الخميس، 21 يونيو، 2012

ادوارد سعيد يتذكر حنا ميخائيل (أبو عمر) (1935-1976)

التقيته للمرة الأولى في أواخر الخمسينات في الولايات المتحدة، كنت طالبا في جامعة برنستون، فيما كان طالبا (من عمري نفسه) في كلية هافرفورد، وهي معهد مرموق للدراسات العليا تابع لطائفة "الكويكرز" تبعد حوالي خمسين ميلا عن برنستون. قدم إلى هافرفورد من رام الله حيث كان قد تخرج من مدرسة "الفرندز"، بينما تخرجت أنا من مدرسة داخلية أمريكية وقبل ذلك من كلية فكتوريا في مصر. كان حنا يدرس الكيمياء وكنت أدرس الآداب. وأعجبت فورا بتواضعه الجم وتهذيبه، إضافة إلى عقله الوقاد.في تلك الأيام لم يكن أيا منا مهتما بالسياسة، كانت رام الله جزأ من المملكة الأردنية الهاشمية، وكان العالم العربي آنذاك واقعا تحت تأثير جمال عبد الناصر الذي تضمنت دعوته القومية العربية نضال الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه المسلوبة، إلا أنها لم تؤكد على الطبيعة الخاصة لهذا النضال. كلا هذين الإطارين لم يثيرا اهتمامنا. وبعد حصولنا على شهادة البكالوريوس أصبحنا معا طالبي دراسات عليا في هارفارد. أذكر أنني رأيته هناك خلال الستينات، واذكر أيضا انه ابلغني بتغيير موضوع دراسته من الكيمياء إلي دراسات الشرق الأوسط (أصبح طالبا تحت إشراف المستشرق البريطاني الشهير جيب، الذي كان انتقل لتوه من أكسفورد إلى هارفارد)أنا شخصيا لم أكن معنيا بميدان الشرق الأوسط- إذ انصب اهتمامي على الانكليزية والأدب المقارن-، لكن اذكر أن حنا وصف تغيير موضوع دراسته باعتباره ضروريا لشخص مثله كان بحاجة لمعرفة المزيد عن التقاليد التاريخية لشعبه وتراثه. في عام 1965 أو 1966 شاهدته في نيويورك، كان يدرس العربية في برنستون، وكان طلق لتوه زوجته الأمريكية، كانت لقاءاتنا آنذاك متباعدة حيث كنت أعيش في نيويورك بينما كان حنا يزورها بصورة متقطعة. بعد 1967 انقطع الاتصال بيننا، بالرغم من أنني علمت من صديق مشترك أن حنا كان انتقل إلى جامعة واشنطن في سياتل ليصبح أستاذا مساعدا في دراسات الشرق الأوسط هناك. لم أره ثانية حتى صيف 1970. ومثل كل عربي من جيلي أصبت بصدمة عميقة إثر حرب 1967، وجرني ظهور "حركة المقاومة الفلسطينية" كما كانت تعرف في حينه، إلى النشاط السياسي، في آب (أغسطس) 1970 سافرت إلى الأردن كي أرى بنفسي ما حل بحركتنا. كما كان ناصر من أقربائي البعيدين وصديقا جيدا، وكان هو الذي مكنني من الاتصال برفاق عديدين في الحركة عندما وصلت إلى عمان كان حنا من بينهم بالطبع (كلاهما من رام الله ). لم أكن مستعدا لاستيعاب التحول الذي طرأ على صديقي الوديع وحتى المسالم، الذي أصبح الآن نصيرا متفرغا وعضوا في فتح مسئولا إعلاميا فعالا كلف بالاهتمام بالصحافيين والزوار الآخرين من الخارج. الشيء الرئيسي الذي كان عظمة وسخاء، مبادرته بالذهاب إلى عمان في المقام الأول، كان يحمل شهادة الدكتوراه من هارفارد ولديه منصب أكاديمي مضمون في الولايات المتحدة تخلى عن هذا كله واستعاض عنه بمستقبل مجهول، ناهيك بالمخاطر التي تحيط بموقع التطوع في حركة شعبية لما تنطلق بعد، وكانت تفتقد لمقومات الأمان وسط بيئة عربية، متفجرة ومعادية، ووضعت لنفسها فوق كل ذلك هدفا يكاد يكون جنونيا وهو تحرير فلسطين. لن ألمس قط أي تردد من جانبه في شأن قراره بالعودة، لم يشر إطلاقا إلى ما تركه وراءه، واعطاني دائما الانطباع بالتزام متين لرجل حدد مسار حياته وفق المبادئ الرائعة لتحرير وتنوير شعبه التي لم يحد عنها إطلاقا. منذ ذلك الوقت ظل مناضلا في صفوف فتح ، ولكنني لم أسمعه يوما ينبس بكليشهات سخيفة أو بأدنى تبجح. بمرور الوقت أصبح حنا ميخائيل يتمتع بسلطة ومكانة كبيرتين داخل الحركة، ولكن بخلاف كثير من نظرائه لم يسئ إلى مرؤوسيه ولم يتعال عليهم بمرتبته وإنجازاته المتفوقة. على غرار كمال ناصر، انحدر ميخائيل من خلفية مسيحية، وهو ما أشاطره إياه، وعند التفكير بالمسألة أجد أن ثلاثتنا تلقينا تعليما متباينا للغاية، وجئنا إلى النضال الفلسطيني من منطلقات متباعدة تماما. كمال كان بعثياً في الأصل، بينما كان حنا خريج "الكويكرز" وباحثا في شؤون الشرق الأوسط، أما أنا فكنت غربياً تقريباً في تعليمي ومعرفتي. لكن لم يشعر أحد منا بأننا أعضاء في أقلية، بالرغم من أننا كنا كذلك بالطبع. كلٌ منا بطريقته الخاصة اعتبر أن تراثه عربي-إسلامي و أن منظوره الثقافي أممي. كانت فلسطين هدفاً تحريرياً و ليست حركة محلية من أجل حكم ذاتي بلدي تحت وصاية أجنبية. نظرنا إليها باعتبارها جزءاً عضوياً في إطار حركات التحرر في العالم الثالث- علمانية و ديمقراطية و ثورية. كان حنا، على سبيل المثال، باحثاً في الفكر الإسلامي العربي. ووفر ذلك بالنسبة له استمرارية تراثية للأجيال اللاحقة من العرب كي ينطلقوا من جديد في مساعيهم لتحقيق الانبعاث الوطني والحرية. من جهة أخرى، لم يشعر أحدنا إلا بالفخر حيال خلفياتنا العائلية والطائفية التي ربما جعلتنا نبدو مختلفين بالمقارنة مع الكثيرين من زملائنا الفلسطينيين. لكن بالنسبة لنا نحن الثلاثة كانت المجتمعات المسيحية التي خرجنا منها بمثابة عناصر من الفسيفساء أكبر من حركات عربية وإسلامية ومنتمية إلى العالم الثالث ومعادية للاستعمار، كنا فخورين بأن نكون جزءاً منها، قد يختلف عنها و لكنه غير منفصل أبداً. كان حنا و كمال يثيران إعجابي دائماً، أنا الذي أكتب العربية و أقرأها بطريقة عادية، بفصاحة لغتها و وضوحها، مما يجعلني أسعى مذذاك إلى محاكاتهما. وقفت إلى جانب حنا في اجتماع جماهيري في عمان قبل "أيلول الأسود" مباشرةً. كان عرفات يخطب من شرفة منزل صغير معلناً "أننا" رفضنا "مشروع روجرز"، و أن القوات العراقية في الأردن التي يبلغ قوامها 15 ألف جندي أكدت للتو التزامها بالوقوف "معنا". أخذني حنا لملاقاة عرفات فور انتهاء خطابه، لكنه كان محاطاً بعدد كبير من الأشخاص مما حال دون التحدث بأكثر من التحايا الروتينية التي تسمح بها العادة مثل هذه المناسبات. إلا أنني أتذكر بوضوح شعور حنا بالانزعاج في وجود عرفات. أعتقد أن كلينا أحس بقوة أسلوبه الخطابي الميلودرامي، لكننا شعرنا أيضاً أنه بالرغم من قدرته على التحدث بلغة التحرر، فإنه كان ممثلاً عظيماً و سياسياً متفوقاً لا تربطه بالحقيقة إلا علاقة ٌ واهيةُ. لم تقدم القوات العراقية أي مساعدة، بالطبع.في الفترة 1972 إلى 1973 أمضيت سنتي الأكاديمية في إجازة دراسية في بيروت حيث كنت ألتقي كثيراً بحنا، الذي بدأت أعرفه باسم "أبو عمر" بصفته مسؤولاً عن الاتصالات بالطلبة والصحافيين وشرائح متنوعة من الشعب الفلسطيني في لبنان الذي أخذ بالتوسع. لم أعرف قط أين مسكنه و لم أزره هناك، كما لم أعرف الكثير عن حياته الشخصية إلا في وقت لاحق. خلال كل تلك السنوات قبل وفاته في 1976، بدا لي غارقاً تماماً في دوره كمسؤول سياسي في الحركة. و أثار إعجابي زهده المتناهي في الملبس ونمط الحياة. ازداد سمنةً بعض الشيء، إلا أنني لم أره يلبس أي شيء سوى البزة الكاكية. ولم يقد سيارة قط، ولم يستخدم في سلوكه إلا أسلوب الحديث البسيط البعيد عن التكلف تماماً. كان دائما يحرص على الإنصات، وحده بين رفاقي الفلسطينيين كان عندما يسألني عن التطورات في الولايات المتحدة ينتظر فعلاً أن أجيب. في العادة عندما كان يواجه إلي السؤال نفسه من قبل بعض المثقفين و "الأبوات" الآخرين كنت، كنت أنا الذي أضطر إلى الإنصات إلى محاضرة لمدة 90 دقيقة حول ما يحدث في الولايات المتحدة، معظمها ملتقط من مجلة تايم وبورصة الإشاعات في بيروت. أتذكر لأنني تحدثت مع حنا عن الحركة المناهضة للحرب في فيتنام، وعن نعوم تشو مسكي وآخرين ممن كان يحترم أعمالهم، وعن التطورات في المجتمع الصناعي- العسكري. أعتقد أنه كان أصبح حينئذ ماركسيا، ولكن كم كان يختلف عن زملائه في الحركة التقدمية! كانت مفرداته مليئة بالملاحظات عن المعاناة الإنسانية للبشر عن الحرمان والنبل، عن المأساة والأمل، عن العجز والتفاؤل. حادثتان في بيروت لا تزالان راسختين بوضوح خاص في ذاكرتي. غالبا ما كان حنا يزورني في غرفتي الصغيرة التي كنت استخدمها في منزلي كمكتب. وبينما كنا جالسين نراجع نبأ آخر غارة إسرائيلية على النبطية، عندما أنزلت طائراتهم الأمريكية الرعب والعقاب بالمدنيين الفلسطينيين واللبنانيين الأبرياء، كنت منزعجاً جداً من وحشية أعدائنا إلى حد أنني سألته: "هل تشعر بأي كره إزاءهم"؟ لم أصب قط بمثل ذلك الذهول، أولا عندما عبر عن استغرابه لسؤالي وثانياً عندما قال "كلا"، لا أعتقد أن في أمكاني ذلك. رأيت في لحظة واحدة أمرين: رقته بالجوهر كإنسان ومدى تفوق حنكته السياسية علي. كان قد ربط بحركة تقيه من المشاعر العابرة التي لا تنفع كثيراً في النهاية، كي يمكن أن تتطور عوضاً عن ذلك فلسفة والتزام سياسيان بعيدا المدى. علمتني إجابة حنا هذه الكثير عن التفاني والصبر. الحادثة الثانية وقعت في مطلع تشرين الأول (أكتوبر) 1972. كنت في المنزل مع عائلتي عندما رن الهاتف في وقت متقدم ليلاً. كان المتحدث حنا يسألني إذا كان في إمكانه أن يأتي مصطحبا جان جينيه للقائي، في البداية أعتقدت أنه يمزح لأن جينيه بالنسبة لي من عمالقة الأدب المعاصر، واحتمال أن يقوم بزيارتي كان مثل احتمال أن يزورني بروست أوتوماس مان. قال حنا: "كلا،أنا جاد. هل يمكننا المجيء الآن؟". حضرا بعد 15 دقيقة، وبقيا ساعات عدة. كتبت في أماكن أخرى عما قاله جينيه وفعله خلال تلك الفترة‘ لكن دور حنا يحتاج إلى شيء من التعليق هنا. من الواضح من "السجين العاشق" (le captif amoureux )- كتاب جينيه حول حبه للفلسطينيين الذي نشر بعد وفاته- أن " أبو عمر" كان يمثل شخصية بالغة الأهمية بالنسبة إليه كدليل وصديق ومؤتمن موضع ثقة. لم تكن لغته الفرنسية ممتازة لكنها كانت تفي بالغرض. وبينما رحت أتبادل الأحاديث مع جينيه تلك الليلة ، كان حنا يجلس هادئا في الظل ، يعلق بين حين وأخر، ويجيب على تساؤلاتنا مطلقا ضحكته على إحدى ملاحظات جينيه الثاقبة. لم يقحم نفسه قط في النقاش، لكنه ظل متواجدا بصبر وتواضع واقتدار. يبدو أن جينيه أحس بأن حنا، على غرار كثير من الفلسطينيين الذين صادقهم، كان يمثل نوعا من النقاوة وحتى لامبالاة شخصية غير أنانية كانت بالنسبة للكاتب الفرنسي العظيم تجسد جوهر الثورة الفلسطينية، بمرحها الرائع وقوتها الداخلية المذهلة ومثلها الجميلة. تملكتني تلك المشاعر نفسها تماما إزاء حنا عندما جلس هناك مع جينيه. وأبلغني لاحقا أنه أعجب بجينيه بسبب نفاذ بصيرته الشعرية إزاء " أعمالنا"، ولإحساسه بأن ذلك أكثر غنى من تحليل سياسي أكاديمي جاف. بجلوسه هناك كما فعل – ولو أن لقائي مع جينيه ما كان سيتم لولا حنا- جسد أبو عمر المبادئ السائدة السخية وغير التقليدية للثورة الفلسطينية. كانت لحظة إستناره بالنسبة إليّ . بعد أن بدأت الحرب الأهلية اللبنانية التقيت بحنا في بيروت بصورة متقطعة فقط، لكن بقينا دائما على اتصال وثيق. وبصفته رئيسا لطائفة الكويكرز في لبنان، رعى والد زوجتي إميل قرطاس حفل زواج بسيطا بين حنا وجهان الحلو وفق طقوس الكويكرز (كما يقضي القانون اللبناني)، وجمعتنا هذه المناسبة معا في بضع مناسبات اجتماعية. أدركت حينها أيضا كيف أن حنا بدأ ببطء يجمع حوله جماعة من أعضاء فتح المتماثلين في الرأي (كانت فتح بالنسبة إليه الحركة الوحيدة التي يمكن أن ينتمي إليها لأنها، حسب ما قاله لي ذات مرة، واسعة بما يكفي لتمثيل الجميع) الذين كانوا مستائين من الاتجاه السياسي للقوى المسيطرة. كان حنا مناهضا لانتهاك السلطة، ومناهضا للإنفاق التبذيري ونمط الحياة المبهرج، وكان من بين الأوائل الذين حذروا من النفوذ السيئ للبترو دولار. ورفض بعد ذلك بوقت قصير أن تكون له أي علاقة بالصحافيين والشخصيات الأجنبية ، معتبرا أن مهمته تكمن في إعادة تثقيف "نا" وقد حافظ على أسلوبه المتروي والجذاب والمتواضع لمعلم موهوب بحق لم يكن يلجأ إلى التلقين أو التوبيخ. لكنه عبر بلا كلل عن إيمانه بمبادئ الكفاح الشعبي والتحول الثوري التي كانت حاسمة لأي نصر فلسطيني حقيقي. أذكر ذات مرة أنه شكى لي حماقة التورط الفلسطيني في الشؤون اللبنانية، وكانت نبوءته صادقة لأن ذلك التورط أدى في النهاية إلى كارثة 1982. لكنه نظر أيضا بعدم ثقة إلى السياسات العربية التقليدية، التي كانت السياسة الفلسطينية أصبحت نسخة مبتذلة عنها. وأكثر من أي شيء احتقر عبادة البندقية وعبادة الفرد أدرك أنها تمنح إحساسا سطحيا وفوريا بالرضا، لكنها كانت تستغل بسهولة بالغة من قبل العناصر الانتهازية وغير المبدئية. خلال الأشهر التي سبقت وفاته أثار إعجابي كيف أن أفكار المعرضة انتشرت داخل فتح في بيروت. أخبرني عن رحلة قام بها إلى فيتنام الشمالية وكيف أنها عززت اقتناعه بالتفاني المتسم بنكران ألذات وبالتنظيم والانضباط الدقيق. بدأت أيضا أحدس- ليس لدي أي معلومات أعتمد عليها بإستثاء الأدلة غير القاطعة بعض الشيء من أصدقاء له- بأنه أخذ يثير قلق القيادة بمعارضته الجدية وتأثيره المتزايد على أولئك الذين كانوا يعملون معه. يجب أن أقول بكل أمانة وأسى أن اختفاءه المشئوم ثم وفاته اللاحقة في 1976 بدت لي بأنها كانت مواتية جدا لتلك العناصر في فتح التي وجدت أن المعارضة للمناورة السياسية والمحسوبية ولوي المبادئ تتجسد في صورة مزعجة تماما في سلوك حنا وفكره. جاء اختفاؤه بينما كان في ما يبدو أنها مهمة خُطط لها بصورة حمقاء للتوجه في قارب صغير وبدون حراسة من بيروت إلى طرابلس في مياه كانت تجوبها باستمرار دوريات تابعة للقوات الإسرائيلية ومليشيا الكتائب، نتيجة لتخطيط سيء للغاية وقدر كبير من الاستهتار غير المقبول. ولسنوات بعد النهاية المأساوية لحياته، غالبا ما فكرت بأن تلك الرحلة المشئومة حرمت الحركة الفلسطينية من واحد من أكثر كوادرها مبدئية وإنسانية. لذا لم يكن غريبا إن كثيرا من أصدقائه، وخصوصا زوجته الشجاعة جهان، رفضوا أن يقبلوا بحقيقة سقوطه في الأسر كشيء نهائي، وليس غريبا أن الكثيرين منا كانت لديهم مصلحة في إبقاء جذوة الأمل في إطلاقه وعودته. لكن يبدو لي أن حياته التي انتهت مبكرا بصورة مفجعة تكتسب حاليا أهمية أكبر. فحنا ميخائيل ليس بين المنتصرين في مسيرة السلام الحالية. ورفاقه في لبنان وأماكن أخرى لا يزالون في المنافي. والأسوأ من كل ذلك، في رأيي، أن الأفكار والمبادئ التي عاش ومات من أجلها، مبادئ التحرر الإنساني والتعايش الكريم بين العرب واليهود، والعدالة الاجتماعية والاقتصادية للرجال والنساء ، كلها وضعت في حال انحسار مؤقت ليس فقط بسبب لامبدئية حزب العمل الإسرائيلي، بل وبسبب تخلي الحركة ذاتها التي انتمى إليها عن المواقف المبدئية. إن فئة سائدة جديدة في الحركة تشدد على واقعية وبرغماتية تدعو الآن إلى صداقة غير مشروطة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تزال تمنح إسرائيل 5 بلايين دولار سنويا ولا تزال تعارض تقرير المصير للفلسطينيين كما يفهم هذا التعبير في أي مكان أخر في العالم. وما هو أخطر من ذلك، أن هذه الفئة السائدة تعتقد بأن الصفقات بين كبار الممولين هي أفضل ل "الشعب" من جهود الشعب ذاته. تركزت حياة حنا ميخائيل كلها على راديكالية ثاقبة، لا تقنع بالكليشهات المبتذلة للسياسة كمشاريع أعمال، ولا تقتنع بالشعارات الفارغة للديماغوجية الاحتفالية، وتزدري ضعف الكفاءة والمحاباة. لقد ايد حنا ميخائيل المبادئ والمثل ليست كأفكار تجريدية وهمية، بل كتجليات ملموسة في الحياة اليومية، بين رجال ونساء عاديين، للعربي واليهودي على السواء. وعند استذكار حنا كصديق وشخصية تاريخية في الكفاح من أجل الحرية والمعرفة الإنسانية، نحتاج للقبول بما يعتبره فالتر بنيامين مهمة المؤرخ، وهي حسب قوله أن يفصل المرء نفسه عن ما يُدعى بمسيرة التقدم، وأن يقدم بعدئذ تاريخا مغايرا للاتجاه الرئيسي الذي يبدو منتصرا. كان حنا ميخائيل مفكرا بحق. ما ذكرته عنه ليس وصفا عاطفيا أو مبالغا فيه. فقد احتفظ دائما بتواضعه وبساطته الأصيلة المستمدة من الكويكرز. لكن كما ينبغي أن يكون عليه المفكر، عاش وفقا لأفكاره ولم يفصل قيمه الديمقراطية والعلمانية لتناسب سادة جددا ومناسبات جديدة. وبالنسبة لكل فلسطيني اليوم، و في تناقض صارخ مع التنازل الكبير و الاستسلام المذل لزعمائنا، يمثل حنا ميخائيل نموذجاً لدور متميز، رجلاً لم يحط من شأن نفسه أو شعبه. لماذا؟ لأنه عاش أفكاره و مات في سبيلها. هكذا بهذه البساطة. و بالمثال الذي ضربه يعطي حنا درساً لأولئك الذين بقوا على قيد الحياة بعده.