السبت، 14 مايو 2011

رسالة مفتوحة من علماء سوريا

بسم الله الرحمن الرحيم
انطلاقاً من تقديرنا للظرف الاستثنائي الذي تمر به بلادنا، وانطلاقاً من إدراكنا أن الوطن موئل جميع المواطنين على اختلاف مللهم و نحلهم، وأن الحفاظ على أمنه وكرامته منوط بكل سوري حر، ومع اتساع حجم الأزمة المريرة التي نمر بها، وانطلاقاً من إدراكنا أن الخروج من الأزمة لم يعد حكراً على أجهزة الأمن ومؤسسات الدولة اللتين زادتا الأمر تعقيداً، وحرصاً منا على الدماء الزكية أن تُراق ظلماً وعدواناً ثمناً للكلمة، انطلاقاً من كل ما سبق، فإننا نبين ما يلي:
1. ندعو الله سبحانه و تعالى أن يرحم الشهداء الذين سقطوا في هذه الأحداث، وأن يفرغ على أهلهم و ذويهم الصبر والسلوان، وأن يتقبلهم في الصالحين.
2. التأكيد على أن سوريا هي بيت واحد لجميع أبنائها على اختلاف انتماءاتهم الدينية والطائفية والعرقية، وينبغي العمل على جعل هذا التنوع مصدر ثراء لثقافة المجتمع السوري، وأن لا كرامة لأحد فوق أحد إلا بالعمل الصالح.
3. نؤكد على مطالب وحقوق الشعب باختلاف أطيافه، وأبرزها:
أ‌. الرفع الفعلي لحالة الطوارئ باختلاف صورها و مسمياتها وسلوكياتها، وذلك بعدما بدت مظاهر عدم تطبيق المرسوم الصادر برفعها بالدماء والاعتقالات التي ازدادت في الأيام الأخيرة.
ب‌. البعد عن التعرض لحرية المواطن وكرامته، وعدّ المواطنة اساساً للحقوق والواجبات، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، والحد من صلاحيات الأجهزة الأمنية وكف أيديهم عن التدخل في كل صغيرة وكبيرة.
ت‌. إطلاق سراح معتقلي الكلمة والرأي، ممن أوقفوا قديماً أو حديثاً، والسماح للمبعدين بالعودة إلى الوطن، وللممنوعين بغير مذكرة قضائية بالسفر متى شاؤوا.
ث‌. تعديل كل فقرة تشريعية تقف عائقاً في وجه الشعب وحقوقه، كإلغاء المادة الثامنة من الدستور.
ج‌. عدم التعرض للتظاهر السلمي بضمانة الدستور، والاكتفاء بإبلاغ وزارة الداخلية عن التظاهر السلمي دون ربطه بموافقتها.
ح‌. إدانة المتورطين بالعنف ضد المواطنين، ومحاسبتهم بصورة علنية تهدئ من غضب ذوي الشهداء المقتولين برصاصهم، وتحميل المسؤولية لكل الجهات الأمنية التي تتحرك في البلد من أقصاها إلى أقصاها، والمسؤولية عن حماية أرواح المواطنين وحقن دمائهم.
خ‌. تحقيق مبدأ استقلالية القضاء وسيادة القانون، وبسط سلطة القضاء على الأجهزة الأمنية كافة، وإلغاء القوانين والمراسيم التي تخالف ذلك.
د‌. على الجهات الإعلامية تحري الدقة والموضوعية في نشر الأخبار.
ذ‌. إطلاق حرية التعبير والصحافة والنشر والإعلام.
4. في ظرفنا العصيب هناك خطوط حمراء يسعى أعداء الشعب والأمّة إلى إجهاض مطالباته من خلالها، ويكيدون للأمة عن طريقها، لذلك نؤكد على ضرورة الانتباه إلى تلك الخطوط وعدم التعرض لأي منها، وهي:
أ‌. الدماء: قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).
ب‌. التخريب للمال العام أو الخاص: لقوله صلى الله عليه وسلم: كلّ المسلم على المسلم حرام: دمُه ومالهُ وعِرضٌه.
ت‌. إثارة النعرات الطائفية: وهي أشد ما يفتك بالأمة على اختلاف فئاتها.
إننا ننبه إلى عدم الاقتراب من هذه الخطوط من جانب شرعي من جهة، وتمتيناً لجبهتنا الداخلية، ودفعاً لفتنة يُسعى إلى إيقاع البلد فيها من جهة أخرى.
نأمل أن تقع كلماتنا موقع الجديّة التي تستحقها، لنستطيع الخروج من هذه الأزمة بسلام، فالدماء التي نزفت، والاحتقان المتراكم في الصدور، لا تذهبه وعود وتأجيلات، بل سعي حقيقي وفوري، وسنكون لذلك سنداً وعوناً بإذن الله تعالى.

بيان لمثقفين عرب حول أحداث سوريا

انطلقت في سورية منذ 15 مارس 2011 مسيرات سلمية تطالب بالحرية في معظم المدن والنواحي السورية. وقد قابلت السلطات السورية هذا الحراك الشعبي السلمي بحملة قمع لا مثيل لها، فتصدت للمحتجين بالرصاص الحي وقتلت المئات وشردت الآلاف واعتقلت كل من تشك في مشاركته أو تعاطفه مع مطالب المحتجين.

وبعد مرور ستة أسابيع على هذه الحملة، صعدت السلطات السورية من سياستها القمعية فحاصرت المدن وعزلتها عن العالم من أجل ترويع المواطنين وإجبارهم على الخضوع. هذا في الوقت الذي لم يُظهر النظام السوري أي إرادة واضحة في الاستجابة ولو للحد الأدنى من مطالب المحتجين السلميين.

إن الموقعين على هذا البيان، إذ يدينون الحملة القمعية التي تواجه بها السلطة المواطنين السوريين المحتجين، وينددون بالممارسات غير الإنسانية للأجهزة الأمنية التي سممت الحياة المدنية والسياسية العربية، يؤكدون تأييدهم وتضامنهم مع إخوتهم أبطال الحرية، ويعلنون:
ضرورة وقف كل عمليات القمع فورًا، وفي مقدمتها إطلاق الرصاص الحي على المحتجين السلميين، والسماح للشعب بالتعبير عن نفسه من خلال مسيرات شعبية سلمية وحماية هذه المسيرات.الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالشعب السوري كمصدر للسلطة وحقه في المشاركة في حياة سياسية طبيعية واختيار ممثليه بحرية ومن خلال انتخابات دورية ونزيهة وشفافة. الدعوة إلى بدء الحوار الوطني بمشاركة جميع الأطراف، في السلطة والمعارضة، خاصة مع ممثلي حركة الاحتجاج الديمقراطي، من أجل التوصل إلى اتفاق يسمح بالانتقال السلمي إلى نظام ديمقراطي يضمن حقوق الجميع في الحرية والعدالة والمساواة ويجنب سورية الحبيبة مخاطر الصراعات الدامية والحروب الأهلية.الحفاظ على دور سورية الطليعي في مقاومة السيطرة الأجنبية وسياسات التدخل الخارجية يستدعي اليوم أكثر من أي وقت سابق ضمان وحدة الشعب وكرامته وحرياته. والبدء بإصلاحات جذرية تزيل أسباب الانقسام والتوتر والنزاع التي تهدد مكتسبات الشعب السوري وتهيئ للتدخلات لخارجية التي سيكون النظام وحده مسؤولاً عنها.الكف عن العزف على وتر الطائفية وعن توظيفها في خدمة أغراض السلطة، والتأكيد على أن التنوع الطائفي والمذهبي هو جزء لا يتجزأ من هوية سورية، وأن وجودها حتى اليوم هو البرهان على عمق الروح المدنية التي تميز أبناءها وتجعل من التعدد الاثني والطائفي ثروة وطنية.
ويدعو الموقعون على هذا البيان جامعة الدول العربية والمنظمات الحقوقية إلى ممارسة مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية وأخذ المبادرة من أجل حقن الدماء ووقف الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وحث الحكومة السورية على احترام حقوق الشعب وأمنه .

9-5-2011

الموقعون:

د. برهان غليون (مفكر سوري)- د. محمد عمارة (مفكر مصري)- د. بشير نافع (مؤرخ فلسطيني)
د. حسن حنفي (مفكر مصري)-د. رضوان السيد (مفكر لبناني)-د. سعيد بن سعيد العلوي (مفكر مغربي)-
د. جلال أمين (مفكر مصري)-ياسين الحاج صالح (كاتب سوري)-إبراهيم نصر الله (روائي فلسطيني – الأردن)-
د. معتز الخطيب (أستاذ الدراسات الإسلامية - سورية)-د. رياض الشعيبي (أستاذ فلسفة تونس)-
د. طارق الكحلاوي، (جامعي تونسي مقيم في الولايات المتحدة)-د. مصطفى اللباد (مدير مركز الشرق- مصر)-
د. مازن النجار (كاتب فلسطيني)-د. سمير مرقص (كاتب مصري)-جمال سلطان (مدير صحيقة المصريون الالكترونية)- تقادم الخطيب (مدرس جامعي مصري وأحد نشطاء ثورة 25 يناير) د. باسم خفاجي (وكيل مؤسسي حزب التنمية المصري)- د. احميدة النيفر (أكاديمي تونسي – جامعة الزيتونة)- هشام جعفر (كاتب مصري)-
نبيل شبيب (كاتب فلسطيني – ألمانيا)- لطفي زيتون (إعلامي تونسي)

الأربعاء، 11 مايو 2011

أنا أو الحرب الأهليّة

خالد صاغية
يراد للعدوى التي نقلتها مصر إلى العالم العربي أن تتّخذ مساراً معاكساً. فيجري التبسّم بخبث لدى تفجير دار للعبادة في حيّ إمبابة، للإيحاء بأنّ هذا هو المصير البائس الذي ينتظر الشعوب التي تتجرّأ على أنظمتها الديكتاتوريّة. يعود شعار «أنا أو الحرب الأهليّة» ليطلّ برأسه من جديد لحماية ما بقي من أنظمة لم تهوِ بعد. وفي سبيل ذلك، يُستحضَر «الوحش» التكفيري تحت أسماء مختلفة. وما لا تستحضره الأنظمة، ترفدها به نظريّات استشراقيّة عن طبائع العرب، ساءها أن تكون الثورات الأخيرة قد حوّلتها إلى نوع من النفايات الأكاديميّة.

لنضع المبالغات التكفيريّة والاستشراق الأكاديمي جانباً. ثمّة مسألة أساسيّة ينبغي على الثورات العربيّة أن تأخذها في الاعتبار: رغم كلّ القمع الذي مارسته هذه الأنظمة، لم تتمكّن من الهيمنة على المجتمع. الدولة نفسها لم تستطع الحلول محلّ الكثير من التشكيلات الما قبل دولتيّة كالطوائف والعشائر. قمعتها بقسوة في بعض الأوقات، ودخلت معها في صفقات ذات وجوه متعدّدة في أوقات أخرى، تاركة لها الأحوال الشخصيّة حيناً، وسياسات تربويّة حيناً آخر، وإدارة أجزاء كاملة من الوطن في أحيان ثالثة... إسقاط الأنظمة الحالية يطرح مشكلة تعاقديّة من نوع آخر مع تلك التشكيلات التي لا تتأثّر بناها سلباً بانهيار النظام. لا بل قد تسعى إلى استغلال هذه اللحظة من أجل توسيع رقعة نفوذها. لكن، في جميع الأحوال، لا يمكن النظر إلى هذه البنى كعائق أمام الثورات أو السماح بتحويلها إلى «فزّاعة» تمنع سقوط الديكتاتوريّات.

حين تنتصر الثورة، أيّ ثورة، لا تصبح الحياة فجأة لونها «بمبي». لم يحصل ذلك في الثورات الكبرى، في روسيا أو فرنسا مثلاً، ولن يحصل في العالم العربي. وأبطال الثورات والمشاركون فيها لا ينتهي عملهم لحظة سقوط النظام، بل يبدأ عملهم في تلك اللحظة. لا معنى للديموقراطيّة ما لم يعدّ المطالبون بالمشاركة في السلطة أنفسَهم للمشاركة في السلطة فعلاً. والربيع الديموقراطي الذي لن يترسّخ بين ليلة وضحاها، ستسبقه رياح خريفيّة عديدة. المهمّ أنّ الشباب العرب الذين يخاطرون بحياتهم اليوم، يعرفون جيّداً أنّ الربيع آتٍ لا محالة.

الثلاثاء، 10 مايو 2011

الخوف على سوريا

نهلة الشهال
يبدو جلياً أن العقلية التي انتصرت داخل النظام السوري تنتمي الى النسق الذي قاد فيما مضى مجزرة حماة وسحق بالدبابات عدة ألوف من الناس. ربما كان العكس مفاجئاً إن لم يكن مستحيلاً. فاستجابات السلطات، كما أدواتها، جزء أصيل من مكوناتها، وهي تُبنى وتترسخ مع الزمن، فتستحيل نوعاً من المسلك الجبري. وهكذا هو القمع، مكون أساسي من مكونات بنية النظام السوري. وهو محاط بآلة كاملة من التبريرات، على رأسها الادّعاء الدائم بوجود مؤامرة أو استهداف، وهما اليوم وفي الاحداث الجارية موجودان، ولهما مؤشرات وبراهين، منها تدخلات من دول مجاورة، وإن كانت سرية أو ملموسة أو ميدانية. وتحفز هذه التدخلات حسابات متنوعة، بعضها سياسي يأمل بمكاسب معينة يمكن للنظام الحالي ان يؤديها له، أو يذهب أبعد من ذلك، فيراهن على تسهيل وقوع السلطة في قبضة أخرى، وبعضها قد يكون بصدد تقديم خدمات لأميركا واسرائيل، وآخرون يقومون بهذه المناسبة بتصفية حسابات قديمة، وهناك دعم أميركي لوجستي ومالي وسياسي لبعض القوى السورية المعارضة، وهناك السيد بيلمار الذي أعلن فجأة عن تعديل جوهري على قراره الظني بخصوص اغتيال الحريري (نعم، هذا ما زال حياً ـ أقصد القرار الظني ـ وإن شاخت مفاعيله!) سيوسع على الأرجح دائرة الاتهام لسوريا من دون أن يسقط التهمة عن حزب الله... وكل ذلك ينتمي الى ما يقال له «الاصطياد في الماء العكر»، بينما الموضوع هو لماذا تكون عكراً يا هذا!
المؤامرة ولا شك موجودة، بل افتراض غيابها يُخرج الموقــف من التحــليل السيـاسي. فهذه وظيفة الأعداء. وهو ما قاله الرئيس بشار الاسد نفسه في آخر مداخلة علنية لـه. أما السؤال الفعلي فيتعلق بطبيعة التحرك الجاري في سوريا الذي تسقط نظرية المؤامرة أهميته أو تلحقه بها، بينما هو تحرك شعبي أصيل ومشروع. ويضاف الى حسناته أنه كسر حاجز خوف كان سميكاً للغاية، بل لعله الأكثر سماكة في العالم العربي. فهل حــماة قابلة للتكرار في عالم اليوم؟ وما المكان الذي سيختاره النظام لفعلته هذه، بينما التحركات الغاضبة تعم البلاد، وآخرها في قلب دمشق، التي لولا صمتها وموافقتها الضمنية في المرة السابقة لما أمكن ارتكاب حماة. وهل النظام اليوم هو نفسه ذاك الذي ارتكب حماة؟ الإجابات بالنفي تجعل من هذا «الخيار» بطاقة انتحارية، وليس أقل.
والمفجع هو أن النظام السوري يهدر بهذا مكانة كان ينفرد بها، تمــثل سنداً كان بإمـكانه أن يفتح أمامه بأمان ـ وإن نسبي بالطبع ـ خيارات أخرى. فهو النظام العربي الوحيد الذي احيط، عند بدء التحركات الشعبية في سوريا بمـناشدات تدعوه للــجرأة على الاصــلاح (لأنه حق للناس، ولأنه وسيلة لإنقاذ النظام!)، توالت من جهات متعددة، عبر أقلام كتاب وصحافيين، وعبر مبادرات قوى وحركات مناضلة. ومبعث تلك الاندفاعة، ذات الطبيعة الإنقـاذية في العمق، اعتبارات عدة على رأسها موقف السلطة في دمشق من مسألة الصراع مع إسرائيل. علماً أن في الاندفاعة تلك تغاضياً عن حذر دمشق من الانخراط المباشر في ذلك الصــراع، إلا أنه يشفع له دعمها للقوى التي تفعل، ويشفع له موقفها السـياسي الذي نجح في تحقـيق توازن بوجه الانبطاح العربي السائد في الفترة الماضية بكاملها. وهما أمران في غاية الأهمية، ولا يمكن الاستخفاف بهما.
كذلك استفاد النظام السوري من مواقــف داعمة أو ناصــحة أو متريثة، وذلك على المستوى العام: هناك المسعى التركي للمساعدة في تجـاوز الازمة، وتركـيا هي الجــار القــوي والمهم في حياة ســوريا، الذي عقد معها اتفــاقيات متعددة ، منها تلك الدفــاعية المشــتركة. وهناك الموقف الاوروبي الذي تريث في الادانة، ليس حباً ببشار الاسد، بل لمعرفته بالنتائج التي ستترتب على انهيار الوضع في سوريا، سواء على صعيد المعطيات الداخلية للبلد أو على صعيد مجمل المنطقة. فسيادة الفوضى في سوريا تطرح مسألة تأثيرها على بلدان مهتزة أصلاً كالعراق والاردن ولبنان، بل وحتى على اسرائيل، مما يفتح الافق أمام احتمالات كلها مخيف. ومسألة مصير المسيحيين تعني الدول الاوروبية، وقد شاهدنا الاضطهاد الذي تعرض له مسيحيو العراق، حيث هُجرتهم سائرة على قدم وساق، وهي أيضاً واحدة من النتائج المفجعة لانهيار الاوضاع في ذلك البلد.
بل، وربما كدليل على حس عال بالمسؤولية الوطنية، وبسبب إدراك عميق لتعقيد المعطيات القائمة، سواء منها المحلية ـ المرتبطة بطبيعة السلطة وبتكوين سوريا ـ أو تلك الاقليمية، وخوفاً من التفكك والتصارع والفوضى في بلد انصهاره الوطني هش، بدأت التحركات الشعبية والمطلبية «تصالحية»، لا تطالب بإسقاط النظام، بل تدعوه الى خطوات كلها بديهي ومحق، ولا يمكن لكائن عاقل الدفاع عن موقف الامتناع عنها بحجة الحفاظ على السيطرة والضبط والربط. فهذا المنحى يختزن اتهام الناس بالقصور الوطني، وبأنهم متى ما امتلكوا بعض الحرية، فسيسيئون استخدامها أو سيخونون، أو أن مطالبتهم بتدابير اقتصادية تخفف من نسبة من هم من بينهم تحت خط الفقر ـ ثلث السكان ـ بوجه شبكة كاملة ومتينة تقوم بنهب منظم لاقتصاد البلد، اعتداءً وتطاول على أولي النعمة.
لقد بددت السلطة في سوريا كل هذه المميزات، بل راحت تقرأها بطريقة خاطئة. فهي تعتبر أن اللحظة تفترض «التضامن» الكامل معها، ومن لا يفعل يصنَّف عدواً، وهو منطق يبدو عشائرياً ولكنه مبتذل، حيث يقوم التضامن العشائري نفسه على سنن وقوانين تضبط السلوكيات وتجعل العشيرة تكسر عصا مَن يخالف من أبنائها تلك السنن!
سيطول تداعي الوضع في سوريا، حاملاً معه كل يوم مزيداً من الدماء ومن الاعتقالات ومن مشاهد الدبابات التي تقتحم المدن، ومن فوات الأوان، ومن نزف كل الشرعيات... ومن صمت النظام إلا عن ترداد لغة محنطة، ومبررات وهمية لا يصدقها أحد، لازمتها هذه الاسطوانة المشروخة عن المؤامرة، مما لا يجدي ولا يغير من الامر شيئاً

الاثنين، 9 مايو 2011

مرحلة انتقالية حتمية!

ميشيل كيلو

مراحل الانتقال هي أصعب المراحل على الإطلاق، ليس فقط لأنه يكون هناك دوما تيار في السلطة يريد الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الأمر القائم، متجاهلا أنه تقادم وصار من الصعب بقاؤه، وتيار مقابل يريد الخلاص من «النظام القديم»، والوصول بسرعة إلى هدفه: النظام البديل، الجديد، واضعا في أحيان كثيرة اعتباراته ومشاعره الذاتية فوق مستلزمات الواقع الموضوعي وخصائص الحالة المشخصة التي يواجهها. وتتزايد مصاعب الانتقال ويتعاظم الصراع بقدر ما يمسك التيار الأول بقوى وأجهزة مسلحة تستطيع الحفاظ بالقوة العارية والعنف المنهجي على أمر قائم وجوده، مصلحة شخصية أيضا، بالنسبة إلى قادته، و«يكون» في الشارع جماهير وقوى مؤيدة للتيار الثاني، أو مستعدة، وإن بصورة عفوية، للذهاب في الاتجاه الذي يدعو إليه. ويشتد الصراع بدرجة كبيرة إذا كان ساد اقتناع عام لدى سادة الأمر القائم بأن من الصعب الحفاظ على جميع مفرداته القائمة ومن يمثلونها، وأن تغييره مسألة لا مهرب منها، تتطلب التخلي عن أجزاء تكوينية منه، يتوقف إنقاذ النظام على التخلص منها، فإما أن يتم تغييرها بأيدي الممسكين بزمامه، ليكون الانتقال بطيئا ومحدودا ويحقق هدفه: إنقاذ جوهر النظام وحلقاته القائدة، ويتم قطع الطريق على خصومه الراغبين في استبداله بنظام مغاير بنيويا له، يعني قيامه خسارة كل شيء. في هذا الصراع المتفاقم والمتعاظم الاحتدام، من المحال أن تبادر النخب الحاكمة إلى تبني موقف كموقف قيادات بلدان وسط وشرق أوروبا الاشتراكية، التي فهمت معنى الاحتجاج الشعبي والمجتمعي ضد نظامها، فقررت التخلي سلميا وطوعيا عن السلطة، بعد أن رأت بأم عينها استحالة الحفاظ عليها، ليس لأنه لم يكن لديها أنصار ومؤيدون، أو لعجزها عن فبركة مؤامرات تلصقها بالشعب، بل لإدراكها أن زمن السلطة التي تديرها مضى وانقضى، وأنها لن تلد غير الأزمات والمتاعب، وأن الحفاظ عليها محال دون مجازر ومذابح. هكذا، اندفعت بحرص فريد في نوعه على سلامة شعبها ووطنها إلى التخلي عن نظامها من فوق، بعد أن أيقنت أنه بلا سند من تحت، مكذبه بذلك أطروحة لماركس تقول: ما من طبقة تتخلى عن السلطة بمحض إرادتها.
وتزداد صعوبات الانتقال بقدر ما يكون النظام متقادما، لكن قادته لا يعون ذلك أو يرفضون القبول بنتائجه العملية، ويتوهمون أن بوسعهم التحايل سياسيا على الواقع، إن هم فوتوا بالعنف فرص تغييره بواسطة معارضيه ورافضيه، حتى إن كانوا أكثرية شعبية. في هذه الحالة، تنبع المشكلات من مفارقة تتسم بالتناقض، لها حدود ثلاثة: حد أول هو قوة التيار العنيف، الراغب في المحافظة على الأمر القائم، وضعف قوى التغيير داخل النظام نفسه، وحد ثان هو استحالة بقاء النظام على وضعه القائم، بسبب فواته وتلاشي شرعيته المتعاظم، وحد ثالث هو إيكال أمره إلى القوة والعنف، الذي يتصاعد بقدر ما يرغب كل طرف في التخلص من الآخر والقضاء عليه، علما بأن أحدهما منظم ومسلح، وثانيهما قليل التنظيم وغير مؤسسي، له مصلحة في تقييد العنف لأنه تقييده شرط نجاح مسعاه، الذي يتخلق في سياق ولادة قيصرية مؤلمة ومكلفة، تتجسد في انبثاق الجديد من القديم، خلال معركة موضوعها الرسمي تغيير محدود للنظام يتم في منطقة هوامشه البرانية، يبقي على هياكل وأبنية يمكّن استمرارها من احتواء التغيير أو تقويضه، أما الشعبي فتعبئة طاقات متزايدة القوة في شروط متزايدة الصعوبة، تقوي فرص مؤيدي العنف المضاد لعنف السلطة، مع ما يعنيه ذلك من تراجع في الزخم الشعبي السلمي، وتقليص لفرص التسوية بتقليص عدد أنصارها وتراجع دورهم لدى الجانبين. عند هذه النقطة، تستقل التطورات عن موازين القوى وتتجه نحو خيار صفري مهلك، يصعب أن يخرج أحد منتصرا منه، حتى إن نجح في القضاء على الآخر، ما دام انتصار التيار الأول لا ينفي الحاجة إلى التغيير، لاعتبارات قد لا تكون داخلية بالضرورة، تنبثق من الحاضنة الدولية التي تم بالأمس إنتاج النظام العربي القائم بمعونتها وفي إطارها، ويتم اليوم بموافقتها ودعمها إنتاج نظام عربي جديد لن يكون فيه مكان لنظام مغلق، مركزي واستبدادي، يحافظ أو يسعى إلى المحافظة على قوامه الحالي، الذي سيتعارض مع إعادة إنتاج النظام العالمي، وسينتج قدرا من التوتر والأزمات لا قبل له بإدارته، سيطبع وجوده بطابعه، وسيفضي إلى إضعافه وتجدد الممانعة الداخلية ضده، فضلا عن عزله وتفاقم تناقضه مع بيئته الإقليمية والقومية والدولية. السؤال الآن: إذا كان التغيير حتميا نتيجة استحالة الإبقاء على الأمر القائم على حاله الراهن، فلماذا لا يكون الهدف المباشر لجميع الأطراف، ويتم منذ البداية ودون عنف، بالتوافق السلمي الذي يراعي مصالح الجميع؟
لن يعفي الانتصار طرفا من أخذ واقع ومصالح الطرف الآخر بعين الاعتبار. لنفترض أن التيار الأول حقق نصرا كاسحا، وقضى بصورة كاملة على أي صوت شعبي أو معارض يطالب بالتغيير. هل سيمكنه الانتصار من الإبقاء على النظام الحالي؟ لن أعود هنا إلى العوامل الدولية، التي ستتحول إلى عنصر داخلي خطير، خاصة إن تم تطبيق العقوبات ضد النظام ورموزه، التي يتحدثون عنها في الغرب وكثير من دول الإقليم، وستلعب دورا متزايد الأهمية في أي صراع يبلغ درجة من الاحتجاز تتطلب تدخلا دوليا، كما يظهر من تجربة ليبيا، ربما أفضي إلى جعل التعريب / التدويل مخرج الأزمة الوحيد، كما في اليمن وربما لاحقا عندنا : في سوريا، حيث يمكن أن يقع التدخل، الذي لن يكون بالضرورة عسكريا في مراحله الأولى، رغم أي انتصار عسكري مهما كان كاسحا يحرزه النظام، ليضعه في مواجهة واقع يصعب التغلب عليه أو الخروج منه، إن واكبه حصار عربي، يقوم على تقويضه وتقليص قدراته الاقتصادية ودوره السياسي إلى درجة التهميش. سيقوم النظام بخطوات من شأنها امتصاص ما هو مطلوب من تغيير، في خطوات يراد لها أن تبدو وكأنها تنشد الحلول الوسط مع الآخر، علها تمكن الأمر القائم من إعادة إنتاج نفسه في صورة مختلفة، تشعر الطرف الآخر - أو توهمه - بأن مطالبه تتحقق وفق اعتبارات عليا يمليها «منطق الدولة» ! هذا يعني، عمليا، أن الحل الأمني لن يحقق المطلوب: الإبقاء على النظام في أكثر الأوضاع قربا من واقعه الراهن. وأنه سيكون هناك حاجة إلى استكماله بحل سياسي، سيكون التفافيا ووهميا إن تم بمفردات النظام وحده، واستعان بجهات من خارجه، محايدة أو مماثلة له في المصلحة والبنية، يعتقد أن دمجها فيه وتعاونها معه سيعيدان توسيع قاعدته المجتمعية العامة، التي ستضيق كثيرا في سياق تطبيق الحل الأمني وبسببه. في احتمال آخر، قد يمد النظام خيوطا إلى أطراف معارضة، إن هو خرج من عقلية «من ليس معنا فهو ضدنا»، ولا بد من أن يعاقب بالسجن أو بالإقصاء التام من الحياة العامة. في هاتين الحالتين، لن يخرج النظام من أزمته، التي ستستمر داخليا وستتفاقم في الحاضنة القومية والإقليمية والدولية، وستأخذ أشكالا أشد حدة وعمقا وإنهاكا من أزماته السابقة والحالية جميعها. بقول آخر: لن ينجح النظام في استعادة توازنه ووظيفيته بغير تحقيق ما هو جوهري من مطالب الشعب، وأهمها قاطبة مطلب الحرية والعدالة والمساواة، التي سيتيح له تحقيقها، إن تم بجدية وفي أجواء مصالحة وطنية عامة، انتقالا تدريجيا إلى حال انتقالي مغاير في مكوناته لواقعه الراهن، عندئذ سيطرح نفسه بقوة أكبر السؤال: ماذا أفاد الحل الأمني، ولماذا تم اعتماده أصلا، إذا كان سيؤدي إلى هذه النتائج، التي ستعني فشله؟
أصل الآن إلى الطرف الآخر: إنه لن يتمكن بدوره، ومهما فعل، من القضاء على النظام دفعة واحدة، حتى إن اسقط حكمه، فالنظام ليس فقط أشخاصا بعينهم، وإن بدا الأمر كذلك بالفعل، وهو ليس حكومة فقط، بل هو أيضا قاع مجتمعي وشعبي، وله حوامل لا يجوز أن يفكر عاقل أو محب لسوريا في التخلص منها أو تقييد دورها وإقصائها عن المشاركة الكاملة في الحياة العامة. صحيح أن قطاعا منها يقاتل الآن مع النظام، رغم أن مصلحته في الحرية والتغيير لا تقل حيوية عن مصالح غيره من مكونات الجماعة الوطنية السورية، لكن شعبا ينشد الحرية لن يحجبها عن الذين عارضوها أو قاتلوا ضدها، وسيكون مكرها، لهذا السبب، على إيجاد مراحل وتوسطات الانتقال إلى إقامتها ودفعها نحو أفقها الديموقراطي، آخذا بعين الاعتبار واقع هؤلاء ومصالحهم ورغباتهم. ثمة هنا نتيجة مهمة هي التالية: سواء انتصر تيار السلطة المحافظ، أو التيار المجتمعي المناهض للنظام، سيجد الطرفان نفسيهما مجبرين على الانخراط في مرحلة انتقالية قد تقاس بالأعوام، لكنها ستكون إجبارية ولا مهرب منها، رغم تباين مكوناتها، الذي يمكن أن يبلغ حد التناقض.
لن يكبح العنف حتمية التغيير، ولن ينجح في تقييد السعي إليه، بسبب التطورات التي طرأت على المجتمع والدولة والشعب خلال حقبة نصف القرن المنصرم، وفشل النظم الاستبدادية المزري وما سببته لشعوبها من هزائم خارجية وبلايا داخلية، وتخلق طبقة وسطى جديدة ترفض الخروج من السياسة والشأن العام، وتراهما في ضوء جديد وواقع محلي ودولي مختلف، ورفض كتل الشعب الكبرى لما تعرضت له من ظلم وعانته من إذلال وتهميش واستعباد، ونتيجة أيضا لضغط العوامل الخارجية: العربية والإقليمية والدولية. لن يمنع العنف الشعب من التمسك بالحرية، خاصة أن تطور العرب ذاهب إليها. بالمقابل، لن ينتهي النظام بضربة واحدة، وإن سقط. وسيكون هناك مرحلة تختلف عن المرحلة القائمة في الحالة الأولى، والمتخيلة في الثانية. لذلك أتساءل للمرة المليون: لماذا نجري وراء ما يبدو بجلاء أنه مستحيل، ونفعل بأنفسنا ما يقوض أسس وجودنا الوطني، ما دام النظام القائم لن يبقى مرجعيتنا لفترة طويلة، وما دامت حاجتنا إلى إعادة إنتاج وحدتنا المجتمعية والوطنية ستفرض علينا المرور في مرحلة انتقال قد لا تكون قصيرة، تغاير قواعدها تلك التي قامت حياتنا السياسية عليها خلال قرابة نصف القرن الماضي؟
يمر العالم العربي، ومنه سوريا، في طور انتقالي صعب ومعقد... وحتمي. من لا يدرك هذا ويستجب لمقتضياته ومتطلباته، ويفد منه لتجديد المشروع السياسي العربي، فسيدفع ثمنا لا يخطر له على بال، مهما حقق من انتصارات على شعبه، أو ظن أن النجاح في معركته ضده سيكون حاسما ونهائيا!

الفقيه القاضي المجاهد العلامة فيصل مولوي

إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون
فقد لبنان والعالم الإسلامي بوفاة المرحوم الشيخ فيصل مولوي فقيها حكيما وقائدا متزنا وحركيا عاقلا وسياسيا استراتيجيا لم يخالف بوصلته المرشدة إلى أصل الصراع الإسلامي مع أعداء الدين ولم يتخبط في نزاعات كما لم يداهن في موقف .
انحاز إلى المقاومة حتى في ما بدا أنه ناقد قاس بعد أحداث السابع من أيار وكان من السباقين في قيادة الحركة الإسلامية باتجاه الوحدة الإسلامية في كل مواقع عمله وفي ما كتب أو أفتى أو علَّق على مواقف.
كان في ما عرفته حليما هادئا سلس المعشر متواضعا ينقاد قلب ملاقيه إليه كما ينقاد إلى أب شفيق وناصح رقيق وأخ شقيق .
كان كبيرا حاضرا في زمن نحتاج فيه الكبار ونفتقدهم , وظلَّ على مرضه المؤلم ومعاناته حاضرا لا يمكن تجاوز فكره وتجربته ومواقفه .
أتقدم من عائلته ومن الأخ الأستاذ إبراهيم المصري الأمين العام وسائر الأخوة في الجماعة الإسلامية ومن كل محبيه بالتعزية والمواساة سائلا الله أن يلهمهم الصبر والثبات على خطه ومنهجه.
توفي رحمه الله يوم الاحد 4 جمادى الثاني 1432 , 8 أيَّار عام 2011 م , يصلى على جثمانه عصر الإثنين 5 جمادى الثاني 1432 ,9 أيَّار عام 2011 م في المسجد المنصوري الكبير، قرب ساحة النجمة، في طرابلس، ويدفن في مدافن باب الرمل.رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه
وقد وزعت الجماعة الإسلامية، نبذة عن الراحل أبرز ما فيها:
- القاضي الفقيه المستشار الشيخ فيصل مولوي من مواليد 1941 طرابلس - لبنان، داعية ومفكر إسلامي معروف في لبنان والعالم العربي والإسلامي وفي أوروبا.
- من العاملين في الحقل الإسلامي في لبنان، وكان رئيسا لجمعية التربية الإسلامية في لبنان، وقد شغل منصب الأمين عام الجماعة الإسلامية في لبنان.
- رئيس بيت الدعوة والدعاة منذ تأسيسه سنة 1990.
- عضو اللجنة الإدارية للمؤتمر القومي الإسلامي.
- رئيس لجنة الفتوى في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
- حصل على: إجازة في الحقوق من كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية العام 1967، إجازة في الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة في جامعة دمشق العام 1968، شهادة الدراسات المعمقة من جامعة السوربون في باريس. وحاز جائزة أفضل واعظ إسلامي من الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
- عين قاضيا شرعيا في لبنان سنة 1968. وتنقل بين المحاكم الشرعية الابتدائية في راشيا وطرابلس وبيروت. وعين مستشارا في المحكمة الشرعية العليا في بيروت سنة 1988 وبقي في هذا المركز حتى استقالته سنة 1996.
- حائز على مرتبة قاضي شرف برتبة مستشار بموجب مرسوم جمهوري رقم 5537 تاريخ 23 أيار 2001.
- أمضى في أوروبا خمس سنوات من 1980 حتى 1985. وأسس في فرنسا اتحاد الطلبة المسلمين، ثم اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، وأنشأ الكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية. وأصبح مرشدا دينيا لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ثم في أوروبا منذ سنة 1986. وبقي على تواصل مع أكثر المراكز الإسلامية في أوروبا حتى وفاته.
- ساهم في تأسيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في المملكة المتحدة في آذار 1997 تحت رئاسة الشيخ يوسف القرضاوي وهو نائب الرئيس.
- أصبح العميد المؤسس للكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية في شاتو شينون في فرنسا منذ تأسيسها سنة 1990، وهي كلية للدراسات الشرعية بالمستوى الجامعي مخصصة للمسلمين الأوروبيين أو المقيمين بصفة دائمة في أوروبا وسائر بلاد الغرب، واستمر في هذا المنصب حتى سنة 1994. وشغل منصب نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.
- بدأ العمل في الحقل الإسلامي في عام 1955، منطلقا من جماعة عباد الرحمن بطرابلس، ثم إلى الجماعة الإسلامية بعد تأسيسها سنة 1964.
- انتخب أمينا عاما للجماعة الإسلامية خلفا للدكتور فتحي يكن منذ 1992 حتى سنة 2009.
- من أبرز مؤلفاته: تيسير فقه العبادات - دراسات حول الربا والمصارف والبنوك - موقف الإسلام من الرق - أحكام المواريث، دراسة مقارنة - الأسس الشرعية للعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين - نظام التأمين وموقف الشريعة منه - نبوة آدم - المرأة في الإسلام - حكم الدواء إذا دخل فيه الكحول - السلام على أهل الكتاب - المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب - أثر انهيار قيمة الأوراق النقدية - سلسلة مبادئ التربية الإسلامية للمرحلة الابتدائية (خمسة أجزاء) - سلسلة التربية الإسلامية للمرحلة المتوسطة (أربعة أجزاء) - الجزء الأول من كتاب التربية الإسلامية للمرحلة الثانوية.

عن مسيحيّي سوريّا

حازم صاغيّة

هناك اليوم مَن يستخدم "تأييد المسيحيّين السوريّين لنظام الأسد" حجّةً تُدان بها الانتفاضة السوريّة، ومن خلالها يُصار إلى توكيد "دور الإسلاميّين والسلفيّين" في الانتفاضة، وإلى توكيد "علمانيّة النظام" في المقابل.
وبالطبع، ليس لدينا ما يؤكّد أو ينفي هذا "التأييد" وحدوده. لكنّ وجوده، في حال صحّته، ليس سوى دليل آخر على ما زرعه نظام البعث منذ قيامه في 1963، ولا سيّما منذ "حركته التصحيحيّة" في 1970، وعلى ما تجنيه سوريّا اليوم.
فأن يكون خوف المسيحيّين هو ما قادهم إلى ما انقادوا إليه، فهذا إنّما ينمّ عن حجم التخريب الذي ألحقته العقود البعثيّة بالنسيج الاجتماعيّ السوريّ، بحيث باتت الجماعات لا تتبادل في ما بينها إلاّ الريبة والخوف، ولا ترى في المستقبل إلاّ حقول القتل المفتوحة.
وتقضي الأمانة القول إنّ الطائفيّة ومخاوف الأقليّات ليست بالطبع من إنتاج البعث وحكمه. فهي تضرب في تاريخ الملل والنحل وفي التراكيب والثقافات العصبيّة التي ازدهرت في منطقتنا. مع هذا يصعب القفز فوق ذاك الواقع المرّ القائل إنّ 48 سنة من سلطة "الوحدة والحريّة والاشتراكيّة" أطلقت هذه المشاعر وفاقمتها، بدل أن تحدّ منها وتحاصرها.
وما يمكن استنتاجه تالياً أنّ المزيد من حكم البعث هو مزيد من التفتّت الاجتماعيّ والمجتمعيّ، ومزيد من مخاوف الأقليّات التي تطالب الحاكم بـ"حمايتها"، بل مزيد من مخاوف الجميع حيال الجميع.
فإذا صحّ أنّ المسيحيّين "يؤيّدون" نظام الأسد، صحّ القول إنّهم يخطئون لأنّهم، بهذا، يؤسّسون لأوضاع أسوأ ترتدّ عليهم في مقبل الأيّام. أمّا مخاطر الانتقال، ويمكن أن تكون هناك مخاطر فعليّة على الأقلّيّات وأيضاً على الأكثريّات، فوجهها الآخر هو التأسيس لبدايات جديدة. وتبقى أكلاف عدم التسامح المصحوب باحتمالات التحوّل أقلّ من أكلاف عدم التسامح المثبّت والمكرّس والمغلق والمتعاظم.
لقد قيل سابقاً إنّ مسيحيّي العراق يؤيّدون صدّام حسين ونظامه لأنّه "يحميهم". وهذا، أيضاً في حال صحّته، دليل على الدور الذي تلعبه الأنظمة البعثيّة في تفتيت النسيج الاجتماعيّ لبلدانها وفي مقايضة ولاء الجماعات الأقليّة بحمايتها، بدلاً من تحكيم معايير المواطنة بديلاً عن ثنائيّ الخوف والحماية. ألم يكن عهد صدّام حسين، بتمييزه وبكبته المديدين، هو نفسه السبب وراء انفجار الأحقاد الدمويّة والمتعصّبة التي تبادلها العراقيّون بعد إطاحة صدّام؟.
إنّ أنظمة كهذه تنهض على نوع من عقدة استوكهولم، حيث يقع السجين في حبّ سجّانه. يكفي السجّان، في هذه الحالة، ألاّ يقضي على حياة السجين كي يبدو هو من يمنحه الحياة. والمسيحيّ السوريّ، بل أيّ كائن انسانيّ، يُفترض به أن يكون أذكى من ذلك وأعرف.