الخميس، 24 نوفمبر، 2011

فزّاعة الحرب الأهليّة في سوريا

من ينشر المخاوف ولماذا.. ومن يحبطها ويزيلها؟
بقلم: نبيل شبيب

الحرب الوحيدة الدائرة في سورية هي حرب الاستبداد المسلّح ضدّ الشعب الثائر الأعزل، والاحتمال الوحيد لنهاية هذه الحرب هو إسقاط الاستبداد وانتصار الشعب، وكلّ ما يتردّد من توقعات وتقديرات هو في حدود الحديث عن الكيفية، والثمن، وما بقي من فترة زمنية، ويخرج عن هذا الإطار ما بدأ يُذكر بصورة متتابعة بشأن نشوب حرب أهلية في سورية. لن تنشب حرب أهلية، ولكن يوجد من يتخوّف من نشوبها، وهنا ينبغي طرح الأسباب التي تؤكّد أنّها لن تنشب، إنّما يوجد من يطرح هذا الاحتمال الخطير لتحقيق أغراض لا علاقة لها بالثورة وانتصارها، ولا بواقع الشعب والوطن، وهنا ينبغي بيان هذه الأغراض.
التنوّع لا يصنع حرباً أهلية
تعليل احتمال نشوب حرب أهلية بالتنوع العرقي والديني والطائفي والسياسي في سورية تعليل فاسد، فمجرّد التنوع لا يصنع حرباً أهلية، وإلاّ لعمّت الحروب النسبة الأعظم من دول العالم، فالتنوع فيها يزيد في الأعمّ الأغلب على ما هو موجود في سورية، ويلفت النظر فيمن يطرحون هذا الاحتمال بسبب التنوّع، هم إما غربيّون، أو بعض من ينطلق من التراث المعرفي الغربي، والغربيون ينطلقون من تاريخهم الحافل بحروب أهلية عديدة ومديدة، منها ما امتدّ مائة عام أو عشرات الأعوام، وكان ذلك في العصر الوسيط الأوروبي في الدرجة الأولى، وكان وجود طائفتين أو فئتين في أرض واحدة كافياً للاقتتال طويلاً، والفتك الهمجي، وهم يعتبرون أنّ سورية «تعيش في العصر الوسيط» بمفهومهم، ولا يميّزون بين استبداد متسلّط يفكّر ويتصرّف بتلك العقلية، وبين شعب واعٍ يدرك ما تعنيه الحرب الأهلية، التي عايش نماذج عنها في العصر الحديث، ممّا كانت له أسباب أخرى علاوة على التنوّع.
في سورية استبداد فاسد متسلّط لا دين له ولا مذهب ولا اتجاه، سوى التسلّط، استغلّ التنوّع في نسيج الشعب السوري، وما زال يستغلّه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، محاولاً تفتيت الجبهة الشعبية في الثورة، والانحراف بها عن مسارها الحضاري: «شعب واحد...» و«سلميّة سلميّة...» بينما يدرك هذا الشعب أنّ أي صدام مسلّح من نوعية الحرب الأهلية لا يؤدّي إلى «نصر» بل إلى استمرار الاستبداد وازدياده ضراوة وهمجية.
ورغم همجية محاولات الاستبداد، والإهانة العلنية في الشوارع، واختطاف الفتيات، وتعذيب الأطفال، وسعي الاستبداد الدائب من أجل توجيه أصابع الاتهام نحو فئة المواطنين العلويين تحديداً.. ليثير الرغبة في الانتقام الجماعي منهم، والمفروض أن تكون هذه الأدلة العملية كافية لتزيل مخاوف وهميّة يعمل الاستبداد بكل جهده لإثارتها لدى العلويين وسواهم، وهذا ما انعكس حتى الآن في بعض ما صدر من مواقف من أوساطهم، فضلاً عن إدراكهم أنّ كثيراً منهم كانوا كسائر المواطنين من ضحايا الاستبداد، منذ تسلّطه على سورية، لا سيما من خلال تخلّص رأسه الأول، حافظ الأسد، من رفاق دربه الأوائل، وهو ما شمل سائر الفئات في حينه.
ما وراء التحذير من الفتنة
ليس مجهولاً أنّ في مقدّمة الذرائع التي باتت القوى الدولية تشيعها لتسويغ تدخّل عسكري له أغراضه ومآربه التي لا علاقة لها بتحرير الشعوب، ذريعة «حماية الأقليات».. وهذا ما يدفع إلى التساؤل عن أسباب تواتر التحذير الأجنبي من «حرب أهلية» في سورية في الوقت الحاضر، تارة على لسان مسؤولة من منظمة حقوق إنسانية، وأخرى من جانب مسؤولين ديبلوماسيين وسياسيين غربيين، وثالثة من جانب من يرون واقع شعوبنا وبلادنا عبر نظارة غربية في الدرجة الأولى.
لقد ظهر للعيان بوضوح أنّ الشعب الثائر في سورية متشبّث بعدد من الدعائم الأساسية لثورته:
1- الهدف إسقاط النظام.. دون قيد ولا شرط ولا مساومة ولا حوار عبثي.
2- الثورة ثورة الشعب كله.. والحصيلة شاملة للشعب كله.
3- الوسيلة ثورة سلمية.. مهما قيل عن وقوع حوادث انفرادية بصدد استخدام قوّة مسلّحة محدودة.
4- الدعم مطلوب من سائر فئات الشعب ومن الأحرار الشرفاء في الجيش الوطني وبعض الأجهزة الأمنية.
5- الدعم الخارجي مطلوب بمختلف صوره الفعالة.. باستثناء التدخل العسكري.
بالمقابل: رغم أن الموقف الرسمي العربي والإقليمي والدولي يقول حتى الآن بعدم استهداف سورية بتدخل عسكري خارجي، يوجد ما يكفي من الأسباب والمؤشرات للقول: هذا موقف قابل للتغيير بين ليلة وضحاها، ليس بهدف دعم الشعب الثائر، وإنما بهدف استغلال الثورة لتحقيق أغراض أخرى، من بينها القضاء على أسباب القوة العسكرية وغير العسكرية في سورية، كيلا تنتقل بعد إسقاط الاستبداد قريباً إلى نظام حكم قويم منبثق من إرادة الشعب المنتصر.
مسؤولية الثوار والسياسيين
المسؤولية الحقيقية عن الوطن والشعب ومصلحته العليا ومستقبله، هي مسؤولية الثوار، ومسؤولية السياسيين الذين يريدون تمثيل الشعب وثورته في ما يبذلون من جهود، للانتقال بسورية من حقبة استبداد إجرامي إلى حقبة نظام مستقر منبثق من إرادة الشعب.
لم يصدر - ولا ينبغي أن يصدر - عن الثوار والسياسيين أي موقف أو تصرّف في اتجاه يخدم أغراض الاستبداد وإن كان من حيث لا يقصدون، أي في اتجاه صدامات بين المواطنين على أساس التنوّع في نسيجهم الوطني.
ولم يصدر - ولا ينبغي أن يصدر - عن الثوار والسياسيين أي موقف أو تصرف وإن كان من حيث لا يقصدون، في اتجاه يخدم أغراض أي قوة دولية راغبة في تدمير طاقات سورية وشعبها، تحت عنوان تدخّل عسكري أجنبي، أو عنوان «حماية» هذه الفئة أو تلك من فئات الشعب.
لا عذر لارتكاب الخطأ على هذا الصعيد.. فمن يرتكب خطأً تاريخياً من هذا القبيل، لا يصلح لثورة شعبية ولا قيادة سياسية أصلاً.
أثبت الثوار وعيهم بذلك وحرصهم على الثورة والشعب والوطن في وقت واحد، وذلك في أشدّ الظروف قسوة وصعوبة، وأسقطوا بصورة قاطعة كلّ مقولة عتيقة في عدم نضوج الوعي الشعبي السياسي، ممّا يرتكز عليه أصحاب الرؤى الاستبدادية.. التي تبدأ بالوصاية على الشعب وإرادته، وتصل في نهاية المطاف إلى ما وصلت إليه الأنظمة الاستبدادية المتهالكة من قمع همجي لا يعرف للقيم وجوداً.. فضلاً عن أن يلتزم ببعضها.
ويجب أن يثبت السياسيون قدرتهم على التخلّص من كل موروث من تقاليد المساومات السياسية، حتى وإن اقترن ذلك عند بعضهم بصورة من صور التضحية بموقع سياسي.. فالشعب الذي يريدون تمثيله هو الذي يقدّم التضحيات الحقيقية من الشهداء والجرحى، من الدماء والآلام، من كل ما يملك.. ليكون سيّد نفسه، فهذا ما يضمن له الكرامة والحرية والعدالة والحكم القويم في المستقبل.. وقد ظهرت تباشير هذا المستقبل على أرض سورية ما بين درعا والقامشلي، وفي القلب من حمص والرستن وتلبيسة وحماة، وليس في هذا المستقبل سوى احتمال واحد: إسقاط الاستبداد وانتصار الشعب