الخميس، 24 نوفمبر، 2011

الفايسبوك وما أدراك ما الفايسبوك؟

سعود المولى
شهد العقد الأول من الألفية الثالثة للميلاد انحسار أشكال الاتصال والتواصل التي كانت تؤمنها الأحزاب ونواديها وصحفها خصوصاً مع تحول الصحف السياسية والفضائيات التابعة للأنظمة أو المتواطئة معها على تعميم النمط الثقافي السريع الاستهلاك، الى أبواق استرزاق نخبوية بعيدة كل البعد عن هموم الناس ومشاغلها..فجاء الانترنت ثم الفايسبوك والتويتر ليسد الفراغ في آليات وأشكال الإتصال والتواصل بين الأجيال الشابة من خلال العالم الافتراضي للتواصل عن بعد.. كما لعب هذا الإعلام التواصلي الاجتماعي دور الجماعة الفاعلة التي عوضت بعض الشيء إنحلال أواصر العلاقات الاجتماعية والتضامنية التقليدية التي حرصت الأنظمة الاستبدادية على تفكيكها وتقويضها والاستعاضة عنها بالولاءات الزبائنية والمصلحية والفردية الانتهازية...
وفي حين رأى قدامى اليساريين والقوميين في الفايسبوك مؤامرة صهيونية إمبريالية أو في أحسن الأحوال أن الفايسبوك يخلق فضاء تتحكم فيه سلطة الرأسمال المعولم والمخابرات أو السلطة الخفية لمن يملك مفاتيح إغلاق أو فتح هذه الوسيلة أمام الاستخدام الشعبي الحقيقي (غوغل وغيرها من المشغلين كمثال)..فإن الفايسبوك ساهم في الواقع في افراز خطاب جماهيري ثوري موحد يتم تداوله على نطاق أوسع ويسمح بتفاعل حي ما بين المرسلين والمتلقين (حتى تضيع الفواصل والحدود بينهما).كما أظهرت أحداث الثورات أن الفايسبوك والتويتر لعبا دور الإعلام المباشر عن الحدث ونقله وفضح الممارسات القمعية وتأمين امكانيات الرد والحشد والتعبئة إضافة الى الدور التثقيفي السياسي والتنظيمي الهائل من خلال نقل الخطب والشعارات والأناشيد والأغاني والنكات والحكايات والتجارب الشخصية والجماعية ما أسهم ويسهم في تشكيل الوعي السياسي للناشطين الشباب وتحويلهم من مستخدمين لأداة الى فاعلين اجتماعيين مباشرين في الحدث ونتائجه وتداعياته[1]..لقد ساهم الفايسبوك في صياغة وعي قطاعات واسعة من جيل الألفية الثالثة بلغة العصر، وربط همومه المحلية والقومية بهموم العالم، وساعده على صياغة لغة جديدة إنسانية يمكن لها أن تؤثر في العالم وتتأثر به... ولئن كان صحيحاً القول بأن العلاقات الاجتماعية الناشئة عن الفايسبوك تقوم على عالم افتراضي وعلى تواصل عن بعد، إلا أنه لا ينبغي أن نتجاهل كون هذا العالم الافتراضي هو إمتداد للعالم الواقعي الحقيقي وهو سرعان ما يتماهى معه من خلال النزول اليومي الى الميدان والساحة ومن خلال الجامع صلاة الجمعة أو مظاهرات الأحياء الشعبية في الليل أو زحف الأرياف والقرى نحو المدن كما حدث في تونس ومصر وأخيراً بشكل رائع في سوريا..
فالأساس في الثورات ما زال لنبض الناس الحار واللقاء المباشر في الميدان الفعلي للمواجهة..
إلا أن هذا لم يكن ليتحقق لولا التواصل عبر الفايسبوك والإنترنت والتويتر أولاً..
أما القول بوجود سلطة خفية مهيمنة فهذا قول مردود لأن هذا المجال المفتوح هو ككل مجال معرفي جديد حقل صراعي مفتوح وليس حقلاً سكونياً جامداً..والفاعلون هنا يملكون من الرساميل الرمزية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ما يسمح لهم بخوض هذا الصراع وبامتلاك مفاتيحه ونواصيه...وهؤلاء الشباب لا يأتون من فراغ بل هم أبناء جيل وجيلين من الحركات السياسية والنقابية والشبابية النضالية ومن الأجواء والاختمارات الفكرية والذهنية والسلوكية ومن ثقافة سياسية تسربت اليهم من التعليم الجامعي الذي تلقوه ومن معايشتهم لأزمات بلادهم ومن الاعلام المفتوح عبر الفضائيات المتنافسة..