الجمعة، 1 يناير، 2010

علي شريعتي.. ونقد الاستحمار الديني

د. حسان عبد الله
حالة الانكفاء الذاتي التي يعيشها المثقف المسلم المعاصر تعد من أهم الآفات العقلية والأمراض النهضوية؛ حيث أصبح كل مثقف "سجين كهفه"، فانعدم التواصل والاتصال بين الفكرة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وتعتبر حالة الدكتور الشهيد علي شريعتي نموذجا على ذلك.
فكر الدكتور شريعتي ليس فكرا مجهولا كما يظنه البعض، بل هو فكر بارز وقوي الحضور في الثقافة الإيرانية، فقد مثلت أفكاره مقدمات أساسية أسهمت بشكل واضح في الثورة الإسلامية في إيران، ولم تنته عند هذا الحد، بل لازالت تسهم حتى الآن في التخطيط للمجتمع الإسلامي المتكامل.
اتسمت كتابات شريعتي ومؤلفاته بخاصية "الهدفية"، فجاءت هذه المؤلفات لإبراز فكرة، أو لمعالجة واقع، أو لنقد تراث.. إلخ، ولا نبالغ إذا قلنا إن الكتاب الواحد تبرز فيه عدة أفكار ترمي إلى معالجة هدف ما قد وضعه شريعتي ليحققه، سواء كان ذلك في محاضرة أو درس أو مقالة، كما اتسمت كتاباته بالطابع العلمي والعملي معا.
الحقائق الأساسية
ولد علي بن محمد تقي شريعتي في (مزينان)، وهي قرية من قرى سنروار في منطقة خراسان في إيران، وذلك في عام 1933م، وكان أبوه محمد تقي شريعتي من كبار المفكرين والمجاهدين الإسلاميين.
أسس شريعتي الأب في مدينة (مشهد) بالاشتراك مع عدد من علماء الدين المناضلين "مركز الحقائق الإسلامية"، وقام بنشاط واسع في تنقية أصول التشيع، كما شارك في توعية الجماهير بالدور الحقيقي للدين في المجتمع..
في مثل هذه البيئة وفي كنف هذا الأب شب علي شريعتي، مهتما منذ طفولته بقضايا الدين والأمراض المنتشرة في المجتمع، وفي عام 1955م التحق بكلية الآداب في مدينة "مشهد" لدراسة اللغة والأدب الفارسي، وفي نفس العام اختاره عميد الكلية ليكون المسئول الأول عن "الجمعية الأدبية الطلابية"، وفي عام 1957م تم القبض عليه مع (16) عضوا من أعضاء حركة المقاومة الوطنية ضد نظام الشاه، وحبس في سجن (قزل قلعة) في طهران.
أنهى دراسته الجامعية عام 1958م، وحصل على المركز الأول في قسم اللغة الفارسية وآدابها، ونظرا لذلك منحته الجامعة بعثة علمية لاستكمال دراسته بالخارج، فتوجه إلى فرنسا في عام 1959م، والتحق بمدرسة الآليانس لتعلم اللغة الفرنسية.
ويتحدث الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا (رحمه الله) عن هذه الفترة في حياة شريعتي: "تعد سنوات فرنسا من أكثر السنوات خصوبة في حياة شريعتي القصيرة العريضة، إذ كان شابا ذا ضمير طاهر، ذكيا يقظ القلب، مسلما حقيقيا، يعرف تماما قيمة كونه مسلما، عرف تراثه جيدا، وحمل معه زادا غنيا وفياضا وقيما من الثقافة الإسلامية، وبالتالي لم يتعرض شريعتي لتلك الصدمة التي يتعرض لها المبعوثون من العالم الفقير المستضعف، عندما يتعاملون مع العالم الغني المتكبر لأول مرة؛ فتكون نتيجة ذلك أن يتغربوا، ويفرغوا من الداخل، و(يتشبهوا) دون مقاومة، أما شريعتي فإنه لم يحسب نفسه قط مسلما ضئيلا أو صغيرا، أو متخلفا أمام الجبروت الغربي، ولم يفقد شخصيته الإسلامية، وذاته الحقيقية".
انضم شريعتي إلى منظمة تحرير الجزائر في فرنسا، وقبض عليه عام 1960م، وفي عام 1963 أنهى دراسته في جامعة السوربون، وحصل على الدكتوراه في العلوم الاجتماعية، وعند عودته إلى طهران قبض عليه جهاز المخابرات "السافاك"، ثم أطلق سراحه بعد ذلك، حيث عمل أستاذا مساعدا في قسم التاريخ بجامعة مشهد.
مثلت "حسينية إرشاد" مركزا مهما من مراكز الإشعاع العلمي للجماهير الإيرانية قبل الثورة، وكان شريعتي من أبرز المفكرين الذين ارتبط ذكر هذه الحسينية بأسمائهم، كما ارتبط ذكر المدرسة الفيضية بالخميني ( قائد الثورة الإيرانية)، وقد توفي المفكر الإيراني المستنير د. علي شريعتي عام 1978م بعد حياة فكرية حافلة بالاجتهاد والجهاد لإصلاح المجتمع الإسلامي وتنقيته من آفاته.
منهجية التعرف على الإسلام
انطلاقا من "محورية الدين" ومركزيته الحضارية اهتم شريعتي بإبراز "الإسلام" كمنهج فكري وتربوي وحضاري، وأهم ما عني به هو وضع منهجية للتعرف على الإسلام؛ وذلك لأن شريعتي يرى أن المنهج (له أهمية أعظم من الفلسفة والعلم)، كما أنه العامل الأساسي في "إيجاد التقدم أو الانحطاط"، ومن هنا فقد رأى شريعتي أنه من الضروري وضع منهج لمعرفة الإسلام.
وأهم قواعد هذا المنهج بحسب شريعتي "شمولية الإسلام في مقابل المحدودية"، فالإسلام ليس دينا محدودا في جانب واحد من جوانب الحياة والكون والإنسان، بل له جوانب متعددة وشاملة، فالإسلام يوضح العلاقة بين الإنسان وربه في منهج علائقي، ويوضح أبعاد الحياة الإنسانية، وطريقة المعيشة على الأرض، وللإسلام بعد حضاري، فهو دين الحضارة والتمدن، ومن كل ذلك يخلص شريعتي إلى ضرورة دراسة الإسلام بمناهج متعددة تشمل جوانبه المختلفة.
ويقترح شريعتي طريقا يتضمن عدة خطوات للتعرف الصحيح على الإسلام، وهي: معرفة الله سبحانه وتعالى وصفاته، ثم معرفة القرآن الكريم وطبيعته وأهدافه، وكذلك معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم ودوره وأبعاد شخصيته الإنسانية، وعلاقاته المختلفة، وبعد ذلك إدراك السنن التاريخية في ظهور الإسلام، وإدراك النماذج البشرية التي صنعها الإسلام.
ويذكر شريعتي في كتابه "إسلام شناسي" (معرفة الإسلام) بعض الأركان الأساسية في الإسلام، وهي: العلاقة المباشرة بين الله والإنسان، والمساواة العامة، والشورى في الحكومة، ومسئولية الإنسان عن أفعاله، والعقلانية والعلمية، والانسجام بين الدين والمدنية، السننية، إقرار الطبيعة المزدوجة للإنسان "الخير والشر"، والحرية.
العودة إلى الذات
مثلت فكرة (العودة إلى الذات) بعدا إستراتيجيا مهما في فكر شريعتي، وارتبط ذلك بفكرة بناء الذات، وهي نفس الأفكار تقريبا التي ظهرت عند أصحاب الاتجاه الإسلامي في فترة الستينيات، لا سيما سيد قطب، وقد حملت إحدى كتابات شريعتي نفس هذا العنوان "العودة إلى الذات"، بينما أوضحت كتابات أخرى مفاهيم أساسية في بناء الذات، أهمها: "بناء الذات الثورية"، "النباهة والاستحمار".
وتضمنت هذه المؤلفات عدة أفكار ومفاهيم وأطروحات أسهمت بشكل جلي في تحديد "الهوية الحضارية الإسلامية"، مجتمعا وأفرادا ومؤسسات، كذا العلاقة الحضارية بالآخر الغربي، ونشير فيما يلي إلى بعض هذه المتضمنات الفكرية..
إلى أي ذات تكون العودة؟:حيث يوضح شريعتي أن قضيته "العودة إلى الذات" تتضمن العودة إلى أصالة الذات، "أي العودة إلى الثقافة الإسلامية والأيديولوجية الإسلامية"، وإلى الإسلام لا كتقليد، أو وراثة، أو نظام عقيدة موجودة بالفعل في المجتمع، بل إلى الإسلام كأيديولوجية، وإيمان بعث الوعي وأحدث المعجزة في هذه المجتمعات.
كما أن عناية شريعتي بالذات واهتمامه بها جاء لإبراز تفرد "الذات الإسلامية" في مكوناتها وعناصرها عن غيرها من الذوات التي لا تحمل هذه الصفة "الإسلامية"، وفي ذلك يقول: "إن منطقنا هو الذات الإسلامية نفسها وينبغي أن نجعل شعارنا هو العودة إلى هذه الذات نفسها؛ لأنها الذات الوحيدة القريبة لنا ومنا من بين كل الذوات، وهي الثقافة الوحيدة التي لا تزال حية حتى الآن، وهي الروح والإيمان والحياة الوحيدة في المجتمع الآن".
ويؤكد شريعتي على مسألة "الوعي" كسبيل ضروري لتحرر الذات والعودة إليها عودة حقيقية، وهنا يؤكد على دور "الناس" أنفسهم، ودرجة وعيهم للوصول إلى هذا الهدف، "فإنه ما لم يصل الناس إلى الوعي، وما لم يصيروا هم أنفسهم أصحاب شخصيات إنسانية واعية، وما لم يرتقوا من مرحلة التبعية والتقليد لشخصياتهم الدينية والعلمية التي تحتكر القدوة والفتوى إلى مرحلة النضج الاجتماعي والسياسي يكون فيها القادة خاضعين لإرادتهم وخط سيرهم الواعي".
تحرير الذات من الابتلاء بمرض التغرب: فمن الآفات التي أشار إليها شريعتي في الشخصية المسلمة ابتلاؤها بمرض "التغرب" أو "التغريب"، وهي مرحلة وقع فيها فئة "المنبهرين بالغرب" و "المهزومين ثقافيا وعقديا"، وأرادوا لمجتمعاتهم نفس هذا المصير.
ويصف شريعتي هذه الفئة التي أصيبت بهذا المرض بأنهم هم "المخرفون الرجعيون المتعفنون المتحجرون، والعوام القدماء الذين استطاعت أجهزة الدعاية الغربية محو كل ملامحهم ومحتوياتهم التاريخية والثقافية والدينية والأخلاقية والإنسانية، وجعلتهم عصريين، فالعصري هو الإنسان الذي سلبوا منه كل ما يملك وحولوه إلى (بطن) حريص ملتصق بأجهزة الصناعة للرأسمالية العالمية فحسب".
دور المفكر في مشروع العودة
لا يعول شريعتي على مفكر بعينه في مشروعه الحضاري "العودة إلى الذات"، ولكنه يحدد صفاته الأساسية، ويصفه بالمفكر المستنير، وهو الذي يمتلك رؤية شاملة منفتحة ومتطورة وقدرة على إدراك أوضاع العصر والمجتمع الذي يعيش فيه وتحليلها منطقيا، وذو إحساس بالارتباط التاريخي، وذو رؤية واتجاه اجتماعي محدد، ولا بد له أيضا من إحساس بالمسئولية، وهي وليدة نفس ذلك الوعي الإنساني الخاص، الوعي بالذات والوعي بالعالم والوعي بالمجتمع.
وهذا الوعي هو أسمى ميزة في النوع الإنساني، وهو أكثر تجليا فيمن نضجوا من أفراد، هذا الوعي ليس فلسفة أو علوما طبيعية أو إنسانية أو فنونا أو صناعات وآدابا، بل هو نوع من الاستعداد للهداية وشعور بالنبوة وحاسة القيادة، نفس الطريق الخاص الذي كان موجودا عند الأنبياء، هو العلم الذي عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "نور يقذفه الله في قلب من يشاء"، هو نفسه الوعي والحكمة في القرآن.
ويتحدد دور المفكر في إيقاظ ضمير المجتمع ومنح الناس الوعي الذاتي، والتفسيرات الحياتية المختلفة للواقع الذاتي، والتفسيرات الحياتية المختلفة للواقع الأخلاقي والاجتماعي والثقافي، واستخراج المواد الخام للطاقات المعنوية والفكرية في تاريخ الأمة وثقافتها.
بناء الذات.. مبادئ وأبعاد
يظهر د. علي شريعتي في مشروعه "العودة إلى الذات" في صورة رجل تربوي تجديدي، يطرح المبادئ والأبعاد والأساليب التربوية التي تساعد في "بناء الذات" المنشودة، وهي عند شريعتي في عدة جوانب:
أ- محددات: يحدد شريعتي المقصود ببناء الذات، وهو عبارة عن "إعداد الذات ثوريا في صورة أصل وأصالة وهدف، أي أن يوهب الجوهر الوجودي للذات تكامله".
ب- المبدأ الأساسي: وتنطلق فلسفة بناء الذات من خلال مبدأ أساسي، وهو أن الإنسان صاحب دور في مسيرته التاريخية، وفي تغيير نظامه الاجتماعي، وذلك انطلاقا من وعي الإنسان وإرادته، واعتبارهما علة في مسيرة التاريخ والتطورات الاجتماعية.
ج- أبعاد بناء الذات هي: الحرية، والإحساس العرفاني، والجانب الأخلاقي.. حيث يؤكد أن بناء الذات في هذه الأبعاد الثلاثة يتم معا وبتناسق وباستمرار، أي أن تقدم الإنسان في بعد منها يفسر كمرحلة منفصلة عن المشاركة في بنية العصر، كما تشير أحكام الإسلام إلى ذلك، فالإنسان عندما يصل إلى سن التكليف يؤمر على الفور بمسئولياته الفردية، التي تحتوي على بناء الذات في نفس الوقت مع مسئولياته الجماعية، التي تشكل رسالته الاجتماعية والسياسية، فقد كُلف بالصوم والصلاة، في نفس الوقت الذي كُلف فيه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
د- أصالة بناء الذات: أكد شريعتي على عدة جوانب تبرز أصالة بناء الذات الثورية، وهي:
1- العبادة: المقصود من العبادة هنا هو الاتصال الوجودي المستمر بين الإنسان والله.. الله الذي هو منبع الروح والجمال والهدف والإيمان، وكل قيمنا الإنسانية، وبدونه يغوص كل شيء في مستنقع العبث واللامعنى والابتذال، والعبادة جهاد في محو الألوان العارضة، وتحطيم القوالب الاجتماعية الضيقة، وصقل الوجودية الحقيقية، واستخراج الكنوز الخفية للوعي، والوصول إلى حالة أكثر تقدمية من تلك التي وصل إليها عظماء العارفين في موروثنا.
2- العمل: ويوضح شريعتي معنى العمل في الإسلام بمفهومه الواسع؛ من حيث تضمنه العمل الديني الخالص والعمل الفكري، وكذلك العمل الاقتصادي، وبمعنى أكثر تفصيلا فإن كل عمل صالح سواء كان اقتصاديا أو سياسيا أو صحيا أو في سبيل الناس، يفسر كنوع من العبادة الدينية، حتى نوم الإنسان المؤمن وطعامه وكسبه عيشه.
3- النضال الاجتماعي: أكد شريعتي على ضرورة تكامل مفهوم النضال الاجتماعي مع العبادة والعمل، وذكر أن النضال الاجتماعي أعظم العوامل التي تكوَّن الوعي الذاتي.
4- تنمية النباهة والقضاء على الاستحمار: ويعرف شريعتي "مجتمع النباهة" بأنه المجتمع الذي يشعر فيه الفرد بمرحلة المصير التاريخي والاجتماعي للمجتمع، وعلاقته بالمجتمع والمقدرات الراهنة بالنسبة إليه وإلى مجتمعه، وعلاقته المتقابلة بأبناء شعبه وأمته، والشعور بانضمامه وارتباطه بالمجتمع، وشعوره بمسئوليته كرائد وقائد في الطليعة، من أجل الهداية والتحرير والحركة الشاملة تجاه شعبه وأمته.
أما الاستحمار فمعناه تزييف ذهن الإنسان ونباهته وشعوره، وتحريف مساره عن "النباهة الإنسانية" و"النباهة الاجتماعية"، فردا كان أو جماعة، وأي دافع عمل على تحريف "هاتين النباهتين" فهو دافع استحمار.
الدين الاستحماري
ويطرح شريعتي مصطلحا آخر أسماه "الدين الاستحماري"، ويقصد به الذين يستخدمون الدين بغرض التضليل، مثل قساوسة وباباوات العصور الوسطى في أوروبا، ويقول عنه: إنه الدين المضلل، الدين الحاكم، شريك المال والقوة، الدين الذي يتولاه طبقة من الرسميين الذين لديهم بطاقات الدين، لديهم إجازات للاكتساب، وفيها علامات خاصة تنبئ عن احتفاظهم بالدين، وأنهم الدعاة، ولكنهم من شركاء الاثنين المذكورين، السلطة السياسية والاقتصادية، فهذا الدين يسخر الناس كالحمير، أي يستحمرهم.
والمتأمل لمفهوم "الدين الاستحماري" يلاحظ البعد النقدي في فكر شريعتي، الخاص بهيمنة السلطان على الدين، أو إخضاع الدين لمصالح السلطان، وهي الصورة التي عاشها الواقع الشيعي في إيران في عهد الشاه، وتعيشها المجتمعات الإسلامية منذ زمن بعيد، حيث إن هيمنة فقهاء السلطان لا تزال مستمرة ومؤثرة بشكل قوي في عالم المسلمين اليوم، هؤلاء الفقهاء "يدعون للسلطان الظالم"، و "يطلبون من المظلومين الصبر"، و "يفتونهم بحرمة الخروج على السلطان"، فهؤلاء حقا يستحمرون الناس، والدين الذي يدعون إليه هو الدين الاستحماري، وهو الذي يقول عنه شريعتي إنه "يسلبني مسئولياتي تجاه مجتمعي".
تنقـية المذهب الشـيعي
من القضايا الفكرية الاستراتيجية عند شريعتي انشغاله بقضية تصحيح وتنقية المذهب الشيعي مما علق به من أمور خارجة عن خطه الصحيح الأصيل، وأسهم فيها بشكل واضح فرق الغلاة، وكذلك الدولة الصفوية..
واتخذ شريعتي في هذا الميدان منهجين؛ الأول: المنهج النقدي لحالة التشيع المعاصر، والثاني: المنهج المقارن بين التشيع الذي خطه "البيت العلوي" نسبة إلى الإمام علي بن أبى طالب (رضي الله عنه)، والتشيع الذي ابتدعته "الدولة الصفوية" عندما تبنت المذهب الشيعي الإثني عشري مذهبا رسميا لها في إيران في بدايات القرن العاشر الميلادي.
ويخلص شريعتي إلى وضع معايير للمقارنة والتصحيح بين التشيع العلوي والصفوي، وهي كما يلي:
الوصاية: في التشيع العلوي هي توصية من النبي بأمر من الله لتشخيص الفرد الأصلح طبق معياري العلم والتقوى، أما في التشيع الصفوي فهي: قاعدة تنصيب وراثي وسلالي للحكم على أساس العنصر والقرابة.
وبالنسبة للإمامة: ففي التشيع العلوي هي القيادة الثورية النزيهة الهادفة لهداية الناس وبناء المجتمع بناء سليما، والارتقاء به إلى مستوى الطموح والنضج والاستقلال، أما في التشيع الصفوي فهي هي الاعتقاد بعصمة الأئمة الاثني عشر باعتبارهم الوسيلة الوحيدة للتقرب إلى الله، ويلعبون دور الآلهة الصغار.
وفي حقيقة المذهب فإن التشيع العلوي هو تشيع الحب والمعرفة، تشيع الوحدة والعدل الاجتماعي في المجتمع والحياة، تشيع الاجتهاد والحرية، تشيع ثورة كربلاء والشهادة، تشيع التوحيد والاختيار، تشيع نصرة الحسين، تشيع الإنسانية.
لكن التشيع الصفوي بحسب شريعتي هو تشيع الجهل والفرقة، تشيع العدل الفلسفي لما بعد الموت، تشيع الجمود والعبودية، تشيع مصيبة كربلاء والموت، تشيع الشرك والجبر، تشيع ندب الحسين، تشيع القومية.
وبهذا النهج وعن طريق التحليل الفلسفي والتاريخي والمذهبي يوضح شريعتي الأبعاد الأصيلة للتشيع العلوي في مقابل ما دخل عليه من أفكار وأخلاق وممارسات التشيع الصفوي.
التقريب بين الشيعة والسنة
من المحاور المهمة عند شريعتي محور "التقريب بين الشيعة والسنة"، ويقول عنه في كتاب "الإمام علي": "الوحدة التي أؤمن بها وحدة الأمة الإسلامية وما فيها من مذاهب مختلفة تجاه العدو الخارجي.. وحدة الشيعة والسنة ضد العدو الخارجي.. توحيد الموقف داخل البيت الإسلامي على ما فيه من اختلافات ضد الإمبريالية والصهيونية.. هذه هي الوحدة".
ويرى شريعتي أن إثارة الخلافات بين الشيعة والسنة الهدف منها إشغال المسلمين عن الصراع القائم بين المسلمين والصهاينة، ويضيف قائلا: إن الاختلاف بين التشيع العلوي والسنة المحمدية ليس أكثر من الاختلاف بين عالِمين فقيهين من مذهب واحد حول مسألة علمية.
وفي النهاية.. لابد أن تكون هناك دعوة لقراءة فكر شريعتي بوعي وتأمل بهدف استخراج ما فيه من قيم تصلح لمعالجة قضايانا السياسية والاجتماعية والوحدوية والنضالية، والتي تسهم بدورها في بناء النهضة الإسلامية المنشودة على الصعيد العالمي، كما قررها القرآن الكريم.
وهنا لابد أن يلتفت القارئ العربي إلى مثل هذه القراءة الواعية، لعله يجد فيها ضالته التي ظل يبحث عنها عشرات السنين، مغلقا على نفسه أبوابا يظن دون طرقها أنها لا تفتح، وإن فتحت فإنها لا تفيد.
** د. حسان عبد الله متخصص في الفكر التربوي الإمامي
المصدر: موقع مدارك اسلام أون لاين