برهان غليون
لم تفاجئ الانتفاضة التونسية المستمرة منذ نحو شهر في تونس سوى أهل السلطة الذين اعتقدوا أنهم وجدوا المعادلة الذهبية التي تجعل وصولهم إلى قمة السلطة نهاية التاريخ كما تجعل من التغيير الذي حلم به التونسيون بعد تنحية الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، أي تغيير، سرابا بعيد المنال.
وهذه المعادلة الذهبية، المتبعة في أكثر البلاد العربية، هي التي يسمونها بالنموذج الصيني، وهي تعني الجمع بين إغلاق باب السياسة أو إزالتها من الحياة العامة وتحريم العمل فيها، في أي صورة كان، سواء كان عملا سياسيا مباشرا أو نشاطات مدنية، وتحليل الاقتصاد في أي شكل كان، سواء أجاء على صورة استثمارات أجنبية أو مراكمة للثروة بالطرق الشرعية وغير الشرعية، أو الفساد والسرقة العينية.
وكان الرهان أن تسمح التنمية الاقتصادية السريعة الناجمة عن هذا الانفتاح الكبير بتحسين شروط حياة السكان وتعظيم الأمل في المستقبل وتعزيز شرعية النظام، وبالتالي مقايضة السياسة نهائيا بالاقتصاد، وتفضيل الوجود أو البقاء على قيد الحياة على الهوية والمعنى.
ولا يخفى أن هذه الصيغة حققت نتائج واضحة في العقدين الماضيين. فقد ضمنت، من جهة أولى، تأييد الغرب، الشريك التقليدي لتونس، ودعمه للتجربة التونسية، وتشجيع رجال المال والأعمال على التعامل مع تونس على أنها شريك طبيعي، ما أعطى بالفعل دفعة قوية للاستثمار الأجنبي، وساهم في إيجاد معدلات تنمية أعلى نسبيا عما هي عليه في البلدان العربية المجاورة.
ونجحت من جهة ثانية في تأمين درجة كبيرة من الاستقرار الذي ضاعف من اهتمام الشريك الغربي بالنظام التونسي ودعمه، والمراهنة عليه باعتباره نموذجا يمكن وضعه في مواجهة النموذج الإسلامي، الذي ترفعه الحركات الاحتجاجية الرئيسية في المغرب العربي، والذي يشكل الشبح الذي يطارد النظم الحاكمة وحلفاءها منذ التسعينات من القرن الماضي.
والواقع أن الاقتناع كان ولا يزال قويا لدى هذه النخب العربية الحاكمة وحلفائها الغربيين بأن معادلة الخبز لقاء الحرية، أو لقمة العيش لقاء الاستقرار والنظام والانضباط، هي الأصلح لشعوب ليس لها ثقافة الغرب ولا مطالبه الفكرية والمعنوية، وأن تأمين الخبز للأغلبية الساحقة، وهو مطلبها الرئيسي بل ربما الوحيد، سوف يقطع أي طريق على المعارضات السياسية وحركات التغيير، إسلامية كانت أم مدنية.
وربما أمكن استغلال هذا التناقض بين تأمين الخبز الذي يشكل مطلب الشعوب الرئيسي والحريات الفردية والمشاركة السياسية، التي لا تهم سوى الأقلية الضئيلة من المثقفين "الرومانسيين أو الموهومين"، للتحريض ضد النخب السياسية المعارضة وأصحاب الرأي المختلف، وتشويه صورتهم وعزلهم عن الجمهور الواسع، بل وتسفيه السياسة والعمل السياسي ذاته. وهذا ما حصل بالفعل.
هكذا أمكن للنموذج أن يعيش وأن يعزل النخب السياسية والمثقفة ويضعها في صندوق مغلق ويستمر من دون منغصات تذكر. وأمام هذه النتائج الملموسة لنموذج ابن علي الذي كان يتوقع له أن يكون مثالا يحتذى، لم تكن المبالغة في القمع ولا الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان، تشكل هاجسا كبيرا للحلفاء الغربيين، الفرنسيين أو الأميركيين.
بل لقد أصبح هؤلاء شركاء في خلق النموذج ومن أكبر المساهمين في التغطية على هذه الانتهاكات من خلال إطلاقهم التصريحات عن المعجزة التونسية وتسريب التقارير عن التقدم الاستثنائي الكبير في تونس، والآن من خلال الصمت الضالع على عمليات القمع الدموية.
ليست المعارضة السياسية، لا الإسلامية ولا المدنية، هي التي زعزعت أركان هذا النموذج وأبرزت نكتة المعجزة وإفلاسها. إن ما قوض أركانه هو انهيار الركيزتين اللتين قام عليهما منذ البداية، ومن داخلهما. الركيزة الأولى هي التنمية المعتمدة على الاستثمارات الخارجية ودعم المؤسسات المالية الدولية.
فقد تراجعت معدلات التنمية إلى النصف منذ سنتين على أثر الأزمة العالمية، وتوقف قسم كبير من الاستثمارات الأجنبية بالإضافة إلى تقلص قطاع السياحة الذي لا يزال القطاع الرئيسي في الاقتصاد.
لكن السبب الأعمق والأهم، والذي كان سيشكل قيدا على عمل النظام واستمراره، حتى من دون وجود الأزمة، لكن بعد وقت، هو التكلفة الإنسانية، أي أيضا السياسية والاجتماعية والأخلاقية، لهذا النموذج الذي لا ينبغي التردد في وصفه بالإجرامي.
فقد كان ثمن بقائه القضاء على الحياة السياسية والفكرية والمعنوية لشعب كامل، أي مصادرة إرادته وإفساد وعيه، وحلّ عُرى تنظيمه بحيث يتحول إلى جثة هامدة تتصرف بها نخبة حاكمة، حسب ما تريد وكيف ما تشاء.
وفي مواجهة شعب مشلول الإرادة وفاقد الرأي والعزيمة، لم يكن هناك أي حاجز يحول دون تحول النخبة الحاكمة نفسها إلى ما يشبه "العصابة" التي تدير شؤون الدولة وتستثمر مواردها حسب مصالحها الخاصة، ومن دون رقيب، بل تحول الدولة إلى مزرعة للمصالح الخاصة.
ومن الطبيعي أن لا تشعر مثل هذه النخبة التي نسيت دورها تماما وتحولت إلى آلات لجمع الثروة والمال، لا بمشاكل الناس ولا بمعاناتهم، ولا أن تعاين تفاقم الظلم الاجتماعي، الناجم عن التفاوت الصارخ في توزيع الثروة بين فئات المجتمع وبين المناطق.
ومن الطبيعي أيضا أن تفاجأ بانتفاضة سيدي بوزيد وانتشارها إلى المناطق الأخرى، وأن لا تفهم الكثير مما يجري حولها، وتعتقد أن من الممكن مواجهة انتفاضة الشعب بالحلول التقليدية التي عرفتها، أي بالوعود الكاذبة التي لا تلزم أحدا، وبالتمسك بتطبيق القانون، أي القمع وإطلاق النار على الجمهور الغاضب الذي كان ولا يزال في الواقع قانون السلطة الديكتاتورية الوحيد.
ما يحصل في تونس لا يعلن عن إفلاس المعجزة التونسية التي جمعت بين خيار القمع المعمم واقتصاد الإثراء بأي ثمن، وقادت إلى الفساد والاحتقان الاجتماعي والقتل السياسي، أي في الواقع إلى تحطيم القيم الإنسانية التي لا تقوم من دونها جماعة ولا شعب، قيم الحرية والعدالة والمساواة والكرامة وحكم القانون والمشاركة في الحياة العمومية، فحسب وإنما يعبر عن إرادة شعب كامل في الانعتاق والتحرر من الأسر، وكسر القمقم الذي وضع فيه.
وبالرغم من أن شعارات مسيرات هذه الانتفاضة لم تكن سياسية ولا ينتمي المشاركون فيها إلى عالم السياسة ونخبه المثقفة، فإن عملهم هو السياسة الكبرى، لأن مضمونه هو بالضبط تقويض نظام القمع الشامل الذي بنته النخبة الحاكمة، وسعت إلى التغطية عليه بمعدلات تنمية اقتصادية مرتفعة لم تعد تخدع أحدا اليوم، ومن وراء ذلك استعادة هويته الإنسانية، أي القيم التي لا يكون من دونها اليوم الإنسان إنسانا لا في تونس ولا غيرها.
ولذلك أيضا لن يوقف الانتفاضة التونسية تكرار الوعود بمعدلات تنمية استثنائية جديدة تخفف من معدل البطالة أو تحسن مستوى معيشة الناس. ولا تعزيز الإجراءات الأمنية واستخدام سلاح القتل الجماعي. إن طمأنة الشعب على مصيره ومستقبله تستدعي تغيير قواعد اللعبة السياسية من الآن .
هذا هو التنازل الوحيد الذي يوقف انتفاضة الغضب والياسمين ويحرر تونس من كابوسها الثقيل. وتغيير قواعد اللعب يعني هنا تفكيك نظام احتكار السلطة والديكتاتورية الحزبية والشخصية والقمع الذي هو جوهر النظام الاجتماعي والتمييزي القائم، والانتقال بمشاركة جميع القوى السياسية والثقافية إلى نظام ديمقراطي يعيد إلى الشعب حقه في تقرير مصيره، أي في إدارة شؤونه، وينزع هذا الحق ممن صادره بغير حق، ولأي سبب كان.
فتحية لتونس التي تفتح طريق الحرية في عالم عربي قتله الانتظار على الطريق .
الثلاثاء، 18 يناير 2011
الأربعاء، 12 يناير 2011
دعوة للتصالح مع المجتمع
بقلم سعود المولى
في سلسلة المراجعات التي أجرتها الجماعة الإسلامية المصرية (كبرى حركات الجهاد وأهمها) كتاب بقلم الدكتور ناجح إبراهيم (أحد أبرز قادة الجماعة)بعنوان "دعوة للتصالح مع المجتمع"، إستعاد فيه زبدة فكر وفقه المراجعات، من حيث الجمع بين الإعتذار عن الأخطاء التي وقعت فيها الجماعة من جهة، وبين تقديم إجتهادات فقهية ومرجعية جديدة، ونقلها لأبناء الجماعة والشباب المتدين بشكل عام من جهة أخرى. وقد ركّز المؤلف على فكرة التصالح ما بين الشباب المتدين وباقي فئات مجتمعاتهم، داعياً إلى نبذ كل ما من شأنه إشاعة الفرقة وبث روح الشقاق والخلاف بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد...ولذلك فإن صفحات الكتاب تبدو أشبه ما تكون بمناظرة مفتوحة يطرح خلالها حججه وبراهينه على طرف آخر مفترض، مكثراً من ضرب الأمثلة وسرد الاستشهادات التي تصف "دأب الكثير من الشباب المتدين على قطع الصلة بينه وبين مجتمعه إلى درجة فك الإرتباط الذي يربط بينه وبين أقاربه وجيرانه، وذلك بزعم التميَز بالإيمان".
ويشمل الكتاب أربعة فصول، يؤصل الفصل الأول المسمى: "الإنتماء إلى الأوطان لا ينافي الإنتماء للإسلام"، لمكانة الوطن في الإسلام، ضارباً الأمثلة على عظم مكانة الوطن والوطنية، ومؤكداً أن "الوطنية الحقة هي التي ينبع معناها من الدين، وتسير في نفوس الناس على هدى من تعاليمه، فنحن ننكر المغالاة فيها برفعها فوق حدود الدين، كما ننكر في ذات الوقت التهاون فيها بزعم أنها تضاد الدين وتوافق التعصب لغير الحق".
ويرصد الفصل الثاني "لا للصدام مع المجتمع" الأسباب التي توجد الخلاف بين أبناء الوطن الواحد، مشدداً على أن هذه الإختلافات يجب ألا تشكل بأي حال من الأحوال مسوغاً للصدام مع باقي المجتمع، على أساس أن الإختلاف بين بني البشر أمر مقدر من الله عز وجل.
ويعتبر أن ليس كل إختلاف يُنظر إليه على أنه شر محض، فأحياناً يكون إختلاف الآراء وتباين وجهات النظر مدعاة لإثراء الحركة الفكرية والفقهية، ولذا فإنه يقسم الخلاف الواقع بين المسلمين إلى نوعين: إختلاف التنوع وإختلاف التضاد، ويعرف النوع الأول بأنه ما لا يكون فيه أحد القولين مناقضاً للأقوال الأخرى، بل كل الأقوال صحيحة، ضارباً المثل على ذلك بالإختلاف في المستحب الذي كان يفعله النبي وغير المستحب الذي كان يتركه.
وفي الفصل الثالث يحاول طرح تصور لطبيعة العلاقة بين الدعاة وعوام الناس، والقائم أساساً على الهداية ودعوة الناس، لا الدعاء عليهم، ثم يخصص الفصل الرابع للتشديد على القيمة الضابطة للعلاقة بين الشباب المتدين وباقي أفراد المجتمع، وهي: الدين المعاملة.
وفي هذا السياق يوضح الفارق بين المداراة والمداهنة، لافتاً إلى أن الأولى تعني بذل شيء من الدنيا إبتغاء خير وصلاح الدين، وللدين، ونيلاً للأجر والمثوبة في الآخرة، كما أنها تعني حسن السياسة وكمال الكياسة؛ إذ إننا مأمورون بالإحسان إلى كل الناس، أما المداهنة: ففيها تخلٍّ عن شيء من الدين وتهاون فيه إبتغاء مصلحة دنيوية عاجلة، تعود على صاحبها بالخسران والخذلان في الدنيا في قلوب الناس، وفي الآخرة عند علام الغيوب.
وفي الخلاصة فإن الكتاب يؤكد على أن أهل الدين والتدين الحق هم أعظم الناس إخلاصاً لوطنهم وأكثر الناس عملاً لصالح بلادهم..فالوطنية الحقيقية ليست بضاعة قولية شعاراتية تستورد من الخارج وإنما هي تنبع من ثقافة الناس وحياتهم وأساسها الدين.. كما أن الإنتماء للوطن والتعايش فيه بروح الإسلام يستلزم العدل مع كل قاطنيه ويوجب الإحسان إليهم حتى لو كانوا على غير ديننا.... وعلينا أن نتمثل بأخلاق النبوة وآداب المعاملة النبيلة التي تجمع ولا تفرق، وتحنو فلا تقسو ، وتستعلي على حزازات النفوس طلباً لتأليف الناس وكسب ودهم..
في سلسلة المراجعات التي أجرتها الجماعة الإسلامية المصرية (كبرى حركات الجهاد وأهمها) كتاب بقلم الدكتور ناجح إبراهيم (أحد أبرز قادة الجماعة)بعنوان "دعوة للتصالح مع المجتمع"، إستعاد فيه زبدة فكر وفقه المراجعات، من حيث الجمع بين الإعتذار عن الأخطاء التي وقعت فيها الجماعة من جهة، وبين تقديم إجتهادات فقهية ومرجعية جديدة، ونقلها لأبناء الجماعة والشباب المتدين بشكل عام من جهة أخرى. وقد ركّز المؤلف على فكرة التصالح ما بين الشباب المتدين وباقي فئات مجتمعاتهم، داعياً إلى نبذ كل ما من شأنه إشاعة الفرقة وبث روح الشقاق والخلاف بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد...ولذلك فإن صفحات الكتاب تبدو أشبه ما تكون بمناظرة مفتوحة يطرح خلالها حججه وبراهينه على طرف آخر مفترض، مكثراً من ضرب الأمثلة وسرد الاستشهادات التي تصف "دأب الكثير من الشباب المتدين على قطع الصلة بينه وبين مجتمعه إلى درجة فك الإرتباط الذي يربط بينه وبين أقاربه وجيرانه، وذلك بزعم التميَز بالإيمان".
ويشمل الكتاب أربعة فصول، يؤصل الفصل الأول المسمى: "الإنتماء إلى الأوطان لا ينافي الإنتماء للإسلام"، لمكانة الوطن في الإسلام، ضارباً الأمثلة على عظم مكانة الوطن والوطنية، ومؤكداً أن "الوطنية الحقة هي التي ينبع معناها من الدين، وتسير في نفوس الناس على هدى من تعاليمه، فنحن ننكر المغالاة فيها برفعها فوق حدود الدين، كما ننكر في ذات الوقت التهاون فيها بزعم أنها تضاد الدين وتوافق التعصب لغير الحق".
ويرصد الفصل الثاني "لا للصدام مع المجتمع" الأسباب التي توجد الخلاف بين أبناء الوطن الواحد، مشدداً على أن هذه الإختلافات يجب ألا تشكل بأي حال من الأحوال مسوغاً للصدام مع باقي المجتمع، على أساس أن الإختلاف بين بني البشر أمر مقدر من الله عز وجل.
ويعتبر أن ليس كل إختلاف يُنظر إليه على أنه شر محض، فأحياناً يكون إختلاف الآراء وتباين وجهات النظر مدعاة لإثراء الحركة الفكرية والفقهية، ولذا فإنه يقسم الخلاف الواقع بين المسلمين إلى نوعين: إختلاف التنوع وإختلاف التضاد، ويعرف النوع الأول بأنه ما لا يكون فيه أحد القولين مناقضاً للأقوال الأخرى، بل كل الأقوال صحيحة، ضارباً المثل على ذلك بالإختلاف في المستحب الذي كان يفعله النبي وغير المستحب الذي كان يتركه.
وفي الفصل الثالث يحاول طرح تصور لطبيعة العلاقة بين الدعاة وعوام الناس، والقائم أساساً على الهداية ودعوة الناس، لا الدعاء عليهم، ثم يخصص الفصل الرابع للتشديد على القيمة الضابطة للعلاقة بين الشباب المتدين وباقي أفراد المجتمع، وهي: الدين المعاملة.
وفي هذا السياق يوضح الفارق بين المداراة والمداهنة، لافتاً إلى أن الأولى تعني بذل شيء من الدنيا إبتغاء خير وصلاح الدين، وللدين، ونيلاً للأجر والمثوبة في الآخرة، كما أنها تعني حسن السياسة وكمال الكياسة؛ إذ إننا مأمورون بالإحسان إلى كل الناس، أما المداهنة: ففيها تخلٍّ عن شيء من الدين وتهاون فيه إبتغاء مصلحة دنيوية عاجلة، تعود على صاحبها بالخسران والخذلان في الدنيا في قلوب الناس، وفي الآخرة عند علام الغيوب.
وفي الخلاصة فإن الكتاب يؤكد على أن أهل الدين والتدين الحق هم أعظم الناس إخلاصاً لوطنهم وأكثر الناس عملاً لصالح بلادهم..فالوطنية الحقيقية ليست بضاعة قولية شعاراتية تستورد من الخارج وإنما هي تنبع من ثقافة الناس وحياتهم وأساسها الدين.. كما أن الإنتماء للوطن والتعايش فيه بروح الإسلام يستلزم العدل مع كل قاطنيه ويوجب الإحسان إليهم حتى لو كانوا على غير ديننا.... وعلينا أن نتمثل بأخلاق النبوة وآداب المعاملة النبيلة التي تجمع ولا تفرق، وتحنو فلا تقسو ، وتستعلي على حزازات النفوس طلباً لتأليف الناس وكسب ودهم..
الثلاثاء، 11 يناير 2011
المجلس الشيعي مُهَيمَن عليه وهناك استحواذ على خطاب الطائفة
ابراهيم شمس الدين
المستقبل - الاثنين 10 كانون الثاني 2011 - العدد 3878 - شؤون لبنانية - صفحة 2
[ بداية ماذا تقولون في الذكرى العاشرة لغياب الامام محمد مهدي شمس الدين؟
ـ في هذا الشهر يكون قد مرت عشر سنوات على رحيل رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وللتذكر والتذكير لم يتم حتى الآن انتخاب رئيس للمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ولا انتخاب القوام الكامل، وهذا امر غريب، ولا اعتقد انه مبرر على الاطلاق، خصوصا ان الوضع القانوني لم يعد وضعا صحيحا للمؤسسة العليا للبنانيين المسلمين الشيعة في لبنان ليتدبروا امورهم وينظموها. ان مفصل السنوات العشر هو عقد من الزمن، تراجع فيه الامور، وتقارن بينه وبين مرحلة سابقة، وبين ما نحن فيه اليوم، ويتم استشراف المستقبل.
ان نصف العقد الذي مر كان مضطربا، لا استقرار سياسياً بل تباعد سياسي لبناني كبير. هناك مجموعة أزمات أوجدت أزمة وطنية كبرى على مستوى مفهوم الدولة وبنائها، وأزمة تواصل بين اللبنانيين، لا على مستوى الناس بل على مستوى الاحزاب التي تتجاذب اطراف الوطن، وتتجاذب عناصر تكوين الدولة ولا تسمح ان يستقر الوضع ويستقيم حتى نكون دولة صحيحة في وطن صحيح.
في تواريخ ولحظات من هذا النوع، يتذكر المفكرون والسياسيون والمثقفون والناس العاديون في لبنان والعالم العربي والاسلامي مواقف لرجال كبار، ويحاولون ان يقارنوا ويستلهموا ويأخذوا العبر، ومن هؤلاء الرجال الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بصفته رجل دين صحيح، لا شخصا معمما، عنده حقيقة الانتساب الى الدين والايمان. لقد كان رجل تقوى كبيراً في المجالين السياسي والعملي، مجتهدا ومجددا في الفكر الاسلامي وفي الاجتماع الاسلامي السياسي، وفي الشريعة الاسلامية، وفي مواضيع الفقه السياسي. حاضر كبير في العنوان السياسي في لبنان، يفتقد كأحد قادة المجتمع المدني، وكرجل كان على صلة مع الجميع، فلم تكن له خلافات خاصة او شخصية مع احد. واذا وجدت كان سببها الطرف الآخر، والامام كان يتجاوزها ويتصل ويرشد وينصح ويقدم البدائل، وهذا الامر صار مفقودا. لم يكن عنده موقع حزبي يتحزب فيه لنفسه او لمؤسسته او حتى لطائفته، بل كان يفتح كل الآفاق التي بين يديه للجميع خارج الاطر الضيقة.
في هذا السياق، كان عنوان التشيع في لبنان عنواناً وطنياً عاماً، لم يتعامل معه الامام بخصوصية خاصة، من هنا جاء التعبير الذي نحته "الاندماج"، يعني ان الشيعة ليسوا حالة خاصة، بل لبنانيون مثلهم مثل غيرهم، ومن ضمن الوطن.
في العام الاخير لم تعد دعوة الاندماج خاصة بالشيعة بل هي دعوة للمسيحيين للاندماج في المجتمع اللبناني، بمعنى ان يكونوا حاضرين وفاعلين اكثر، ويكونوا لبنانيين ليس من باب الانتقاص بل الخروج من السلوك الاقلوي. من هنا المطلوب الاندماج الذي هو ليس الذوبان بل المشاركة الكلية، يعني في كل شيء تحت عنوان "الوطنية اللبنانية"، لا التخلي عن الخصوصية المسيحية.
[ هل الشيعة اندمجوا حقيقة في الدولة، وهل ترى حركة "الشيعة السياسية" في الحالة الوطنية اللبنانية؟
ـ نأسف ان هناك دوما خلطاً يثير الاشتباه. لبنان مكون بما هو وطن على حد تعبير الشيخ شمس الدين، نصنعه كل يوم ونحميه ضمن صيغة العيش الواحد وضمن اتفاق الطائف. هو مكون من تنوع ثقافي ايماني بين المسيحيين والمسلمين. ما يكوَن لبنان هي الطوائف اللبنانية، وليس الاحزاب اطلاقا. لا علاقة للاحزاب ببنية لبنان، ولا بصيغة نظامه السياسي، ولا بالتركيبة الاجتماعية السياسية، فعندما يكون هناك توافق وطني، المفروض ان يكون الحضور للطوائف بما هي مكونات اساسية كبرى للبنان الوطن. الطوائف هي كائن حي دائما، الطائفة لا تموت، تمر بأزمات وتمر عليها ازمات، تضم الصالحين والطالحين وفيها حركات صالحة وغير صالحة على الرغم من كل ذلك تظل موجودة عند الشيعة وغيرهم. لقد مرت على الطوائف تغييرات لكنها بقيت واستمرت.
عندما يكون هناك كلام عن الشيعة في لبنان يحصل خلط، اما بالمعنى الايجابي وغالبا بالمعنى السلبي. يذكر عنوان "شيعة" او "شيعي" في حالة الازمات، بينما لا يكون الشيعة كطائفة لبنانية كبرى، مكونة للاجتماع السياسي اللبناني، معنية فيه كطائفة، بل يكون هناك مكون خاص داخل الطائفة. مثلا حركة "امل" في العقود الماضية موجودة على نحو قوي، ارتكبت اخطاء في حقبة من الزمن، ولم يتم اتهام الشيعة ككل. وفي سنوات الحرب الاولى ارتكب "الكتائب" و"القوات" والحزب "التقدمي الاشتراكي" منكرات، ولم يتم اتهام المسيحيين او الدروز كطائفة بأنهما صاحبتا الاذية. في اية جماعة كبيرة توجد آراء واتجاهات تكون فيها غلبة في الرأي، ليس بالضرورة ان تكون لرجاحة الرأي بل لعناصر قوة اخرى، لغلبة ارغام، وغلبة خوف وتخويف. بهذا المعنى الشيعة مندمجون. لم يكن الشيخ شمس الدين يدعو الشيعة الى الاندماج لشيء يفتقدونه، انما يدعوهم الى شيء موجود لديهم، بل يذكرهم بالاندماج وينبههم. هو تنبيه كي لا يقعوا في مشاريع يدعون اليها، مشاريع ليست وطنية وليست اندماجية، فيها تباين مع المشروع الوطني، ومع الجماعات اللبنانية الاخرى. يذكرهم بنهائية الوطن وبأن لبنان وطن لجميع بنيه كما عبّر في وصاياه. ان الاندماج هو نتاج الفكر السياسي الشيعي وتحديدا فكر المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الذي هو مؤسسة "المركزية الشيعية" التي تقرن بالسيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين، يعني الرئيس الاول والرئيس الثاني للمجلس. ان المجلس هو مجلس الامام موسى الصدر والامام محمد مهدي شمس الدين، بعد هذه الحقبة هناك كلام آخر، اقولها بكل وضوح، حيث حصل تحول وتغيير. بهذا المعنى الشيعة موجودون ضمن الاندماج، وفي فكرة الدولة والوطن والرغبة والارادة بعيدا عن الفكر المغاير او الفكر الانفصالي.
ولطالما كان في الطائفة الشيعية زمن الامام الصدر وجودات سياسية متنوعة ومتعددة ومتضاربة في "الكتائب" و"الاحرار" والحزب "التقدمي الاشتراكي" والاحزاب اليسارية والحزب "القومي" و"منظمة العمل الشيوعي". وكانت الاحزاب بكلها او جزئها على تناقض مع الامام الصدر، ألم يكن الامام يمثل الطائفة الشيعية في تلك الحقبة؟ هل الحق او السلوك الصحيح هو في الكثرة؟ الامام الصدر كان لوحده، هل يعني انه كان على خطأ؟ خطاب الامام الصدر والشيخ شمس الدين كان يرتكز دوريا على مصطلحين: الوطن والدولة. لقد دعا الشيخ شمس الدين في ذكرى عاشوراء عام 1983 ومن على منبر العاملية، وعلى اثر الاجتياح الاسرائيلي، الى المقاومة المدنية الشاملة وفي ظل دولة ضعيفة. دعا الى قيام الدولة ولم يشتمها لأنه يؤمن بكيان الدولة، لا كما يحصل في هذه الآونة اذ يتم التعرض للدولة وكيانها وتمتهن كل قدراتها.
نعم هناك استحواذ على الخطاب الشيعي، وما يسمع هو الصوت الاعلى والاقوى. كان الشيخ شمس الدين يقول عندما يسأل عن التناقضات الشيعية: "الشيعة بخير"، المجلس يعبّر عن كل القوى، الكل موجود في المجلس الشيعي. اما الآن فهناك استلاب للمجلس ولموقفه الذي ينبغي ان يكون على مسافة واحدة من الجميع او استلاب للسياق السياسي كله. ليس هذا ما رسمه الامام شمس الدين وناضل من اجله وعمل له على مدار السنوات الاربعين الماضية.
[ لماذا لم ينسحب فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين على عموم الشيعة في لبنان لاسيما وانه فكر تنويري يدعو الى الاندماج وعدم اقامة مشاريع خاصة؟
ـ انا لا اعتبر انه حصل غياب لهذا الفكر الاسلامي الشيعي الذي تأسس في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، ولا اعتبر انه معدوم بل كامن. كل سلوك او فكرة يحتاج الى آليات، لكن في صيغة النظام اللبناني آليات الحضور اصبحت ملتوية، بحيث تسمح للاقوى ان يحتل كل المساحة، ولا تسمح للاقل قوة او للاضعف وان كان صاحب حق ان يظهر او ان يحتل مساحة معينة. التمثيل حصل مثلا في قانون للانتخاب غير عادل، يسمح بأن تحتل جهة معينة لها افضلية نسبية كل شيء. وانا اردد دوما انه في ظل قانون الاكثري وسياسة المحادل والبوسطات لو ترشح الامام موسى الصدر للانتخابات لا ينجح. فداحة الامر هي على هذا الشكل.
يجب التوقف عن استعمال مصطلح "الشيعة" الكلي في توجيه خطاب او في التعبير عن موقف لجهة سياسية معينة. هناك رأي وفكر وايمان كبير عند الشيعة انهم يريدون الدولة والوطن والاستقرار والانفتاح والشراكة القطْعيّة مع الآخرين وحضور مسيحي ممتاز وتعاون كلي مع المسلمين الآخرين. ان الاشخاص الذين يعبّرون عن هذا الامر بتواصل وانفتاح غير موجودين، لأن هناك حضوراً خارجياً كبيراً داخل البنى الطوائفية عبر الجهات السياسية الاقوى.
الاشكال الآخر ان الكل يعمل خارج الدستور وخارج اتفاق الطائف، لا احد يعمل داخل الدولة، الكل يبرم صفقات. ناس الامام الصدر والشيخ شمس الدين يجلسون الى الطاولات القانونية وحضورهم يكون ضمن بنية الدولة، من هنا كان يقول الشيخ شمس الدين "لا نقبل بأية آلية او اتفاقات خارج الدولة". وكان بعض الجهات يأخذ عليه ويأخذ منه مواقف شديدة. قناعتنا ان الدولة هي الحضن والمطلب والراعية الكبرى للشيعة ولغير الشيعة، لمصلحة الشيعة وغيرهم، والاندماج يتم في الدولة وللدولة. مجلس النواب له دور رقابي كبير وهو ليس سلطة تنفيذية ولا شريكاً لها.
[ هل ترى من يمثلون الشيعة على المستوى السياسي يسبحون خارج فلك الدولة وثقافتها؟
ـ الدولة أصبحت الطرف المستضعف، والبعض يمارس امورا غير مستقيمة تحت عنوان الدولة. المفارقة ان الكل يريد شرعية الدولة. لا مانع لدى الجميع من تحطيم الدولة وصولا الى المنافع ومناطق النفوذ والاستقواء والرغبات الطائفية، لكن يريدون هذه الشرعية، لأنهم يدركون ان كل وجود خارج الدولة لا يكتسب صفة شرعية، الدولة هي التي تضفي هذه الصفة، من هنا يريدون هذا الغطاء. لقد عبّرت مرات عدة لعدد من اعيان الدولة الكبار الذين أحترم ان المخالفات تقع وكنا نراها بأم العين عندما كنت وزيرا. نحن في ازمة سياسية اطرافها ممسكون بأمور البلاد. وان حصلت تسوية كما حصل في التسعينيات بعد الطائف، تقف الدولة على قدميها ولكن يبقى الجميع في حصصهم ومكاسبهم الطائفية.
[ لماذا لا نرى لكم تنسيقا مع أقطاب شيعة خارج الفلك الذي تتحدثون عنه؟
ـ ان الاشخاص الذين يحملون الفكر والنهج نفسه يعرفون بعضهم البعض، ونحن نعرف من الذي يشبهنا ومن الذي لا يشبهنا، والآخرون يعرفون من يشبههم ومن لا يشبههم. التواصل والتلاقي موجودان، لكن ما لا يحصل هو تحويل الامر الى حركية سياسية على الطريقة اللبنانية، وهو ما لا نرغبه لأنني اعتبر ان الشيعة بحاجة الى حزب بالناقص وليس بالزائد، كما اعتبر ان هذا المنحى هو منحى تفتيتي. السياسيون مصلحتهم تخويف الناس للجوء اليهم طلبا للحماية، ومن مصلحة السياسيين ان تبقى نفوس الناس مذعورة، تطلب حمايتهم، ودائماً نلاحظ أن خطاب الجهات العليا، يحمل التهديد والوعيد، والنبرة العالية الشديدة، لتبقى الناس خائفة.
ان مفهوم التكليف هو بيان في أمور، بالمقدار الذي يسمح فيه لبنان، والناس هي من تختار، ولا نستطيع ارغامها على فضيلة أو اي أمر آخر. وهو ليس حزبياً، لأن الحزبية هي ضد فكرة التشيع أصلاً، وحتى ضد الاسلام كلياً، ففي الاسلام لا يوجد ما يسمى بالحزبي. ما معنى الشيعة، وما عنوانها ومرجعيتها؟ هي أهل البيت ـ المعصومون سلام الله عليهم ـ وبسيرة هؤلاء، نسأل أنفسنا من منهم أسس لحزب سياسي، من أمير المؤمنين علي حتى الإمام الثاني عشر (عجل الله فرجه)، علماً انهم يستطيعون ان يأسسوا أبعد من ذلك، ويملكون بعد النظر، ويتقنون الاستراتيجية السياسية، وهم أعلم ناس عصرهم، وأصحاب حق، ومع هذا، لم يدخل أحد منهم في أي صيغة حزبية تناكف الدولة التي كانت موجودة في عصرهم اطلاقاً. فنحن لسنا أفضل منهم مع تعدد الأزمان. علينا لنكون شيعة، التشبه بهم من خلال عملنا السياسي في الحد الادنى، وبالتالي، فكرة الاندماج التي عبّر عنها الشيخ محمد مهدي شمس الدين، هي فكرة أهل البيت، وهي فكرة التشيع أي الإندماج مع الناس، ولهذا انا اعتبر مفهوم "التقية" اندماجاً مع الناس، اي ان نكون مثل الآخرين، فوحدة الأمة التي كان يحافظ عليها أهل البيت هي الوحيدة المقدسة، لأنهم كانوا يدعون شيعتهم إلى الانضمام والاندماج بالمجتمع الاسلامي كله، ضمن الصيغة السياسية التي كانت قائمة، فهم لم يشكلوا ما يسمى بالمعارضة، أو صلات مع الخارج، أما دون ذلك مثل الحكومة والبنى السياسية والحزبية فهي غير مقدسة. وحفظ المجتمع وحفظ الأمة والتنسيق بدءاً من الإمام علي بن أبي طالب إلى آخر الأئمة، تجسد من خلال تقديمهم المشورة الى الخلفاء والأعيان، بحيث كانوا على تواصل كامل ودائم معهم. ليس المطلوب خط شيعي ثالث، بل العودة إلى التشيع الأول، وليس كما يحلو للبعض في السنوات الأخيرة ان يكتب عبارة أين الشيعي الآخر من "شيعة ثانية وثالثة"، ومنهم الاستاذ وليد جنبلاط.
[ أبديتم ملاحظات على اداء المجلس الاسلامي الشيعي، فعلى أي قاعدة أنتم تنتقدون، وهل ترون ان المجلس مغيب في هذه المرحلة او يسبح في فلك خاص بعيدا من الفلك الشيعي الشامل؟
ـ المجلس الشيعي هو المؤسسة المركزية الأولى بناء على الصيغة في لبنان (المسلمون اللبنانيون الشيعة)، وتأسس بسعي كبير ومبارك من السيد موسى الصدر، في العام 1969، وعلى مسافة متساوية من الجميع، لأنه مؤسسة وطنية كبرى لا تأخذ طرفاً. وكان الشيخ شمس الدين يصف هذا النوع من المؤسسات بـ"القائدة في المجتمع اللبناني". القائد يكون دائماً قائداً لجماعة ما، كما عليه ان يكون على مسافة واحدة من الجميع، والشيح شمس الدين ثبت كالسيد موسى على هذا الأمر، فقد عانى الكثير وجرب وهوجم لأنه حرص على ان يكون المجلس معتمداً سياسة المسافة الواحدة بين الجميع.
وبالنسبة إلى الملاحظات، أولاً لا توجد انتخابات، فعلى أي أساس تبقى المؤسسة بعد 10 سنوات على شغور موقع الرئيس، علماً ان احداً لا يستطيع التحجج بأنه لا يمكن اجراء انتخابات لسبب ما. ففي السنوات العشر الاخيرة أجريت انتخابات نيابية مرتين على مستوى الوطن، وانتخابات بلدية لكامل لبنان في يوم واحد، إضافة إلى العدد من الانتخابات النقابية والطالبية، وبالتالي الامر ممكن في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وليس مستحيلا.
ثانيا، البعض لا يزال يتحجج بأن الهيئة الناخبة كبيرة جداً، فمنذ السبعينيات، كان عددهم يبلغ نحو 1500 ناخب، وارتفع هذا العدد إلى 25 أو 30 ألفاً، فمتى كان العدد يمثل مشكلة لوجستية؟. كما لدينا جهات داخل الطائفة تتباهى بحق، ان باستطاعتها تنظيم تظاهرات ومسيرات ونشاطات تضم مئات الآلاف، فهل نعجز عن تنظيم انتخابات تحوي 25 ألف ناخب؟. الحجة التي نسمعها دائماً، ان الهيئة العامة الناخبة داخل الشيعة كبيرة جداً، وكذلك الأمر المضحك والمستغرب جداً، ان بعض السياسيين الشيعة يناكف لبنانيين آخرين بحجة العدد، ويتباهى بأنه الأكثرية، بحيث ان الحضور العددي عليه ان يشكل ثقلاً وتعبيراً وانعكاساً في هذه الصيغة السياسية في لبنان، وهذا ما يخلق التوتر. عندما يأتي الوقت، أو الاطار الذي تستفيد فيه الطائفة الشيعية من عددها، نسمع من الداخل ان هذا العدد كبير وعلينا تصغير عدد الهيئة الناخبة.
علينا ان نعلم كيف سيتشكل الجسم العلمائي في الطائفة الشيعية، فالصيغة الموجود فيها المجلس من حيث وضعه القانوني ليست سليمة، كما ان رئاسة المجلس انتهت مدتها منذ 6 سنوات تقريبا، وكذلك الهيئة التنفيذية المدنية التي تبلغ 12 عضواً، انتهت مدتها، والهيئة الشرعية ايضاً. لا شرعية قانونية للمجلس كما هو قائم اليوم، ويمكن الطعن في كل شيء تصدر عنه قرارات لها علاقة بالبنية الشيعية الداخلية (أوقاف، ادارة أموال)، فالمجلس لا يظهر انه على مسافة واحدة من الجميع على المستوى الشيعي، لأنه أصبح مهيمناً عليه، خلافاً لمصلحة الشيعة الخاصة، ومع الآخرين، وخلافاً لمصلحة المجلس كمؤسسة أراد لها مؤسسها الأول ان تكون ذات دور وطني تواصلي مع الآخرين، تحل المشكلات والخلافات ويكون لها دور ايجابي في أزمات التواصل، فنلاحظ انه اصبح منصة لاصدار بيانات سياسية ولمناكفات مع جهات دينية أخرى، وهذا أمر لا يليق لا بالشيعة ولا بوضعهم ولا بكرامتهم.
والمسؤولية الأولى تقع على القوى السياسية التي تمسك به، ورجال الدين الصامتين الذين لا يتدخلون بأي شيء، ويبدو انهم خائفين من أمر يؤثر في مصالحهم.
المستقبل - الاثنين 10 كانون الثاني 2011 - العدد 3878 - شؤون لبنانية - صفحة 2
[ بداية ماذا تقولون في الذكرى العاشرة لغياب الامام محمد مهدي شمس الدين؟
ـ في هذا الشهر يكون قد مرت عشر سنوات على رحيل رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وللتذكر والتذكير لم يتم حتى الآن انتخاب رئيس للمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ولا انتخاب القوام الكامل، وهذا امر غريب، ولا اعتقد انه مبرر على الاطلاق، خصوصا ان الوضع القانوني لم يعد وضعا صحيحا للمؤسسة العليا للبنانيين المسلمين الشيعة في لبنان ليتدبروا امورهم وينظموها. ان مفصل السنوات العشر هو عقد من الزمن، تراجع فيه الامور، وتقارن بينه وبين مرحلة سابقة، وبين ما نحن فيه اليوم، ويتم استشراف المستقبل.
ان نصف العقد الذي مر كان مضطربا، لا استقرار سياسياً بل تباعد سياسي لبناني كبير. هناك مجموعة أزمات أوجدت أزمة وطنية كبرى على مستوى مفهوم الدولة وبنائها، وأزمة تواصل بين اللبنانيين، لا على مستوى الناس بل على مستوى الاحزاب التي تتجاذب اطراف الوطن، وتتجاذب عناصر تكوين الدولة ولا تسمح ان يستقر الوضع ويستقيم حتى نكون دولة صحيحة في وطن صحيح.
في تواريخ ولحظات من هذا النوع، يتذكر المفكرون والسياسيون والمثقفون والناس العاديون في لبنان والعالم العربي والاسلامي مواقف لرجال كبار، ويحاولون ان يقارنوا ويستلهموا ويأخذوا العبر، ومن هؤلاء الرجال الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بصفته رجل دين صحيح، لا شخصا معمما، عنده حقيقة الانتساب الى الدين والايمان. لقد كان رجل تقوى كبيراً في المجالين السياسي والعملي، مجتهدا ومجددا في الفكر الاسلامي وفي الاجتماع الاسلامي السياسي، وفي الشريعة الاسلامية، وفي مواضيع الفقه السياسي. حاضر كبير في العنوان السياسي في لبنان، يفتقد كأحد قادة المجتمع المدني، وكرجل كان على صلة مع الجميع، فلم تكن له خلافات خاصة او شخصية مع احد. واذا وجدت كان سببها الطرف الآخر، والامام كان يتجاوزها ويتصل ويرشد وينصح ويقدم البدائل، وهذا الامر صار مفقودا. لم يكن عنده موقع حزبي يتحزب فيه لنفسه او لمؤسسته او حتى لطائفته، بل كان يفتح كل الآفاق التي بين يديه للجميع خارج الاطر الضيقة.
في هذا السياق، كان عنوان التشيع في لبنان عنواناً وطنياً عاماً، لم يتعامل معه الامام بخصوصية خاصة، من هنا جاء التعبير الذي نحته "الاندماج"، يعني ان الشيعة ليسوا حالة خاصة، بل لبنانيون مثلهم مثل غيرهم، ومن ضمن الوطن.
في العام الاخير لم تعد دعوة الاندماج خاصة بالشيعة بل هي دعوة للمسيحيين للاندماج في المجتمع اللبناني، بمعنى ان يكونوا حاضرين وفاعلين اكثر، ويكونوا لبنانيين ليس من باب الانتقاص بل الخروج من السلوك الاقلوي. من هنا المطلوب الاندماج الذي هو ليس الذوبان بل المشاركة الكلية، يعني في كل شيء تحت عنوان "الوطنية اللبنانية"، لا التخلي عن الخصوصية المسيحية.
[ هل الشيعة اندمجوا حقيقة في الدولة، وهل ترى حركة "الشيعة السياسية" في الحالة الوطنية اللبنانية؟
ـ نأسف ان هناك دوما خلطاً يثير الاشتباه. لبنان مكون بما هو وطن على حد تعبير الشيخ شمس الدين، نصنعه كل يوم ونحميه ضمن صيغة العيش الواحد وضمن اتفاق الطائف. هو مكون من تنوع ثقافي ايماني بين المسيحيين والمسلمين. ما يكوَن لبنان هي الطوائف اللبنانية، وليس الاحزاب اطلاقا. لا علاقة للاحزاب ببنية لبنان، ولا بصيغة نظامه السياسي، ولا بالتركيبة الاجتماعية السياسية، فعندما يكون هناك توافق وطني، المفروض ان يكون الحضور للطوائف بما هي مكونات اساسية كبرى للبنان الوطن. الطوائف هي كائن حي دائما، الطائفة لا تموت، تمر بأزمات وتمر عليها ازمات، تضم الصالحين والطالحين وفيها حركات صالحة وغير صالحة على الرغم من كل ذلك تظل موجودة عند الشيعة وغيرهم. لقد مرت على الطوائف تغييرات لكنها بقيت واستمرت.
عندما يكون هناك كلام عن الشيعة في لبنان يحصل خلط، اما بالمعنى الايجابي وغالبا بالمعنى السلبي. يذكر عنوان "شيعة" او "شيعي" في حالة الازمات، بينما لا يكون الشيعة كطائفة لبنانية كبرى، مكونة للاجتماع السياسي اللبناني، معنية فيه كطائفة، بل يكون هناك مكون خاص داخل الطائفة. مثلا حركة "امل" في العقود الماضية موجودة على نحو قوي، ارتكبت اخطاء في حقبة من الزمن، ولم يتم اتهام الشيعة ككل. وفي سنوات الحرب الاولى ارتكب "الكتائب" و"القوات" والحزب "التقدمي الاشتراكي" منكرات، ولم يتم اتهام المسيحيين او الدروز كطائفة بأنهما صاحبتا الاذية. في اية جماعة كبيرة توجد آراء واتجاهات تكون فيها غلبة في الرأي، ليس بالضرورة ان تكون لرجاحة الرأي بل لعناصر قوة اخرى، لغلبة ارغام، وغلبة خوف وتخويف. بهذا المعنى الشيعة مندمجون. لم يكن الشيخ شمس الدين يدعو الشيعة الى الاندماج لشيء يفتقدونه، انما يدعوهم الى شيء موجود لديهم، بل يذكرهم بالاندماج وينبههم. هو تنبيه كي لا يقعوا في مشاريع يدعون اليها، مشاريع ليست وطنية وليست اندماجية، فيها تباين مع المشروع الوطني، ومع الجماعات اللبنانية الاخرى. يذكرهم بنهائية الوطن وبأن لبنان وطن لجميع بنيه كما عبّر في وصاياه. ان الاندماج هو نتاج الفكر السياسي الشيعي وتحديدا فكر المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الذي هو مؤسسة "المركزية الشيعية" التي تقرن بالسيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين، يعني الرئيس الاول والرئيس الثاني للمجلس. ان المجلس هو مجلس الامام موسى الصدر والامام محمد مهدي شمس الدين، بعد هذه الحقبة هناك كلام آخر، اقولها بكل وضوح، حيث حصل تحول وتغيير. بهذا المعنى الشيعة موجودون ضمن الاندماج، وفي فكرة الدولة والوطن والرغبة والارادة بعيدا عن الفكر المغاير او الفكر الانفصالي.
ولطالما كان في الطائفة الشيعية زمن الامام الصدر وجودات سياسية متنوعة ومتعددة ومتضاربة في "الكتائب" و"الاحرار" والحزب "التقدمي الاشتراكي" والاحزاب اليسارية والحزب "القومي" و"منظمة العمل الشيوعي". وكانت الاحزاب بكلها او جزئها على تناقض مع الامام الصدر، ألم يكن الامام يمثل الطائفة الشيعية في تلك الحقبة؟ هل الحق او السلوك الصحيح هو في الكثرة؟ الامام الصدر كان لوحده، هل يعني انه كان على خطأ؟ خطاب الامام الصدر والشيخ شمس الدين كان يرتكز دوريا على مصطلحين: الوطن والدولة. لقد دعا الشيخ شمس الدين في ذكرى عاشوراء عام 1983 ومن على منبر العاملية، وعلى اثر الاجتياح الاسرائيلي، الى المقاومة المدنية الشاملة وفي ظل دولة ضعيفة. دعا الى قيام الدولة ولم يشتمها لأنه يؤمن بكيان الدولة، لا كما يحصل في هذه الآونة اذ يتم التعرض للدولة وكيانها وتمتهن كل قدراتها.
نعم هناك استحواذ على الخطاب الشيعي، وما يسمع هو الصوت الاعلى والاقوى. كان الشيخ شمس الدين يقول عندما يسأل عن التناقضات الشيعية: "الشيعة بخير"، المجلس يعبّر عن كل القوى، الكل موجود في المجلس الشيعي. اما الآن فهناك استلاب للمجلس ولموقفه الذي ينبغي ان يكون على مسافة واحدة من الجميع او استلاب للسياق السياسي كله. ليس هذا ما رسمه الامام شمس الدين وناضل من اجله وعمل له على مدار السنوات الاربعين الماضية.
[ لماذا لم ينسحب فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين على عموم الشيعة في لبنان لاسيما وانه فكر تنويري يدعو الى الاندماج وعدم اقامة مشاريع خاصة؟
ـ انا لا اعتبر انه حصل غياب لهذا الفكر الاسلامي الشيعي الذي تأسس في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، ولا اعتبر انه معدوم بل كامن. كل سلوك او فكرة يحتاج الى آليات، لكن في صيغة النظام اللبناني آليات الحضور اصبحت ملتوية، بحيث تسمح للاقوى ان يحتل كل المساحة، ولا تسمح للاقل قوة او للاضعف وان كان صاحب حق ان يظهر او ان يحتل مساحة معينة. التمثيل حصل مثلا في قانون للانتخاب غير عادل، يسمح بأن تحتل جهة معينة لها افضلية نسبية كل شيء. وانا اردد دوما انه في ظل قانون الاكثري وسياسة المحادل والبوسطات لو ترشح الامام موسى الصدر للانتخابات لا ينجح. فداحة الامر هي على هذا الشكل.
يجب التوقف عن استعمال مصطلح "الشيعة" الكلي في توجيه خطاب او في التعبير عن موقف لجهة سياسية معينة. هناك رأي وفكر وايمان كبير عند الشيعة انهم يريدون الدولة والوطن والاستقرار والانفتاح والشراكة القطْعيّة مع الآخرين وحضور مسيحي ممتاز وتعاون كلي مع المسلمين الآخرين. ان الاشخاص الذين يعبّرون عن هذا الامر بتواصل وانفتاح غير موجودين، لأن هناك حضوراً خارجياً كبيراً داخل البنى الطوائفية عبر الجهات السياسية الاقوى.
الاشكال الآخر ان الكل يعمل خارج الدستور وخارج اتفاق الطائف، لا احد يعمل داخل الدولة، الكل يبرم صفقات. ناس الامام الصدر والشيخ شمس الدين يجلسون الى الطاولات القانونية وحضورهم يكون ضمن بنية الدولة، من هنا كان يقول الشيخ شمس الدين "لا نقبل بأية آلية او اتفاقات خارج الدولة". وكان بعض الجهات يأخذ عليه ويأخذ منه مواقف شديدة. قناعتنا ان الدولة هي الحضن والمطلب والراعية الكبرى للشيعة ولغير الشيعة، لمصلحة الشيعة وغيرهم، والاندماج يتم في الدولة وللدولة. مجلس النواب له دور رقابي كبير وهو ليس سلطة تنفيذية ولا شريكاً لها.
[ هل ترى من يمثلون الشيعة على المستوى السياسي يسبحون خارج فلك الدولة وثقافتها؟
ـ الدولة أصبحت الطرف المستضعف، والبعض يمارس امورا غير مستقيمة تحت عنوان الدولة. المفارقة ان الكل يريد شرعية الدولة. لا مانع لدى الجميع من تحطيم الدولة وصولا الى المنافع ومناطق النفوذ والاستقواء والرغبات الطائفية، لكن يريدون هذه الشرعية، لأنهم يدركون ان كل وجود خارج الدولة لا يكتسب صفة شرعية، الدولة هي التي تضفي هذه الصفة، من هنا يريدون هذا الغطاء. لقد عبّرت مرات عدة لعدد من اعيان الدولة الكبار الذين أحترم ان المخالفات تقع وكنا نراها بأم العين عندما كنت وزيرا. نحن في ازمة سياسية اطرافها ممسكون بأمور البلاد. وان حصلت تسوية كما حصل في التسعينيات بعد الطائف، تقف الدولة على قدميها ولكن يبقى الجميع في حصصهم ومكاسبهم الطائفية.
[ لماذا لا نرى لكم تنسيقا مع أقطاب شيعة خارج الفلك الذي تتحدثون عنه؟
ـ ان الاشخاص الذين يحملون الفكر والنهج نفسه يعرفون بعضهم البعض، ونحن نعرف من الذي يشبهنا ومن الذي لا يشبهنا، والآخرون يعرفون من يشبههم ومن لا يشبههم. التواصل والتلاقي موجودان، لكن ما لا يحصل هو تحويل الامر الى حركية سياسية على الطريقة اللبنانية، وهو ما لا نرغبه لأنني اعتبر ان الشيعة بحاجة الى حزب بالناقص وليس بالزائد، كما اعتبر ان هذا المنحى هو منحى تفتيتي. السياسيون مصلحتهم تخويف الناس للجوء اليهم طلبا للحماية، ومن مصلحة السياسيين ان تبقى نفوس الناس مذعورة، تطلب حمايتهم، ودائماً نلاحظ أن خطاب الجهات العليا، يحمل التهديد والوعيد، والنبرة العالية الشديدة، لتبقى الناس خائفة.
ان مفهوم التكليف هو بيان في أمور، بالمقدار الذي يسمح فيه لبنان، والناس هي من تختار، ولا نستطيع ارغامها على فضيلة أو اي أمر آخر. وهو ليس حزبياً، لأن الحزبية هي ضد فكرة التشيع أصلاً، وحتى ضد الاسلام كلياً، ففي الاسلام لا يوجد ما يسمى بالحزبي. ما معنى الشيعة، وما عنوانها ومرجعيتها؟ هي أهل البيت ـ المعصومون سلام الله عليهم ـ وبسيرة هؤلاء، نسأل أنفسنا من منهم أسس لحزب سياسي، من أمير المؤمنين علي حتى الإمام الثاني عشر (عجل الله فرجه)، علماً انهم يستطيعون ان يأسسوا أبعد من ذلك، ويملكون بعد النظر، ويتقنون الاستراتيجية السياسية، وهم أعلم ناس عصرهم، وأصحاب حق، ومع هذا، لم يدخل أحد منهم في أي صيغة حزبية تناكف الدولة التي كانت موجودة في عصرهم اطلاقاً. فنحن لسنا أفضل منهم مع تعدد الأزمان. علينا لنكون شيعة، التشبه بهم من خلال عملنا السياسي في الحد الادنى، وبالتالي، فكرة الاندماج التي عبّر عنها الشيخ محمد مهدي شمس الدين، هي فكرة أهل البيت، وهي فكرة التشيع أي الإندماج مع الناس، ولهذا انا اعتبر مفهوم "التقية" اندماجاً مع الناس، اي ان نكون مثل الآخرين، فوحدة الأمة التي كان يحافظ عليها أهل البيت هي الوحيدة المقدسة، لأنهم كانوا يدعون شيعتهم إلى الانضمام والاندماج بالمجتمع الاسلامي كله، ضمن الصيغة السياسية التي كانت قائمة، فهم لم يشكلوا ما يسمى بالمعارضة، أو صلات مع الخارج، أما دون ذلك مثل الحكومة والبنى السياسية والحزبية فهي غير مقدسة. وحفظ المجتمع وحفظ الأمة والتنسيق بدءاً من الإمام علي بن أبي طالب إلى آخر الأئمة، تجسد من خلال تقديمهم المشورة الى الخلفاء والأعيان، بحيث كانوا على تواصل كامل ودائم معهم. ليس المطلوب خط شيعي ثالث، بل العودة إلى التشيع الأول، وليس كما يحلو للبعض في السنوات الأخيرة ان يكتب عبارة أين الشيعي الآخر من "شيعة ثانية وثالثة"، ومنهم الاستاذ وليد جنبلاط.
[ أبديتم ملاحظات على اداء المجلس الاسلامي الشيعي، فعلى أي قاعدة أنتم تنتقدون، وهل ترون ان المجلس مغيب في هذه المرحلة او يسبح في فلك خاص بعيدا من الفلك الشيعي الشامل؟
ـ المجلس الشيعي هو المؤسسة المركزية الأولى بناء على الصيغة في لبنان (المسلمون اللبنانيون الشيعة)، وتأسس بسعي كبير ومبارك من السيد موسى الصدر، في العام 1969، وعلى مسافة متساوية من الجميع، لأنه مؤسسة وطنية كبرى لا تأخذ طرفاً. وكان الشيخ شمس الدين يصف هذا النوع من المؤسسات بـ"القائدة في المجتمع اللبناني". القائد يكون دائماً قائداً لجماعة ما، كما عليه ان يكون على مسافة واحدة من الجميع، والشيح شمس الدين ثبت كالسيد موسى على هذا الأمر، فقد عانى الكثير وجرب وهوجم لأنه حرص على ان يكون المجلس معتمداً سياسة المسافة الواحدة بين الجميع.
وبالنسبة إلى الملاحظات، أولاً لا توجد انتخابات، فعلى أي أساس تبقى المؤسسة بعد 10 سنوات على شغور موقع الرئيس، علماً ان احداً لا يستطيع التحجج بأنه لا يمكن اجراء انتخابات لسبب ما. ففي السنوات العشر الاخيرة أجريت انتخابات نيابية مرتين على مستوى الوطن، وانتخابات بلدية لكامل لبنان في يوم واحد، إضافة إلى العدد من الانتخابات النقابية والطالبية، وبالتالي الامر ممكن في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وليس مستحيلا.
ثانيا، البعض لا يزال يتحجج بأن الهيئة الناخبة كبيرة جداً، فمنذ السبعينيات، كان عددهم يبلغ نحو 1500 ناخب، وارتفع هذا العدد إلى 25 أو 30 ألفاً، فمتى كان العدد يمثل مشكلة لوجستية؟. كما لدينا جهات داخل الطائفة تتباهى بحق، ان باستطاعتها تنظيم تظاهرات ومسيرات ونشاطات تضم مئات الآلاف، فهل نعجز عن تنظيم انتخابات تحوي 25 ألف ناخب؟. الحجة التي نسمعها دائماً، ان الهيئة العامة الناخبة داخل الشيعة كبيرة جداً، وكذلك الأمر المضحك والمستغرب جداً، ان بعض السياسيين الشيعة يناكف لبنانيين آخرين بحجة العدد، ويتباهى بأنه الأكثرية، بحيث ان الحضور العددي عليه ان يشكل ثقلاً وتعبيراً وانعكاساً في هذه الصيغة السياسية في لبنان، وهذا ما يخلق التوتر. عندما يأتي الوقت، أو الاطار الذي تستفيد فيه الطائفة الشيعية من عددها، نسمع من الداخل ان هذا العدد كبير وعلينا تصغير عدد الهيئة الناخبة.
علينا ان نعلم كيف سيتشكل الجسم العلمائي في الطائفة الشيعية، فالصيغة الموجود فيها المجلس من حيث وضعه القانوني ليست سليمة، كما ان رئاسة المجلس انتهت مدتها منذ 6 سنوات تقريبا، وكذلك الهيئة التنفيذية المدنية التي تبلغ 12 عضواً، انتهت مدتها، والهيئة الشرعية ايضاً. لا شرعية قانونية للمجلس كما هو قائم اليوم، ويمكن الطعن في كل شيء تصدر عنه قرارات لها علاقة بالبنية الشيعية الداخلية (أوقاف، ادارة أموال)، فالمجلس لا يظهر انه على مسافة واحدة من الجميع على المستوى الشيعي، لأنه أصبح مهيمناً عليه، خلافاً لمصلحة الشيعة الخاصة، ومع الآخرين، وخلافاً لمصلحة المجلس كمؤسسة أراد لها مؤسسها الأول ان تكون ذات دور وطني تواصلي مع الآخرين، تحل المشكلات والخلافات ويكون لها دور ايجابي في أزمات التواصل، فنلاحظ انه اصبح منصة لاصدار بيانات سياسية ولمناكفات مع جهات دينية أخرى، وهذا أمر لا يليق لا بالشيعة ولا بوضعهم ولا بكرامتهم.
والمسؤولية الأولى تقع على القوى السياسية التي تمسك به، ورجال الدين الصامتين الذين لا يتدخلون بأي شيء، ويبدو انهم خائفين من أمر يؤثر في مصالحهم.
برنامج عملي للوحدة الوطنية
نحتاج لمعالجة التداخل المربك بين الديني والمجال العام
د. هشام جعفر
من الملاحظات الجديرة بالتأمل في الواقع المصري اليوم هو بروز ظاهرة ما أطلق عليه «فائض التدين» وأقصد بها ذلك التداخل المربك بين الديني وبين المجالات الأخرى ثقافية وسياسية واقتصادية.. إلخ.
ويعد المثل الأبرز لهذا التضخم هو ذلك التضخم في استخدام المفردات والرموز الدينية في المجال العام، وتمثل ظاهرة الفتاوى الدينية: مسيحية ومسلمة أحد أهم تجليات ذلك التضخم. بالإضافة لوجود مجموعة استقطابات حادة على أسس دينية، حيث لم تعد الهوية الدينية أحد دوائر الانتماء العديدة التي تثرى «الهوية المصرية» وترسم مجالها الحيوي، بل على العكس؛ أصبح الانتماء الديني نفيا للآخر في الوطن الواحد.
وقد أنتجت ظاهرة «فائض التدين» مجموعة من الظواهر الثقافية الخطيرة، منها:
1. الحساسية للاختلاف الديني والثقافي: بمعنى عدم الاعتراف بالاختلاف أو القبول به، ناهيك عن احترامه.
2. التمركز حول الذات الثقافية – الدينية: بمعنى الحكم على الآخرين وفق المعايير الثقافية التي تحولت إلى معايير ضيقة.
3. التمييز: التفرقة في المعاملة.
4. التحامل: تشكيل لرأي أو موقف شعوري دون سبب أو تفكير مسبق أو معرفة كافية.
5. النمطية والتعميم الثقافي – الديني: أي النظر إلى المسلمين والمسيحيين باعتبارهم كتلا مصمتة لا تحوى داخلها أي اختلاف أو تنوع.
هذا التحليل الثقافي يجعل قيمة التنوع أحد أهم قيم التنشئة في المجتمع المصري. فالتنوع في جوهره يعنى التسليم بالاختلاف، التسليم به واقعا لا يسع عاقلا إنكاره، والتسليم به حقا للمختلفين لا يسع أحد أو سلطة حرمانهم منه.
يجب أن يُعطى للتنوع مشروعيته في الثقافة المصرية السائدة، ويستلزم الاعتراف بهذه المشروعية التسليم بحق المختلفين في التعبير عن اختلافهم. فالتنوع في جوهره يعنى ثلاثة أشياء، هي:
1. الاعتراف بوجود تنوع في مجتمع ما.
2. احترام هذا التنوع وما يترتب عليه من اختلاف.
3. إيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك بحرية، وبشكل يحول دون نشوب صراع يهدد سلامة المجتمع.
ولكن كيف يمكن أن نصل إلى تسهيل عملية التواصل بين الحدود الثقافية - الدينية تمهيدا للوصول إلى حالة التناغم الثقافي التي كانت سائدة في المجتمع المصري؟ وبرأيي أن السبيل للوصول لحالة التناغم الثقافي تلك علينا اعتماد برنامج يستدعي بفاعلية الآليات التالية:
1. الوعي: وهى النقطة التي ندرك عندها أن هناك ما هو إيجابي خارج نماذجنا الثقافية - الدينية.
2. الفهم: وهى النقطة التي ندرك فيها أهمية القيم الإيجابية الكائنة بثقافة الآخر، وندرك سبب وجودها.
3. القبول: عندما ندرك أنه ينبغي علينا السماح لأصحاب الثقافات الأخرى بأن يعيشوا كما يرغبون، وليس كما نرغب نحن.
4. التقدير: وهى النقطة التي نبدأ عندها رؤية القيمة الإيجابية في الأمور التي تقع خارج نماذجنا الثقافية - الدينية الخاصة.
5. التناغم الثقافي: عندما نبدأ في دمج خبراتنا مع مجموعة متنوعة من الخبرات الثقافية الموجودة في المجتمع.
وهذا يتطلب:
1. الانتقال بالديني إلى المدني، أي خلق مجال مدني مشترك يتحرك فيه الجميع مساهمين وفق نماذجهم الثقافية - الدينية في حل مشكلات مجتمع يعانى أزمات عدة متصاعدة.
2. استدماج قيمة التنوع في مجالات ثلاثة: التعليم - الخطاب الديني - التنشئة في الأسر المصرية.
د. هشام جعفر
من الملاحظات الجديرة بالتأمل في الواقع المصري اليوم هو بروز ظاهرة ما أطلق عليه «فائض التدين» وأقصد بها ذلك التداخل المربك بين الديني وبين المجالات الأخرى ثقافية وسياسية واقتصادية.. إلخ.
ويعد المثل الأبرز لهذا التضخم هو ذلك التضخم في استخدام المفردات والرموز الدينية في المجال العام، وتمثل ظاهرة الفتاوى الدينية: مسيحية ومسلمة أحد أهم تجليات ذلك التضخم. بالإضافة لوجود مجموعة استقطابات حادة على أسس دينية، حيث لم تعد الهوية الدينية أحد دوائر الانتماء العديدة التي تثرى «الهوية المصرية» وترسم مجالها الحيوي، بل على العكس؛ أصبح الانتماء الديني نفيا للآخر في الوطن الواحد.
وقد أنتجت ظاهرة «فائض التدين» مجموعة من الظواهر الثقافية الخطيرة، منها:
1. الحساسية للاختلاف الديني والثقافي: بمعنى عدم الاعتراف بالاختلاف أو القبول به، ناهيك عن احترامه.
2. التمركز حول الذات الثقافية – الدينية: بمعنى الحكم على الآخرين وفق المعايير الثقافية التي تحولت إلى معايير ضيقة.
3. التمييز: التفرقة في المعاملة.
4. التحامل: تشكيل لرأي أو موقف شعوري دون سبب أو تفكير مسبق أو معرفة كافية.
5. النمطية والتعميم الثقافي – الديني: أي النظر إلى المسلمين والمسيحيين باعتبارهم كتلا مصمتة لا تحوى داخلها أي اختلاف أو تنوع.
هذا التحليل الثقافي يجعل قيمة التنوع أحد أهم قيم التنشئة في المجتمع المصري. فالتنوع في جوهره يعنى التسليم بالاختلاف، التسليم به واقعا لا يسع عاقلا إنكاره، والتسليم به حقا للمختلفين لا يسع أحد أو سلطة حرمانهم منه.
يجب أن يُعطى للتنوع مشروعيته في الثقافة المصرية السائدة، ويستلزم الاعتراف بهذه المشروعية التسليم بحق المختلفين في التعبير عن اختلافهم. فالتنوع في جوهره يعنى ثلاثة أشياء، هي:
1. الاعتراف بوجود تنوع في مجتمع ما.
2. احترام هذا التنوع وما يترتب عليه من اختلاف.
3. إيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك بحرية، وبشكل يحول دون نشوب صراع يهدد سلامة المجتمع.
ولكن كيف يمكن أن نصل إلى تسهيل عملية التواصل بين الحدود الثقافية - الدينية تمهيدا للوصول إلى حالة التناغم الثقافي التي كانت سائدة في المجتمع المصري؟ وبرأيي أن السبيل للوصول لحالة التناغم الثقافي تلك علينا اعتماد برنامج يستدعي بفاعلية الآليات التالية:
1. الوعي: وهى النقطة التي ندرك عندها أن هناك ما هو إيجابي خارج نماذجنا الثقافية - الدينية.
2. الفهم: وهى النقطة التي ندرك فيها أهمية القيم الإيجابية الكائنة بثقافة الآخر، وندرك سبب وجودها.
3. القبول: عندما ندرك أنه ينبغي علينا السماح لأصحاب الثقافات الأخرى بأن يعيشوا كما يرغبون، وليس كما نرغب نحن.
4. التقدير: وهى النقطة التي نبدأ عندها رؤية القيمة الإيجابية في الأمور التي تقع خارج نماذجنا الثقافية - الدينية الخاصة.
5. التناغم الثقافي: عندما نبدأ في دمج خبراتنا مع مجموعة متنوعة من الخبرات الثقافية الموجودة في المجتمع.
وهذا يتطلب:
1. الانتقال بالديني إلى المدني، أي خلق مجال مدني مشترك يتحرك فيه الجميع مساهمين وفق نماذجهم الثقافية - الدينية في حل مشكلات مجتمع يعانى أزمات عدة متصاعدة.
2. استدماج قيمة التنوع في مجالات ثلاثة: التعليم - الخطاب الديني - التنشئة في الأسر المصرية.
الاثنين، 10 يناير 2011
2011 عام القلاقل والتحولات
د. برهان غليون
لم يكن تفرغ النخب الحاكمة للنزاعات الداخلية في العقود الأربعة السابقة -التي انتهت باحتكار السلطة من قبل فئات محدودة واحدة، وإعادة بناء النظام السياسي والقانوني والإداري بما يساعد على تخليد هذه السلطة، وربما انتقالها من الآباء إلى الأبناء، بصورة يصعب بعدها الحديث عن نظم سياسية بالمعنى الحديث للكلمة- ممكنا إلا بقدر ما كانت سياسة تفريغ الدول من حيويتها وقواها السياسية هذه متقاطعة مع مصالح القوى الإقليمية والدولية المتنافسة على كسب مواقع النفوذ في المنطقة المشرقية أو السيطرة عليها.
وكانت معركة القضاء على حركات المقاومة والاحتجاج العربية من أي نوع كانت -تحت شعار تصفية الإرهاب في ما يخص القوى الإسلامية، أو باسم ضمان الأمن والاستقرار عندما يتعلق الأمر بقوى يسارية أو قومية أو ديمقراطية، يطلق عليها اليوم صفة العلمانية لتقزيمها وتغييب برامجها السياسية- جزءا من معركة الدول الكبرى للحفاظ على الوضع القائم، ومنع أي تغييرات أو تحولات إستراتيجية أو جيوسياسية لا تتفق مع مصالحها.
وبهذا المعنى لم يكن انشغال النظم العربية بقضايا الداخل ممكنا إلا بمقدار ما كان اطمئنانها عميقا لضمان ثبات الجبهة الخارجية، وتكريس الخرائط القديمة الموروثة عن الحقبة الاستعمارية السابقة من قبل القوى الدولية. وهذا ما عبرنا عنه أكثر من مرة بالتحالف والتضامن الحاصل بين الاستعمار والاستبداد، أي بين استعمار داخلي واستعمار خارجي، يقومان كلاهما على تجريد الشعب من حقوقه السيادية وفرض الوصاية عليه ومعاملته كرعية تابعة للملك أو الرئيس السلطان.
والحال أن سياسة تهدئة الجبهة الخارجية -التي اتبعتها الدول الكبرى ذات النفوذ في المنطقة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، والتي شكلت ضمانة لنجاح سياسات القمع الداخلية بل تشجيعا لها- بدأت تتعرض للاهتزاز منذ أن قررت الإدارة الأميركية الجمهورية السابقة في عام 2003 -تحت تأثير المحافظين الجدد- فسخ عقد الضمان هذا والسعي إلى إعادة هيكلة المنطقة، وربما تغيير بعض نظمها وأساليب إدارتها بما يتفق بشكل أكبر مع تطورات الأوضاع الدولية الجديدة، ويضمن للولايات المتحدة وحلفائها وضع اليد بشكل مباشر على آبار النفط، خوفا من منافسة قوى مستهلكة جديدة صاعدة، وتعزيزا لمكانة إسرائيل الإقليمية، بوصفها الحليف الرئيسي والمعتمد الأول في المنطقة.
ولم ينفع تراجع الإدارة الأميركية عن خطتها هذه، واستعادتها لشعار الحفاظ على الأمن والاستقرار من جديد بدل شعار التغيير ودمقرطة الشرق الأوسط، الذي استخدمته لتبرير إستراتيجيتها الهجومية وحربها المعلنة على دول المشرق العربي، التي لم تكن الحرب على العراق سوى الفقرة الأولى منها، أقول لم ينفع هذا التراجع في إعادة الأمور إلى نصابها لسببين:
الأول أن واشنطن خسرت الحرب في العراق تحت تأثير المقاومات المتعددة. وبدل أن تحقق الانتصار المنتظر الذي كانت تحتاجه للتغطية على إخفاقها في أفغانستان التي تكاد تتحول إلى فيتنام جديدة، بدت أكثر من أي وقت سابق دولة مغامرة، وانهارت صدقيتها الإستراتيجية التي أرادت أن تؤكدها كدولة عظمى وحيدة تقع عليها مسؤوليات قيادة العالم وشق طريقه نحو مستقبل أفضل، ديمقراطي ومتضامن، كما كانت تقول دعايتها.
والسبب الثاني أن هزيمتها المرة في العراق، والعجز الذي أظهرته في السيطرة على الوضع الناجم عن الحرب، واضطرارها أخيرا إلى الاعتراف بالإخفاق والانسحاب من بغداد، مع ترك البلاد -التي حطمت عمودها الفقري وفككت دولتها- عرضة لكل الاحتمالات، وفي مقدمها الانقسام والتناحر الطائفي والإثني، وأهم من ذلك التدخل الإيراني، لم يؤثر كل ذلك على صدقيتها كدولة عظمى قائدة فحسب، ولكنه أدى إلى الانكشاف الإستراتيجي الكامل لجبهة المشرق العربي "الأميركي"، وبشكل خاص جبهة الخليج النفطية، وهي ذات الأهمية الإستراتيجية الاستثنائية، وتعريضهما لضغوط قوية من قبل أعتى خصوم واشنطن الإقليميين.
ومن الطبيعي أن تشعر دول المشرق العربي، وفي مقدمها دول الخليج، التي تعرضت لهذا الانكشاف بالقلق على أمنها أكثر من أي وقت سابق، وتتطلع إلى تحالفات أخرى قريبة أو بعيدة تؤمن لها الحماية التي لم تعد واثقة من أن واشنطن قادرة وحدها على تأمينها لها. وأول من أدرك هذه الحاجة هو النظم التي كانت تشعر بهشاشة استثنائية، سواء بسبب عوامل تكوينها الذاتي أو شروط حصارها الخارجية.
وفي سياق هذا الاختلال الكبير الذي أصاب الإستراتيجية الغربية في المنطقة بعد هزة حرب العراق الأرضية، وما نجم عنه من تراجع في شروط حفظ الوضع القائم الشرق أوسطي، تبرز بشكل متسارع -منذ بضع سنوات- ظاهرتان تسيران جنبا إلى جنب:
الأولى ظاهرة تشكل قوة إقليمية محورية، تقوم بدور القطب المحرك والجامع، الذي يطرح أجندة إقليمية وليست وطنية فحسب، تهدف إلى التصدي للمهام التي عجزت الأطراف الأخرى والنخب الحاكمة عن التصدي لها، وفي مقدمها لملمة أطراف منطقة مزقتها الحروب والنزاعات الخارجية والداخلية، وحل النزاعات القائمة في ما بينها، وإزالة العوائق التي تحول دون انفتاح إحداها على الأخرى، وتعظيم شروط الاستثمار والتعاون المفضي إلى الارتقاء بعوامل التقدم الاقتصادي والاجتماعي فيها، ومواجهة النفوذ الغربي الذي تحول، كما كان عليه الحال في الخمسينيات من القرن الماضي، إلى بؤرة رئيسية لفساد النظم والنخب الحاكمة وإعاقة النمو، كما أصبح السبب الأول في تكبيل المنطقة وتجميدها، بمقدار ما رهن نفسه وربط أجندته التاريخية بالدفاع عن إسرائيل ومشروعها الاستيطاني أو بمقدار ما عجز عن الاستقلال عنهما.
والثانية هي ظاهرة التململ داخل المجتمعات، أو استيقاظ الحركات الاجتماعية التي كادت تموت تحت أنقاض الخراب الوطني والسياسي المعمم، وفي ظل سياسات تقييد الحريات والقمع والتهميش من قبل نخب حاكمة فقدت أي مفهوم للسياسة كمسؤولية اجتماعية ولتداول السلطة كحق شرعي وجزء لا يتجزأ من المواطنية، وكضمانة لعدم فسادها واحتكارها واستخدامها من قبل فئة لإخضاع فئة أخرى وحرمانها من حقوقها واستعبادها. وكلتاهما، أعني الظاهرتين، تعزز في تقدمها الأخرى.
هكذا برزت -ولا تزال تبرز- بسرعة البرق تركيا كقوة إقليمية صاعدة، وتتصدى -تقريبا من دون جهد يذكر، وبتعاطف لا يخفى من قبل الرأي العام العربي وأحيانا النخب الحاكمة نفسها- إلى موقع القيادة الإقليمية.
وقد تجاوزت -في سنوات معدودة- في نفوذها السياسي والاقتصادي، والدور الذي تقوم به لتعزيز التواصل بين دول المنطقة وتنشيط التفاعلات في ما بين أطرافها، جميع الدول الأخرى القريبة والبعيدة.
وبعكس طهران الثورية، تطرح أنقرة نفسها اليوم كمركز استقطاب لجميع الأطراف الإقليمية، وتتبع سياسة قائمة على امتصاص التوترات وتهدئة النزاعات والتقريب بين جميع أقطار المنطقة، من دون التردد في تحمل مسؤولياتها كمحور سلام واستقرار وتنمية اقتصادية واجتماعية، أي كقوة إقليمية قادرة على أن تفتح آفاق المستقبل لمنطقة بقيت محاصرة ومعزولة ومهمشة لعقود طويلة، ومليئة بكل أنواع الظلم والقهر وانتهاك الحقوق الوطنية والسياسية.
وهي تبرز كجزء من المنطقة تربطها بها عوامل تاريخية ودينية وجغرافية عديدة، لا غريبة عنها، وتنظر إليها من منظار تكوين مستقبل مشترك، وتحسين شروط استقلال المنطقة وازدهارها، لا كفريسة سهلة أو منطقة تقاسم نفوذ تستهلك مواردها ثم تتركها لمصيرها، أو تحتل أراضيها وتستوطنها وتطرد شعوبها، كما كانت عليه السياسات الاستعمارية.
وبالمثل -بموازاة تبدل المعطيات الإقليمية، وتحرك الجبهة الخارجية، واهتزاز مواقع النخب الحاكمة على الخارطة الجيوستراتيجية- تنبعث دينامية جديدة داخل القوى الاجتماعية في جميع الأقطار. وتعود التطلعات نحو العدالة والحرية والحق في العمل والحياة الإنسانية الكريمة إلى الظهور هنا وهناك.
وكل الدلائل تشير في نظري إلى أننا في بداية دورة جديدة من الحراك الداخلي الذي يستفيد من اهتزاز وضع النظم القائمة الخارجي وتراجع ثقتها بنفسها وبحماياتها الخارجية. وربما تشكل انتفاضة عمال المناجم والعاطلين عن العمل في مدينة سيدي بوزيد التونسية في الأسبوع الأخير من عام 2010، إشارة الانطلاق لهذه الدورة التي ستتقدم على وقع تبدل علاقات القوى الخارجية.
ومما يزيد من هذا الاحتمال الاحتقانات الشديدة التي تعيشها المجتمعات العربية الناجمة عن الحرمان والفساد والتفاوت الفاحش بين الطبقات والعبث بالقانون وانتهاك حقوق الإنسان المستمر، وعدم إمكانية الرهان في مواجهة هذه الاحتقانات على المزيد من القيود وسياسات القمع والإرهاب، كما اعتادت على ذلك معظم الحكومات العربية.
ففي الأوضاع الجيوستراتيجية والدولية الجديدة، وكسر احتكار الإعلام الوطني والعالمي، وتسارع وتيرة انتقال المعلومات بين البلدان والشعوب -بما في ذلك المعلومات ذات الطابع الدبلوماسي السري، كما أظهرت ذلك وثائق ويكيليكس- لن تقود سياسات التهميش والعزل وضرب الحصار على شعوب كاملة، ومنعها من المشاركة حتى بالكلام والتعبير في تقرير مصيرها، سوى إلى المزيد من الفساد والحرمان والتفاوت الاجتماعي، وبالتالي إلى تقهقر أكبر في شروط حياة السكان، وفي مقدرة الحكومات على مواجهة المشاكل القائمة والمتجددة.
وأمام انغلاق آفاق المستقبل بالنسبة للأجيال الجديدة التي لم تعد تتوقع سوى البطالة والفقر وضياع الوقت، أي العمر، ربما لا يبقى من خيار آخر سوى التمرد والانفجار.
بيد أن هذه التمردات والانفجارات المنتظرة ليست مضمونة العواقب أيضا. وليست هناك أي ضمانة في ألا تختار النخب الحاكمة طريق المغامرة بمصير البلدان نفسها، والرهان على بث الفوضى وانعدام الأمن، لردع المجتمعات وتخويفها من التغيير، أو جعل التغيير مرادفا للخراب والدمار والانقسام والفوضى.
وهذا هو الخيار الذي قاد بلدانا عربية عديدة -من لبنان إلى الصومال إلى العراق، واليوم السودان، وربما قريبا اليمن- إلى التفتت والنزاعات الداخلية، الطائفية والإتنية. ففي جميع هذه الحالات جاء الانقسام والنزاع والانهيار نتيجة رفض النخب الحاكمة طريق الحوار والتفاهم بعد رفض الإصلاح، وتبنيها قرار المواجهة بأي ثمن، أي العنف.
فلا ينبغي أن نتوقع من نخب حاكمة ليس لديها، أو لم يعد لديها، أي مفهوم للدولة، ولا -من باب أولى- أي شعور بالمسؤولية الوطنية، أن تتصرف تجاه الأزمات المتراكمة التي تتعرض لها الدول والمجتمعات العربية اليوم بحد أدنى من المسؤولية أو المبادئ الأخلاقية.
وهذا ما يعطي صورة عن الصعوبات الإضافية التي تواجهها عملية التغيير في أقطارنا، والاحتمالات الكبيرة لتزايد تدخل القوى الخارجية، كما أظهرت ذلك حالة ساحل العاج، حيث يزيد رفض الرئيس السابق غباغبو القبول بنتائج الانتخابات، وتمسكه بالبقاء في منصب الرئاسة مهما كانت النتائج والأخطار، من تدخل الدول الكبرى في مصير البلاد، وربما ارتهان إرادة الرئيس الجديد المنتخب لهذه التدخلات.
وهنا تبرز مسؤولية قوى المعارضة والحركات الاجتماعية ومقدرتها على صوغ أجندة وطنية جامعة، تحرص على توحيد جميع القوى الاجتماعية المنخرطة في عملية التحول، وهي أغلبية المجتمع، وتجهد في سبيل حل الخلافات التي تفصل في ما بينها، خاصة بين إسلاميين وغير إسلاميين، وتسعى إلى ترسيخ الخيار الديمقراطي في إطار الحافظ على استقلال القرار الوطني الذي يتيح وحده إمكانية التفاعل والتضامن بين فئات مصالح متباينة وأحيانا متنازعة.
وقبل هذا وذاك، رفض الانجرار إلى طريق العنف الذي يشكل الدفع إليه وتعميمه الإستراتيجية الوحيدة التي لا تزال تملكها النخب العربية الحاكمة للحط من قدر الشعوب، وتسفيهها في نظر نفسها، وتسويد صورتها، لاستجداء الدعم الخارجي، وقطع الطريق على أي تحولات ديمقراطية فعلية وتبرير التمديد الدائم لحكم القهر والاستبداد.
لم يكن تفرغ النخب الحاكمة للنزاعات الداخلية في العقود الأربعة السابقة -التي انتهت باحتكار السلطة من قبل فئات محدودة واحدة، وإعادة بناء النظام السياسي والقانوني والإداري بما يساعد على تخليد هذه السلطة، وربما انتقالها من الآباء إلى الأبناء، بصورة يصعب بعدها الحديث عن نظم سياسية بالمعنى الحديث للكلمة- ممكنا إلا بقدر ما كانت سياسة تفريغ الدول من حيويتها وقواها السياسية هذه متقاطعة مع مصالح القوى الإقليمية والدولية المتنافسة على كسب مواقع النفوذ في المنطقة المشرقية أو السيطرة عليها.
وكانت معركة القضاء على حركات المقاومة والاحتجاج العربية من أي نوع كانت -تحت شعار تصفية الإرهاب في ما يخص القوى الإسلامية، أو باسم ضمان الأمن والاستقرار عندما يتعلق الأمر بقوى يسارية أو قومية أو ديمقراطية، يطلق عليها اليوم صفة العلمانية لتقزيمها وتغييب برامجها السياسية- جزءا من معركة الدول الكبرى للحفاظ على الوضع القائم، ومنع أي تغييرات أو تحولات إستراتيجية أو جيوسياسية لا تتفق مع مصالحها.
وبهذا المعنى لم يكن انشغال النظم العربية بقضايا الداخل ممكنا إلا بمقدار ما كان اطمئنانها عميقا لضمان ثبات الجبهة الخارجية، وتكريس الخرائط القديمة الموروثة عن الحقبة الاستعمارية السابقة من قبل القوى الدولية. وهذا ما عبرنا عنه أكثر من مرة بالتحالف والتضامن الحاصل بين الاستعمار والاستبداد، أي بين استعمار داخلي واستعمار خارجي، يقومان كلاهما على تجريد الشعب من حقوقه السيادية وفرض الوصاية عليه ومعاملته كرعية تابعة للملك أو الرئيس السلطان.
والحال أن سياسة تهدئة الجبهة الخارجية -التي اتبعتها الدول الكبرى ذات النفوذ في المنطقة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، والتي شكلت ضمانة لنجاح سياسات القمع الداخلية بل تشجيعا لها- بدأت تتعرض للاهتزاز منذ أن قررت الإدارة الأميركية الجمهورية السابقة في عام 2003 -تحت تأثير المحافظين الجدد- فسخ عقد الضمان هذا والسعي إلى إعادة هيكلة المنطقة، وربما تغيير بعض نظمها وأساليب إدارتها بما يتفق بشكل أكبر مع تطورات الأوضاع الدولية الجديدة، ويضمن للولايات المتحدة وحلفائها وضع اليد بشكل مباشر على آبار النفط، خوفا من منافسة قوى مستهلكة جديدة صاعدة، وتعزيزا لمكانة إسرائيل الإقليمية، بوصفها الحليف الرئيسي والمعتمد الأول في المنطقة.
ولم ينفع تراجع الإدارة الأميركية عن خطتها هذه، واستعادتها لشعار الحفاظ على الأمن والاستقرار من جديد بدل شعار التغيير ودمقرطة الشرق الأوسط، الذي استخدمته لتبرير إستراتيجيتها الهجومية وحربها المعلنة على دول المشرق العربي، التي لم تكن الحرب على العراق سوى الفقرة الأولى منها، أقول لم ينفع هذا التراجع في إعادة الأمور إلى نصابها لسببين:
الأول أن واشنطن خسرت الحرب في العراق تحت تأثير المقاومات المتعددة. وبدل أن تحقق الانتصار المنتظر الذي كانت تحتاجه للتغطية على إخفاقها في أفغانستان التي تكاد تتحول إلى فيتنام جديدة، بدت أكثر من أي وقت سابق دولة مغامرة، وانهارت صدقيتها الإستراتيجية التي أرادت أن تؤكدها كدولة عظمى وحيدة تقع عليها مسؤوليات قيادة العالم وشق طريقه نحو مستقبل أفضل، ديمقراطي ومتضامن، كما كانت تقول دعايتها.
والسبب الثاني أن هزيمتها المرة في العراق، والعجز الذي أظهرته في السيطرة على الوضع الناجم عن الحرب، واضطرارها أخيرا إلى الاعتراف بالإخفاق والانسحاب من بغداد، مع ترك البلاد -التي حطمت عمودها الفقري وفككت دولتها- عرضة لكل الاحتمالات، وفي مقدمها الانقسام والتناحر الطائفي والإثني، وأهم من ذلك التدخل الإيراني، لم يؤثر كل ذلك على صدقيتها كدولة عظمى قائدة فحسب، ولكنه أدى إلى الانكشاف الإستراتيجي الكامل لجبهة المشرق العربي "الأميركي"، وبشكل خاص جبهة الخليج النفطية، وهي ذات الأهمية الإستراتيجية الاستثنائية، وتعريضهما لضغوط قوية من قبل أعتى خصوم واشنطن الإقليميين.
ومن الطبيعي أن تشعر دول المشرق العربي، وفي مقدمها دول الخليج، التي تعرضت لهذا الانكشاف بالقلق على أمنها أكثر من أي وقت سابق، وتتطلع إلى تحالفات أخرى قريبة أو بعيدة تؤمن لها الحماية التي لم تعد واثقة من أن واشنطن قادرة وحدها على تأمينها لها. وأول من أدرك هذه الحاجة هو النظم التي كانت تشعر بهشاشة استثنائية، سواء بسبب عوامل تكوينها الذاتي أو شروط حصارها الخارجية.
وفي سياق هذا الاختلال الكبير الذي أصاب الإستراتيجية الغربية في المنطقة بعد هزة حرب العراق الأرضية، وما نجم عنه من تراجع في شروط حفظ الوضع القائم الشرق أوسطي، تبرز بشكل متسارع -منذ بضع سنوات- ظاهرتان تسيران جنبا إلى جنب:
الأولى ظاهرة تشكل قوة إقليمية محورية، تقوم بدور القطب المحرك والجامع، الذي يطرح أجندة إقليمية وليست وطنية فحسب، تهدف إلى التصدي للمهام التي عجزت الأطراف الأخرى والنخب الحاكمة عن التصدي لها، وفي مقدمها لملمة أطراف منطقة مزقتها الحروب والنزاعات الخارجية والداخلية، وحل النزاعات القائمة في ما بينها، وإزالة العوائق التي تحول دون انفتاح إحداها على الأخرى، وتعظيم شروط الاستثمار والتعاون المفضي إلى الارتقاء بعوامل التقدم الاقتصادي والاجتماعي فيها، ومواجهة النفوذ الغربي الذي تحول، كما كان عليه الحال في الخمسينيات من القرن الماضي، إلى بؤرة رئيسية لفساد النظم والنخب الحاكمة وإعاقة النمو، كما أصبح السبب الأول في تكبيل المنطقة وتجميدها، بمقدار ما رهن نفسه وربط أجندته التاريخية بالدفاع عن إسرائيل ومشروعها الاستيطاني أو بمقدار ما عجز عن الاستقلال عنهما.
والثانية هي ظاهرة التململ داخل المجتمعات، أو استيقاظ الحركات الاجتماعية التي كادت تموت تحت أنقاض الخراب الوطني والسياسي المعمم، وفي ظل سياسات تقييد الحريات والقمع والتهميش من قبل نخب حاكمة فقدت أي مفهوم للسياسة كمسؤولية اجتماعية ولتداول السلطة كحق شرعي وجزء لا يتجزأ من المواطنية، وكضمانة لعدم فسادها واحتكارها واستخدامها من قبل فئة لإخضاع فئة أخرى وحرمانها من حقوقها واستعبادها. وكلتاهما، أعني الظاهرتين، تعزز في تقدمها الأخرى.
هكذا برزت -ولا تزال تبرز- بسرعة البرق تركيا كقوة إقليمية صاعدة، وتتصدى -تقريبا من دون جهد يذكر، وبتعاطف لا يخفى من قبل الرأي العام العربي وأحيانا النخب الحاكمة نفسها- إلى موقع القيادة الإقليمية.
وقد تجاوزت -في سنوات معدودة- في نفوذها السياسي والاقتصادي، والدور الذي تقوم به لتعزيز التواصل بين دول المنطقة وتنشيط التفاعلات في ما بين أطرافها، جميع الدول الأخرى القريبة والبعيدة.
وبعكس طهران الثورية، تطرح أنقرة نفسها اليوم كمركز استقطاب لجميع الأطراف الإقليمية، وتتبع سياسة قائمة على امتصاص التوترات وتهدئة النزاعات والتقريب بين جميع أقطار المنطقة، من دون التردد في تحمل مسؤولياتها كمحور سلام واستقرار وتنمية اقتصادية واجتماعية، أي كقوة إقليمية قادرة على أن تفتح آفاق المستقبل لمنطقة بقيت محاصرة ومعزولة ومهمشة لعقود طويلة، ومليئة بكل أنواع الظلم والقهر وانتهاك الحقوق الوطنية والسياسية.
وهي تبرز كجزء من المنطقة تربطها بها عوامل تاريخية ودينية وجغرافية عديدة، لا غريبة عنها، وتنظر إليها من منظار تكوين مستقبل مشترك، وتحسين شروط استقلال المنطقة وازدهارها، لا كفريسة سهلة أو منطقة تقاسم نفوذ تستهلك مواردها ثم تتركها لمصيرها، أو تحتل أراضيها وتستوطنها وتطرد شعوبها، كما كانت عليه السياسات الاستعمارية.
وبالمثل -بموازاة تبدل المعطيات الإقليمية، وتحرك الجبهة الخارجية، واهتزاز مواقع النخب الحاكمة على الخارطة الجيوستراتيجية- تنبعث دينامية جديدة داخل القوى الاجتماعية في جميع الأقطار. وتعود التطلعات نحو العدالة والحرية والحق في العمل والحياة الإنسانية الكريمة إلى الظهور هنا وهناك.
وكل الدلائل تشير في نظري إلى أننا في بداية دورة جديدة من الحراك الداخلي الذي يستفيد من اهتزاز وضع النظم القائمة الخارجي وتراجع ثقتها بنفسها وبحماياتها الخارجية. وربما تشكل انتفاضة عمال المناجم والعاطلين عن العمل في مدينة سيدي بوزيد التونسية في الأسبوع الأخير من عام 2010، إشارة الانطلاق لهذه الدورة التي ستتقدم على وقع تبدل علاقات القوى الخارجية.
ومما يزيد من هذا الاحتمال الاحتقانات الشديدة التي تعيشها المجتمعات العربية الناجمة عن الحرمان والفساد والتفاوت الفاحش بين الطبقات والعبث بالقانون وانتهاك حقوق الإنسان المستمر، وعدم إمكانية الرهان في مواجهة هذه الاحتقانات على المزيد من القيود وسياسات القمع والإرهاب، كما اعتادت على ذلك معظم الحكومات العربية.
ففي الأوضاع الجيوستراتيجية والدولية الجديدة، وكسر احتكار الإعلام الوطني والعالمي، وتسارع وتيرة انتقال المعلومات بين البلدان والشعوب -بما في ذلك المعلومات ذات الطابع الدبلوماسي السري، كما أظهرت ذلك وثائق ويكيليكس- لن تقود سياسات التهميش والعزل وضرب الحصار على شعوب كاملة، ومنعها من المشاركة حتى بالكلام والتعبير في تقرير مصيرها، سوى إلى المزيد من الفساد والحرمان والتفاوت الاجتماعي، وبالتالي إلى تقهقر أكبر في شروط حياة السكان، وفي مقدرة الحكومات على مواجهة المشاكل القائمة والمتجددة.
وأمام انغلاق آفاق المستقبل بالنسبة للأجيال الجديدة التي لم تعد تتوقع سوى البطالة والفقر وضياع الوقت، أي العمر، ربما لا يبقى من خيار آخر سوى التمرد والانفجار.
بيد أن هذه التمردات والانفجارات المنتظرة ليست مضمونة العواقب أيضا. وليست هناك أي ضمانة في ألا تختار النخب الحاكمة طريق المغامرة بمصير البلدان نفسها، والرهان على بث الفوضى وانعدام الأمن، لردع المجتمعات وتخويفها من التغيير، أو جعل التغيير مرادفا للخراب والدمار والانقسام والفوضى.
وهذا هو الخيار الذي قاد بلدانا عربية عديدة -من لبنان إلى الصومال إلى العراق، واليوم السودان، وربما قريبا اليمن- إلى التفتت والنزاعات الداخلية، الطائفية والإتنية. ففي جميع هذه الحالات جاء الانقسام والنزاع والانهيار نتيجة رفض النخب الحاكمة طريق الحوار والتفاهم بعد رفض الإصلاح، وتبنيها قرار المواجهة بأي ثمن، أي العنف.
فلا ينبغي أن نتوقع من نخب حاكمة ليس لديها، أو لم يعد لديها، أي مفهوم للدولة، ولا -من باب أولى- أي شعور بالمسؤولية الوطنية، أن تتصرف تجاه الأزمات المتراكمة التي تتعرض لها الدول والمجتمعات العربية اليوم بحد أدنى من المسؤولية أو المبادئ الأخلاقية.
وهذا ما يعطي صورة عن الصعوبات الإضافية التي تواجهها عملية التغيير في أقطارنا، والاحتمالات الكبيرة لتزايد تدخل القوى الخارجية، كما أظهرت ذلك حالة ساحل العاج، حيث يزيد رفض الرئيس السابق غباغبو القبول بنتائج الانتخابات، وتمسكه بالبقاء في منصب الرئاسة مهما كانت النتائج والأخطار، من تدخل الدول الكبرى في مصير البلاد، وربما ارتهان إرادة الرئيس الجديد المنتخب لهذه التدخلات.
وهنا تبرز مسؤولية قوى المعارضة والحركات الاجتماعية ومقدرتها على صوغ أجندة وطنية جامعة، تحرص على توحيد جميع القوى الاجتماعية المنخرطة في عملية التحول، وهي أغلبية المجتمع، وتجهد في سبيل حل الخلافات التي تفصل في ما بينها، خاصة بين إسلاميين وغير إسلاميين، وتسعى إلى ترسيخ الخيار الديمقراطي في إطار الحافظ على استقلال القرار الوطني الذي يتيح وحده إمكانية التفاعل والتضامن بين فئات مصالح متباينة وأحيانا متنازعة.
وقبل هذا وذاك، رفض الانجرار إلى طريق العنف الذي يشكل الدفع إليه وتعميمه الإستراتيجية الوحيدة التي لا تزال تملكها النخب العربية الحاكمة للحط من قدر الشعوب، وتسفيهها في نظر نفسها، وتسويد صورتها، لاستجداء الدعم الخارجي، وقطع الطريق على أي تحولات ديمقراطية فعلية وتبرير التمديد الدائم لحكم القهر والاستبداد.
الأحد، 9 يناير 2011
فتنة الاعتداء على الكنائس
د. طه جابر العلواني
أولاً أودّ أن أشير إلى أنَّ الإنسان كما يحتاج إلى مَنْ يُحبه، ويضفي عليه سامي عواطفه، وجميل مشاعره، هو في حاجةٍ إلى مَن يبغضه ويصبّ عليه جام غضبه وشديد بغضه، وسائر المشاعر السلبيَّة لديه، وينسبه إلى كل الرذائل، وينسب كل الرذائل إليه؛ ولذلك فإنَّ الله -تبارك وتعالى- أمرنا أن نتّخذ الشيطان عدوًّا نصبّ عليه غضبنا، وسائر المشاعر السلبيّة لدينا؛ لأنَّه أصل كل منقصة، ومصدر كل رذيلة، فهو مَنْ يأمرنا بالسوء ويحرّضنا عليه ويدعونا للوقوع فيه. ومَنْ لم يتّخذ الشيطان عدوًّا فلابد له من عدوٍّ آخر، وهذا العدو الآخر قد يكون ممّن لا يستحق عداوته، ولا ينبغي له أن يُفرغ مشاعره السلبيّة عليه، ولكن تلك طبيعة الإنسان.
ومن أوسع أودية الباطل والخصومات بين الناس «الغلو»؛ والغلو أن يبالغ الإنسان في شيء ويغلو به، فإذا بلغ الإنسان في شيءٍ مستوى المغالاة فإنَّه يرمي كل مَنْ أنكر عليه أو حاول ردّه إلى الاعتدال، أو دعاه إلى الرجوع إلى الحق «اتخذه عدوًّا»، وإذا فشى هذا النوع من الغلو وانتشر في أُمَّةٍ فإنَّه يسوقها نحو الهلاك.
إنَّ المغالي لا يطيق سماع كلمة الاعتدال أو الحق أو الوسط، إنَّه يُسمع نفسه ما تريد فيمَنْ يحب، ويُسمع نفسه ما تريد فيمَنْ يبغض، ويرفض الإنصات إلى أيّ أحدٍ آخر، والمعتدلون قد يجدون في جرأة أهل الغلو وسلاطة ألسنتهم وإقدامهم على تجريح مخالفيهم ما يدعوه إلى الانكماش والانطواء، ويُثبّطه عن الإنكار؛ وآنذاك يخلو الجو للشيطان ليلعب في عقل ذلك المغالي وقلبه ونفسه، ويسوقه نحو الهلاك ونحو تدمير مقوّمات الاعتدال والوسط في مجتمعه وفي أُمَّته.
جنبا إلى جنب
والمسلمون والمسيحيّون في العراق وفي الشام وفي مصر والسودان والبلدان المغاربيَّة وغيرها عاشوا مع المسلمين جنبًا إلى جنب، ولقد اختبر المسلمون في منطقتنا وزلزلوا زلزالاً شديدًا أثناء حروب الفرنجة التي استمرت مئتي عام، ومع أنَّ الفرنجة قد سمّوا تلك الحروب بالحروب الصليبيَّة؛ طمعًا في كسب نصارى المنطقة، وتحويلهم إلى طابورٍ خامس -كما يُقال- لكنّهم لم يفلحوا ووجدوا من نصارى المنطقة رفضًا، بل زادهم ذلك التصاقًا بالمسلمين جيرانهم وإخوانهم، وقاتل كثيرون مع المسلمين أولئك الغزاة الذين جاءوا ليحتلوا البلاد ويسبوا العباد ويسيطروا على القدس وما جاورها من أرضٍ بارك الله حولها. والمسلمون عرفوا لجيرانهم ذلك الحق، واعتزوا به، ولم ينظروا للمنتمين إلى هذه الديار إلا نظرة إخاء ومودة، فبادلوهم صداقة بصداقة، وولاء بولاء، ووفاء بوفاء.
وقد استمرت الوحدة قائمة رغم تلك الأعاصير وذلك التحدي الكبير. وحين حدث الاستعمار، وانتُهكت ديار المسلمين، وحاول المستعمرون أن يجدوا ثغراتٍ -مثل ثغرة اختلاف الدين- لينفذوا منها، لم يجدوا إلا عددًا قليلاً وفي بلدانٍ معيّنة، ليس منها مصر ولا بلاد الشام، ومع ذلك فقد كانت هناك أدبيّات تظهر بين الحين والآخر في ظروفٍ تاريخيّة معيّنة يغلب أن تكون ظروف حروب وتوتر واختلاف وغزوٍ خارجي، تظهر أدبيّات لا تخلو من ثقافة كراهية، تعمل على زرع الحظر والخوف، بحيث يبدأ الأخ في الحذر من أخيه والشك فيه، وتبدأ الروابط التي كانت وثيقة ف الانهيار والتآكل؛ لتفسح مكانها لأنواعٍ من البغضاء وانعدام الثقة ومشاعر الشك، لتحقق للشيطان وأعوانه أهدافهم في تفكيك الروابط وإغراء بعض الناس في البعض.
ففي مرحلةٍ من المراحل كتب الشيخ ابن تيميّة -يرحمه الله- كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم»، وكتب بعض الناس كتاب «الصواب في قبح استكتاب أهل الكتاب»، وكتب ثالث «النهي عن الاستعانة والاستنصار في أمور المسلمين بأهل الذمة والكفار»، وقد عُنيتُ في فترةٍ زمنيّة معيّنة بتتبع هذا النوع من الكتابات، فوجدتها كتاباتٍ وأدبيّاتٍ تصدر عن كتّاب من مختلف الطوائف داخل الكيان الاجتماعي الواحد؛ لتحذير طائفة من الطوائف الأخرى، أو بذر بذور الشك وإيجاد أزمة ثقة بين مكوّنات كيانٍ واحد؛ ولذلك فقد اعتبرت تلك الكتب والدراسات -سواء صدرت عن علماء مسلمين أو كتّاب من النصارى أو غيرهم- أنّها أدبيّات مرحلة معيّنة أملتها ظروفٌ جعلت كل طائفة تحاول أن تحيط نفسها بحاجز نفسي يفصل بينها وبين طوائف المواطنين الأخرى، وأنَّ هذه الأدبيّات حين تُقرأ خارج سياقها الزمنيّ والتاريخيّ فإنّها تؤدي إلى إيجاد ثقافة غلوٍّ ورفض الفئات الغالية بما يسوّغ لها غلوّها فيما هي عليه، وربما يسوّغ لها أن تضطهد الطوائف الأخرى وتجور عليها إذا كانت في موضع القدرة، وذلك كفيلٌ بتفكيك الكيانات، وتدمير الدول، وإعانة الشيطان على الإنسان بدفعه إلى الفتنة والدخول في مجالات الاحتراب.
كلكم لآدم، وآدم من تراب
إنَّه ما من بلدٍ من بلداننا العربيّة والإسلاميّة إلا وفيه أقليّاتٌ دينيّة أو مذهبيّة أو عِرقيّة أو سواها، يجمع الجميع في هذه الحالة "كلكم لآدم، وآدم من تراب"، و"لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، فتصبح الأمّة مطالبة بإيجاد ثقافةٍ تثقّف أجيالها بها من رياض الأطفال إلى أعلى المستويات، تقوم على مبدأ "كلكم لآدم وآدم من تراب"، وعلى مبدأ "يا أيها الناس..."، ومبدأ "ادخلوا في السلم كافة"، ومبدأ "دعوا العصبيات فإنّها منتنة"، ثقافة تستطيع -بما تشتمل عليه من مكوّنات- أن تُخرج الناس من ظلمات الغلوّ والتعصُّب إلى نور الاعتدال والتآخي، ثقافة تنظر للإنسان على أنّه كفؤٌ لأيّ إنسان آخر في الإنسانيّة والآدميّة، وأنّه لا يقلل من قيمة الإنسان إلا انحرافاته الأخلاقيّة والسلوكيّة، وطرائق تعامله مع الآخرين ونظرته إليهم، واستعلاؤه عليهم واستبداده بشأنهم، فإذا لم يكن على هذه الصورة فاختلافاتنا الأخرى معه -في اللغة أو العرق أو المذهب أو الدين- اختلافات تنوّع لا تضاد، تقتضي مزيدًا من الفهم من كلٍ لسواه، ومزيدًا من الوعي، ومزيدًا من التقوى والبر.
إنّ منطقتنا العربيّة بالذات تواجه تحديًا في غاية الخطورة، وهو تحدٍ يحتاج إلى طاقات الأُمَّة كلها ووعي الأُمَّة جميعها بما يُدبّر ويُحاك ويُهيأ لها، فهناك كيانٌ غريب تم زرعه في هذه المنطقة كرهًا، فحُمِل كرهًا ووُلِد كرهًا وعاش كرهًا، هذا الكيان قد وُلِد ولادةً قيصرية شائهة، وُلِد وهو يعتقد أنَّ أمنه وسلامته، بل وحياته ووجوده، لا يمكن تحققها، أو حمايتها بعد تحققها، إلا بتفريق مَنْ حوله وتمزيقهم، وإثارة الفتن بينهم، وإيجاد الفوضى بأنواعها، خاصةً تلك التي يُسمّيها بـ«الخلّاقة»، فتلك كلها بالنسبة له أمورٌ لابد منها لكي يستطيع أن يحيا حياةً تستجيب لطموحاته وتلبّي له احتياجاته، فإن لم يعِ الجيران المحيطون بهذا الكيان لهذه الحقيقة فسوف يُصدّر إليهم -بأخبث الوسائل وأخطر الأساليب- المشكلة تلو الأخرى، مستغلاً أجواء التوتر، مسخّرًا الغلو والأحقاد والغفلة عن الشياطين لينفث سمومه تحت شعارات مختلفة وبأسماء مختلفة. إنّ كياناتنا الاجتماعيّة هذه أحوج ما تكون إلى تحصين جبهاتها الداخليّة، وحمايتها من أي اختراق خارجي مهما يكن، والمخترِق هذه المرة شيطانٌ إنسيّ، يتعاون مع شيطان آخر ليفسد كل شيء، فهم يسعون في الأرض فسادًا، لا يرقبون في أحدٍ إلًّا ولا ذمّة، لم يتـركوا لنا وطنًا واحدًا آمنًا مستقرًّا، يسعون لتدمير الجميع، ولا يمكن مواجهة هذا الخطر إلا بإعادة بناء كياناتنا الاجتماعيّة وتعزيز وحدتِها، وتحصين جبهاتها كلها، والحيلولة دون أيّة عمليّة اختراق يريد هؤلاء القيام بها واستثمارها.
المصدر.. صاحب المصلحة!
إنَّ ما حدث للكنائس العراقيّة، وما حدث في الاسكندريّة، وما قد يحدث في أي بلدٍ آخر صادرٌ عن مصدرٍ واحد، هو صاحب المصلحة في كل ما حدث وما قد يحدث؛ ولذلك ينبغي أن توجّه جميع المشاعر السلبيّة نحو ذلك المصدر الحقيقيّ.
إنَّ الهياج لن ينفع في معالجة هذه الأحوال، فالهياج يحوّل الأمر إلى نوعٍ من مصارعة الثيران، فالثور قويٌّ ولا شك، وهو أقوى من المصارع دون ريب، ولكنّ المصارع -بحكم إتقانه لمصارعة الثيران وخبرته وتجاربه- يجعل الثور بعد أن يُهيّجه ويتجه نحو الخرق التي يفردها أمامه، وهي خرقٌ لا قيمة لها، ولا يستطيع الثور أن ينتقم من المصارع بنطح تلك الخرق التي ينشرها، والمصارع -في النهاية- سوف يجعل قوى الثور تخور، ويوصّله إلى مستوى الانهيار، ثم يجهز عليه ويعلن انتصاره، مع أنّ الثور -من حيث القوة الجسديّة- أقوى بكثير من ذلك المصارع، فلو استطعنا -في ظروف المحن كتلك- أن نوجّه الهياج والغضب باتجاه مَن يستحقه، وباتجاه مَن دبّر الفتنة وأثارها -لا باتجاه الخِرَق التي يفردها في وجه الثور لينطحها- لاستطعنا أن نوقف هذه المحاولات، ونحرم هؤلاء الأعداء والخصوم من أن يسجّلوا علينا أي انتصار لا يستحقونه.
إنَّ المستفيد من تدمير الروابط بين المسلمين والنصارى في بلادنا العربية هو الكيان الطارئ، المزروع كرهًا، والموجود كرهًا، فلا ينبغي أن نخسر عدّة مرات؛ فنخسر وحدتنا ونخسر في عمليّة الاهتداء إلى مثيري الفتنة ومدبري المشكلات لكياناتنا العربيّة المسلمة.
توقيت شيطاني
إنّ التوقيت الذي اختاره الشياطين المدبرون للاعتداء على الكنيسة في الاسكندرية توقيت في غاية الخطورة، وفيه رسالة كامنة لا بدّ أن نحسن قرائتها، فالتوقيت يجري قبل استفتاء جنوب السودان على الانفصال بأيام قلائل والطبول تدق لتحقيق انفصال لن يكون في مصلحة أحد لا في السودان ولا في خارجه؛ إلا ذلك الكيان المزروع كرهًا، وكأنّه يقول لأتباع الكنيسة المصريّة القبطيّة الذين اتخذت قيادتهم من ذلك الكيان موقفًا مشرفًا يريد أن يقول لهم: انظروا إلى ما يحدث في السودان وإنّكم مهما فعلتم قد تجدون أنفسكم مقتنعين بأنّ هؤلاء المسلمين لا يمكن التعايش معهم، وأن الانفصال عنهم والبعد عنهم غنيمة وحلّ لهذا النوع من المشكلات، فاستوعبوا الدرس وخذوا الأمر من بدايته لتتجنّبوا مزيدًا من الخسائر. فهي لحظة تاريخيّة خطيرة أراد هؤلاء الشياطين أن يوجّهوا فيها هذه الرسالة.
إنّ جميع أبناء مصر ومؤسساتها الدينيّة والمدنيّة مطالبة برفع درجة الوعي في هذه اللحظات التاريخيّة وتحصين الجبهة الداخليّة وتدعيم الوحدة الوطنيّة بكل وسائل التدعيم والتحصين للحيلولة دون هؤلاء الشياطين واختراق هذه الجبهة.
تعازينا إلى ذوي الضحايا في بغداد والموصل والإسكندرية وغيرها. سائلين العليّ القدير أن يُجنّب مصر العزيزة وسائر بلاد المسلمين وسائر البلاد العربيّة الفتنَ والمحنَ وعوامل التمزّق، إنّه سميعٌ مجيب.
أولاً أودّ أن أشير إلى أنَّ الإنسان كما يحتاج إلى مَنْ يُحبه، ويضفي عليه سامي عواطفه، وجميل مشاعره، هو في حاجةٍ إلى مَن يبغضه ويصبّ عليه جام غضبه وشديد بغضه، وسائر المشاعر السلبيَّة لديه، وينسبه إلى كل الرذائل، وينسب كل الرذائل إليه؛ ولذلك فإنَّ الله -تبارك وتعالى- أمرنا أن نتّخذ الشيطان عدوًّا نصبّ عليه غضبنا، وسائر المشاعر السلبيّة لدينا؛ لأنَّه أصل كل منقصة، ومصدر كل رذيلة، فهو مَنْ يأمرنا بالسوء ويحرّضنا عليه ويدعونا للوقوع فيه. ومَنْ لم يتّخذ الشيطان عدوًّا فلابد له من عدوٍّ آخر، وهذا العدو الآخر قد يكون ممّن لا يستحق عداوته، ولا ينبغي له أن يُفرغ مشاعره السلبيّة عليه، ولكن تلك طبيعة الإنسان.
ومن أوسع أودية الباطل والخصومات بين الناس «الغلو»؛ والغلو أن يبالغ الإنسان في شيء ويغلو به، فإذا بلغ الإنسان في شيءٍ مستوى المغالاة فإنَّه يرمي كل مَنْ أنكر عليه أو حاول ردّه إلى الاعتدال، أو دعاه إلى الرجوع إلى الحق «اتخذه عدوًّا»، وإذا فشى هذا النوع من الغلو وانتشر في أُمَّةٍ فإنَّه يسوقها نحو الهلاك.
إنَّ المغالي لا يطيق سماع كلمة الاعتدال أو الحق أو الوسط، إنَّه يُسمع نفسه ما تريد فيمَنْ يحب، ويُسمع نفسه ما تريد فيمَنْ يبغض، ويرفض الإنصات إلى أيّ أحدٍ آخر، والمعتدلون قد يجدون في جرأة أهل الغلو وسلاطة ألسنتهم وإقدامهم على تجريح مخالفيهم ما يدعوه إلى الانكماش والانطواء، ويُثبّطه عن الإنكار؛ وآنذاك يخلو الجو للشيطان ليلعب في عقل ذلك المغالي وقلبه ونفسه، ويسوقه نحو الهلاك ونحو تدمير مقوّمات الاعتدال والوسط في مجتمعه وفي أُمَّته.
جنبا إلى جنب
والمسلمون والمسيحيّون في العراق وفي الشام وفي مصر والسودان والبلدان المغاربيَّة وغيرها عاشوا مع المسلمين جنبًا إلى جنب، ولقد اختبر المسلمون في منطقتنا وزلزلوا زلزالاً شديدًا أثناء حروب الفرنجة التي استمرت مئتي عام، ومع أنَّ الفرنجة قد سمّوا تلك الحروب بالحروب الصليبيَّة؛ طمعًا في كسب نصارى المنطقة، وتحويلهم إلى طابورٍ خامس -كما يُقال- لكنّهم لم يفلحوا ووجدوا من نصارى المنطقة رفضًا، بل زادهم ذلك التصاقًا بالمسلمين جيرانهم وإخوانهم، وقاتل كثيرون مع المسلمين أولئك الغزاة الذين جاءوا ليحتلوا البلاد ويسبوا العباد ويسيطروا على القدس وما جاورها من أرضٍ بارك الله حولها. والمسلمون عرفوا لجيرانهم ذلك الحق، واعتزوا به، ولم ينظروا للمنتمين إلى هذه الديار إلا نظرة إخاء ومودة، فبادلوهم صداقة بصداقة، وولاء بولاء، ووفاء بوفاء.
وقد استمرت الوحدة قائمة رغم تلك الأعاصير وذلك التحدي الكبير. وحين حدث الاستعمار، وانتُهكت ديار المسلمين، وحاول المستعمرون أن يجدوا ثغراتٍ -مثل ثغرة اختلاف الدين- لينفذوا منها، لم يجدوا إلا عددًا قليلاً وفي بلدانٍ معيّنة، ليس منها مصر ولا بلاد الشام، ومع ذلك فقد كانت هناك أدبيّات تظهر بين الحين والآخر في ظروفٍ تاريخيّة معيّنة يغلب أن تكون ظروف حروب وتوتر واختلاف وغزوٍ خارجي، تظهر أدبيّات لا تخلو من ثقافة كراهية، تعمل على زرع الحظر والخوف، بحيث يبدأ الأخ في الحذر من أخيه والشك فيه، وتبدأ الروابط التي كانت وثيقة ف الانهيار والتآكل؛ لتفسح مكانها لأنواعٍ من البغضاء وانعدام الثقة ومشاعر الشك، لتحقق للشيطان وأعوانه أهدافهم في تفكيك الروابط وإغراء بعض الناس في البعض.
ففي مرحلةٍ من المراحل كتب الشيخ ابن تيميّة -يرحمه الله- كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم»، وكتب بعض الناس كتاب «الصواب في قبح استكتاب أهل الكتاب»، وكتب ثالث «النهي عن الاستعانة والاستنصار في أمور المسلمين بأهل الذمة والكفار»، وقد عُنيتُ في فترةٍ زمنيّة معيّنة بتتبع هذا النوع من الكتابات، فوجدتها كتاباتٍ وأدبيّاتٍ تصدر عن كتّاب من مختلف الطوائف داخل الكيان الاجتماعي الواحد؛ لتحذير طائفة من الطوائف الأخرى، أو بذر بذور الشك وإيجاد أزمة ثقة بين مكوّنات كيانٍ واحد؛ ولذلك فقد اعتبرت تلك الكتب والدراسات -سواء صدرت عن علماء مسلمين أو كتّاب من النصارى أو غيرهم- أنّها أدبيّات مرحلة معيّنة أملتها ظروفٌ جعلت كل طائفة تحاول أن تحيط نفسها بحاجز نفسي يفصل بينها وبين طوائف المواطنين الأخرى، وأنَّ هذه الأدبيّات حين تُقرأ خارج سياقها الزمنيّ والتاريخيّ فإنّها تؤدي إلى إيجاد ثقافة غلوٍّ ورفض الفئات الغالية بما يسوّغ لها غلوّها فيما هي عليه، وربما يسوّغ لها أن تضطهد الطوائف الأخرى وتجور عليها إذا كانت في موضع القدرة، وذلك كفيلٌ بتفكيك الكيانات، وتدمير الدول، وإعانة الشيطان على الإنسان بدفعه إلى الفتنة والدخول في مجالات الاحتراب.
كلكم لآدم، وآدم من تراب
إنَّه ما من بلدٍ من بلداننا العربيّة والإسلاميّة إلا وفيه أقليّاتٌ دينيّة أو مذهبيّة أو عِرقيّة أو سواها، يجمع الجميع في هذه الحالة "كلكم لآدم، وآدم من تراب"، و"لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، فتصبح الأمّة مطالبة بإيجاد ثقافةٍ تثقّف أجيالها بها من رياض الأطفال إلى أعلى المستويات، تقوم على مبدأ "كلكم لآدم وآدم من تراب"، وعلى مبدأ "يا أيها الناس..."، ومبدأ "ادخلوا في السلم كافة"، ومبدأ "دعوا العصبيات فإنّها منتنة"، ثقافة تستطيع -بما تشتمل عليه من مكوّنات- أن تُخرج الناس من ظلمات الغلوّ والتعصُّب إلى نور الاعتدال والتآخي، ثقافة تنظر للإنسان على أنّه كفؤٌ لأيّ إنسان آخر في الإنسانيّة والآدميّة، وأنّه لا يقلل من قيمة الإنسان إلا انحرافاته الأخلاقيّة والسلوكيّة، وطرائق تعامله مع الآخرين ونظرته إليهم، واستعلاؤه عليهم واستبداده بشأنهم، فإذا لم يكن على هذه الصورة فاختلافاتنا الأخرى معه -في اللغة أو العرق أو المذهب أو الدين- اختلافات تنوّع لا تضاد، تقتضي مزيدًا من الفهم من كلٍ لسواه، ومزيدًا من الوعي، ومزيدًا من التقوى والبر.
إنّ منطقتنا العربيّة بالذات تواجه تحديًا في غاية الخطورة، وهو تحدٍ يحتاج إلى طاقات الأُمَّة كلها ووعي الأُمَّة جميعها بما يُدبّر ويُحاك ويُهيأ لها، فهناك كيانٌ غريب تم زرعه في هذه المنطقة كرهًا، فحُمِل كرهًا ووُلِد كرهًا وعاش كرهًا، هذا الكيان قد وُلِد ولادةً قيصرية شائهة، وُلِد وهو يعتقد أنَّ أمنه وسلامته، بل وحياته ووجوده، لا يمكن تحققها، أو حمايتها بعد تحققها، إلا بتفريق مَنْ حوله وتمزيقهم، وإثارة الفتن بينهم، وإيجاد الفوضى بأنواعها، خاصةً تلك التي يُسمّيها بـ«الخلّاقة»، فتلك كلها بالنسبة له أمورٌ لابد منها لكي يستطيع أن يحيا حياةً تستجيب لطموحاته وتلبّي له احتياجاته، فإن لم يعِ الجيران المحيطون بهذا الكيان لهذه الحقيقة فسوف يُصدّر إليهم -بأخبث الوسائل وأخطر الأساليب- المشكلة تلو الأخرى، مستغلاً أجواء التوتر، مسخّرًا الغلو والأحقاد والغفلة عن الشياطين لينفث سمومه تحت شعارات مختلفة وبأسماء مختلفة. إنّ كياناتنا الاجتماعيّة هذه أحوج ما تكون إلى تحصين جبهاتها الداخليّة، وحمايتها من أي اختراق خارجي مهما يكن، والمخترِق هذه المرة شيطانٌ إنسيّ، يتعاون مع شيطان آخر ليفسد كل شيء، فهم يسعون في الأرض فسادًا، لا يرقبون في أحدٍ إلًّا ولا ذمّة، لم يتـركوا لنا وطنًا واحدًا آمنًا مستقرًّا، يسعون لتدمير الجميع، ولا يمكن مواجهة هذا الخطر إلا بإعادة بناء كياناتنا الاجتماعيّة وتعزيز وحدتِها، وتحصين جبهاتها كلها، والحيلولة دون أيّة عمليّة اختراق يريد هؤلاء القيام بها واستثمارها.
المصدر.. صاحب المصلحة!
إنَّ ما حدث للكنائس العراقيّة، وما حدث في الاسكندريّة، وما قد يحدث في أي بلدٍ آخر صادرٌ عن مصدرٍ واحد، هو صاحب المصلحة في كل ما حدث وما قد يحدث؛ ولذلك ينبغي أن توجّه جميع المشاعر السلبيّة نحو ذلك المصدر الحقيقيّ.
إنَّ الهياج لن ينفع في معالجة هذه الأحوال، فالهياج يحوّل الأمر إلى نوعٍ من مصارعة الثيران، فالثور قويٌّ ولا شك، وهو أقوى من المصارع دون ريب، ولكنّ المصارع -بحكم إتقانه لمصارعة الثيران وخبرته وتجاربه- يجعل الثور بعد أن يُهيّجه ويتجه نحو الخرق التي يفردها أمامه، وهي خرقٌ لا قيمة لها، ولا يستطيع الثور أن ينتقم من المصارع بنطح تلك الخرق التي ينشرها، والمصارع -في النهاية- سوف يجعل قوى الثور تخور، ويوصّله إلى مستوى الانهيار، ثم يجهز عليه ويعلن انتصاره، مع أنّ الثور -من حيث القوة الجسديّة- أقوى بكثير من ذلك المصارع، فلو استطعنا -في ظروف المحن كتلك- أن نوجّه الهياج والغضب باتجاه مَن يستحقه، وباتجاه مَن دبّر الفتنة وأثارها -لا باتجاه الخِرَق التي يفردها في وجه الثور لينطحها- لاستطعنا أن نوقف هذه المحاولات، ونحرم هؤلاء الأعداء والخصوم من أن يسجّلوا علينا أي انتصار لا يستحقونه.
إنَّ المستفيد من تدمير الروابط بين المسلمين والنصارى في بلادنا العربية هو الكيان الطارئ، المزروع كرهًا، والموجود كرهًا، فلا ينبغي أن نخسر عدّة مرات؛ فنخسر وحدتنا ونخسر في عمليّة الاهتداء إلى مثيري الفتنة ومدبري المشكلات لكياناتنا العربيّة المسلمة.
توقيت شيطاني
إنّ التوقيت الذي اختاره الشياطين المدبرون للاعتداء على الكنيسة في الاسكندرية توقيت في غاية الخطورة، وفيه رسالة كامنة لا بدّ أن نحسن قرائتها، فالتوقيت يجري قبل استفتاء جنوب السودان على الانفصال بأيام قلائل والطبول تدق لتحقيق انفصال لن يكون في مصلحة أحد لا في السودان ولا في خارجه؛ إلا ذلك الكيان المزروع كرهًا، وكأنّه يقول لأتباع الكنيسة المصريّة القبطيّة الذين اتخذت قيادتهم من ذلك الكيان موقفًا مشرفًا يريد أن يقول لهم: انظروا إلى ما يحدث في السودان وإنّكم مهما فعلتم قد تجدون أنفسكم مقتنعين بأنّ هؤلاء المسلمين لا يمكن التعايش معهم، وأن الانفصال عنهم والبعد عنهم غنيمة وحلّ لهذا النوع من المشكلات، فاستوعبوا الدرس وخذوا الأمر من بدايته لتتجنّبوا مزيدًا من الخسائر. فهي لحظة تاريخيّة خطيرة أراد هؤلاء الشياطين أن يوجّهوا فيها هذه الرسالة.
إنّ جميع أبناء مصر ومؤسساتها الدينيّة والمدنيّة مطالبة برفع درجة الوعي في هذه اللحظات التاريخيّة وتحصين الجبهة الداخليّة وتدعيم الوحدة الوطنيّة بكل وسائل التدعيم والتحصين للحيلولة دون هؤلاء الشياطين واختراق هذه الجبهة.
تعازينا إلى ذوي الضحايا في بغداد والموصل والإسكندرية وغيرها. سائلين العليّ القدير أن يُجنّب مصر العزيزة وسائر بلاد المسلمين وسائر البلاد العربيّة الفتنَ والمحنَ وعوامل التمزّق، إنّه سميعٌ مجيب.
أون إسلام تطلق موقع "مصريون معاً" لدعم العيش المشترك
تجاوبًا مع دعوة شيخ الأزهر وبتنفيذ فريق تحرير إسلامي مسيحي
أون إسلام تطلق موقع "مصريون معاً" لدعم العيش المشترك
تجاوبا مع دعوة الإمام الأكبر، شيخ الأزهر د.أحمد الطيب بإطلاق مشروع بيت العائلة المصرية، تعتزم بوابة "أون إسلام" OnIslam.net إطلاق أول موقع على الإنترنت يهتم بتعزيز "الحياة المشتركة" بين عنصرى الأمة المصرية، وذلك تزامنا مع احتفال أقباط مصر بذكرى الميلاد المجيد للسيد المسيح –عليه السلام– فى السابع من يناير الجارى، وهى المبادرة التى عبرت رموز إسلامية ومسيحية مصرية عن دعمها الكامل لها.وتأتى هذه المبادرة رغبة من شبكة "أون إسلام" فى تعزيز مفهوم "العيش الواحد" والحياة المشتركة بين مسلمى مصر ومسيحييها، وانسجاما مع حالة الإجماع الوطنى والإصرار على تدعيم قيم الوحدة المصرية التى كشفت عنها ردود الأفعال عقب حادث الاعتداء على كنيسة "القديسين" بالإسكندرية مع اللحظات الأولى للعام 2011.ويهدف الموقع الذى سيحمل شعار "مصريون معا" لتقديم أرضية مناسبة وملتقيات مشتركة من أجل صناعة حالة من التوافق على قضايا الوطن، والتصدى لما يهدد وحدته.كذلك يأتى الموقع الذى ينطلق للجمهور على فضاء الإنترنت الجمعة 7-1-2011 فى نسخة أولية، استجابة لما اقترحه المثقف المصرى "د.سمير مرقص" من تأسيس فورى لوقفية باسم "الحياة المشتركة" تعنى بتكريس مفاهيم المواطنة والشراكة المصيرية فى الوطن.ويحظى المشروع بدعم كبير وتأييد من شخصيات ورموز مصرية مثل المستشار طارق البشرى، د.حنا جريس، د.نبيل عبد الفتاح، والكاتب الصحفى سعد هجرس، د.رفيق حبيب، والباحث سامح فوزى... وغيرهم.ومن جهته أكد الأنبا موسى، أسقف الشباب بالكنيسة الأرثوذكسية، دعمه الكامل للمبادرة ودورها فى تكريس خطاب المحبة بين المصريين جميعا، والتصدى للأخطار التى تتربص بالوطن بأكمله. الوحدة.. حالة معرفية وبحسب هشام جعفر، رئيس مجلس أمناء جمعية "مدى" للتنمية الإعلامية المالكة لبوابة "أون إسلام"، فإن موقع "مصريون معا" سيعمل للحفاظ على الوحدة الوطنية ودعم الحياة المشتركة وصيانتها بين المسيحيين والمسلمين عبر محاور عديدة، منها:• إحياء رابطة المواطنة وتفعيل شراكة المواطن، واعتبار ذلك مشروعا قوميا.
• التعارف العلمى لتصحيح المعلومات الخاطئة وإزاحة الصور الظالمة.• إبراز كل ما هو مشترك وموحد فى كافة المجالات: الأخلاق والقيم – العادات – التاريخ – الثقافة والفنون والآداب -...إلخ. • حوار عقلانى منضبط، يجلى الأزمات ويعترف بالأخطاء ويلتمس الحلول. • نشر وتوثيق أدبيات العيش المشترك – أو الواحد. • تقديم تجارب العيش المشترك فى الحالة المصرية. • إشاعة ثقافة العيش المشترك بين الجمهور العام، وعدم الاقتصار على نخب المثقفين.ويتابع: الموقع الذى سيديره فريق مهنى مسيحى إسلامى مشترك يهدف إلى تحويل حالة التعاطف التى كشف عنها حادث "رأس السنة" بوضوح فى ردود أفعال غالبية المصريين إلى حالة معرفية، تؤسس لفكرة الشراكة فى الوطن، فى ظل الدولة المدنية.ويضيف جعفر: ستعنى أقسام الموقع المختلفة بصناعة حالة من الحوار والتوافق، ودحض الأفكار السلبية سابقة التجهيز لدى الجانبين، إضافة إلى عرض نماذج إيجابية لتجارب ناجحة فى العيش المشترك بين مسلمين ومسيحيين مصريين.ووفقا لـ "عبد الله الطحاوى، المشرف على الموقع، ستكون شبكة الإنترنت منصة أولية لإطلاق الفكرة ودعمها قبل أن يتحول لمشروع ثقافى إعلامى تتعدد وسائطه ووسائله من الكتاب المطبوع وحتى الرسائل الإلكترونية القصيرة، حتى يصل إلى أكبر عدد من العقول لنشر ثقافة الحياة المشتركة والمصير الواحد.
أون إسلام تطلق موقع "مصريون معاً" لدعم العيش المشترك
تجاوبا مع دعوة الإمام الأكبر، شيخ الأزهر د.أحمد الطيب بإطلاق مشروع بيت العائلة المصرية، تعتزم بوابة "أون إسلام" OnIslam.net إطلاق أول موقع على الإنترنت يهتم بتعزيز "الحياة المشتركة" بين عنصرى الأمة المصرية، وذلك تزامنا مع احتفال أقباط مصر بذكرى الميلاد المجيد للسيد المسيح –عليه السلام– فى السابع من يناير الجارى، وهى المبادرة التى عبرت رموز إسلامية ومسيحية مصرية عن دعمها الكامل لها.وتأتى هذه المبادرة رغبة من شبكة "أون إسلام" فى تعزيز مفهوم "العيش الواحد" والحياة المشتركة بين مسلمى مصر ومسيحييها، وانسجاما مع حالة الإجماع الوطنى والإصرار على تدعيم قيم الوحدة المصرية التى كشفت عنها ردود الأفعال عقب حادث الاعتداء على كنيسة "القديسين" بالإسكندرية مع اللحظات الأولى للعام 2011.ويهدف الموقع الذى سيحمل شعار "مصريون معا" لتقديم أرضية مناسبة وملتقيات مشتركة من أجل صناعة حالة من التوافق على قضايا الوطن، والتصدى لما يهدد وحدته.كذلك يأتى الموقع الذى ينطلق للجمهور على فضاء الإنترنت الجمعة 7-1-2011 فى نسخة أولية، استجابة لما اقترحه المثقف المصرى "د.سمير مرقص" من تأسيس فورى لوقفية باسم "الحياة المشتركة" تعنى بتكريس مفاهيم المواطنة والشراكة المصيرية فى الوطن.ويحظى المشروع بدعم كبير وتأييد من شخصيات ورموز مصرية مثل المستشار طارق البشرى، د.حنا جريس، د.نبيل عبد الفتاح، والكاتب الصحفى سعد هجرس، د.رفيق حبيب، والباحث سامح فوزى... وغيرهم.ومن جهته أكد الأنبا موسى، أسقف الشباب بالكنيسة الأرثوذكسية، دعمه الكامل للمبادرة ودورها فى تكريس خطاب المحبة بين المصريين جميعا، والتصدى للأخطار التى تتربص بالوطن بأكمله. الوحدة.. حالة معرفية وبحسب هشام جعفر، رئيس مجلس أمناء جمعية "مدى" للتنمية الإعلامية المالكة لبوابة "أون إسلام"، فإن موقع "مصريون معا" سيعمل للحفاظ على الوحدة الوطنية ودعم الحياة المشتركة وصيانتها بين المسيحيين والمسلمين عبر محاور عديدة، منها:• إحياء رابطة المواطنة وتفعيل شراكة المواطن، واعتبار ذلك مشروعا قوميا.
• التعارف العلمى لتصحيح المعلومات الخاطئة وإزاحة الصور الظالمة.• إبراز كل ما هو مشترك وموحد فى كافة المجالات: الأخلاق والقيم – العادات – التاريخ – الثقافة والفنون والآداب -...إلخ. • حوار عقلانى منضبط، يجلى الأزمات ويعترف بالأخطاء ويلتمس الحلول. • نشر وتوثيق أدبيات العيش المشترك – أو الواحد. • تقديم تجارب العيش المشترك فى الحالة المصرية. • إشاعة ثقافة العيش المشترك بين الجمهور العام، وعدم الاقتصار على نخب المثقفين.ويتابع: الموقع الذى سيديره فريق مهنى مسيحى إسلامى مشترك يهدف إلى تحويل حالة التعاطف التى كشف عنها حادث "رأس السنة" بوضوح فى ردود أفعال غالبية المصريين إلى حالة معرفية، تؤسس لفكرة الشراكة فى الوطن، فى ظل الدولة المدنية.ويضيف جعفر: ستعنى أقسام الموقع المختلفة بصناعة حالة من الحوار والتوافق، ودحض الأفكار السلبية سابقة التجهيز لدى الجانبين، إضافة إلى عرض نماذج إيجابية لتجارب ناجحة فى العيش المشترك بين مسلمين ومسيحيين مصريين.ووفقا لـ "عبد الله الطحاوى، المشرف على الموقع، ستكون شبكة الإنترنت منصة أولية لإطلاق الفكرة ودعمها قبل أن يتحول لمشروع ثقافى إعلامى تتعدد وسائطه ووسائله من الكتاب المطبوع وحتى الرسائل الإلكترونية القصيرة، حتى يصل إلى أكبر عدد من العقول لنشر ثقافة الحياة المشتركة والمصير الواحد.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)