الاثنين، 6 يوليو، 2009

طارق رمضان.. خطورة أن تكون مسلما إصلاحيا

طارق رمضان.. خطورة أن تكون مسلما إصلاحيا

في كتابه الجديد "الإصلاح الجذري" يقدم الدكتور طارق رمضان وعدا لقرائه بأن يضع بين أيديهم خلاصة عشرين عاما من القراءة والكتابة والزيارات الميدانية، إضافة إلى الخبرات المتراكمة الناتجة عن تصفحه الدءوب للمساحات المتعلقة بـ "العلوم الإسلامية" و"الحداثة" و"مجتمعات الأغلبية والأقلية المسلمة".
يلقى الدكتور طارق رمضان في ثنايا هذا الكتاب مزيدا من الضوء على مصادر "العلوم الإسلامية" وتصنيفها بدلا من التركيز على الأدوات المادية وطرائق الإنجاز، ولما كانت قراءة النص داخل سياقه الواقعي هي إحدى النقاط المحورية التي يعرض لها كتاب "الإصلاح الجذري"، فإن قراءة هذا الكتاب ضمن سياق أكبر من أطروحات وآراء مؤلفه، وفى إطار إسهاماته العديدة في هذه القضية تعد من قبيل الإلزامية المنهجية.
الهوية الإسلامية والأوروبية
فالكاتب -في معرض رده على سؤال مزدوج حول الهوية "الإسلامية" أو "الأوروبية" للفرد- لم يجنح إلى الإجابات المبسطة، بل حث المسلمين الأوروبيين على إيجاد المعادلة الخاصة بهم، كما قام بمواجهة تحدي الهوية الإسلامية في مجتمع علماني من خلال كتابه "أن تكون مسلمًا أوروبيًّا".
ومضى الكاتب خطوة أبعد في كتابه "مسلمو الغرب ومستقبل الإسلام"، حيث عمد إلى معالجة المناهج والنماذج، وانتقل الكاتب إلى مجتمعات الغالبية المسلمة في كتابه "الإسلام والغرب وتحديات الحداثة" لمناقشة الرؤية الحداثية التي ينبغي تبنيها.
كان الدكتور رمضان على وعي تام منذ البداية بالوضعية الفريدة للمسلمين الأوروبيين، بل أعلن في مناسبات شتى عن إمكانية الاستفادة من هذه الوضعية، ففي حوار مع "بول دونللي" عام 2002 ذكر الدكتور رمضان بيقين تام أن "المسلمين في الغرب سيمدون يد العون للمسلمين في العالم الإسلامي في المستقبل القريب؛ وذلك لأننا –أي مسلمو الغرب- نواجه هنا تحديات ونستطيع القيام بأمور محظورة فيما يسمى بالبلدان الإسلامية، إننا بحاجة إلى التفكير في سياقات فكرية وبرامج سياسية ومنتديات يمكننا من خلالها تطارح الآراء وتبادل وجهات النظر، التي يمكن أن تكون انتقادية".
ولكن يبدو أن الطريق لا تزال طويلة حتى ندرك هذه النقطة من التفاهم المتبادل بين مجتمعات الأغلبية المسلمة والأقليات، فضلا عن تبادل الخبرات، وفي هذا الصدد تبرز أهمية دراسة الدعوة التي نادى بها الدكتور رمضان لتوقيف بعض الحدود كنموذج مهم لفهم العلاقة بين مجتمعات الأغلبية المسلمة والأقليات، ووضعية قضية الاجتهاد والتجديد الفقهي في إطار هذه العلاقة.
"دعوة وقف تطبيق الحدود ـ دروس وعبر"
في الثلاثين من مارس عام 2005 أصدر الدكتور طارق رمضان دعوة عالمية طالب فيها بإيقاف العقوبات الجسدية والرجم والإعدام؛ لأن "هذه العقوبات لا تطبق غالبا إلا على النساء والفقراء، أما الأغنياء والأقوياء والظالمون فهم منها في مأمن دائم".
وقوبلت هذه الدعوة بالنقد، كما أثارت ردود أفعال غاضبة من قبل بعض العلماء المسلمين، وعبر الدكتور رمضان في مقدمة كتابه (الإصلاح الجذري) عن خيبة أمله إزاء هذه الردود و"نقص الحوار النقدي الهادئ" الذي وصفه كـ "أحد الشرور التي تقوض الفكر الإسلامي المعاصر".
وإن تعجب فعجب أن تكون أحد التأويلات التي قدمت لتسويغ ما لاقته دعوة الدكتور رمضان من نقد هو كونه أحد المفكرين المسلمين الأوروبيين، أي نفس الأمر الذي اعتبره رمضان مزية تأخذ بيد الأمة لممارسة الاجتهاد بشكل أكبر.
المسلم الأوروبي
ولإبراز أثر وضعية الدكتور رمضان كمفكر مسلم أوروبي في إصدار هذه الدعوة، أكد الدكتور عماد شاهين، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، في 29 ديسمبر 2005 "لإسلام أون لاين.نت" أن رمضان يحاول أن يبحث عن مكان للمسلمين الأوروبيين داخل أوروبا.
وأضاف أن "هذا يبرز المعضلة التي يواجهها المفكرون المسلمون، فهم بين قطبي رحى الاتهام الغربي بالإرهاب والتطرف، والاتهام الإسلامي بالاعتدال المفرط، أو الفرنجة. ومن المفارقات الغريبة أن وُجِّه إلى بعض الحالات، ومنها حالة الدكتور رمضان، الاتهامان على السواء".
إن مناقشة الأسباب الإجرائية والمنهجية والبنيوية التي دعت العلماء والباحثين المسلمين إلى توجيه النقد لدعوة وقف تطبيق الحدود Moratoriumالتي وجهها الدكتور رمضان تبرهن بجلاء على أنه لا أمل في أي شكل من أشكال الإصلاح والاجتهاد ما لم يتم التغلب على نقص التواصل وتبادل الخبرات بين مجتمعات الغالبية المسلمة من ناحية ومجتمعات الأقلية من الناحية الأخرى.
جدل جديد: جوهري ولكن هادئ
ويقرر الدكتور رمضان أن ينتقل بعيدًا عن الجدل المحموم الذي أثارته دعوة وقف تطبيق الحدود إلى دعوة شاملة وهادئة من خلال كتابه "الإصلاح الجذري"؛ إذ وجه جل جهوده إلى إشكالية تعريف "الإصلاح" وتبنى أحد نماذجه.
وميّز في مقدمة الكتاب بين "إصلاح التكيف" الذي لا يعوزه إلا بعض الأدوات لمسايرة العصور الحديثة، و"إصلاح التحول" الذي يزود نفسه بالطرائق المختلفة لإتقان جميع المجالات المعرفية وليتمكن من التعامل المسبق مع التعقيدات الناجمة عن التحديات.
ولعل آراء الدكتور رمضان في الإصلاح والتجديد ليست بدعًا في هذا المجال، وقد يكون عدم اختلافها مع الآراء الإصلاحية السابقة عليها سواء من داخل منظومة الثقافة الإسلامية أو من خارجها هو ما دفع الملاحظين، وبخاصة من الغرب، إلى عقد المقارنات بين آراء الدكتور رمضان وآراء مارتن لوثر.
ففي عام 2002 عنون بول دونلي لحواره مع الدكتور طارق رمضان بـ"مارتن لوثر الإسلام؟"، وسوَّغ الملاحظون الغربيون هذا الربط بين الدكتور رمضان ومارتن لوثر بأن "طارق رمضان يتحدى الآراء الإسلامية السائدة"، كما أنهم ربطوا بين دعوة دكتور رمضان بقراءة القرآن قراءة سياقية، وبين ما خلفه لوثر من ميراث فكري.
وقد تثير مثل هذه المقارنات بعض الهواجس بشأن "أصالة" مبادرات الدكتور رمضان، وقد تدفع بعض المسلمين إلى الاعتقاد بأن هذه الآراء الإصلاحية هي في أحسن الأحوال غريبة على دينهم.
ولكن الدكتور رمضان قد تصدى لهذه الشكوك في كتابه الأخير "الإصلاح الجذري"، إذ وجه اهتماماته إلى تعزيز مفهوم الإصلاح مشتبكا مع هذه الشكوك واصفا مفهوم "الإصلاح" بأنه "كان ينظر إليه على أنه مصدر خطورة؛ لأنه قوض مبادئ العقيدة الإسلامية أو لأنه مأخوذ عن دول ذات مرجعية مسيحية".
ويعود رمضان ليتعامل مع هذه التوجسات من خلال التراث الإسلامي نفسه؛ إذ راح يؤكد وجود الفكر النقدي في هذا التراث، وأشار إلى تبني علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم لهذا الفكر منذ البداية؛ وأضاف "أن الجدال الذي دار بين هؤلاء العلماء لم يكن عن شرعية هذا الفكر بقدر ما كان على قواعد وحدود صياغته في الواقع".
تأويل "النص": كيف؟ ومن؟
وفي خطوة أخرى للأمام يطأ الدكتور رمضان منطقة شائكة عندما يتحدث عن العلاقة بين النص الوحيي، وبين فهم القارئ لهذا النص "إن وضعية النص يمكن أن تكون بالفعل ذات تأثير على شكليات القراءة، ولكن تظل عقلية القارئ الذي يقوم بتفسير هذا النص هي المحدد الأساسي في طرح التصنيفات والشكليات الخاصة بهذا التفسير".
ويؤمن الدكتور رمضان بديناميكية التأويل عبر الزمان والمكان، ولكنه من الناحية الأخرى يضع ضوابط لهذه العملية، موضحا أن "القضية المحورية هي تحديد طبيعة وحدود عملية التأويل في مقابل النص الوحيي".
ويبحث الدكتور رمضان في معرض إثارته لمثل تلك القضايا الجدلية عن منهجية متوازنة مؤكدا أنه "فقط داخل هذا الإطار تستطيع عمليات التجديد والإصلاح أن تكون ذات فعالية، وأن تؤتي ثمارها".
إن الدكتور رمضان لا يكرس كتاب "الإصلاح الجذري" لمناقشة الطريقة التأويلية التي ينبغي تبنيها، ولكنه أيضا يقترح المخول شرعا للقيام بالتأويل والاجتهاد، من ثم يعود مجددا لتناول القضية المعروفة بـ "سلطة التأويل"، حيث عمد إلى الحديث عنها في العديد من المناسبات؛ ففي حواره مع دونلي يؤكد طارق أن "حقيقة عدم وجود كنيسة في الإسلام هي بكل المقاييس حقيقة إيجابية، بل هي مصدر للقوة؛ بيد أنها تتحول إلى نقطة ضعف إذا لم نحسن التعامل معها".
بالإضافة إلى ذلك، فإن كتاب الإصلاح الجذري يقترح إعادة التفكير في الأهداف الروحية والأخلاقية السامية للإسلام، أو ما يعرف "بالمقاصد" وإفساح مجال لهيئة من علماء العلوم الاجتماعية.
قابلية أكثر للمناقشة
في الواقع لم تكن الدعوة التكاملية لدور علماء الاجتماع والخبراء في كافة المجالات في عملية الاجتهاد بالأمر المحدث، فقد نادى بها العديد من العلماء المسلمين في مجتمعات الأغلبية والأقلية على حد سواء، ولكنْ ثمة عاملان يميزان دعوة الإصلاح الجذري التي ينادي بها الدكتور طارق رمضان.
أما الأول فيتمثل ـ حسبما يؤكد الكتاب ـ في وجوب تعامل كل من علماء النصوص وعلماء الواقع سويا وبنفس القدر ليشكلا معا مركز الثقل في عملية تفسير النص.
وأما العامل الثاني الذي يميز دعوة رمضان فيتمثل في القاعدة الجماهيرية العريضة التي يتمتع بها الدكتور رمضان في أوروبا سواء من المسلمين أو غير المسلمين.
ولكن من ناحية أخرى، يبقى أن بعض المسلمين وبخاصة المنتمون إلى مجتمعات الأغلبية المسلمة يجدون غضاضة في فتح باب المناقشة على مصراعيه لبعض القضايا الحساسة (مثل تأويل النص الوحيي، والنص والواقع، وطبيعة النص الديني) في المجتمعات الأوروبية غير المسلمة، معتقدين أن ثمة دعاة مناهضين للإسلام في أوروبا قد يحملون على الإسلام من هذا الباب.
بينما يعتقد الدكتور رمضان أن العكس هو الصحيح، فالخبراء غير المسلمين قد يسهمون بفاعلية في صياغة العقلية النقدية الإسلامية وذلك "عن طريق استثارة الضمير الإسلامي المعاصر لمناقشة عدد من القضايا، أو عن طريق توظيف مهاراتهم للوصول إلى الحلول الممكنة لبعض القضايا العلمية والأخلاقية (في العلوم التجريبية أو الإنسانية)".
وفي السياق ذاته يفند رمضان ما يصفه "بالاستنتاج الساذج" والذي ينص على أنه "كلما قلت النزعة الغربية ازدادت النزعة الإسلامية"، والذي ـ كما يؤكد الدكتور رمضان ـ يرسم في القناعة الإسلامية ملامح لشخصية إسلامية ذات ممارسات خاصة بها تنبع دائما من رفضها لكل ما هو غربي، ويبحث الدكتور رمضان في أصول هذه الفكرة التي قد تعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي عندما اتخذ المسلمون مواقف دفاعية لمواجهة الهيمنة الغربية.
ويرى الدكتور رمضان أننا بحاجة ماسة الآن أكثر من أي وقت مضى لاستخدام أدوات إسلامية لصناعة الاجتهاد الذي يعرفه على أنه الجهد العقلاني للإبداع طبقا لمصادرنا القرآنية والسنية.
جغرافية المعرفة والناس
يحاول الدكتور رمضان -عبر الإصلاح الجذري- أن يعيد تحديد جغرافيا المصادر الإسلامية؛ ولكني أرى أنه في حاجة أيضا إلى تحديد جغرافية جماهيره التي يخاطبها، وتصنيفهم.
فمثلا إذا حاول رمضان وغيره من علماء المسلمين إيجاد جسور للتواصل بين مجتمعات الأغلبية المسلمة من ناحية ومجتمعات الأقلية من ناحية أخرى، وبين الخبراء والعامة لاختلفت طريقة طرح "دعوة وقف تطبيق الحدود"، واختلف معها تلقي الناس لها، ولأصبح كتاب "الإصلاح الجذري" موضوعا للمناقشة على نحو أوسع عبر العالم الإسلامي.
وإذا كان الدكتور رمضان يرى أن المسلمين في الغرب سيكونون عونا للمسلمين في العالم الإسلامي ـ كما ذكر آنفا ـ فإن هذه الفرضية ستصير غير ذات فعالية ما لم يكن المسلمون في أوروبا والمسلمون في العالم الإسلامي على دراية كافية ببعضهم البعض.
والغالب أن المسلمين في مجتمعات الغالبية لا يتعرفون كثيرا على المسلمين الأوروبيين إلا في أوقات الأزمات مثل قضية سلمان رشدي وحظر الحجاب في فرنسا والرسوم الكاريكاتورية في الدنمارك... إلخ. إن هذا الإدراك الجزئي الكامن في وعي العالم الإسلامي للمسلمين المقهورين في أوروبا يجعلهم أكثر توجسا ودفاعية ضد كل ما هو غربي في ظل غياب حلول مناسبة وبناءة.
وعلى الجانب الآخر فإن الصورة الكامنة في الوعي الإسلامي الأوروبي عن المسلمين في مجتمعات الأغلبية وثيقة الصلة بقضايا خلافية كتلك الخاصة بالانتماء والولاء، واستيراد الإرهاب، والتدخل في شئون المسلمين الأوروبيين عن طريق الدعم المالي... إلخ.
التواصل من أجل الإصلاح
وباختصار فإن المسلمين في مجتمعات الأغلبية بحاجة إلى معرفة المزيد عن التحديات، والفرص التي يجابهها المسلمون الأوروبيون، وكيف يتأتى لهذه الوضعية الفريدة للمسلمين في أوروبا أن تكون عونا للأمة بأسرها على إعادة تقييم الأوضاع المختلفة.
كما أن المسلمين في أوروبا بحاجة إلى إلمام أشمل بنقاط القوة والضعف في العالم الإسلامي حتى يمكن لهم -في ظل استقلاليتهم الكاملة- أن يفيدوا من الخبرات ومن الميراث الثقافي لهذا العالم.
إننا بحاجة إلى أدوات بعينها لعقد الهوة السحيقة بين العالمين: عالم المسلمين الأوروبيين والعالم الإسلامي، وإذا كان المجلس الأوروبي للفتوى هو أحد النماذج الجيدة في هذا الصدد، فإنه يظل نموذجًا واحدًا غير كافٍ. كما أننا بحاجة إلى قاعدة معلوماتية نستطيع من خلالها تحديد القضايا ووضع الأولويات، إضافة إلى ما اقترحه الدكتور رمضان من شبكات تواصل وخطط سياسية وموسوعات فكرية ومؤتمرات... إلخ.
فكلما تعمق التواصل، زادت معه فعالية المبادرات على درب الإصلاح والتغيير.