السبت، 19 فبراير 2011

شرفة تطل على ميدان التحرير

ميدان التحرير.. مرآة لتحولات الوطن.. ومرتكزاً للوعي والذكريات
د. هبة رؤوف عزت
• أسكن في مكان، ويسكنني..أسكن في هذا الميدان الفسيح الذي تطل عليه شقتنا منذ ولدت، تجولت عيني منذ أيامي الأولى في أنحائه لترى من الشرفة العريضة البنايات الرابضة في جنباته وتلمح النيل عن بعد يجري كما الدم في وريدي ..
وفي الأفق صافح بصري منذ الطفولة مشهد الأهرامات عن بعد واضحاً كل صباح..لا يحجبه إلا الضباب أو رمال الخماسين. ميدان التحرير..قلب القاهرة..وقلبي.
أين تسكنين في ميدان التحرير؟!! في منطقة معروف؟ في ناحية باب اللوق؟ في اتجاه طلعت حرب؟ عند مجلس الشعب؟ في جاردن سيتي؟ ربما أكون قد سمعت هذا السؤال في عمري آلاف المرات. أسمع مجدداً صوتي يرد: "في الميدان".
باستغراب يأتي السؤال التالي:"وهل يسكن في ميدان التحرير "نفسه" أحد؟ أو ليست كلها مكاتب وعيادات وشركات؟" بل يوجد سكان أصليين..أسرتنا وعشرات غيرها، عاشت قبل زحف المكاتب والعيادات والشركات.
ملتقى الحضارات
كان والدي الذي ولد في العشرينات يسكن في بيت تملكه أسرة والدته في العباسية، وتنوعت أماكن عمله إلى أن استقر به الحال كضابط شرطة في إدارة الجوازات بمجمع التحرير بنهاية الخمسينات.. فقرر أن يسكن في أقرب مكان من عمله، ووجد شقة في واحدة من عمارتي سرباكيس التي تطل على الميدان والتي تقع في صف البنايات الذي يربط بين مدخل شارع طلعت حرب ومخرج شارع البستان.
صوري وأنا صغيرة تظهرني وأنا واقفة وخلفي المتحف المصري يبدو من بعيد وفي يمين الصورة فندق هيلتون النيل..وجزء من حديقة جامعة الدول العربية. لم تلتقط عدسة الكاميرا مبنى وزارة الخارجية الكلاسيكي القديم ومسجد عمر مكرم و المجمع ثم مبنى الجامعة الأمريكية ثم عمارة أسترا التي كان تحتها المقهى الشهير وكافيتريا زد والبناية العتيدة الأقدم ذات الطابقين على ناصية شارع التحرير، ثم مدخل شارع طلعت حرب.
من الحضارة الفرعونية القديمة التي يمثلها المتحف المصري ومشهد الأهرامات، والحضارة العربية التي ترمز لها جامعة الدول العربية، والإسلام الذي يؤذن في رحابه للصلاة خمس مرات من مسجد عمر مكرم ، وهوية النيل الذي يجري حراً ، وانتماء الدولة المصرية التي تمثلها وزارة الخارجية وبيروقراطية مبنى المجمع الضخم ، إلى خريطة العالم الذي يمثله فندق الهيلتون (والذي يقوم الآن مكان معسكرات الجيش الإنجليزي أيام كان الميدان في ظل الاحتلال يسمى ميدان الإسماعيلية ومن هنا جاءت التسمية بعد رحيل الاستعمار)، كما تمثله الجامعة الأمريكية...تشكل وعيي بالدنيا، من هذه الشرفة أطلت عيني على العالم، وتشكل أفقي تفكيري.
كنا صغاراً نعبر كوبري قصر النيل مشياً إلى نادي الشرطة أو النادي الأهلي أو نادي الجزيرة، في النادي الأول كنت وأخي خالد الذي يكبرني بعامين نمارس الرياضة من سباحة وتنس ، وفي الناديين الأهلي والجزيرة نشاهد والدي يدرب فريق الهوكي حيث كان كابتن الفريق في الخمسينات ثم مدربه في الستينات وحتى مطلع السبعينات..وهو ما أتاح له السفر لبلدان كثيرة في إطار البطولات الدولية معظمها من دول "عدم الانحياز" من الهند وباكستان حيث تنتشر اللعبة أكثر من البلدان العربية، إلى دول جنوب الصحراء في أفريقيا، فكانت معرفتي بهذا العالم وأسماء المدن وأحوال الناس مبكرة، بمثلما تعرفت على العالم الغربي من خلال عين أبي في زياراته الأخرى لأوروبا الغربية والشرقية والولايات المتحدة...
مدرستي الألمانية التي كانت تبعد عن بيتنا سبع دقائق مشياً على الأقدام أيضاً كانت مشهداً متنوع الوجوه، الراهبات اللاتي يمثلن الوجه المسيحي للحضارة الغربية، والمدرسين الذين يغلب على شبابهم الطابع الليبرالي وعلى الأكبر سناً منهم الطابع الصارم لجيل الحرب العالمية الثانية.
كانت تلك أطياف من الثقافة الألمانية لكنها كانت أيضاً أماكن، الراهبات يسكن في دار الراهبات الملحقة بالمدرسة حيث مساحة الرهبنة والعبادة في الكنيسة الصغيرة .
والمدرسون يسكن عقلهم مساحات الحداثة والنظرة العقلانية والفردية، والأكبر ذاكرتهم أسيرة مساحات الحرب ومعاناة ما بعدها. لكن بالمدرسة تجلت أيضاً مساحة الإسلام كهوية في أبلة كوثر التي أصرت على أن تشترك المدرسة في مسابقة المنطقة التعليمية للقرآن الكريم للمرة الأولى (وربما الأخيرة) في تاريخ المدرسة ، واختارتني لأن أمي كانت المرأة المحجبة الوحيدة التي تحضر مجلس الآباء في مطلع السبعينات، فحفظت الجزئين الأخيرين من القرآن وأنا ابنة سبع سنين وفزت بالمركز الثالث ، كما كانت مدرساتي من أبلة ماتيلدا إلى أبلة إيفون إلى مدام سوزان وغيرهن يفضن بروح مسيحية قبطية سمحة تخفف من وحشتي من مضايقات الراهبات الألمانيات والإدارة بعد أن ارتديت الحجاب في المرحلة الإعدادية .
الفقر المستور
كنت أذهب للمدرسة في صحبة مربيتي التي تسكن في قلعة الكبش بالسيدة زينب والتي تعرفت من خلالها على حواديت تلك المساحات من الفقر المستور الذي طغت عليه بعدها بعقود مظاهر الفقر العشوائي ، وكنا نقطع الطريق عبورا للميدان وانعطافا بجوار مقهى أسترا وسيرا أمام الجامعة الأمريكية ثم مدرسة الليسيه ثم بجوار محطة مترو حلوان ثم بجوار سوق باب اللوق المفتوح ثم المدرسة.
عندما بلغت التاسعة تحررت من صحبة مربيتي فأصبحت أسير في اتجاه إيزائيفتش وأعبر شارع طلعت حرب من ناحية الميدان إلى شارع التحرير من أمام محلات الخردوات والفول والطعمية والأدوات الكهربية ثم أمر من أمام محل "الصيرفي" الذي كان يبيع اللب والسوداني ويقابله على الجهة الأخرى محل تصليح الأحذية الذي كنا نتعامل معه ويملكه جورج وأخيه ، ثم أدلف إلى شارع يوسف الجندي لأصحب زميلة لي في الفصل تسكن في مواجهة باب "المبنى اليوناني" للجامعة الأمريكية، والذي يقع فيه في الشارع محل خردوات "يني" الذي اعتادت أمي أن تشتري منه الخيط والأزرار ، ثم يصب مسارنا في شارع محمد محمود في مقابل مدرسة الليسيه حيث كانت لجان مدرستنا لامتحانات الشهادات (الابتدائية والإعدادية والثانوية).ثم يسارا لطريقنا للمدرسة.
في المرحلة الإعدادية قرر والدي أنه بجانب القراءة يجب أن أتعلم مهارة ما ، فاشترك لي في أحد الأجازات الصيفية في دورة لتعليم الآلة الكاتبة (كان هذا عصر ما قبل ظهور الكومبيوتر الشخصي ثم المحمول) فدخلت مبكراً مساحة الجامعة الأمريكية بكل هيبة الأكاديميا في نفس طالبة الإعدادي، ثم ما لبث أن أرسلني وحدي في الأجازة التي تليها لزيارة أسرة نمساوية صديقة تعيش في فيينا لمدة أسبوع ، فعرفت أن العالم الذي أرى زواره من السائحين الذين يترددون على الميدان لزيارة المتحف المصري عالم واسع لكنه لا يعرف عن عالمنا شيئاً، وفي الصيف التالي استضفنا الإبنتين ردا للضيافة وتجولت معهما فاستكشفت مساحات جديدة من القاهرة القبطية ومواقع لم أزرها لآثار فرعونية وأماكن ومعالم في محافظات خارج القاهرة.
كانت عمارتنا أيضاً بذاتها تعبيراً عن جوار متنوع الثقافات والأديان، فقد كانت الشرفة المقابلة لنافذة غرفتي لجارتنا اليونانية التي تتحدث العربية بلكنة "جريجية" قوية جداً ، وفي الدور الرابع ثلاث أسر لها صلة بثقافات شتى ، فتسكن طنط "ليا" اللبنانية الأصل، وفي الجهة المواجهة لها شقة طنط روز التي كانت تمت بصلة قرابة لبديعة مصابني وكانت إمرأة كبيرة في السن ودودة، ثم في أقصى الطرف شقة محمد بك زكي الذي كان متزوجاً من طنط مارت الفرنسية التي أسلمت وأسمت نفسها ليلى وكانا يعيشان بمفردهما بعد أن ماتت ابنتهما الوحيدة في سن الشباب فكنت أزورهما بين الحين والآخر في وحدتهما ولما بدأت في تعلم الفرنسية في الصف السادس كانت تلك مناسبة للحديث بالفرنسية معهما والتي كان يجيدها "جدو زكي" منذ منحته الدراسية في فرنسا والتي تعرف خلالها على زوجته الرقيقة التي بقيت تهتم بشعرها وتصففه بطريقة كلاسيكية إلى أن مرضت وماتت بعد وفاته هو بقرابة العشرة أعوام، وكنت أسعد حين يطلق يرحمه الله عصفور الكناري من قفصه ويتركه يطير بين الحجرات بعد أن يغلق النوافذ وأبواب الشرفات .
كان اسمه نونوس وكان جدو زكي يناديه بصفير خافت فيحط على رأسه الكبير ذو الشعر الأبيض الكثيف الناعم فيضحك، ثم ما يلبث أن يعود لقفصه وهو يغرد.
في الطابق الثالث كانت تسكن طنط علية التي أسلمت لكن بقيت في كنف أخيها المسيحي لم تتزوج. باقي الجيران لكل منهم قصة سواء من السكان أو من الأطباء، قصص كثيرة ومساحات متراكمة.
مصر الحقيقية
خارج جدران العمارة كانت كل مساحة وسط البلد لي بمثابة الامتداد والمجال الحيوي لمنزلنا، كانت أمي تصطحبني منذ الصغر لشراء الأحذية من محل بامبينو بشارع قصر النيل والذي كان الطابق الأرضي فيه للملابس أما الأحذية ففي الطابق تحت الأرضي فكنا ننزل له بسلم صغير ما زالت أذكره، ولأن أمي كانت تجيد الحياكة، والتي تعلمتها منها، فقد كانت تشتري الأقمشة لكسوة الصيف أو الشتاء من محل سيدتي الجميلة أو محل الشانزيليزيه، وربما من الصالون الأخضر أو نسير حتى نهاية الشارع لمحمد محمود وربما امتد بنا البحث إلى شارع 26 يوليو.
في طريق العودة كنا عادة نقطع شارع عدلي لنمر على المعبد اليهودي ، ويقابله محل بابل في ممر كوداك الذي كان يبيع الأحذية المصنوعة بالطريقة القديمة باليد ذات النعل الجلد الطبيعي وليس أحذية المصانع ، من هناك كان والدي يشتري أحذيته (وكان حين يشتري من الخارج يفضل الأحذية الأسبانية)، ثم نقف عند منفذ بيع فيليبس ، وقد ندلف لشارع شريف لنقف في دار المعارف على ناصية شارع عبد الخالق ثروت نشتري كتب، ونستمر في الشارع نعبر التقاطعات إما نتوجه يسارا لنقف في قصر النيل عند " شالون" نشتري لأخي ملابسه أو لأبي بيجاماته، أو نستمر في شارع شريف حتى مبنى جريدة الأهرام القديم لنشتريها من " ملابس الأهرام
حين كبرنا وصرنا نتجول في وسط البلد أنا وأخي وأبناء عمي -الذي كان يسكن في عمارة أنور وجدي بشارع هدى شعراوي- في شوارع وسط البلد نشرب الـ"شوكولا جلاسيه" في محل البن البرازيلي أمام سينما مترو ونشاهد الأفلام في سينما وسط البلد، وقد نأكل السندوتشات من " ومبي" في طريق العودة.
لم يكن والدي يصحبني للتجوال في وسط البلد، فلم يكن لديه وقت، إذ كان بعد العمل يعود للغذاء ثم يذهب ليمارس هوايته للتدريب في النادي. المرة الوحيدة التي أذكرها هو يوم اصطحبني وأنا أرتدي فستان أحمر من الكروشيه ليتم تصويري فوتوغرافبا لتقديم أوراق المدرسة.
لم أكن معتادة على الخروج معه دون أمي، وحين ارتديت أجمل فساتيني وعلمت أن والدي هو من سيصحبني أخذتني الرهبة، وأمسكت بيده وأنا وجلة لنسير فقط لآخر الرصيف ، ندلف لشارع طلعت حرب وندخل بعد أن نتجاوز عمر أفندي بعدة محلات إلى " أكتينا" الفوتوغرافي الذي كان يبيع الكاميرات وكذا يقدم خدمة التصوير الأبيض والأسود.
أجلسني والدي على المقعد وقال لي من وراء الكاميرا:" أنظري للعدسة كي نصورك صورة دخول المدرسة". أحسست أن الأمر خطير فجاءت النظرة جادة وصارمة في عين العدسة، وهي الصورة التي حملتها شهادة المدرسة في مرحلة الروضة.
حين استقال والدي من خدمة الشرطة حتى لا يضطر للسفر متنقلاً بين المحافظات كما هي القواعد بعد أن انتهت مهمته في الجوازات- والتي طالت لظروف العدوان ثم الوحدة مع سوريا و حملته لدمشق ضابطاً للجوازات للتدريب لأسابيع، والتي من أجلها استقر نسبياً في وظيفة الجوازات، انتقل إلى العمل الجديد في وزارة السياحة، وكان مكتبه في ميدان الأوبرا.
كنت في أيام الأجازة تحملني قدماي وأنا أتجول في وسط البلد لأشتري أغراضاً أو كتاباً أو أزور زميلاتي اللاتي يسكن في المنطقة أمر عليه في مكتبه، ثم يحلو لي أن أمر بممر الكونتيننتال المغطى الذي كنت أجده فريدا في وسط البلد، ومع مرور الأعوام صرت أذهب أبعد في التجوال إلى ميدان العتبة ثم شارع الأزهر وصولاً للغورية ولجامع الأزهر ومسجد الحسين وخان الخليلي.
حين دخلت الجامعة كانت تلك مسيرتي المفضلة على الأقدام، من التحرير لخان الخليلي صباح الجمعة، أشم رائحة التوابل عند وكالة الغوري تملأ الهواء متسللة من جهة اليسار حيث الشوارع الضيقة تمتلئ بتجار التوابل ، ورائحة البخور أمام المسجد وعند مدخل الصنادقية قبل أن أتجه يميناً للخان وأسير فيه وقد أشتري شيئاً من الحلي الفضية ، وأسمع تلاوة قرآن الجمعة قبل الأذان.
الميدان كان موقعاً هاماً لأنه الأقرب لأرض المعارض، كنا في أجازة نصف السنة نزور معرض الكتاب يومياً، إلى أن تم نقله لمدينة نصر وبناء الأوبرا الجديدة، التي لم نعد نسير لها مشياً بل نركب المترو الذي بدأ مشروع الحفر فيه في عام حصولي على الثانوية العامة 1983 وحرمتنا أعمال الحفر من النوم شهوراً طويلة وأطارت عقل مربيتي التي كلت من تنظيف المنزل آنذاك
تحولات وطن
لكن الذكريات لا تقتصر على ميدان التحرير وحده ،بل لميدان عابدين مكان في الذاكرة، في العيد كنا نقصد في السبعينات الميدان لصلاة العيد، مشهد جليل كان يدير تفاصيله الإخوان، ثم ذات عيد في مطلع الثمانينات أغرقت وزارة الداخلية الميدان بالمياه تماماً ومنعت إقامة الصلاة به وحددت للناس أين يحتفلون وأين يصلون أو لا يصلون..فانتقلنا للصلاة أنا و"أخواتي" من الجيران لمسجد مصطفى محمود، وما زلنا.
مع تقدم العمر وازدحام القاهرة صار التجوال لمسافات في وسط البلد أصعب، لكنني ما زلت أشتري حاجاتي منها، الخردوات من بواباجيان لأن دكان "يني" أغلق أبوابه ، والأحذية أي من المحلات العديدة، فقد كبرت قدمي الصغيرة وحل مكان محل بامبينو متجر أحذية ضخم حديث للكبار، ومكان "سيدتي الجميلة" والشانزيليزيه متجرين لبيع نوع شهير من الملابس الجاهزة غالية الثمن واحد للنساء على اليمين والآخر للرجال على اليسار، ومكان محمد محمود كذلك محل ملابس حريمي له سمعته.
إيزائيفتش حل محله شركة سياحة ومطعم للوجبات الأمريكية، "أسترا" الذي كنت أمر أمامه متعوذة لأنه كان يبيع البيرة صار محلاً للوجبات السريعة الأمريكية (وما زلت أتعوذ)، و "زد" صار محلا لبيع البيتزا، والصيرفي صار محل ملابس وجورج غير نشاطه ليصبح محلاً لبيع الأحذية.
شهدت عبر السنوات تحول الميدان من العالمية للعولمة، اختفى مشهد الأهرامات التي كنا نراها بزاوية في الأفق أيام كان فندق سميراميس القديم قائماً، حجب المشهد عنا بناء سميراميس إنتركوننتنتال الحديث ، وبعد أن كان المشهد هو ميدان به نافورة ومساحات خضراء تم إزالة النافورة بدعوى تجديد الميدان ثم تمت محاصرة المساحة الممتدة أمام الجامعة العربية والهيلتون والمتحف بسور ومنع المشاة من الدخول من جهة شارع ميريت باشا وتحول المربع المغلق لمكان مهمل أجرد قبيح بعد الحادث الإرهابي أمام المتحف منذ سنوات ، تقف بأحد جهاته عربات الأمن المركزي تحسباً لأي خطر..أو مظاهرة .
وسط البلد لم تعد أيضاً مكان التسوق المركزي للطبقة الوسطى كما في الماضي، مع اتساع القاهرة نشأت أمكنة التسوق والتي بدأت بسور نادي الزمالك وتوسع ميدان روكسي ثم تغولت بظهور المولات كمساحات مغلقة لا ترى الشمس، ولكن ذلك لم يفقدها الجمهور المتنوع الذي ما زال يتجول في شوارع المنطقة ولا نقاطها المركزية: مكتبتي الشروق ومدبولي والمكتبات المتناثرة الأخرى، البنوك المركزي والأهلي وبنك مصر، السينمات التي يقصدها الشباب في وسط البلد، مقهى ريش والنادي اليوناني (مساحات أصدقاءنا من اليسار)، دار القضاء العالي وحديقة الأزبكية، والأرصفة الطويلة المتقاطعة التي تجعل للتسكع مذاقاً خاصاً ، ناهيك عن مركزية وسط البلد للحركة الاحتجاجية من" كفاية" لجبهات التحالف الأخرى في ميدان طلعت حرب وأمام نقابتي الصحفيين والمحامين، بل صار من معالم وسط البلد عربات الأمن المركزي بجوار جروبي تحسباً لمظاهرات حزب التجمع وحزب الغد.
ما زال يحلو لي أن أجلس في شرفة منزلنا ليلاً أو فجراً، تلمع أضواء القاهرة أمامي، وأنظر للميدان الخالي من زحام وضجيج النهار، أذكر أبي الذي كان يحب الشرفة ويجلس ليتأمل فيها مساءاً حركة الناس، وأسترجع ذكريات الطفولة والصبا والشباب، بقي الميدان بمعالمه الرئيسية، لكن مات الكبار وتحولت الكثير من الشقق لشركات سياحة ومكاتب مقاولات حتى لم يبق في العمارة سوى عشر شقق سكنية من أصل 39، والباقي أغلبه تتغير نشاطاتها كل عدة أعوام بحسب المستأجر للمكان، يذهب الناس ويجيئون، تتغير الوجوه وتتحول طبيعة المكان.. وما يغيب عن العين تحفظه الذاكرة فتتقاطع مشاهد الطفولة مع مشاهد الواقع، وتتماهى، فأتواصل مع المكان بمستويات وعي متعددة.
من هذه الشرفة المطلة على الميدان سمعت صفارات حرب الاستنزاف وأنا ابنة الأعوام الثلاث، وشاهدت الناس في مجموعات تعبر الميدان تبكي في طريقها لجنازة عبد الناصر بعدها بعامين وطالعت الميدان أيام حظر التجول يعد انتفاضة الخبز في السبعينات، ثم راقبته خالياً يعد أحداث الأمن المركزي في الثمانينات، ومزدحماً يوم ضرب العراق في مظاهرة لم يشهد الميدان مثلها، ومن بعدها صار ميدان التحرير محتلاً بالأمن لمنع المظاهرات والاحتجاجات.
كان الزمن يغير مساراته والقاهرة تستبدل أثوابها ..وكان هذا الميدان الفسيح مساحة.. وأفق ..ومرآة لتحولات الوطن.. والذات، ومرتكزاً للوعي ..والذكريات .. ثم صار اليوم مشهدا فارقا في تاريخ وطن..وأمة.

الأحد، 13 فبراير 2011

ثورتا تونس ومصر هزمتا اللعنة العربية

محمود حسين-مصر

بالنسبة لمحمود حسين، وهو اسم واحد لكاتبين هما بهجت الندي وعادل رفعت، استطاع التونسيون والمصريون ان يخرجوا من الفخ التاريخي القائل "إما ديكتاتورية وإما اصولية". صحيفة "ليبراسيون" (2 شباط 2011) التقت الثنائي محمود حسين وأجرت حوارا حول الحدث، هنا أهم مقتطفاته:
- من طهران وحتى الرباط مرورا بعمان ودمشق، الجميع عينه على مصر بعد تونس. لماذا؟
- هاتان الثورتان تعلنان للعالم العربي نبأ سارا: هناك مخرج للخلاص من الفخ الذي وجدت فيه هذه الشعوب منذ عقود. كان الخيار الوحيد المتاح امام هذه الشعوب، إما تكبّد الديكتاتورية الفاسدة والفاقدة للشرعية، وإما القبول بمجيء أحزاب اصولية هي وحدها القادرة، كما كنا نعتقد، على اسقاط هذه الديكتاتوريات. تونس قطعت مع هذه اللعنة، ومصر نسفتها من اساسها، بفضل ثقلها السياسي والديموغرافي. كلاهما بيّنتا ان هذه اللعنة انما هي خدعة، وان خيار الحرية والكرامة والقانون متوفر، واننا لسنا امام سراب من صنع مثقفين مهلوسين، بل اننا على العكس، امام رغبة عميقة ومشتركة. ان شجاعة ودأب ونضج الشعب التونسي، سمحت له بأن يؤكد على هذه الرغبة ومواصلة المناداة بتحقيقها على الرغم من القمع الوحشي، وذلك حتى بلوغ النصر الحاسم، اي سقوط بن علي. من هنا تحول الحدث التونسي إلى مثال ونموذج؛ فهو وضع حدا نهائيا لنغمة "العجز". هنا الشعب ربح، خلافا لما حصل في ايران اثر الانتخابات الاخيرة حيث خسر الشعب. وفي الخيال العربي... هذا يغير كل شيء... الآن الكلمة هي للشعب المصري. حتى هذه اللحظة اعترف الجيش بشرعية مطالب الشعب وأكد على انه هنا لحمايته وحماية الحرية.
- هل هناك فروقات بين مختلف حركات الاحتجاج هذه؟
- طبعا هناك فروقات. ولكن مصر بيّنت انه بصرف النظر عن هذه الاختلافات، فان هناك جانب من الوضعية مشترك بين كل الانظمة العربية غير الدينية. وهذا المشترك هو درجة الخطورة الذي بلغوها: أزمة سياسية واخلاقية بقدر ما هي أزمة سوسيولوجية واقتصادية. انهم يكرهون قادتهم الذين فقدوا الاحترام ولا يحكمون الا بالخوف. وجاء الشعب التونسي ليقول بأنه يكفي التغلب على هذا الخوف... ومصر اليوم تبذل جهدها لتعيد تأكيد انتصارها هي ايضا على الخوف.
- كيف تخلق الثورة؟
- منذ شهر لم يكن احد ليراهن على سقوط بن علي أو حسني مبارك. لا يكفي ان تلاحظ بأن في هذا البلد او ذاك، هناك عوامل لإشعال ثورة. هناك كيمياء خاصة، مرتبطة جوهريا بمجريات الاحداث؛ وهذه الكيمياء هي التي تحول كل عوامل الثورة إلى مجرى واحد، يفجر الثورة. لا يكفي ان يكون عندك يورانيوم مخصّب لتفجر قنبلة ذرية؛ بل عليك ايضا ان تجد الصيغة التي تسمح باطلاق انفجارات متسلسلة. في السياسة هذه الصيغة غامضة، لا تستطيع توقعها. تونس اكتشفتها في طريقها، وها هي مصر تلتقطها. ويمكننا الاشارة إلى أمر، فيه شيء من العمومية: ان شعبا بأسره لا يواجه المخاطر الرهيبة لأية ثورة فقط لأن المجتمع ظالم. بل عليه ان يصل إلى قناعة بأن هذا الظلم غير شرعي، غير مسموح به. بورقيبة وعبد الناصر كانا بالنسبة لشعبيهما آباء الاستقلال. اما بن علي ومبارك فليسا سوى عرابين محاطين بزمر مافياوية.
- هل هناك أيضا عوامل سوسيولوجية؟
- التعبير عن الحاجة إلى الفردية يقترن بولادة الوجه الحديث للفرد. الفرد، من هو؟ انه الموظف والاستاذ الجامعي والطبيب والمهندس. انه ايضا، شيئا فشيئا، العامل في المصنع. انه فاعل اجتماعي جديد، ولد بمبضع الجراح، وتحت الضغط الكولونيالي، وانطلاقا من تفجّر البنى التقليدية، القبلية منها والمدينية والقروية على حدّ سواء. قبل بزوغ هذا الفرد، لا معنى للمطالبة بالحرية الفردية، فالزعيم التقليدي يتكلم من أجل اهله ويقول كل شيء. ومع بزوغ الفرد، بدأت تظهر تطلعات جديدة، وتعبر عن نفسها. في العالم العربي، هذه التطلعات خرقت الأوساط الدينية، وقد أدت بدءا من نهاية القرن التاسع عشر، إلى قيادة العالم العربي نحو الاصلاح الديني، الذي بدوره سوف يلهم القادة الأول للحركة الوطنية في بداية القرن العشرين. آنذاك ساد السؤال: كيف يمكننا طرد المحتل؟ فكان الجواب: بسرقة سرّ تفوقه، أي بالانفتاح على فكر التنوير، أو برفض هذا السر والتقوقع على الأصولية الدينية. الحركة الوطنية هل ستكون على قاعدة علمانية ام اصولية دينية؟ التاريخ حسم الأمر وربح الوطنيون العلمانيون الجولة. في تلك الفترة، قام المثقف المصري الكبير عبد الله النديم بصياغة هذه الجملة الشهيرة: "المستعمِر هو في الآن عينه عدونا واستاذنا". واثناءها ايضا ولد حزب "الوفد" في مصر، وحزب الدستوري الجديد في تونس، وحزب الاستقلال في المغرب، وحزب البعث في سوريا والعراق، وجميعهم دعوا إلى فصل الدين عن السياسة، وفصل المجال العام عن المجال الخاص، والمساواة بين المواطنين، مهما كان دينهم، والتقدم الحثيث لوضع المرأة.
- ان آباء الاستقلال نشأوا كلهم وسط هذا المناخ. فهل عزّزوا الفرد أم حجروا عليه؟
- خلال فترة صعود الدولة الوطنية كانت التطلعات الفردية للحرية والتطلعات الجماعية نحو الاستقلال تتشابك في ما بينها. كان الفرد فيها يكتسب شعورا اضافيا بالكينونة، نوعا من الكرامة الباعثة على الغبطة، وهو يتقاسمها مع مجمل مواطنيه. ولكنه، بالمقابل، يقوم بذلك باسم الوحدة الوطنية، ووصاية الزعيم، البطل الكاريزماتي. اما الخطأ التاريخي الذي لا يغتفر، والذي ارتكبه مجمل هؤلاء القادة، فهو مصادرتهم هذا السند الشعبي لصالحهم، واحتكارهم لكل المبادرات السياسية وقمع النوايا الديموقراطية الصاعدة للطبقات المتوسطة والشعبية. هكذا تمكنت جدلية الفساد والبؤس من الاستقرار، لتجرّ من بعدها خيبات متلاحقة. ومع رحيل الآباء المؤسسين، أدت هذه الجدلية إلى نزع الشرعية عن ورثتهم. لحق ذلك مرحلة طويلة من اليأس والعجز، ازدهرت اثناءها الاحزاب الاصولية الداعية إلى عودة الدولة الدينية. الثورتان التونسية والمصرية أنهتا هذا العهد بالتحديد (...)

أيها المتضامنون... ضدكم

محمد علي مقلد - صيدا
ما يجري في تونس ومصر كان ينبغي، حسب منطق التاريخ الحديث، أن يحصل قبل ذلك، في مرحلة الاستقلالات أو قبل ذلك (مع مجيئ نابليون إلى مصر مثلا). فما طرحه التاريخ على الأمة العربية وعلى سواها من دول العالم هو أن الحضارة الرأسمالية الزاحفة للتمدد على كل الكرة الأرضية، وبعد ذلك نحو أعماق البحار وإلى أعالي السماوات، هذه الحضارة عرضت علينا، نحن العرب كما على سوانا، الدخول إلى رحابها، بالقوة والاحتلال المباشر كما في الهند أو في الصين، أو بالسلم والحذو حذوها كما في اليابان.
العالم العربي اختار أن يرد سلبا على هذا العرض، رافضا الدخول في التاريخ الحديث، وكانت له مبرراته وذرائعه، وعلى رأسها الاستعمار والصهيونية، الذريعتان اللتان باسمهما مارس الحكام العرب كل صنوف القهر والاستبداد في حق شعوبهم. ثم جاء ما يتناغم مع الذرائع حين قامت الثورة البلشفية الاشتراكية التي دعت إلى محاربة الرأسمالية وإلى بناء النظام الاشتراكي على أنقاضها، ثم حين قامت الخمينية لتعلن الحرب على الشيطان الأكبر.
ما يجري اليوم في مصر وتونس، وما سيحصل في سواهما بقوة التاريخ، هو نقد ذاتي قاس لمرحلة عدت ناصعة في تاريخنا، لكنه ليس نقدا انقلابيا على طريقة أصحاب القبعات العسكرية ولا على طريقة العمائم، إنه نقد يحفظ لعبد الناصر مجد نهوض عربي عارم، ولليسار مجد تضحيات من أجل القيم الكبرى، وللحركة القومية العربية بناصرييها وبعثييها وشيوعييها وإسلامييها مجد مواجهات كبرى مع "الاستعمار والصهيونية والرجعية".
النقد التونسي المصري لا ينقلب على هذه الأمجاد، بل على الاستبداد الذي مورس بحق الشعوب العربية باسم هذه الأمجاد. ذلك أن باب الدخول في الحضارة الحديثة، إن جاز اختصاره في كلمة، هو نهاية عصر التوريث السياسي، نهاية عصر الممالك والأمبراطوريات والسلاطين، وبداية عصر الحريات والديموقراطية وحقوق الإنسان، ومن المؤسف أن تكون مرحلة الأمجاد الناصرية القومية اليسارية قد تأسست على حكم التوريث والقضاء على بذور الديموقراطية الفتية في حينها.
العالم العربي ظل وحده على الكرة الأرضية محكوما بالوراثة. حتى في الأنظمة التي كانت تعتمد الانتخابات كان يتم اختيار الحاكم فيها بالوراثة أو بالتمديد أو بالتجديد، أو بانقلاب الشقيق على الشقيق والضابط على الضابط والمعمم على المعمم، أسماء مختلفة لمسمى واحد هو التمسك بسلطة "إلى الأبد"، سلطة كتبت أبديتها بأحرف من نار وحبرها من دماء الشعوب وعرقها. انظروا إلى الأمة من المحيط إلى الخليج، فيها أكبر المعمرين من الحكام، فيها عميد الحكام في العالم، وحكامها يخيرون شعوبهم بين اثنين : إما حكمهم الأبدي وإما الحروب الأهلية.
ذريعتنا، نحن شعوب الطوق، إسرائيل. لنقل جدلا، نعم. إسرائيل التي تتجسد فيها كل قبائح التاريخ السياسي، العنصرية والتوسعية والعدوانية والشوفينية والإجرام، الخ. لكن ما علاقة إسرائيل بإمعان حاكم السودان في تفتيت بلده أو في إمعان الصومال في التقهقر نحو القرون الوسطى، أو في اليمن حيث الرغبة جامحة في التمسك بالبداوة والقبيلة والعشيرة على حساب القانون، أو في الجزائر والصومال والسودان والعراق حيث الحروب الأهلية هي الخيارات الوحيدة المتاحة أمام الشعوب، إذا لم يبق الحاكم حاكما. حتى الحرب الأهلية في لبنان هي بنت هذا العقل ذاته، عقل الاستبداد الأبدي الذي يمارسه علينا سياسيون خارجون على كل قانون، عقل الاستبداد العربي الذي لم يرضه أن تقوم ديموقراطية في هذا الشرق وتهدد عروشهم الموروثة.
في مصر، كما في تونس، لم ترتفع راية من تلك التي كانت ترتفع في التظاهرات اليسارية أو القومية أو تظاهرات الإسلام السياسي، لا الاشتراكية هي الحل ولا الإسلام هو الحل ولم نسمع تنديدا بأحد أو بدولة خارجية. مسألة واحدة جمعت الثوار : الحرية ودولة القانون والمؤسسات.
في مصر، كما في تونس، لم نلحظ تنافسا على مسرح الأحداث، بل قيادة مستترة تشبه تلك التي وجهت الثورة الفرنسية، قيادة قد تكون مغمورة وقد تكون مخضرمة وقد تكون متعددة المنبت، لكنها طالعة بالتأكيد من شعور عارم بالوحدة الوطنية، أي بالانتماء إلى وطن هو تونس، وهو مصر، وفي غمرة هذا الانتماء تذوب الفوارق والاختلافات كلها من أجل هم واحد أوحد : دولة عصرية تعلن نهاية عصر التوريث السياسي.
في مصر، كما في تونس، تجمّع وعي سياسي جديد، بالفايسبوك والنضال الإلكتروني وليس بمكبرات الصوت والسبابات والخطابات الحماسية والشحن العاطفي الشوفيني ضد عدو خارجي. بل إن الثورتين عزمتا، لأول مرة في تاريخ الأمة العربية، أن تصوبا على عدو، بل على خصم داخلي، ولأول مرة في تاريخنا تعلن جماهير بمئات الآلاف سأمها من الخطاب الأجوف الذي يقوم عصبه على نظرية المؤامرة، وإصرارها على أن الأزمات ذات أسباب داخلية بالدرجة الأولى وأن حلولها ينبغي أن تبدأ من الداخل.
إنها إذن ثورة من أجل الديموقراطية، غابت عنها الشعارات الكبرى المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع مع الاستعمار والإمبريالية. إنها ثورة بسيطة تختصر مطالبها بتأسيس دولة عصرية تقوم على تداول السلطة: دولة القانون والمؤسسات والعدالة والكفاءة وتكافؤ الفرص، الخ.
الذين يتضامنون مع الثورتين التونسية والمصرية، خارج تونس ومصر، يسقطون عليهما مفاهيم وأهدافا من خارج سياقهما، وأحيانا يقيسونهما بعكس ما يريده أهل الثورتين، وقد ظهر ذلك التضامن خجولا أحيانا وسافرا أحيانا، لكنه تضامن لم يعبأ به اهل الثورتين، بل لعل من غير المبالغة القول إن بعض هذا التضامن كان مسيئا للثورة وعده الثوار مساسا بالسيادة الوطنية وتدخلا في الشؤون الداخلية (التضامن الإيراني والتصريحات الأميركية وبعض التضامن اللبناني مثلا).
هي ثورة جديدة حقا، بل هي الثورة الوحيدة الحديثة التي قامت في كل أنحاء الأمة العربية. كل ما عداها وما سبقها من "ثورات" لم يكن سوى انقلابات عسكرية أو عمائمية كما حصل في إيران الخمينية، ذلك لأن الثورة تعني أول ما تعني، ليس فقط تغيير الطقم الحاكم، بل تغيير في النظام الاقتصادي الاجتماعي، ومن باب أولى تغيير في بنية النظام السياسي، وقد تكون هذه الانقلابات قد قامت بتغييرات كثيرة لكنها جددت أنظمة الاستبداد وضرب الديمقراطية.
إنها ثورة جديدة حقا لأنها تفتح الآفاق واسعة أمام انتقال بلدان الأمة كلها من أنظمة الوراثة إلى أنظمة ديموقراطية. ذلك يعني أن هذا المجد لا يستحقه إلا الديموقراطيون، أفرادا وأحزابا وأنظمة. أما الأحزاب الشمولية المعادية للديموقراطية، وأنظمة الحزب الواحد، وأنظمة قمع الحريات فلا يحق لها حتى التضامن مع الثورتين، لأنهما ثورتان ضد الاستبداد، ضد كل أنواع الاستبداد السياسي والديني والعسكري الخارجي والداخلي، أي ضد من يتضامن معها من هؤلاء المستبدين.
وحده جيل الشباب هو صاحب الثورة، ولن يسمح بأن ينضم إليه إلا من عمل على تنظيف سجله الاستبدادي بالنقد الذاتي الشجاع للمرحلة القومية الشوفينية البعثية والناصرية والشيوعية والإسلاموية.

الجمعة، 11 فبراير 2011

The Egyptian Uprising Is a Direct Response to Ruthless Global Capitalism

By Nomi Prins

http://www.alternet.org/story/149793/

The revolution in Egypt is as much a rebellion against the painful deterioration of economic conditions as it is about opposing a dictator, though they are linked. That's why President Hosni Mubarak's announcement that he intends to stick around until September was met with an outpouring of rage.
When people are facing a dim future, in a country hijacked by a corrupt regime that destabilized its economy through what the CIA termed, "aggressively pursuing economic reforms to attract foreign investment" (in other words, the privatization and sale of its country's financial system to international sharks), waiting doesn't cut it.
Mohamed Bouazizi, the 26-year-old Tunisian who catalyzed this revolution, didn't set himself on fire in protest of his inability to vote, but because of anguish over his job status in a country with 15.7 percent unemployment. The six other men in Algeria, Egypt and Mauritania who followed suit were also unemployed.
Tunisia's dismal economic environment was a direct result of its increasingly "liberal" policy toward foreign speculators. Of the five countries covered by the World Bank's, Investment Across Sectors Indicator, Tunisia had the fewest limits on foreign investment. It had opened all areas of its economy to foreign equity ownership, except the electricity sector.
Egypt adopted a similar come-and-get-it policy, on steroids. From 2004 to 2008, as the world economic crisis was being stoked by the U.S. banking system and its rapacious toxic asset machine, Mubarak's regime was participating in a different way. Mubarak wasn't pushing subprime loans onto Egyptians; instead, he was embarking on an economic strategy that entailed selling large pieces of Egypt's banks to the highest international bidder.
The result was a veritable grab-fest of foreign bank takeovers in the heart of Cairo. The raid began with Greek bank, Piraeus, taking a 70 percent stake in the Egyptian Commercial Bank in 2005, and included the sale of Bank of Alexandria, one of the four largest state-run banks, to the Italian bank, Gruppo Sanpaolo IMI in 2006. For the next two years, "hot" money poured into Egypt, as international banks muscled into Egypt and its financial system, before the intensity leveled off in 2008.
While foreign banks were setting up shop, Egypt also eliminated the red tape that came with foreign property investment, through decree number 583. This transformed the country, already a tourist hotspot, into a magnet for global real estate speculation. (Something that worked out really well for Ireland.) Even one of Goldman Sachs' funds got in on the game, buying a $70 million chunk of Palm Hills Development SAE, a luxury real estate developer.
Other countries in the region, such as Jordan, where the unemployment rate is 13.4 percent, and the poverty rate 14.2 percent (as in the U.S.), tried to mimic Egypt's "open" policies, in varying degrees. That's why eight of the 21 banks operating in Jordan are now foreign-owned, and its insurance market is dominated by U.S.-based, MetLife American Life Insurance Company. But it was Egypt that did it best.
From 2004 to 2009, Egypt attracted $42 billion worth of foreign capital into its borders, as one of the top investment "destinations" in the Middle East and Africa. "Hot" money entry was made easy, with no restrictions on foreign investment or repatriation of profits, and no taxes on dividends, capital gains or corporate bond interest. As a result, volume on the Egyptian stock market swelled more than twelve-fold between 2004 and the first half of 2009.
Egypt and the United Arab Emirates even eliminated minimum capital requirements for investment, meaning that speculators could buy whatever they wanted, with no money down, a practice that didn't exactly impel them to stick around for long.
But, as we learned in the U.S., what goes up with artificial helium plummets under real gravity. Starting in the second half of 2009, oil prices fell and foreign banks slashed their capital holdings in Arabic nations. The hot money was cooling off. Even in the oil-rich UAE, the speed of capital outflow set foreign capital levels back to where they were in 2004, demonstrating how temporal, deceptive, fickle and irresponsible international speculative capital is. When hot money gets cold, it moves on, leaving vast economic devastation in its wake.
Not surprisingly, those foreign speculation strategies didn't bring less poverty or more jobs either. Indeed, the insatiable hunt for great deals, whether by banks, hedge funds, or private equity funds, as it inevitably does, had the opposite effect.
Whenever hot money hones in on a geographical location or financial product, it creates the appearance of economic enhancement (such as with our GDP growth based on financial services, for instance). But, on its way out the door, that mirage is replaced with harsh decline.
In March 2010, in an effort to keep foreign capital coming in, Egypt's Ministry of Investment presented the country's virtues to investors in a glossy "Invest in Egypt" brochure. The document proudly cited Egypt as being one of the world's top 10 "Reformers," as reported by the World Bank and International Finance Corporation's (IFC). The World Bank's definition of "reformer" has nothing to do with conditions for citizens, and everything to do with the degree and speed to which "hot" international money can zoom in and out of a country. Egypt had made the top 10 "Reformers" list for four out of the past five years (a distinction shared with Colombia, where urban unemployment has risen to over 13 percent).
Ironically, the Ministry's brochure touted the large college graduate population entering the job market each year -- 325,000. The same graduates are the core of the current revolution. They failed to find adequate jobs and are faced with an official unemployment rate of just below 10 percent (though, similar to the U.S., that figure doesn't account for underemployment, poor job quality or long-term prospects). Meanwhile, 20 percent of Egypt lives in poverty (compared to 14 percent and growing in the U.S.) and 10 percent of the population controls 28 percent of household income (compared to 30 percent in the U.S.).
When a country relinquishes its financial system and population's economic well-being to everyone else's pursuit of "good deals," the fallout will be substantial. Sub-prime lending may not have been one of Egypt's problems as it was in the United States, but soured foreign real estate investment was. Also, foreign banks persuaded Egypt to issue complex securities with crazy derivatives in them (shades of Greece). Those securities plummeted in value as foreign speculators shunned them. Today, credit default swap spreads on Egyptian debt (and that of other Arabic countries) have substantially dropped in value, as international speculators are betting on further upheaval, targeting Egypt like just another number on a dartboard.
Citizens protesting in the streets from Greece to England, and more demonstrably, from Tunisia to Egypt, may be revolting for national reasons and against individual governments, but they share a common bond. They are revolting against a world that lines the pockets of rich deal-makers while sticking the tab to ordinary people. That bond is global. Related protests could reach Colombia and Ghana -- and maybe someday, the United States.
For in the United States, economic statistics are no better. By certain measures, like income inequality, they are worse than in Egypt. But we have no evil dictator to be a common focus for, say, an American economic revolution. Here, we freely elect the politicians who campaign with corporate funds and deregulate our financial system, who bail out entire banks instead of individual mortgage holders, and who keep corporate tax receipts low while increasing audits on small businesses and struggling individuals. Here, we elect the leaders who govern our growing income inequality, and wonder how Wall Street can pay itself another round of record bonuses.
In that respect, as difficult as conditions are in the Middle East, there may be more hope for economic change to rise from those revolting populations. It may not come from simply overthrowing the current regime, given the entrenched "liberalization" strategies, but it is certainly an excellent start.

الرجوع إلى الوطن

د. نبيل مرقس
كلمة ألقبت في ميدان التحرير مساء الأربعاء الموافق 9 فبراير في سياق احتفال شباب 25 يناير بذكرى الأربعين لشهداء حادث كنيسة القديسين
.
عندما عاد أمير الشعراء أحمد شوقي من المنفى عام 1920 إلى أرض الوطن بعد انتهاء إحداث ثورة 1919 ، خاطب مصر الثورة التي أضناه الشوق إليها بهذه الأبيات :
ويا وطني لقيتك بعد يأس كأني قد لقيت بك الشبابا
ولو أنى دعيت لكنت ديني عليه أقابل الحتم المجابا
أدير إليك قبل البيت وجهي إذا فهت الشهادة والمتابا

أظن أننا جميعا شبابا وكهولا نلتقي من جديد بوطننا الحبيب ذا الوجه المضيء الممتلئ حماسا ونضرة وحيوية بعد أن أضنانا جميعا اليأس والركود والانتظار الطويل في غياب لأي بارقة أمل أو رجاء. ميدان التحرير الذي جعلتم منه ميدانا للحرية أضحى اليوم بعد انتفاضتكم المجيدة وجها مضيئا للوطن وقلعة للحرية في مواجهة الطغيان ، وشبابنا الزاهر الذي اختطف مخلصا وهج العصر وجذوة الحداثة من براثن الاستبداد وأضاء بهما حياتنا اليومية المعتمة ، لا بد وأن نعترف به جيلا جديدا مفرحا ولد عملاقا على أياديكم الطاهرة يوم أيقظتم مصر من سباتها العميق يوم طرقتم بغير وجل أبواب العصر وأضأتم بفعلكم المخلص لنا جميعا شعلة الأمل بعد أن انعدم منا كل رجاء. لقد وحدتنا في الأيام الأخيرة شدائد كثيرة وجمع الموت بيننا، فتجاور شهداء ليلة رأس السنة في كنيسة القديسين بالإسكندرية مع شهداء أسبوع الغضب من شباب الانتفاضة مسددين عنّا جميعا ضريبة الحياة الحرة الكريمة. لقد حاولوا بغير جدوى أن يسرقوا منّا روح الوطن ، وضربونا معا مرة بالمتفجرات التي دسّوها في ساحة كنيسة القديسين ومرات بالعصي وقنابل الغاز والرصاص المطاطي والرصاص الحي الذي أصاب صدوركم العارية عندما نطقتم بالحق في وجه حكام الوطن.
لكننا تعلمنا منكم ألا ننحني لسارقي الوطن، وأن نصدح بالحق في وجه كل سلطة غاشمة. تعلمنا منكم أن ندخل التاريخ من جديد بعد أن تخلينا عن دعة حياتنا الخانعة. لقد آن للخوف أن يغادر قلوبنا إلى الأبد ، وآن للطغيان أن يترجل راحلا عن وطننا الأبي ، وآن لشباب 25 يناير أن يعبر بنا إلى مصاف الدول الناهضة بعد أن أعاد الى شعبنا المصري كرامته المسلوبة وحقه الضائع وروحه المطفأة .

تحيا مصر دائما عزيزة أبية ، منيعة عصية ، تجاه كل شر وطغيان . والسلام لكم وبكم وعليكم ورحمة من ألله على كل شهدائنا الأبرار .

ما بعد الانتفاضة المصرية والنموذج التركي الخارجي

د. ناصيف حتّي
هل يكون عام 2011 عام بداية التغيير في العالم العربي: انتفاضة تونس والانهيار السريع للنظام كانا عنصرا المفاجأة والصدمة الإيجابية للتغيير، لكن مع انتفاضة مصر وردود الفعل على مستوى النظام الرسمي العربي من قلق ومحاولات احتواء استباقية لأي انفجار قادم عبر خطوات غير كافية ومتأخرة ولكنها دالة على "عودة الوعي" بالحاجة للتغيير من جهة وردود الفعل الشعبية الفرحة بالانتفاضة التونسية والمتضامنة مع شقيقتها المصرية من جهة أخرى، هذه عناصر أدت إلى أن يستقر عنوان التغيير كعنوان أساسي وضاغط في المشهد السياسي العربي سواء كان الناظر إلى هذا المشهد من داخل النظام العربي أو من خارجه.
في هذا المشهد وفي خضم الانتفاضة المصرية، تكثر الأسئلة من نوع حجم التغيير واتجاهه وسرعته وكيفية حسمه في مصر. فهل سيكون تغييراً للنظام ام تغييراً في النظام، وفي الحالة الثانية ما هي ابعاد هذا التغيير، ثم بالطبع من هي الدولة أو الدول "المرشحة" للاثر التظاهري التونسي ثم المصري؟
جملة من الملاحظات تكشف المواقف والسلوكيات والنظرة المختلفة لمشهد التغيير العربي يمكن ايجازها كما يلي:
أولاً، ان المدرسة التآمرية في تفسير الأحداث تبقى ناشطة من خلال التساؤلات التي تثيرها حول هوية "محرك" الحدث والمستفيد منه وتوقيته وهي مدرسة تمثل نوعاً من الكسل الذهني والتسطيح السياسي رغم تراجع اربابها في مشهد التغيير العربي، لكن المفارقة انه حتى بعض المتحمسين للتغيير ولأهله يطرحون بعفوية وبساطة هذا السؤال ما يعكس إلى جانب ما ذكر سابقاً عدم فهمهم لطبيعة المجتمعات العربية وللعناصر الموضوعية المحركة لها. انها بأي حال مدرسة تعكس بؤس السياسة والتصحر السياسي التي فرضته بعض السلطات العربية في مجتمعاتها بحيث صار التفسير السهل هو السائد خاصة عندما يسهل ربطه بالولايات المتحدة وإسرائيل نظراً للارث العدائي ولو المختلف حدة وطبيعة عند الطرفين تجاه القضايا العربية.
ثانياً، ارتباك في عواصم صنع القرار الغربي ولو بدرجات متفاوتة، ارتباك بين التمسك بالمصلحة التي وفرتها العديد من السلطات العربية من جهة والقيم التي تنادي بها الدول الغربية وتدعو لها وتحاول التدخل باسمها من جهة أخرى. ويعود الارتباك لعدم التأكد من قدرة بعض "الأصدقاء العرب" على استيعاب هذه الخضات، ومن المجهول الذي قد يحصل بعد ذلك في ما يتعلق بالاستقرار المطلوب والمصالح التي يجب الحفاظ عليها فتجري محاولات لإحداث توازن بين الموقف والعنوان القيمي الأخلاقي السياسي ومحاولة تركيز الجهود متى أمكن ذلك على مواكبة التغيير فيما يتعلق بادارته ومنحاه وأهدافه عبر قوى يمكن الوثوق بها ولو بدرجات متفاوتة. وتبرز المقارنة بين موجة التغيير عام 1989 مع انهيار المعسكر الشرقي وما يبدو انه موجة التغيير في مطلع 2011 في العالم العربي. ففي الحالة الأولى جاءت الانتفاضات ومعها التغيير ضد أنظمة معادية استراتيجياً وعقائدياً للغرب في ما يأتي هذه المرة ضد أنظمة صديقة للغرب.
ثالثاً، هنالك مخاوف من منحى التغيير خاصة في ظل نظرة تقوم على ثنائية حادة فكأنما الخيار هو بين نظم شديدة السلطوية توفر الاستقرار من جهة، وبين تيارات شعبية اسلاموية متصادمة ولو بدرجات متفاوتة مع الغرب ومجهولة عند هذا الغرب في سلوكياتها المستقبلية لدرجة كبيرة وبالتالي مخيفة من جهة أخرى. ولا يكفي التسطيح الذي يصل الى حدود العنصرية والذي يقوم على نظرة ثقافوية قوانها ان المجتمعات العربية والاسلامية غير قابلة لاسباب ثقافية وقيمية للديموقراطية بل يأتي التبسيط السياسي، رغم ان الانتفاضة في الحالتين التونسية والمصرية لم تأت تحت عنوان اسلاموي ولم تقدوها تيارات الاسلاموية، لتزيد من المخاوف والارتباك، ليتجاهل وجود قوى مدنية مختلفة قادرة ان تشكل بديلا ثالثا من نظم سلطوية وتيارات اسلاموية. ولا بد من التذكير ان الانتفاضة في الحالتين لم تحمل اي عنوان سياسي او عقائدي او تنظيمي او قطاعي معين بل كانت الأكثر ديموقراطية من حيث تعبيرها عن مطالب الجميع ومن حيث القوى التي شاركت بها. وكثيراً ما يبرز الاختزال في التحليل الذي يعبر عن سوء الفهم وعدم الادراك من خلال المقارنة بالثورة الايرانية عام 1979 رغم الفرق الشاسع بين الحالتين في ما يتعلق بطبيعة الثورة في ايران وتنظيمها وهويتها وعنوانها العقائدي الديني ووجود زعيم كريزماتيكي لها.
رابعاً، أياً كانت نتائج الانتفاضة المصرية فما يجمع عليه المراقبون انه لن تكون هنالك عودة الى ما قبل 25 ينارير/كانون الثاني 2011، وان الانتفاضة ستحقق ضمن امور أخرى استعادة المكانة لمصر ايا كانت نسبة هذه الاستعادة، وفقدان المكانة ومعها فقدان الدور كانا من عناصر لغضب الشعبي المصري. فلذلك سيكون هناك تغير في السلوكية الخارجية المصرية وفي ثقل الدور المصري. وبالتالي ستكون هنالك تداعيات ولو اختلفت اوزانها وأحجامها حسب التغيير الذي سيحصل على التوازنات في المنطقة وعلى الصراع العربي الاسرائيلي وعلى العلاقات مع واشنطن ضمن منطق تباين المصالح احيانا وما ينتج عن ذلك في اطار علاقة استراتيجية قائمة. لكن أبرز ما قد يحمله أيضاً التغيير هو اعادة التوازن المفقود ولو بدرجات مختلفة الى دبلوماسية الصراع العربي الاسرائيلي. هذه التداعيات ستبقى في منأى وما يحمله المنطق التبسيطي العقائدي والسياسي من اصطفافات محتملة اذ ان التاريخ والجغرافيا الاستراتيجية والمصالح ستحكم دائماً علاقات مصر العربية والاقليمية والدولية مع التأكيد دائماً على التحولات التي قد يحملها هذا التغيير، وربما يبرز النموذج التركي الخارجي في العلاقات مع واشنطن كاحد النماذج التي يمكن الاستدلال بها بشكل عام لاستشراف مصر ما بعد الانتفاضة على الصعيد الخارجي.
خامساً، ان عملية التغيير او عملية التحول الديموقراطي لا تأتي عبر القطيعة الكلية واسقاط نماذج جاهزة قد تكون عناوين للتحرك حالياً، بل هي نتيجة تراكم سلسلة من التغييرات منها اقامة دولة القانون والمؤسسات عبر الفصل بين السلطات، واقامة قضاء مستقل ونظام مساءلة واعطاء الحريات في مجال التنظيم السياسي والاجتماعي لخلق مجتمع مدني ديناميكي. فالديموقراطية ليست مجرد آلية تداول للسلطة بل هي منظومة قيم تجري تأسيسها وتعميقها عبر الوقت. مشهد التغيير العربي الذي قام بضغط الديموغرافيا وتسهيل التكنولوجيا واستفزاز الاقتصاد وعمى او غياب السياسة، سيحمل في اي حال نهاية الرئاسات التوريثية ورئاسات مدى الحياة وسيطرح موضوع التحول نحو الملكيات الدستورية عبر تقييد السلطة. عام 2011 الذي قد يشهد مزيداً من الخضات المختلفة هنا وهناك سيكون عام فتح صفحة جديدة في حياة العالم العربي.

الأربعاء، 9 فبراير 2011

بيان البديل الحضاري-المغرب حول ربيع الشعوب العربية

مصر وتونس والدروس المطلوبة
تابعنا في حزب البديل الحضاري باهتمام بالغ مجريات الأحداث المفصلية في تاريخ منطقتنا العربية منذ انتصار ثورة الياسمين واندلاع ثورة الشباب بالقطرين الشقيقين "تونس و مصر"، مستحضرين بيقظة تداعياتهما المصيرية على تاريخ المنطقة، باعتبارها منعطفا في سيرورة معركة الانتقال نحو الديموقراطية و القطع مع كل أشكال القمع و الاستبداد و التحكم.
ونحن اذ نؤكد على مركزية هذه التحولات الجماهيرية الكبيرة يهمنا أن نسجل خلاصات جوهرية منها مايلي:
- فشل مسرحية الاستقواء بالخطر الإسلامي من أجل التغطية على انحسار مساحات التعبير الديموقراطي.
- فشل المقاربات التكنوقراطية التي تولي الأولوية للمشاريع الاقتصادية و الاستثمارات الأجنبية دون الالتفات للسؤال السياسي و الاجتماعي و المؤدية لهيمنة مافيات الفساد و الريع الاقتصادي.
- فشل الاختيارات القائمة على تحكم الأمني في السياسة و الاجتماع و الاقتصاد.
- فشل التحكم في الحياة السياسية من خلال الحزب الأغلبي الذي يترجم فعلا أو ادعاءا اختيارات رأس السلطة.
- فشل تهميش الفكر و الثقافة من مشاريع الحداثة المدعاة لصالح البهرجة و الفلكرة و المهرجنة بغاية إلهاء الشباب عن معانقة قضاياهم المصيرية.
و لكن بالمقابل كشفت الثورتان عن قصور أحزاب المعارضة و اكتفائها باللعب في المساحات المرسومة لها سلفا،فضلا عن الهوة التي ما فتئت تتعمق بينها و بين الأجيال الشابة الصاعدة باهتماماتها الجديدة و مسلكياتها المستجدة و وسائل تواصلها: لغة و أداة و خطابا.
إننا في حزب البديل الحضاري إذ نقف إجلالا لثورة الشباب و ننحني تهيبا أمام أرواح الشهداء و كلنا يقين ببداية النهاية لزمن الاستبداد و انطلاق زمن الشعوب،فإننا نتوجه لمن يهمهم الأمر في مغربنا العزيز لاستخلاص العبر و الدروس و العودة إلى روح مغرب هيئة الإنصاف و المصالحة و مدونة الأسرة و المفهوم الجديد للسلطة،و القطع مع التراجعات التي همت المجالات الحقوقية و السياسية و الاجتماعية،كما ننبه إلى خطورة الخطابات المطمئنة و المستترة خلف الخصوصية المزعومة،إذ إن التراجعات المومئ إليها سلفا مرفوقة بعدم قدرة الدولة بإمكانياتها المحدودة على تلبية المطالب الاجتماعية في التعليم الناجح و السكن اللائق و الشغل الكريم و القضاء العادل لكفيلة بانبثاق جيل جديد من الاحتجاجات غير المسبوقة، خصوصا مع تفشي التفاوتات الطبقية و المحسوبية و اقتصاد الريع، في الوقت الذي تكاد تنعدم فيه المؤسسات الوسيطة الفاعلة من أحزاب مستقلة القرار و نقابات غير مرتهنة لأجندات خفية،مع بروز تيار هيمني يكاد يعيد البنعلة في تجلياتها البئيسة.
لذا و انطلاقا من واجبنا السياسي و حبا في هذا الوطن ، ندعو الحاكمين لاغتنام هذه اللحظة التاريخية من أجل تصحيح المسار و تقويم الاعوجاجات عبر:
- إصلاح سياسي و دستوري عاجل في أفق ملكية برلمانية ديموقراطية مواطنة.
- مصالحة وطنية آنية تبدأ بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين و الحقوقيين و الطلبة.
- الانكباب الجدي و المسؤول على حل معضلات الشباب و بالأخص معضلة التشغيل.
- رفع اليد المتحكمة في المشهد السياسي من أجل منافسة شريفة لا يحتكر فيها أحد الحديث باسم الإسلام أو الوطنية أو الملك، و يسمح للجميع بحق التعبير و التنظيم.
- القطع مع اقتصاد الريع و مستتبعاته من رشوة و عائلات نافذة و محسوبية... فقد بينت أحداث تونس و مصر خطر الأوليغارشيات المتنفذة، و بالتالي فزواج المال و السلطة لن يفضي إلا إلى الاستبداد و تراكم الإحباطات لدى الفئات المحرومة.
- تغيير جذري لمنظومة الإعلام العمومي و جعلها في خدمة المجتمع و معبرا أمينا عن التعددية السياسية و الثقافية و اللغوية،مع رفع كل أشكال التضييق على الإعلام المستقل.
إننا في حزب البديل الحضاري لا يفوتنا ختاما التنديد باستمرار اعتقال الأخ الأمين العام المصطفى المعتصم و الناطق الرسمي باسم الحزب الدكتور محمد الأمين الركالة و تلكؤ القضاء في البث بخصوص الطعن الذي تقدمنا به ضد مقرر حل حزبنا غير المسند لتعليلات قانونية مقنعة.و في الآن نفسه نجدد إصرارنا على إكمال مسيرتنا النضالية من أجل مغرب ديموقراطي تعددي تحفظ فيه الكرامة و يعلى من شأن الحرية