الغيرة على ما يعتقد، فهاج وماج، وأرسل إلى الشيخ محمد عبده، وكلمه في ذلك كلاماً شديداً ، وتعصب للشيخ عليش في ذلك طلاب من الأزهر وعلماء، حتى كان الشيخ عبده يضطر إلي اصطحاب عصا معه وهو يقرأ الدرس خوفاً على نفسه من اعتداء ذوي العصبية والأهواء.
أسوق هذا الكلام لا لنبش تاريخ أسود أو إيقاظ فتنة نائمة، بل للإشارة إلى أن التكفير والتخوين غالباً ما يصيب كل الناس لا يُفرق بين سلفي وأشعري أو بين متصوف وشيعي أو بين معتزلي وحنبلي ناهيك عن العقلاني الرشدي أو العلماني الحديث..فهذا الداء أصاب المسلمين منذ كانوا واستمر متصاعداً عبر العصور حتى كتب الإمام الشيخ محمد عبده في أواخر القرن التاسع عشر مقالته الشهيرة بعنوان "متى ولع المسلمون بالتكفير والتفسيق" والتي قال فيها "إن أصلاً ثابتاً من أصول الإسلام هو البُعد عن التكفير، هلاَّ ذهبت إلى ما اشتُهر بين المسلمين وعُرف من قواعد أحكام دينهم وهو: إذا صدر قولٌ من قائلٍ يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِلَ على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر! فهل رأيتَ تسامحاً مع أقوال الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟ وهل يليق بالحكيم أن يكون من الحمق بحيث يقول قولاً لا يحتمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟! إذن لم يَدَعِ الإسلام لأحد، بعد الله ورسوله، سلطاناً على عقيدة أحد ولا سيطرةً على إيمانه، على أن الرسول كان مبلِّغاً ومذكِّراً لا مهيمناً ولا مسيطراً. قال الله تعالى: "فذكِّرْ، إنما أنت مذكِّرٌ، لستَ عليهم بمسيطر"، ولم يجعل لأحد من أهله لأن يحلَّ ولا أن يربط لا في الأرض ولا في السماء، بل الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه في ما بينه وبين الله سوى الله وحده، ويرفع عنه كل رقٍّ إلا العبودية لله وحده. وليس المسلم، مهما علا كعبه في الإسلام، على آخر، مهما انّحطَّت منزلته فيه، إلا حقّ النَّصيحة والإرشاد. قال تعالى:" ولتكنْ منكم أُمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون". وتلك الأمة ليس لها عليهم إلا الدعوة والتذكير والإنذار والتحذير، ولا يجوز لها ولا لأحد من الناس أن يتتبَّع عورة أحد، ولا يسوِّغ لقوي ولا لضعيف أن يتجسّس على عقيدة أحد"..(انتهى كلام محمد عبده).
فإذا كان ما كتبه محمد عبده عن أسلافنا من أهل الإسلام وعن مسلمي القرن التاسع عشر حول ولوعهم بالتكفير مدعاة للنظر وهو يحكي عن مجتمع ديني تقليدي يواجه تحديات الدخول في العصر، فكيف بنا اليوم وقد دخلنا الألفية الثالثة للميلاد والثلث الثاني من القرن الخامس عشر للهجرة؟؟ فهل كان الحزبيون الثوريون، علمانيين ودينيين، في اليسار واليمين، من أبناء القرن العشرين، بأحسن حالاً من أسلافهم ؟.
في تاريخنا المعاصر أن شباب "الإخوان المسلمين" في مصر إغتالوا رئيس الوزراء النقراشي باشا بعنوان أنه عميل بريطاني...كما إغتالوا غيره قبله وبعده...حتى ضج منهم مؤسس الإخوان وزعيمهم الشهيد حسن البنا فصرخ صرخته المشهورة : "ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين"..
وأن النظام الملكي المصري إغتال حسن البنا بشعار أنه عميل بريطاني ماسوني... ولم يكف الاغتيال الجسدي حتى تواترت الروايات الشعبية عن أنه شوهد يخرج من مبنى السفارة البريطانية وهو يحمل "شنطة فلوس"...ونسبت روايات أخرى نفس المشهد إلى تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير وذكرت أنه قال "عرضنا عليهم الاسلام فلما أبوا أجبرناهم على دفع الجزية"..
ثم جاء النظام الناصري فاغتال سيد قطب بعنوان أنه عميل أميركي صهيوني..وزج بعشرات الألوف من الإخوان ومن الشيوعيين في السجون وسامهم ألوان التعذيب بشعار أنهم خونة للوطن وللثورة..وهرب الإخوان إلى الخليج واليساريون الى بيروت، وشنوا معاً حملة شعواء ضد النظام الناصري يتهمونه فيها بأنه أميركي صهيوني..وكانت حرب اليمن بين مصر والسعودية آية على التخوين والتكفير المتبادلين..
وفي لبنان سقط الصحافي القدير والكاتب الحصيف كامل مروة برصاص ناصري يتهمه بالعمالة والخيانة..وقبله سقط زميله ورفيق دربه نسيب المنتني برصاص آخر لم يوفره من تهم العمالة.. وقام النظام اللبناني بإعدام انطون سعادة بتهمة رسمية في المحكمة بأنه عميل بريطاني وصهيوني ولم تكن تعوز التهمة أدلة ووثائق قدمها الإدعاء...
واغتال القوميون السوريون الرئيس رياض الصلح والضابط عدنان المالكي بشعار أنهم عملاء صهاينة..ثم تحالفوا مع حكم الرئيس شمعون ضد عبد الناصر ومع حلف بغداد ومع الإنكليز نكاية بالقوميين العرب.. ثم تآمروا للإنقلاب على الرئيس فؤاد شهاب بعنوان أنه صهيوني..
وقام الشيوعيون بسحل القوميين العرب والبعثيين في شوارع بغداد والموصل وعلقوا الجثث على أعمدة الكهرباء بشعار أنهم خونة ومتآمرين على الشعب..ثم جاء القوميون العرب والبعثيون إلى الحكم وسحقوا وذبحوا الشيوعيين بعنوان أنهم خونة وعملاء...
ونفس المشهد "الثوري" تكرر في سوريا ولبنان والسودان وليبيا والجزائر وفي كل مكان من هذا "الوطن العربي الكبير"...
وداء التكفير والتخوين هذا لم يترك للفلسطينيين أي مطرح للتفاهم على قضيتهم.. فتقاتل القيسية واليمنية طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في البلاد التي كانت تسقط تباعاً بيد الصهاينة....ثم صار الصراع بين آل الحسيني والنشاشيبي وعبد الهادي والخالدي الخ..وتشكلت الأحزاب وتقاتلت وكل حزب يتهم الآخرين بالخيانة والعمالة فيما الصهاينة يتوسعون ويتركزون في بلادنا.. وهل ننسى أن المفتي الحاج أمين الحسيني عاش متهماً بالعمالة للإنكليز حتى وفاته شريداً فقيراً في بيروت.. ثم صار الجميع ينتسبون إليه اليوم ؟؟ وهل ننسى أن أحمد الشقيري مات وهو مثقل بحمل الإتهامات الجائرة السخيفة الغوغائية بعد أن قضى حياته كلها في الذود عن فلسطين..وهل ننسى أن ياسر عرفات قد فاق سجل إتهامه بالخيانة والتآمر وبالصهيونية (عشرات ومئات المرات) كل من سبقوه ولحقوه حتى مات شهيداً شهيداً بعد معركة بطولية قادها حتى الرمق الأخير..ثم صار الجميع اليوم يبكون عليه وينتسبون إلى "خطه ونهجه"؟؟
نعم هكذا ضاعت فلسطين... وهكذا تضيع بلاد العرب وكل الأوطان...
لقد ولع العرب والمسلمون بالتكفير والتخوين حتى طار صوابهم وضاعت بوصلتهم واختل ميزان العدل والحق في عقولهم ووجدانهم..وصاروا كقطيع الماعز يركضون وراء كل تيس أخرق لا علم عنده ولا دين ولا تقوى لمجرد اتباع الهوى والعصبية..وبدل التمثل بقول الإمام علي "إعرف الحق تعرف أهله" (أو أن الحق به يُعرف الرجال لا العكس)، صاروا يلهثون وراء كل ناعق في غربال وكل ديماغوجي شعبوي يقول كذباً ويفتري حقداً وبغضاً وكل صاحب هوى ومصلحة...
فكيف والحال هذه تستقيم أحوال "خير أمة أخرجت للناس"؟
في تاريخنا العربي الإسلامي أن كتب حجة الإسلام أبي حامد الغزالي أُحرقت على يد علماء مسلمين..كما أحرقت كتب شيخ الإسلام ابن تيمية... الأول أشعري شافعي ينحو نحو التصوّف والثاني حنبلي ينحو نحو السلفية...وإحراق كتبهما جرى بتهمة "الإبتداع المخالف للسنة"..
وقد تراشق القوم بالأحاديث الموضوعة على لسان الرسول فنقل بعضهم أنه قال "سيكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي"..وروى آخرون عن الرسول أنه قال "عالم قريش يملأ طباق الأرض علماً" وحملوه على الشافعي..فرد عليهم الأحناف بحديث يقول "سيكون في أمتي رجل يُقال له محمد إبن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس" (الشافعي هو محمد ابن إدريس)..وروى المالكية أن أبي حنيفة هو "شر مولود وُلد في الإسلام..وأنه لو خرج على هذه الأمة بالسيف لكان أهون"..واتهم العلماء إبن تيمية بالكفر..فكتب أحد الحنابلة (أبو بكر تقي الدين بن أحمد الحصني الدمشقي) في إفتاء أهل المذاهب الأربعة بكفر إبن تيمية..وكتب الحافظ ابن حجر (في الفتاوى) "إبن تيمية عبد خذله الله واضله وأعماه وأصمه وأذله..بذلك صرًح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه مطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الإجتهاد: أبي الحسن السبكي وإبنه التاج، والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية"..وفي الدر الكافية لإبن حجر العسقلاني أنه نودي في دمشق "من إعتقد عقيدة إبن تيمية حل دمه"..وفي رسالة الذهبي إلى إبن تيمية ما لا يقل سوءاً عن ذلك..
وإبن تيمية هذا هو الذي تستخدم فتاويه لتكفير الشيعة والدروز والعلويين وحتى الأشاعرة والمعتزلة والأحناف والشافعية من المسلمين السنة..
ولعل أهم عوامل الصراع وسوء التفاهم بين أتباع المذاهب الإسلامية هو الجهل المتبادل وعدم الانفتاح الفكري فيما بينهم حتى على مستوى العلماء والقيادات، حيث يحتفظ كل طرف لنفسه بانطباع وموقف سلبي تجاه الطرف الآخر، دون أن يكلف نفسه عناء البحث والتأكد من صحة انطباعه وموقفه وكأنه ليس مسؤولاً أمام الله عن سوء ظنه بالآخرين وخطأ حكمه عليهم، أو غير مدرك لما ينتجه هذا الموقف الجاهلي من أخطار وتبعات على وحدة الأمة وتماسك صفوفها. ويبدو أن هناك إشكالا عميقا يكمن في مناهج الدراسة في الحوزات والجامعات والمعاهد الدينية، حيث تقتصر كل مؤسسة على تدريس اتجاه معين في العقائد والفقه والعلوم الدينية متجاهلة سائر الاتجاهات والمذاهب، والأخطر من ذلك هو تعبئة الطلاب في كل معهد ديني ضد ما يخالف مذهبه ومنهجه عبر أسلوب التهريج والإسقاط والدعاية السوداء، فيتخرج طلاب العلوم الدينية بفكر منغلق وعقلية ضيقة جاهلين بالرأي الآخر منحازين بتعصب ضده.
ولقد حدثنا التاريخ أن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رأى- قبل أخذه شهادة التدريس- أن يطالع مع بعض الطلاب كتباً منها (شرح العقائد النسفية) للتفتازاني مع حواشيه، وسوغ لنفسه في أثناء ذلك أن يرجح مذهب المعتزلة في بعض المسائل الكلامية، على مذهب الأشعرية، فقامت لذلك ضجة كبرى في الأزهر ووصل الأمر إلى المرحوم الشيخ عليش الكبير، وكان رجلاً حاد المزاج، سريع الغضب، شديد الغيرة على ما يعتقد، فهاج وماج، وأرسل إلى الشيخ محمد عبده، وكلمه في ذلك كلاماً شديداً ، وتعصب للشيخ عليش في ذلك طلاب من الأزهر وعلماء، حتى كان الشيخ عبده يضطر إلي اصطحاب عصا معه وهو يقرأ الدرس خوفاً على نفسه من اعتداء ذوي العصبية والأهواء.
أسوق هذا الكلام لا لنبش تاريخ أسود أو إيقاظ فتنة نائمة، بل للإشارة إلى أن التكفير والتخوين غالباً ما يصيب كل الناس لا يُفرق بين سلفي وأشعري أو بين متصوف وشيعي أو بين معتزلي وحنبلي ناهيك عن العقلاني الرشدي أو العلماني الحديث..فهذا الداء أصاب المسلمين منذ كانوا واستمر متصاعداً عبر العصور حتى كتب الإمام الشيخ محمد عبده في أواخر القرن التاسع عشر مقالته الشهيرة بعنوان "متى ولع المسلمون بالتكفير والتفسيق" والتي قال فيها "إن أصلاً ثابتاً من أصول الإسلام هو البُعد عن التكفير، هلاَّ ذهبت إلى ما اشتُهر بين المسلمين وعُرف من قواعد أحكام دينهم وهو: إذا صدر قولٌ من قائلٍ يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِلَ على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر! فهل رأيتَ تسامحاً مع أقوال الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟ وهل يليق بالحكيم أن يكون من الحمق بحيث يقول قولاً لا يحتمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟! إذن لم يَدَعِ الإسلام لأحد، بعد الله ورسوله، سلطاناً على عقيدة أحد ولا سيطرةً على إيمانه، على أن الرسول كان مبلِّغاً ومذكِّراً لا مهيمناً ولا مسيطراً. قال الله تعالى: "فذكِّرْ، إنما أنت مذكِّرٌ، لستَ عليهم بمسيطر"، ولم يجعل لأحد من أهله لأن يحلَّ ولا أن يربط لا في الأرض ولا في السماء، بل الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه في ما بينه وبين الله سوى الله وحده، ويرفع عنه كل رقٍّ إلا العبودية لله وحده. وليس المسلم، مهما علا كعبه في الإسلام، على آخر، مهما انّحطَّت منزلته فيه، إلا حقّ النَّصيحة والإرشاد. قال تعالى:" ولتكنْ منكم أُمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون". وتلك الأمة ليس لها عليهم إلا الدعوة والتذكير والإنذار والتحذير، ولا يجوز لها ولا لأحد من الناس أن يتتبَّع عورة أحد، ولا يسوِّغ لقوي ولا لضعيف أن يتجسّس على عقيدة أحد"..(انتهى كلام محمد عبده).
فإذا كان ما كتبه محمد عبده عن أسلافنا من أهل الإسلام وعن مسلمي القرن التاسع عشر حول ولوعهم بالتكفير مدعاة للنظر وهو يحكي عن مجتمع ديني تقليدي يواجه تحديات الدخول في العصر، فكيف بنا اليوم وقد دخلنا الألفية الثالثة للميلاد والثلث الثاني من القرن الخامس عشر للهجرة؟؟ فهل كان الحزبيون الثوريون، علمانيين ودينيين، في اليسار واليمين، من أبناء القرن العشرين، بأحسن حالاً من أسلافهم ؟.
في تاريخنا المعاصر أن شباب "الإخوان المسلمين" في مصر إغتالوا رئيس الوزراء النقراشي باشا بعنوان أنه عميل بريطاني...كما إغتالوا غيره قبله وبعده...حتى ضج منهم مؤسس الإخوان وزعيمهم الشهيد حسن البنا فصرخ صرخته المشهورة : "ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين"..
وأن النظام الملكي المصري إغتال حسن البنا بشعار أنه عميل بريطاني ماسوني... ولم يكف الاغتيال الجسدي حتى تواترت الروايات الشعبية عن أنه شوهد يخرج من مبنى السفارة البريطانية وهو يحمل "شنطة فلوس"...ونسبت روايات أخرى نفس المشهد إلى تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير وذكرت أنه قال "عرضنا عليهم الاسلام فلما أبوا أجبرناهم على دفع الجزية"..
ثم جاء النظام الناصري فاغتال سيد قطب بعنوان أنه عميل أميركي صهيوني..وزج بعشرات الألوف من الإخوان ومن الشيوعيين في السجون وسامهم ألوان التعذيب بشعار أنهم خونة للوطن وللثورة..وهرب الإخوان إلى الخليج واليساريون الى بيروت، وشنوا معاً حملة شعواء ضد النظام الناصري يتهمونه فيها بأنه أميركي صهيوني..وكانت حرب اليمن بين مصر والسعودية آية على التخوين والتكفير المتبادلين..
وفي لبنان سقط الصحافي القدير والكاتب الحصيف كامل مروة برصاص ناصري يتهمه بالعمالة والخيانة..وقبله سقط زميله ورفيق دربه نسيب المنتني برصاص آخر لم يوفره من تهم العمالة.. وقام النظام اللبناني بإعدام انطون سعادة بتهمة رسمية في المحكمة بأنه عميل بريطاني وصهيوني ولم تكن تعوز التهمة أدلة ووثائق قدمها الإدعاء...
واغتال القوميون السوريون الرئيس رياض الصلح والضابط عدنان المالكي بشعار أنهم عملاء صهاينة..ثم تحالفوا مع حكم الرئيس شمعون ضد عبد الناصر ومع حلف بغداد ومع الإنكليز نكاية بالقوميين العرب.. ثم تآمروا للإنقلاب على الرئيس فؤاد شهاب بعنوان أنه صهيوني..
وقام الشيوعيون بسحل القوميين العرب والبعثيين في شوارع بغداد والموصل وعلقوا الجثث على أعمدة الكهرباء بشعار أنهم خونة ومتآمرين على الشعب..ثم جاء القوميون العرب والبعثيون إلى الحكم وسحقوا وذبحوا الشيوعيين بعنوان أنهم خونة وعملاء...
ونفس المشهد "الثوري" تكرر في سوريا ولبنان والسودان وليبيا والجزائر وفي كل مكان من هذا "الوطن العربي الكبير"...
وداء التكفير والتخوين هذا لم يترك للفلسطينيين أي مطرح للتفاهم على قضيتهم.. فتقاتل القيسية واليمنية طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في البلاد التي كانت تسقط تباعاً بيد الصهاينة....ثم صار الصراع بين آل الحسيني والنشاشيبي وعبد الهادي والخالدي الخ..وتشكلت الأحزاب وتقاتلت وكل حزب يتهم الآخرين بالخيانة والعمالة فيما الصهاينة يتوسعون ويتركزون في بلادنا.. وهل ننسى أن المفتي الحاج أمين الحسيني عاش متهماً بالعمالة للإنكليز حتى وفاته شريداً فقيراً في بيروت.. ثم صار الجميع ينتسبون إليه اليوم ؟؟ وهل ننسى أن أحمد الشقيري مات وهو مثقل بحمل الإتهامات الجائرة السخيفة الغوغائية بعد أن قضى حياته كلها في الذود عن فلسطين..وهل ننسى أن ياسر عرفات قد فاق سجل إتهامه بالخيانة والتآمر وبالصهيونية (عشرات ومئات المرات) كل من سبقوه ولحقوه حتى مات شهيداً شهيداً بعد معركة بطولية قادها حتى الرمق الأخير..ثم صار الجميع اليوم يبكون عليه وينتسبون إلى "خطه ونهجه"؟؟
نعم هكذا ضاعت فلسطين... وهكذا تضيع بلاد العرب وكل الأوطان...
لقد ولع العرب والمسلمون بالتكفير والتخوين حتى طار صوابهم وضاعت بوصلتهم واختل ميزان العدل والحق في عقولهم ووجدانهم..وصاروا كقطيع الماعز يركضون وراء كل تيس أخرق لا علم عنده ولا دين ولا تقوى لمجرد اتباع الهوى والعصبية..وبدل التمثل بقول الإمام علي "إعرف الحق تعرف أهله" (أو أن الحق به يُعرف الرجال لا العكس)، صاروا يلهثون وراء كل ناعق في غربال وكل ديماغوجي شعبوي يقول كذباً ويفتري حقداً وبغضاً وكل صاحب هوى ومصلحة...
فكيف والحال هذه تستقيم أحوال "خير أمة أخرجت للناس"؟
الفلسطينيون واستحقاق الدولة الوطنية المستقلة
توجه الفلسطينيون ومعهم الدول العربية للعالم، ممثلاً بالأمم المتحدة، لترسيخ الاعتراف بحقهم في تجسيد دولة فلسطين المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وهو الموقف الذي يتمتع بإجماع دولي غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي..وفي قاعة الجمعية العامة خاطب محمود عباس العالم بخطاب تاريخي عظيم لا يجوز التقليل من قيمته ومن اثره على الفلسطينيين أولاً وعلى المجتمع الدولي ثانياً... إنه خطاب تاريخي واستثنائي بكل المعايير ولا يجوز لفلسطيني يملك العقل والضمير أن لا يرى فيه سوى عنعنات الجاهلية وأحقاد التنظيمات والجماعات الشللية..
ولكن لا بد لنا ونحن نتحدث عن استحقاق الأمم المتحدة هذا وعن الخيارات الماثلة أمام الشعب الفلسطيني، أن نُميز بين قيام دول العالم بالاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وبين قبول دولة فلسطين كعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة.
فالاعتراف شيء (Recognition) ، وقبول العضوية (Admittance) شيء أخر.
إن الوضع الذي خلقه إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988، من قبل المجلس الوطني الفلسطيني، وما نتج عن مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 ، واتفاقات أوسلو لعام 1993 ، وميلاد السلطة الوطنية الفلسطينية ، جعلت من الاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وبعاصمتها القدس الشرقية ، أمراً مُكملاً ومُسانداً لعملية السلام وليس مُناقضاً له، كما أنه لا يدخل ضمن الإجراءات أحادية الجانب على اعتبار أن الاعتراف هو قرار سيادي لكل دولة من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم...وقد اعترفت عشرات الدول بدولة فلسطين منذ العام 1988..
أما في مسألة طلب فلسطين الانضمام كعضو في الأمم المتحدة (Member State)، فيتم تقديم الطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ويتضمن الطلب وثيقة رسمية في شكل إعلان قبول الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة. ويتعين على الأمين العام أن "يعرض الطلب أمام مجلس الأمن فوراً " وإرسال نسخة من الطلب إلى الجمعية العامة "للعلم فقط".والمادة 4 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن "الدول" فقط هي التي يحق لها الحصول على عضوية في الأمم المتحدة. وبالتالي فإن طلب القبول يجب أن يكون من كيان يستوفي معايير "الدولة" حسب (اتفاقية مونتيفيديو) لسنة 1933 ، بما في ذلك وجود إقليم محدد ووجود حكومة معترف بها. ومع ذلك فإن هذا لا يستبعد المتقدمين في الحالات التي لا تزال هناك خلافات كبيرة فيها حول الحدود الإقليمية. والسوابق الماضية تؤكد أيضاً أن وجود إجماع دولي حول الاعتراف ليس شرطاً مُسبقاً لتقديم طلب العضوية. الجمعية العامة للأمم المتحدة هي صاحبة القرار بشأن قبول العضوية في الأمم المتحدة. لكن حسب المادة 4 يتطلب أن يكون هذا "بناء على توصية من مجلس الأمن". بالتالي فإن مجلس الأمن هو من ينظر في طلب العضوية أولاً.
أمام العالم اليوم فرصة لتبني مقترحا جديدا قد يتمكن من تغيير مسار عقود من الفشل في محادثات السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، ألا وهو: اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين عضواً كامل العضوية.ولا ننس أن دولة اسرائيل أسستها الأمم المتحدة بقرار التقسيم أولاً (القرار 181 في 29 نوفمبر 1947) ثم بقرار الاعتراف بها كدولة بعد انسحاب الاحتلال البريطاني في 14 ايار 1948..وقد صدر قرار الامم المتحدة رقم 273 (3) بتاريخ 1/5/1949.
وبعد...فقد أيدت أكثر من 120 دولة من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية المبادرة التي أطلقتها منظمة التحرير الفلسطينية ودعمتها جامعة الدول العربية ، ولكن الولايات المتحدة ودولة إسرائيل يعارضانها بشدة. ولا تزال أوروبا مترددة.
لقد فشلت مبادرات السلام، التي تقودها الولايات المتحدة، على مدى عقود، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تعتقل الفلسطينيين وتصادر أراضيهم وتشجع الاستيطان البربري وتقيم جدار الفصل العنصري وتعتدي على لبنان وتحتل الجولان، وتمنع فلسطين أن تكون كيانا سياسيا مستقلا كامل السيادة.
قد تغير المبادرة الفلسطينية الجديدة الجريئة اللعبة، وعلى أوروبا أخذ زمام المبادرة لدعم الحق.
وتوازياً مع العمل العربي المشترك أصبح من الأهمية بمكان العمل على حشد الرأي العام الدولي واعتباره جزءاً من إستراتيجية سياسية أشمل تعزز وتدعم الجهود الفلسطينية والعربية للاعتراف بدولة فلسطين.
كما يتوجب العمل على توحيد الرؤية الفلسطينية والجهد الفلسطيني تحت سقف الوحدة الوطنية والثوابت الوطنية الكبرى لشعب فلسطين..فلا يمكن أن نحاول كسب العالم ونحن نخسر أنفسنا في صراعات ومناكفات داخلية أين منها صراعات أهل بيزنطية على جنس الملائكة!
نعم إن اقتحام المجتمع الدولي بجرأة هو استمرار لخطاب ياسر عرفات عام 1974 ولقرار اعلان دولة فلسطين عام 1988... وهو أفق نضالي جديد يسمح باستنهاض الوحدة الوطنية والتلاحم الثوري لشعب فلسطين في الداخل والشتات..
ولكن لا بد لنا ونحن نتحدث عن استحقاق الأمم المتحدة هذا وعن الخيارات الماثلة أمام الشعب الفلسطيني، أن نُميز بين قيام دول العالم بالاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وبين قبول دولة فلسطين كعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة.
فالاعتراف شيء (Recognition) ، وقبول العضوية (Admittance) شيء أخر.
إن الوضع الذي خلقه إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988، من قبل المجلس الوطني الفلسطيني، وما نتج عن مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 ، واتفاقات أوسلو لعام 1993 ، وميلاد السلطة الوطنية الفلسطينية ، جعلت من الاعتراف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وبعاصمتها القدس الشرقية ، أمراً مُكملاً ومُسانداً لعملية السلام وليس مُناقضاً له، كما أنه لا يدخل ضمن الإجراءات أحادية الجانب على اعتبار أن الاعتراف هو قرار سيادي لكل دولة من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم...وقد اعترفت عشرات الدول بدولة فلسطين منذ العام 1988..
أما في مسألة طلب فلسطين الانضمام كعضو في الأمم المتحدة (Member State)، فيتم تقديم الطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ويتضمن الطلب وثيقة رسمية في شكل إعلان قبول الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة. ويتعين على الأمين العام أن "يعرض الطلب أمام مجلس الأمن فوراً " وإرسال نسخة من الطلب إلى الجمعية العامة "للعلم فقط".والمادة 4 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن "الدول" فقط هي التي يحق لها الحصول على عضوية في الأمم المتحدة. وبالتالي فإن طلب القبول يجب أن يكون من كيان يستوفي معايير "الدولة" حسب (اتفاقية مونتيفيديو) لسنة 1933 ، بما في ذلك وجود إقليم محدد ووجود حكومة معترف بها. ومع ذلك فإن هذا لا يستبعد المتقدمين في الحالات التي لا تزال هناك خلافات كبيرة فيها حول الحدود الإقليمية. والسوابق الماضية تؤكد أيضاً أن وجود إجماع دولي حول الاعتراف ليس شرطاً مُسبقاً لتقديم طلب العضوية. الجمعية العامة للأمم المتحدة هي صاحبة القرار بشأن قبول العضوية في الأمم المتحدة. لكن حسب المادة 4 يتطلب أن يكون هذا "بناء على توصية من مجلس الأمن". بالتالي فإن مجلس الأمن هو من ينظر في طلب العضوية أولاً.
أمام العالم اليوم فرصة لتبني مقترحا جديدا قد يتمكن من تغيير مسار عقود من الفشل في محادثات السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، ألا وهو: اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين عضواً كامل العضوية.ولا ننس أن دولة اسرائيل أسستها الأمم المتحدة بقرار التقسيم أولاً (القرار 181 في 29 نوفمبر 1947) ثم بقرار الاعتراف بها كدولة بعد انسحاب الاحتلال البريطاني في 14 ايار 1948..وقد صدر قرار الامم المتحدة رقم 273 (3) بتاريخ 1/5/1949.
وبعد...فقد أيدت أكثر من 120 دولة من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية المبادرة التي أطلقتها منظمة التحرير الفلسطينية ودعمتها جامعة الدول العربية ، ولكن الولايات المتحدة ودولة إسرائيل يعارضانها بشدة. ولا تزال أوروبا مترددة.
لقد فشلت مبادرات السلام، التي تقودها الولايات المتحدة، على مدى عقود، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تعتقل الفلسطينيين وتصادر أراضيهم وتشجع الاستيطان البربري وتقيم جدار الفصل العنصري وتعتدي على لبنان وتحتل الجولان، وتمنع فلسطين أن تكون كيانا سياسيا مستقلا كامل السيادة.
قد تغير المبادرة الفلسطينية الجديدة الجريئة اللعبة، وعلى أوروبا أخذ زمام المبادرة لدعم الحق.
وتوازياً مع العمل العربي المشترك أصبح من الأهمية بمكان العمل على حشد الرأي العام الدولي واعتباره جزءاً من إستراتيجية سياسية أشمل تعزز وتدعم الجهود الفلسطينية والعربية للاعتراف بدولة فلسطين.
كما يتوجب العمل على توحيد الرؤية الفلسطينية والجهد الفلسطيني تحت سقف الوحدة الوطنية والثوابت الوطنية الكبرى لشعب فلسطين..فلا يمكن أن نحاول كسب العالم ونحن نخسر أنفسنا في صراعات ومناكفات داخلية أين منها صراعات أهل بيزنطية على جنس الملائكة!
نعم إن اقتحام المجتمع الدولي بجرأة هو استمرار لخطاب ياسر عرفات عام 1974 ولقرار اعلان دولة فلسطين عام 1988... وهو أفق نضالي جديد يسمح باستنهاض الوحدة الوطنية والتلاحم الثوري لشعب فلسطين في الداخل والشتات..
ما هو الجديد في ربيع الشعوب العربية؟
ثورات الشباب في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا ، وقبلها ثوراتنا المجهضة في لبنان وإيران، هذه الثورات كسرت حواجز الخوف والرعب والعزلة التي عاشها الناس طيلة عقود من القهر والذل والقمع..
تمثلت الثورة على روتين الخضوع اليومي المستدام خصوصاً في اندفاع الناس للنزول الى الشوارع والساحات العامة بدل البقاء في العزلة الفردية في المنزل أو مكان العمل أو في الحارة أو القرية.. ويأتي في طليعة وسائل الخروج العام للناس على قواعد وضوابط الاستكانة والخضوع والمهانة دور شبكات التواصل الاجتماعي عبر الانترنت والفايسبوك والتويتر وغيرها..
خرج الناس شارعاً شارعاً وزنقة زنقة وحارة حارة وبيتاً بيتاً يقضون مضاجع الجلادين ويصرخون في وجه الظلمة الفاجرين..
والقيمة الأساس لكل ما جرى ويجري في البلاد العربية تتمثل في انطلاق مارد الحرية والكرامة من قمقمه الذي حُبس فيه منذ تسلط على رقاب هذه الأمة وشعوبها ظباط انقلابات آخر الليل، فرسان الهزائم والنكسات في وجه العدو المحتل ..
انطلقت الحناجر وتعالت الأصوات تنادي بحرية الرأي والتعبير..ومارس الناس هذا الحق عبر البيانات والشعارات واليافطات والمناقشات وعبر أصوات الهتافات تصرخ وتشدو بلابلها بأجمل ألحان الحرية في الشوارع والحارات وفي القرى وعلى الطرقات...
ومارس الناس الحرية في الانتظام والتنظيم وفي تشكيل التكتلات والتيارات والتحالفات..
ومارسوها في تبنيهم وهضمهم وتوطينهم لمفاهيم الديموقراطية والمساواة والمواطنة والعدالة وهي المفاهيم التي قال المستشرقون وقالت أحزاب الهزيمة والنكسة والانقلابات والاغتيالات انها مفاهيم ومعايير حديثة غربية بعيدة عن عقلية وذهنية شعوبنا القبلية الطائفية العشائرية..
وطرح الناس شعارلا للفساد وحولوه الى هم جماهيري والى أداة تحشيد وتعبئة في وجه الذين كدسوا مليارات الدولارات في بنوك الغرب مسحوبة من دماء شباب الوطن وشاباتها الذين قضوا في السجون الرهيبة أو على الحدود مع العدو..
اكتشفت شعوبنا معنى الكرامة البشرية ومعنى الحقوق المسلوبة منذ عقود ومعنى وضرورة المطالبة باستعادتها ولو بثمن الموت.. نعم طاب الموت والله طاب... وعزت الروح.. ولم تبخل الشعوب بها..
اكتشف الناس معنى المسؤولية الفردية والجمعية ومعنى المبادرة الى تحملها..وقاموا بذلك بكل اقتدار وعنفوان ..
واكتشف الناس معنى الوعي واليقظة في الدفاع عن المنجزات والمكتسبات وعدم الغفلة أو التهاون في وجه المتسلقين والانتهازيين ..فحشروا الاحزاب والشخصيات السياسية في الزاوية..
ومن واقع وحقيقة حداثة وعفوية وسائل التعبير والتنظيم، وواقع وحقيقة كون المطالبة سلمية ديموقراطية جماهيرية، كانت المعركة مع الأنظمة معركة شعبية لا عنفية ولا حزبية ولا نخبوية.. وقد رفضت الجماهير كل الزعامات المسقطة على الناس فجأة أو القادمة اليهم من الخارج ..
أما الجديد الرائع والخطير في آن معاً فيتمثل في ذلك الشعار البسيط الذي صار اليوم موضة العصر من المحيط الى الخليج: الشعب يريد... تلك الكلمة السحرية: الشعب يريد تؤذن بتبلور الارادة الشعبية للناس باعتبارها المقدمة الضرورية لكل اجتماع سياسي مدني يقوم على قواعد ثابتة من العدالة والمساواة ومن الحرية والكرامة ... وبالتالي فإنه يؤذن بولادة الرأي العام العربي بدل الغوغاء والجموع والحشود التي تهتف لجلادها الحزب الواحد والقائد الأوحد والزعيم المعصوم...صار الرأي العام هو وحده القائد وهو وحده المعصوم..
أما المنعطف السياسي الأهم والأخطر فتمثل في طرح مطلب وشعار إقامة الدولة المدنية.. لا دولة دينية ولا دولة علمانية، لا دولة فاشية أو شيوعية أو بعثية أو قومية عربية أو سورية... الدولة المدنية... الدولة المدنية هذه هي المسألة والقضية الأساس التي ستحكم الحوارات والمجادلات والسياسات للعقود القادمة...
تمثلت الثورة على روتين الخضوع اليومي المستدام خصوصاً في اندفاع الناس للنزول الى الشوارع والساحات العامة بدل البقاء في العزلة الفردية في المنزل أو مكان العمل أو في الحارة أو القرية.. ويأتي في طليعة وسائل الخروج العام للناس على قواعد وضوابط الاستكانة والخضوع والمهانة دور شبكات التواصل الاجتماعي عبر الانترنت والفايسبوك والتويتر وغيرها..
خرج الناس شارعاً شارعاً وزنقة زنقة وحارة حارة وبيتاً بيتاً يقضون مضاجع الجلادين ويصرخون في وجه الظلمة الفاجرين..
والقيمة الأساس لكل ما جرى ويجري في البلاد العربية تتمثل في انطلاق مارد الحرية والكرامة من قمقمه الذي حُبس فيه منذ تسلط على رقاب هذه الأمة وشعوبها ظباط انقلابات آخر الليل، فرسان الهزائم والنكسات في وجه العدو المحتل ..
انطلقت الحناجر وتعالت الأصوات تنادي بحرية الرأي والتعبير..ومارس الناس هذا الحق عبر البيانات والشعارات واليافطات والمناقشات وعبر أصوات الهتافات تصرخ وتشدو بلابلها بأجمل ألحان الحرية في الشوارع والحارات وفي القرى وعلى الطرقات...
ومارس الناس الحرية في الانتظام والتنظيم وفي تشكيل التكتلات والتيارات والتحالفات..
ومارسوها في تبنيهم وهضمهم وتوطينهم لمفاهيم الديموقراطية والمساواة والمواطنة والعدالة وهي المفاهيم التي قال المستشرقون وقالت أحزاب الهزيمة والنكسة والانقلابات والاغتيالات انها مفاهيم ومعايير حديثة غربية بعيدة عن عقلية وذهنية شعوبنا القبلية الطائفية العشائرية..
وطرح الناس شعارلا للفساد وحولوه الى هم جماهيري والى أداة تحشيد وتعبئة في وجه الذين كدسوا مليارات الدولارات في بنوك الغرب مسحوبة من دماء شباب الوطن وشاباتها الذين قضوا في السجون الرهيبة أو على الحدود مع العدو..
اكتشفت شعوبنا معنى الكرامة البشرية ومعنى الحقوق المسلوبة منذ عقود ومعنى وضرورة المطالبة باستعادتها ولو بثمن الموت.. نعم طاب الموت والله طاب... وعزت الروح.. ولم تبخل الشعوب بها..
اكتشف الناس معنى المسؤولية الفردية والجمعية ومعنى المبادرة الى تحملها..وقاموا بذلك بكل اقتدار وعنفوان ..
واكتشف الناس معنى الوعي واليقظة في الدفاع عن المنجزات والمكتسبات وعدم الغفلة أو التهاون في وجه المتسلقين والانتهازيين ..فحشروا الاحزاب والشخصيات السياسية في الزاوية..
ومن واقع وحقيقة حداثة وعفوية وسائل التعبير والتنظيم، وواقع وحقيقة كون المطالبة سلمية ديموقراطية جماهيرية، كانت المعركة مع الأنظمة معركة شعبية لا عنفية ولا حزبية ولا نخبوية.. وقد رفضت الجماهير كل الزعامات المسقطة على الناس فجأة أو القادمة اليهم من الخارج ..
أما الجديد الرائع والخطير في آن معاً فيتمثل في ذلك الشعار البسيط الذي صار اليوم موضة العصر من المحيط الى الخليج: الشعب يريد... تلك الكلمة السحرية: الشعب يريد تؤذن بتبلور الارادة الشعبية للناس باعتبارها المقدمة الضرورية لكل اجتماع سياسي مدني يقوم على قواعد ثابتة من العدالة والمساواة ومن الحرية والكرامة ... وبالتالي فإنه يؤذن بولادة الرأي العام العربي بدل الغوغاء والجموع والحشود التي تهتف لجلادها الحزب الواحد والقائد الأوحد والزعيم المعصوم...صار الرأي العام هو وحده القائد وهو وحده المعصوم..
أما المنعطف السياسي الأهم والأخطر فتمثل في طرح مطلب وشعار إقامة الدولة المدنية.. لا دولة دينية ولا دولة علمانية، لا دولة فاشية أو شيوعية أو بعثية أو قومية عربية أو سورية... الدولة المدنية... الدولة المدنية هذه هي المسألة والقضية الأساس التي ستحكم الحوارات والمجادلات والسياسات للعقود القادمة...
الأنظمة العربية وقضية البديل الاسلامي والسلفية
سعود المولى
لم تكن الأحزاب (وخصوصاً الإسلامية منها) موجودة في هذه الثورات..ذلك أن الأنظمة العربية ألغت الحياة السياسية وألغت الخيارات الديموقراطية للناس. وقد سبقت الناس القوى الطليعية المنظمة وفرضت شعاراتها وأجندتها على الحدث... يكفي أن نستعرض خطاب وممارسة القوى السياسية الرئيسة لنكتشف كم كانت جامدة خشبية تقليدية تلهث خلف السلطة بأي شكل كان..لم يكن سقف الأحزاب والشخصيات المعارضة ليتجاوز إجراء اصلاحات بسيطة قليلة وبخجل..ولم تكن الثورة أو الانتفاضة على جدول أعمال أي طرف سياسي لا اسلامي ولا يساري ولا قومي ولا علماني.الحركة الاجتماعية سبقتهم جميعاً... في تونس كادت الأحزاب المعارضة تعطي لبن علي فرصة بعد خطابه المفكك المرتبك الذي حاول فيه تقليد الرئيس الفرنسي دوغول... ولكن الناس لم تصدق تمثيله الفاشل ونزلت إلى الشارع ولم ولا تغادره... وفي مصر حاولت الأحزاب والمعارضة في البداية قطف الثمرة سريعاً «طالما أن أميركا والجيش معنا الآن»... ولكن الناس لم تغادر ميدان التحرير... وفي كلتا الحالتين ما تزال الأمور غير مستقرة ولا نهائية... ذلك أن الحركات الاجتماعية الكبرى في التاريخ سرعان ما تواجه معضلة التنظيم والقيادة والبرنامج الواضح والخطط المستقبلية...
في تونس لم تستطع السلفية الجهادية أن تثبت أقدامها (على عكس الجزائر والمغرب وليبيا) بفضل وعي ووطنية حزب النهضة الإسلامي الذي أعلن رئيسه الشيخ راشد الغنوشي مبكراً (منذ عام 1992): "لقد تجنبنا الرد على عنف الدولة بعنف مضاد... وباءت بالفشل كل محاولات النظام لتوريط الحركة في هذا السبيل. ولذلك إذا كان من استقرار في تونس اليوم فإنما هو عائد إلى منهج المصابرة الذي توخته الحركة ودفع السيئة بالتي هي أحسن ورفض الاستدراج إلى العنف. هذا هو خيارنا الذي اجتمعت ولا تزال حوله غالبية أبناء الحركة. فمن لم يطق صبراً عليه فليبحث له عن سقف آخر بديل عن النهضة يقف تحته"[1].
وفي مصر حدث التحول الكبير حين قامت الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد بمراجعات شجاعة حقيقية وشفافة (بدءاً من عام 1998) أنهت حقبة التوتر والعنف ورسخت السلم الأهلي وأنجزت استقراراً كبيراً في المجتمع المصري[2]؛ ما أضاف إلى موقف التيارين الإسلاميين الآخرين (الإخوان وشباب الوسط) وإلى المعارضة عموماً، قوة مدنية سلمية ديموقراطية شابة مجربة سمحت بمواجهة عسف السلطة وفسادها على قواعد جديدة تحمي المواطنة والتعددية والوحدة الوطنية... والتجربتان التونسية والمصرية (وهما تشبهان هنا التركية والإيرانية) تميزتا في الأصل بوجود نظام علماني حداثوي وطني، ودولة مركزية قوية ذات شرعية ثابتة وسيادة غير منتقصة (وكلها صمام أمان التنّوع الأقلوي)، تردفها ليبرالية بورجوازية مستقرة في مجتمع مديني غالب، ما يعني ضعف أو غياب العصبيات النابذة والمفككة للدولة... كما يعني في الوقت نفسه تغوّل الدولة على حساب المجتمع وخياراته...
لقد تجاوزت الأحداث قوى الحركة الإسلامية العربية... فقد سقطت التجربة الإسلامية في السودان وإيران في أتون التسلط الثوري والاستبداد الديني بعد الانقلاب على أهلها (من حسن الترابي إلى خاتمي - رفسنجاني- موسوي)... وفي العراق تحوّل الإسلام السياسي (حزب الدعوة الشيعي) إلى نظام حكم فاسد ديكتاتوري، يُعيد إنتاج الصنم البائد (ولكن المرة الثانية تكون عادة على شكل مسخرة – والكلام لماركس)... وفي تونس والمغرب والسودان والأردن واليمن (وغيرها) لم يخرج التيار الإسلامي "الديموقراطي" عن إطار التنظير النخبوي والجامد للمواطنة والحقوق المدنية والتعددية، مع غلبة اللفظية الإسلاموية القومية الشعبوية والشعاراتية في خطابه... فلم يرتبط بديناميات الحراك السياسي الاجتماعي الفعلي للناس وهمومها... إذ كان همّه تقاسم السلطة... غاب الإسلاميون (كما اليساريون والقوميون) عن ساحة الفعل الاجتماعي السياسي .
أما السلفية الجهادية القاعدية البن لادنية فهي كانت تتغذى وتستمر وتقوى من وجود هذه الأنظمة ومن غياب الناس عن ساحة الفعل السياسي والحراك الاجتماعي..وما أن تقوم الحركات الشبابية والاجتماعية حتى ينتهى أصلاً دور هذه السلفيات الجهادية..وبالتالي فكل ادعاءات الأنظمة عن سلفيات وأصوليات ما هو إلا من قبيل استخدامها فزاعة لإبقاء دعم الغرب لهذه الأنظمة بحجة التقاء المصالح في وجه الارهاب..وبعض هذه الأنظمة كان وما يزال المأوى والداعم والمصدِّر الأول لعمليات القاعدة والسلفية الجهادية ضد جيرانه (سوريا على سبيل المثال)..
لم تكن الأحزاب (وخصوصاً الإسلامية منها) موجودة في هذه الثورات..ذلك أن الأنظمة العربية ألغت الحياة السياسية وألغت الخيارات الديموقراطية للناس. وقد سبقت الناس القوى الطليعية المنظمة وفرضت شعاراتها وأجندتها على الحدث... يكفي أن نستعرض خطاب وممارسة القوى السياسية الرئيسة لنكتشف كم كانت جامدة خشبية تقليدية تلهث خلف السلطة بأي شكل كان..لم يكن سقف الأحزاب والشخصيات المعارضة ليتجاوز إجراء اصلاحات بسيطة قليلة وبخجل..ولم تكن الثورة أو الانتفاضة على جدول أعمال أي طرف سياسي لا اسلامي ولا يساري ولا قومي ولا علماني.الحركة الاجتماعية سبقتهم جميعاً... في تونس كادت الأحزاب المعارضة تعطي لبن علي فرصة بعد خطابه المفكك المرتبك الذي حاول فيه تقليد الرئيس الفرنسي دوغول... ولكن الناس لم تصدق تمثيله الفاشل ونزلت إلى الشارع ولم ولا تغادره... وفي مصر حاولت الأحزاب والمعارضة في البداية قطف الثمرة سريعاً «طالما أن أميركا والجيش معنا الآن»... ولكن الناس لم تغادر ميدان التحرير... وفي كلتا الحالتين ما تزال الأمور غير مستقرة ولا نهائية... ذلك أن الحركات الاجتماعية الكبرى في التاريخ سرعان ما تواجه معضلة التنظيم والقيادة والبرنامج الواضح والخطط المستقبلية...
في تونس لم تستطع السلفية الجهادية أن تثبت أقدامها (على عكس الجزائر والمغرب وليبيا) بفضل وعي ووطنية حزب النهضة الإسلامي الذي أعلن رئيسه الشيخ راشد الغنوشي مبكراً (منذ عام 1992): "لقد تجنبنا الرد على عنف الدولة بعنف مضاد... وباءت بالفشل كل محاولات النظام لتوريط الحركة في هذا السبيل. ولذلك إذا كان من استقرار في تونس اليوم فإنما هو عائد إلى منهج المصابرة الذي توخته الحركة ودفع السيئة بالتي هي أحسن ورفض الاستدراج إلى العنف. هذا هو خيارنا الذي اجتمعت ولا تزال حوله غالبية أبناء الحركة. فمن لم يطق صبراً عليه فليبحث له عن سقف آخر بديل عن النهضة يقف تحته"[1].
وفي مصر حدث التحول الكبير حين قامت الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد بمراجعات شجاعة حقيقية وشفافة (بدءاً من عام 1998) أنهت حقبة التوتر والعنف ورسخت السلم الأهلي وأنجزت استقراراً كبيراً في المجتمع المصري[2]؛ ما أضاف إلى موقف التيارين الإسلاميين الآخرين (الإخوان وشباب الوسط) وإلى المعارضة عموماً، قوة مدنية سلمية ديموقراطية شابة مجربة سمحت بمواجهة عسف السلطة وفسادها على قواعد جديدة تحمي المواطنة والتعددية والوحدة الوطنية... والتجربتان التونسية والمصرية (وهما تشبهان هنا التركية والإيرانية) تميزتا في الأصل بوجود نظام علماني حداثوي وطني، ودولة مركزية قوية ذات شرعية ثابتة وسيادة غير منتقصة (وكلها صمام أمان التنّوع الأقلوي)، تردفها ليبرالية بورجوازية مستقرة في مجتمع مديني غالب، ما يعني ضعف أو غياب العصبيات النابذة والمفككة للدولة... كما يعني في الوقت نفسه تغوّل الدولة على حساب المجتمع وخياراته...
لقد تجاوزت الأحداث قوى الحركة الإسلامية العربية... فقد سقطت التجربة الإسلامية في السودان وإيران في أتون التسلط الثوري والاستبداد الديني بعد الانقلاب على أهلها (من حسن الترابي إلى خاتمي - رفسنجاني- موسوي)... وفي العراق تحوّل الإسلام السياسي (حزب الدعوة الشيعي) إلى نظام حكم فاسد ديكتاتوري، يُعيد إنتاج الصنم البائد (ولكن المرة الثانية تكون عادة على شكل مسخرة – والكلام لماركس)... وفي تونس والمغرب والسودان والأردن واليمن (وغيرها) لم يخرج التيار الإسلامي "الديموقراطي" عن إطار التنظير النخبوي والجامد للمواطنة والحقوق المدنية والتعددية، مع غلبة اللفظية الإسلاموية القومية الشعبوية والشعاراتية في خطابه... فلم يرتبط بديناميات الحراك السياسي الاجتماعي الفعلي للناس وهمومها... إذ كان همّه تقاسم السلطة... غاب الإسلاميون (كما اليساريون والقوميون) عن ساحة الفعل الاجتماعي السياسي .
أما السلفية الجهادية القاعدية البن لادنية فهي كانت تتغذى وتستمر وتقوى من وجود هذه الأنظمة ومن غياب الناس عن ساحة الفعل السياسي والحراك الاجتماعي..وما أن تقوم الحركات الشبابية والاجتماعية حتى ينتهى أصلاً دور هذه السلفيات الجهادية..وبالتالي فكل ادعاءات الأنظمة عن سلفيات وأصوليات ما هو إلا من قبيل استخدامها فزاعة لإبقاء دعم الغرب لهذه الأنظمة بحجة التقاء المصالح في وجه الارهاب..وبعض هذه الأنظمة كان وما يزال المأوى والداعم والمصدِّر الأول لعمليات القاعدة والسلفية الجهادية ضد جيرانه (سوريا على سبيل المثال)..
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)