الاثنين، 6 يوليو، 2009

النظام والإخوان ومصر

النظام والإخوان ومصر
د. عصام العريان



د. عصام العريان (المصريون) : بتاريخ 5 - 7 - 2009
جاءت الهجمة الأمنية الأخيرة على الإخوان المسلمين لتطول أحد أهم رموزهم الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب لتعيد السؤال من جديد حول سياسات النظام المصرى نحو الإخوان المسلمين وهذه الهجمات المتتالية التى لم تنجح قط فى الحد من قوة الإخوان ونفوذهم السياسى وإن كانت تربك خططهم ونشاطهم وتعرقل تقدمهم ونموهم المجتمعى والاجتماعى .
ارتبطت الهجمات الأمنية على الإخوان المسلمين منذ بدأت قبل أكثر من ستين عاما بعدة ظواهر تلفت الانتباه أركز منها على ظاهرتين :
الأولى : أنها تتم دائما بقرار سياسى لخدمة أهداف سياسية، ودور الجهاز الأمنى هو التنفيذ فقط، وأن كل محاولات إلصاق تهم وجرائم بالإخوان فشلت تماما ولم تصمد أمام أى جهة قضائية محايدة طبيعية، ويكفى أن يقول القاضى الذى حاكم الإخوان فى قضية السيارة الجيب بعد انتهاء المحاكمة وعند بلوغه سن المعاش "بالأمس حاكمتهم واليوم أنضم إلى صفوفهم"
وعندما تمت محاكمتنا عسكريا عام 1995 وتطرق أحد المحامين إلى مسألة العنف والإرهاب إذا بالضابط العسكرى اللواء الذى يحاكمنا يقول له : إن الإخوان ليسوا إرهابيين ولا يمارسون العنف .
وعندما قدمت النيابة العامة والعسكرية الإخوان فى آخر قضية عسكرية بتهمة غسيل وتبييض الأموال أسقطت الهيئة العسكرية التهمة كذلك ولم تعاقب المتهمين عليها .
يأتى القرار السياسى عندما يفشل النظام الحاكم فى مواجهة الإخوان سياسيا واجتماعيا ولا يحترم قواعد المنافسة الشريفة على حب الشعب والجماهير .. يلجأ إلى العصا الأمنية الغليظة ليحسم بها الصراع السياسى فى تصوره ولو إلى حين ليكسب مزيدا من الوقت إذ يدرك فى قرارة نفسه أن القضاء على الإخوان أو استئصالهم من المجتمع مستحيل، وليحرم الإخوان من العمل وسط الناس إلى حين .
ويكفى للتدليل على ذلك أن نظام عبدالناصر بكل شعبيته وقوته وسيطرته اكتشف بعد عشر سنوات قضاها الإخوان فى الليمانات والمنافى والتشريد والتعذيب أن هناك تنظيما جديدا للإخوان ظهر إلى الوجود عام 1965 بعد 11 سنة فى السجون وبعد تعليق قادتهم على أعواد المشانق ومنع أى كلمة عن الإخوان فى المجتمع ولو همسا .. إلا أخبار التعذيب البشع الذى قتل العشرات تحت السياط وفى الجبل .
وعندما عاد الإخوان إلى الحياة من جديد بعد عشرين سنة وخروج آخر أخ عام 1975 فى عهد السادات لم تمضى سنوات قليلة حتى كان الإخوان على مانشيتات الأهرام عام 1984 عندما نسقوا لخوض الانتخابات مع حزب الوفد الجديد .
وعندما غاب الإخوان قسرا أو طوعا عن مجلس الشعب من عام 1990 إلى عام 2000 وتم منع النواب السابقين وقيادات الإخوان من خوض الانتخابات عاد الإخوان بقوة ليشكلوا أكبر كتلة برلمانية فى برلمان 2000 – 2005 ويمثلهم 17 نائبا كانوا أكثر بـ 3 نواب من كل نواب أحزاب المعارضة، وزاد تمثيلهم 5 مرات فى الانتخابات التالية عام 2005م إلى 88 نائبا.
الثانية : أن هذه الهجمات تأتى فى سياق سياسى إقليمى أيضا وليست انعكاسا لصراع وطنى فقط، والسبب هو أن النفوذ الاستعمارى لم يرحل عن بلادنا قط وأن الهيمنة الغربية مازالت صاحبة الكلمة والنفوذ فى كل القضايا الإقليمية، خاصة القضية الفلسطينية وقد ترجم ذلك الرئيس السادات عندما أكد أكثر من مرة أن 99% من أوراق اللعبة فى يد أمريكا وبرر بذلك انحيازه التام إلى معسكر أمريكا وخروجه من دائرة النفوذ السوفيتى الذى كانت بدايات أفوله ظهرت للعيان فعندما ظهر أداء كتائب الفدائيين من الإخوان المسلمين وغيرهم فى ساحات القتال على أرض فلسطين عام 1948م أعادهم النقراشى باشا إلى مصر مكبلين بالأغلال مجردين من السلاح إلى معتقلات الطور وهايكستب وأصدر قراره المشئوم بحل جماعة الإخوان متذرعا بأسباب وأحداث مضى عليها سنوات وليتم بعد ذلك رد الفعل المتوقع فى الأجواء المشحونة باغتيال النقراشى ليتم بعدها اغتيال الإمام المؤسس حسن البنا رحمه الله وهو فى ريعان الشباب ولم يتجاوز الـ 42 عاما ليذهب إلى ربه شهيدا إن شاء الله .
وقد أصدر القضاء المصرى قراره بعد سنتين بإلغاء قرار الحل العسكرى وعاد الإخوان لدورهم ونشاطهم وليشاركوا بعد ذلك فى التخلص من كل النظام الملكى فى خطوة كان لها بعد ذلك أبعد الأثر فى تاريخ مصر كلها وانعكست سلبا على الإخوان أنفسهم .
وجاء الصدام مع عبدالناصر بعد انحياز الإخوان إلى محمد نجيب وإصرارهم على عودة الحياة النيابية وإصدار دستور جديد قدموا اقتراحهم بشأنه وكان الإخوان وقتها قوة إقليمية فى مصر وسوريا والأردن والسودان والعراق، وعلاقتهم طيبة بالسعودية وملكها .
كانت الأجواء الإقليمية تمهد لصدامات وحروب فاشلة مع العدو الصهيونى وقد أنتجت تلك الحروب منذ 1956 مرورا بـ 1967 وانتهاء بـ 1973 تمددا ونفوذا صهيونيا واضحا على حساب مصر والعرب وقد غاب الإخوان المسلمون فى غياهب السجون طوال هذه الحروب وعادوا ليجدوا وضعا إقليميا مختلفا تماما، إلا أن ذلك لم يجعلهم يفقدوا بوصلة الاتجاه السليم فى الصراع مع العدو الصهيونى والقوة الدولية الداعمة له فسرعان ما أصبح الإخوان من جديد فى قلب الصراع مع العدو ولم تمضى إلا سنوات قليلة لا تزيد على العقدين ليصبح مقر الإخوان قبلة لأطراف فلسطينية ودولية تريد منهم القبول بما قبلت به النظم العربية من اعتراف بالكيان الدخيل والإقرار بالحلول الاستسلامية .
اليوم يضيف النظام المصرى وأجهزته الأمنية القمعية بعدا جديدا على الصدام مع الإخوان وهو البعد الدولى .
ولا يدرى النظام أو هو يدرى أنه بتلك الإضافة يجعل الإخوان قوة دولية بعد أن اقتصر وصفهم من قبل على أنهم قوة وطنية مصرية لها نفوذ إقليمى وامتدادات عربية، وأن تلك القضية ستضفى على الإخوان مهابة كبيرة ونفوذا أشد خاصة أن القضاء على الإخوان واستئصالهم ثبت فشله على مدار 80 سنة من البقاء بفعالية وأن الإخوان يخرجون من كل محنة أو قضية أصلب عودا وأمضى عزيمة وأقوى نفوذا .
إن الحكومات المصرية المتعاقبة منذ ستين عاما مطالبة باعتذار واضح ليس للإخوان المسلمين ولكن للشعب المصرى عن حرمان هذا المجتمع وذلك الشعب من الجهود الدعوية والتنموية والاجتماعية والثقافية لنخبة من أشرف وأخلص من عرفت مصر وطنية صادقة وإيمان قوى وعزم فتى غيبتهم خلف الأسوار وحاصرت نشاطهم وجهودهم ومنعت مصر من قطف ثمار ذلك الجهد الدعوى الذى ينطلق من فهم معتدل ووسطى للإسلام العظيم .
وحرمت مصر من أعظم مصادر قوتها الناعمة وهى أن كبرى الحركات الإسلامية نبتت فى مصر وانتشرت منها إلى آفاق الأرض الواسعة .
إلى أخى عبدالمنعم أبو الفتوح
عرفتك منذ سنوات قاربت الـ 40 شاباً مجاهداً لا يخشى فى الله لومة لائم .. رجلاً بطلاً لا يهاب السجون والمعتقلات وكهلاً نبيلاً لم تثقله السنون ولا الأمراض .
وقضيت معك قرابة السنوات الست داخل السجون والمعتقلات فكنت نعم الأخ والصديق والمؤنس والمعين .
لا تجزع فهى أيام سرعان ما تنقضى وتخرج إلينا من جديد فى صفوف الإخوان المجاهدين.