الأحد، 2 يناير 2011

وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر:

عشر سنوات على غياب العَلَم العلامة المجاهد المجتهد
الشيخ محمد مهدي شمس الدين (رضوان الله عليه)..

في العاشر من كانون الثاني تطل علينا الذكرى العاشرة لرحيل الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين (1936-2001) فنفتقد في الليالي المظلمة ذلك البدر الذي كان بحكمته وبصيرته، وبمحبته وانفتاحه، شاطئ أمن وأمان لكل اللبنانيين والعرب: مسلمين ومسيحيين؛ ولكل المسلمين: عرباً وغير عرب... ونتذكر وصاياه ، وخاصة للشيعة الإمامية الإثني عشرية ، في الإندماج الوطني الشفاف وفي عدم التمايز بأي مشروع خاص وتحت أي عنوان من العناوين، وفي تطوير الشراكة الكاملة والمواطنة المتساوية: بين المسلمين والمسيحيين، وبين السنة والشيعة، وبين العرب وغير العرب... في كل أوطانهم...وفي بناء الدولة الوطنية المدنية العادلة المستقلة المتوازنة التي لا دين لها ولا مذهب ولا غلبة فيها ولا استقواء..بل حرية وديمقراطية وعدالة وكرامة ومساواة: للجميع وبين الجميع..
وندعو جميع اللبنانيين والعرب إلى المشاركة في إستذكار مواقفه والسير بها قولاً وعملاً:
" لن يكون لبنان مسيحياً ذا وجه عربي أو إسلامي، ولن يكون إسلامياً ذا وجه مسيحي أو أوروبي... لبنان هو لبنان... هويته تتكوّن من تنوعه"..
"السؤال هو: هل نريد لبنان أو لا نريده ؟ هل نريد نظاماً جمهورياً ديموقراطياً برلمانياً أم لا نريده؟ إذا كنا نريد نظاماً جمهورياً ديموقراطياً برلمانياً وإذا قلنا نعم للبنان، فهذا المشروع (إتفاق الطائف) يأخذ من الكل وفي نفس الوقت يعطي الكل"..
"إن لبنان ليس مكاناً جميلاً فحسب...إنه كرامة وحرية، بيت ورغيف حلال، مدرسة ومستشفى، قدرة على المشاركة في الرأي والقرار، قدرة على التعبير والنقد.. إن لبنان معنى ودور وحوار حياة أنتج صيغة فريدة للعيش المشترك ونمطاً مميزاً علينا حفظهما وتطويرهما"..
"إن لبنان هو معنى لا يكتمل بالمسلمين وحدهم ولا بالمسيحيين وحدهم ، بل يكتمل بهم جميعاً ومعاً"... ..."إن إسلامية المسلم تبقى ناقصة بدون المسيحي، ومسيحية المسيحي تبقى ناقصة بدون المسلم"... ...."أنا أرى أن من مسؤولية العرب والمسلمين أن يشجعوا كل الوسائل التي تجعل المسيحية في الشرق تستعيد كامل حضورها وفعاليتها ودورها في صنع القرارات وفي تسيير حركة التاريخ"...
"إن التزامنا العلاقة الطبيعية المعافاة مع سوريا (المسماة خطأ "علاقة مميزة") لم ولا ينشأ من نقص في التزامنا لبنان وطناً نهائياً سيداً حراً مستقلاً في نظام ديموقراطي برلماني"...
"إن الصيغة التي نريد والدولة التي نريد ليست ولن تكون لطائفة دون أخرى، أو مع فئة ضد أخرى، فضلاً عن أن تكون دولة أشخاص..إنها دولة الجميع وللجميع: عدالة ومساواة وكرامة"...
"إن واجبنا الأول هو أن نزرع في نفوس مواطنينا الثقة والأمل والرجاء، وأن نعزز التلاحم والتضامن،لا أن نخلق الهواجس والمخاوف"...
"ليس للشيعة في لبنان أو في العالم العربي مشروع خاص بهم... الشيعة في لبنان وفي العالم العربي هم جزء من المشروع الوطني العام لبلدانهم ولأمتهم، مشروع الدولة الوطنية والمجتمع الواحد، وليس لديهم أي وَهم في مشروع خاص كما أنهم لا يتحملون مسؤولية أي مشروع خاص"...
"أدعو الشيعة في لبنان والعالم العربي والاسلامي الى الاندماج في أوطانهم، والى أن يكون مشروع الدولة الوطنية هو مشروعهم المشترك مع سواهم من المواطنين..لا يفيدهم في شيء أن يكون لهم مشروع خاص بهم..وعليه ينبغي إنخراطهم في أرقى درجات الإلتزام الأخلاقي بقضايا الوطن والمواطنين والإلتزام بحفظ النظام العام وإطاعة القوانين.".
"الحوار والمصالحات الداخلية والإندماج الوطني هو الطريق السليم لحفظ كرامة الشيعة وتعزيز مكانتهم وليس الإنكفاء والسلبية أو الحالة الهجومية"....
"إن خطاب عاشوراء والحسين هو خطاب العيش المشترك في لبنان، لا بلقلقة اللسان والشعارات الجوفاء، بل العيش الواحد الذي يقوم على ثوابت الكيان اللبناني وثوابت الدولة والمجتمع في لبنان، العيش الواحد الذي يعترف للآخرين بكرامتهم وبحريتهم وبثقافتهم وبكياناتهم الداخلية، لا يهرّج عليهم ولا يهيمن عليهم بشعار القداسة... لا تجعلوا الحسين حجراً تلقمون به أفواه الآخرين أو ترجمون به الآخرين أو تخضعون به الآخرين أو تحاربون به الآخرين
"...."إن ما أراه الخيار الوحيد أمام الشيعة في لبنان والخليج وفي كل مكان ، مع اختلاف الشروط، هو خيار تحقيق الكرامة والحد الأعلى من المصالح ، وحفظ دينهم وفهمهم وحرية سلوكهم وممارستهم بقدر الإمكان في ظل الشروط القائمة فعلا في المنطقة والعالم...إن ذلك لا يمكن أن يحصل إذا كنا مصدر خوف للآخرين..لأن الخوف منا لا يجعلنا متناقضين مع الأنظمة ، بل يجعلنا ، وهذا أسوأ ما يكون ، متناقضين مع الشعوب بالذات، نتناقض مع شركائنا في الوطن...إن علينا نحن الشيعة أن نبني حالة إلفة نفسية بين المجتمع غير الشيعي والشيعة.. وهذا الأمر يحتاج إلى تواصل والى اعتراف متبادل ويحتاج إلى أن لا يكون الشيعي مصدراً للخوف بل مركزاً للأمان ...ليس المطلوب إظهار تشيّع الشيعة، فهذا ظاهر إلى درجة الوجع... المطلوب أن يكون الشيعة مواطنين مندمجين في مجتمعهم ومقبولين في مجتمعهم بشكل كامل...لقد كان هذا الخط ديدن الأئمة وسياستهم ولم يكونوا في ذلك موالين للأنظمة ... تلك كانت رسالتهم السياسية وإدارتهم السياسية ... لأنه ليس المطلوب إحداث فتنة في المجتمع، بل من المحرّم إحداث فتنة في المجتمع"...
"المقاومة المدنية الشاملة هي أسلوب فعّال ولكنه طويل النفس.. ربما نحتاج فيه إلى سنين قبل أن نصل إلى نهاياته. وهو التعبير الخاص بنا عما يسمى في العلوم العسكرية والحربية والتاريخ المعاصر حرب التحرير الشعبية.. فهي مقاومة مدنية أي شعبية وأهلية، وهي سلمية ومسلحة، وكل أنواع المقاومة ضرورية هنا"..
"المقاومة هي مقاومة الشعب اللبناني، كل الشعب اللبناني، لا فئة واحدة منه، وكل المناطق اللبنانية، لا منطقة واحدة منها، وهي مقاومة الدولة والمجتمع والجيش والأهالي والأحزاب.. وكل ذلك تحت سقف، وفي ظل ، المشروع الوطني الذي هو الحصن والحضن والمرجع والمآل... إن المقاومة ليست غاية بحد ذاتها، وليست مشروعاً خاصاً بحد ذاته، ناهيك عن أن تكون حزباً أو فئة خاصة خارج مشروع الدولة والمجتمع في لبنان.. المقاومة أداة ضغط سياسية لها غاية تحرير لا غير، ووظيفتها أن تخدم هدف التحرير الذي يقوم به المجتمع بجميع مؤسّساته السياسيّة والأهليّة.. إنّ هذه الرؤية هي الرؤية الوطنيّة الحقيقيّة للمقاومة".

عن الثورة الفلسطينية وحركة فتح

بقلم: سعودالمولى
في الفاتح من يناير/كانون الثاني من كل عام تتفتح أزاهير الشوق إلى فلسطين وإلى تراب أضرحة شهدائها المنثورين في شتات الغربة على إمتداد مساحات القهر والظلم في هذا العالم.. نتذكر ثورة البراق 1929 والثلاثاء الأسود وشهدائه: عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي.. نتذكر الشيخ عزالدين القسام وأبو إبراهيم الكبير وفرحان السعدي، نتذكر ثورة 1936 والحاج المفتي محمد أمين الحسيني.. نتذكر كتائب الإخوان المسلمين والظباط الأحرار في حرب 1948.. "...
نتذكر جورج حبش ووديع حداد وأبو ماهر اليماني وغسان كنفاني وأبو علي مصطفى وغيفارا غزةوباسل كبيسي، ونتذكر أبو عدنان عبد الكريم حمد والحاج سامي أبو الغوش وخالد نزال وعمر القاسم ونايف حواتمه.. نتذكر محسن إبراهيم ومحمد كشلي ومحمد الزيات ونبيل هوشر وسيمون وكل رفاق حركة القوميين العرب، نتذكر أنطون سعادة وإنعام رعد وعبد الله سعادة وفؤاد الشمالي وبشير عبيد وكمال خيربك، نتذكر فؤاد الشمالي وفرج الله الحلو ويوسف إبراهيم يزبك ونقولا الشاوي ومصطفى العريس وأرتين مادويان وجورج حاوي وحسين مروة وحسن حمدان وسمير قصير..نتذكر شيوعيي العراق وعصبة مكافحة الصهيونية: يوسف سلمان (فهد) وزكي محمد بسيم (حازم) ومحمد حسين الشبيبي (صارم) ويهودا إفرايم صديق (ماجد) ، ومعهم نتذكر كل أحزاب وهيئات ومبادرات المواجهة مع الإستعمار والإحتلال والتجزئة...
نتذكر مدرسة فلسطين الثانوية في غزة التي انطلقت منها انتفاضة 29 شباط 1955 المجيدة.. نتذكر رابطة فلسطين في القاهرة وإتحاد طلاب فلسطين في غزة، وهما مهد الإنطلاقة الفتحاوية المباركة.. نتذكر مجلة فلسطيننا في بيروت وهي كانت شرارة الفتح؛ ونتذكر الحركة اللبنانية المساندة وكبار رجالاتها ورجالات جماعة عباد الرحمن .. ثم تعود بنا الذكرى والذاكرة إلى جيل المؤسسين قادة الكفاح الثوري ومفجّري أعظم ثورة في التاريخ المعاصر: ياسرعرفات وخليل الوزير وصلاح خلف وكمال عدوان ومحمد يوسف النجار وهايل عبد الحميد وصخر حبش وسعد صايل وأحمد موسى سلامة وعبد الفتاح عيسى محمود ووليد أحمد نمر (أبو علي أياد) وممدوح صبري صيدم وخالد اليشرطي وخالد الحسن وجواد أبو الشعر وسعد جرادات وعلي أبو طوق وماجد أبو شرار وجورج شفيق عسل ومروان كيالي ومحمد حسن ابحيص وباسم سلطان التميمي وعلي ياسين وسعيد حمامي وعصام السرطاوي ومحمود الهمشري ومحمد أبو دية وعز الدين قلق ونعيم خَضِر وأبو عمر حنا ميخائيل ووائل زعيتر وبلال الأوسط وعزمي الصغيّر... وكل رفاقهم من حركة فتح وقوات العاصفة..ونتذكر معهم كل شهداء الثورة رفاقنا الأحبة رضا حداد وأحمد القرى وجمال القرى وجمال الحسامي ومازن فروخ ودلال المغربي ونِعَم فارس وحمزة الحسيني وأحمد منيمنة وعلي فليطي ومنير قانصو ورياض شبارو ومحمد شبارو وطوني النمس ونقولا عبود ولولا عبود وحمّاد حيدر ونزيه دياب ومحمود قواص وعادل وطفى وشوقي الظنط ومصطفى طبش فحيلي وسعد أرزوني وحسان شرارة وقاسم بزي وفؤاد دباجة وبشار فاعور وأبو وجيه العنداري وزهير العنداري ووجدي العنداري ونذير أوبري والمرابط خالد الشرقاوي وماري روز بولس وكمال أبو سعيد ونسيم أبو سعيد ومحمود الحسنية وسمير الشيخ ومحمد الشحيمي وعصمت مراد وخليل عكاوي ومصطفى كردية وهلال رسلان وراسم الشقيف وجعفر السلحوت وصافي شعيتاني وبديع كزما ومازن مختار وحسين الحسيني ومحمد قبلان وغسان فتح الله وحسن بدر الدين وخالد بشارة وراغب حرب ونبيل مكارم..... إليهم جميعاً أسمى آيات الحب والوفاء... "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا"...

حركة فتح: الميلاد والمسير
يقسم الشهيدان خليل الوزير(أبو جهاد) وكمال عدوان قصة ميلاد حركة فتح إلى 3 مراحل:
1= المرحلة الأولى 1948-1956 (أي من النكبة إلى العدوان الثلاثي.. ولكن أبو جهاد يجعلها 1955 وسنرى لاحقاً لماذا) وقد تميزت بادىء الأمر بشيوع الذهول والحيرة بين صفوف الجماهير في السنوات التي تلت النكبة واللجوء..حيث حرصت الأنظمة العربية على قمع أي نشاط سياسي في المخيمات وأماكن التجمعات الفلسطينية (في دول الطوق خصوصاً).. ثم بإنخراط الشباب الفلسطيني في العمل السياسي والحزبي والعقائدي (من خلال الإخوان المسلمين والحزب القومي السوري وحزب التحرير) أو في إنتظار التحرير على يد قادة الإنقلابات العسكرية (من حسني الزعيم 1949 إلى محمد نجيب وجمال عبد الناصر 1952)..وقد شهدت هذه المرحلة غياب القيادات التقليدية والتاريخية الفلسطينية وتفكك العلاقات الإجتماعية الحاضنة للحراك السياسي بفعل التشتت واللجوء في المنافي..يضاف إلى ذلك كمية المشاكل اليومية التي اعترضت اللاجئين في حياتهم البائسة في المخيمات ومظالم الإستخبارات العربية...الأمر الذي أوجد بين جيل الشباب حالات كثيرة من البحث عن أطر تملأ الفراغ وتوحِّد الطاقات وتحمي الناس..كما أن عدداً كبيراً من الشباب أُضطر للهجرة إلى الخليج هرباً من الملاحقة أو بحثاً عن لقمة العيش..وفي تجمعات الخليج كان الشعور بالمرارة هو السائد ليتولد منه شعور بضرورة القيام بعمل ما لإنقاذ هذا الشعب من حالة البؤس واليأس..وقد شهدت تلك المرحلة ولادة عشرات التجمعات والمجموعات الصغيرة من الشبان بدأت تدرس التجارب الثورية للشعوب (وخصوصاً تجارب الصين وكوبا والجزائر وفيتنام وقد كانت في أوج إنطلاقتها الثورية) بعد أن فقدت أملها بالثوار العرب الإنقلابيين (بسبب تكاثر وتعدد الإنقلابات السورية وتصفياتها الداخلية من جهة، كما بسبب الصدام الكبير بين محمد نجيب وعبد الناصر أولاً، ثم بين الظباط الأحرار والإخوان المسلمين بعد عام 1954 ثانياً)..وليس صدفة أن تولد في تلك الأجواء نواة حركة القوميين العرب على يد شبان فلسطينيين يدرسون في بيروت..أو أن تنشط مجموعات كثيرة داخل الجيوش العربية (وجيش التحرير الفلسطيني) حملت كلها إسم جبهة تحرير فلسطين أو جبهة التحرير الفلسطينية (أبرزها مجموعات الظباط عثمان حداد وعبد اللطيف شرورو وعلي بشناق وأحمد جبريل في سوريا، وأحمد زعرور وعبد الله العجرمي وعصام السرطاوي في مصر، وصالح سرية في العراق، إضافة إلى مجموعة شفيق الحوت ومحمد الشاعر في لبنان، وإلى القوميين العرب المستقلين أحمد السعدي وبهجت أبو غربية وصبحي غوشة في الأردن والضفة الغربية)...إلا أن التجربة الأهم هي تلك التي قامت بين اللاجئين في قطاع غزة والذين كانوا على تماس مع بقايا كتائب المتطوعين من الإخوان المسلمين والظباط الأحرار بعد نكبة 1948. ويبدو أن تجربة الإخوان في حرب فلسطين استهوت عدداً من الشبان في غزة (أبرزهم خليل الوزير وياسر عرفات ومحمود عباس وصلاح خلف ومحمد العايدي ومحمد الإفرنجي) إتصلوا بالظابط الإخواني المصري عبد المنعم عبد الرؤوف (أحد قادة الظباط الأحرار والثورة المصرية وصديق الرئيس السادات ومرشده في العلاقة مع البنا والإخوان)..وقد استمرت الصلة بالإخوان حتى اندلاع الصدام العنيف بينهم وبين النظام الناصري 1954 بعد إبعاد محمد نجيب وسجن وطرد ظباط الإخوان.. ذلك أن تنظيم الضباط الأحرار كان بحسب الإخوان تنظيماً إخوانياً أساساً ، وأنه ظل إخوانياً صِرفاً حوالي خمس سنوات منذ تأسيسه عام 1946 وحتى إستقلال عبد الناصر به عام 1950 .. ومع ذلك بقي وجود الضباط الإخوان حاضراً ومؤثراً ومتميزاً وقوياً في تنظيم "الضباط الأحرار"، و بقي فيه ضباط إخوان نشطاء مثل : كمال الدين حسين ، وحسين حمودة ، وصلاح خليفة وغيرهم، بالإضافة إلى التنظيم الإخواني الجديد للضباط ، المستقل عن الضباط الأحرار، والذي كان يرأسه أبو المكارم عبد الحي وعبد المنعم عبد الرؤوف..غير أن جمال عبد الناصر ومن معه من الضباط الاحرار رأوا أن حرب فلسطين ودور الإخوان البارز فيها ودعمهم للضباط الأحرار وتنسيقهم التام معهم ومشاركتهم السراء والضراء، ينبغي أن تعيد العلاقات إلى حيويتها، إلى حد أن عبد الناصر عندما اعتقل وحقق معه إبراهيم عبد الهادي في أيار/مايو 1949 دافع عن الإخوان وعن صلته بهم واعتز بذلك على اعتبار دورهم الوطني في فلسطين..وهذا ما يؤكده حسين حمودة في مذكراته حيث يقول إنه اشترك مع عبد الناصر في تدريب الإخوان على السلاح في أعوام 1946-1948. كما يقول حمودة بأن عدد الضباط الأحرار عام 1950 كان 99 معظمهم من الإخوان باستثناء خمسة من الشيوعيين. ويؤكد حسين حمودة أن جمال عبد الناصر قال له شخصياً في 24 تموز/ يوليو 1952 إنه متصل بالمرشد العام (الهضيبي) وإنه أخذ موافقته على القيام بالثورة وإن الإخوان يقومون بحراسة مرافق البلاد الحيوية والسفارات وإنّ لهم عناصر مسلحة تحرس طريق القاهرة- السويس وطريق القاهرة- الإسماعيلية إضافة إلى منطقة قناة السويس...وقد روى أبو جهاد كيف أنه كان يتدرب على السلاح منذ العام 1949 على يد ظباط مصريين من الإخوان في قطاع غزة وأنه قام معهم بعدة عمليات عسكرية ضد الإحتلال في أعوام 1950-1954..
وبين العامين 1953 و1957 كان هناك أكثر من 50 مجموعة صغيرة في مخيمات وتجمعات اللاجئين في غزة ، لم يكن بينها أي تنسيق أو حتى إتصال، وكلها تبحث عن التشكل في هيكلية تشبه جبهة التحرير الجزائرية أو جبهة التحرير الفيتنامية (وهما انطلقا عام 1954)..
ويقرر أبو جهاد أن نقطة التحول الرئيسية كانت في 29 شباط 1955 حين انطلقت المظاهرات من ثانوية فلسطين في غزة لتشييع 38 جندياً مصرياً من كتيبة فلسطين التي كان يقودها عبد المنعم عبد الرؤوف حين وقعت دوريتهم في كمين إسرائيلي..أما كمال عدوان فيرى أن نقطة التحول جاءت مع العدوان الثلاثي على مصر(أكتوبر 1956) والإحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة ثم الإنسحاب منه وعودته إلى الإدارة المصرية..
2=المرحلة الثانية 1956-1965 وهي بداية مسيرة حركة فتح في غزة ومصر والكويت وقطر والسعودية ومخيمات لبنان وسوريا والأردن..كان العدوان الثلاثي حافزاً على التفكير بضرورة التنظيم والقيادة الفلسطينية المستقلة عن الأنظمة العربية..وكان اتحاد طلبة فلسطين في غزة(إدارته كانت تضم 4 مدرسين و7 طلاب وكان بقيادة أبو جهاد) ورابطة فلسطين في مصر (بقيادة عرفات)، ومجلتهما المشتركة (فلسطين) الصادرة في القاهرة، المحضن لولادة حركة فتح، خصوصاً بعد انتقال أبو جهاد للدراسة في القاهرة واللقاء بياسرعرفات وسليم الزعنون ومحمودعباس وصلاح خلف وفاروق القدومي.. ومن القاهرة توزع الرفاق للعمل ما بين السعودية والكويت وقطر..كما كان هايل عبدالحميد وخالد وهاني الحسن ينشطون بين الطلاب في ألمانيا وأوروبا..فكانت ولادة فتح بين عامي 1957-1958 ،وهو نفس عام ولادة حزب الدعوة العراقي؛ فهل هي صدفة؟ أعتقد أن أحداث العام 1958 من قيام الوحدة المصرية-السورية وتصاعد الثورة الجزائرية ثم إنقلاب عبد الكريم قاسم في العراق والثورة في لبنان، هي التي تفسر مفصلية هذا التاريخ بالنسبة للحراك الوطني التحرري.. وفي شباط 1959 صدرت مجلة (فلسطيننا) في بيروت وقد رعاها وشارك فيها عدد من أبناء العائلات البيروتية المعروفة (حوري، بلعة، شاتيلا، فاخوري، آغا، سلام)..وقد هدفت حركة فتح بانطلاقتها التنظيمية إلى "تحريك الوجود الفلسطيني وبعث الشخصية الفلسطينية محلياً ودولياً من خلال المقاتل الفلسطيني الصلب العنيد القادر على تحطيم أسطورة المناعة الإسرائيلية" (كمال عدوان)..وهي كانت "ضد الحزبية بمفهوم التعصب الحزبي على حساب الولاء لفلسطين..نحن قبل كل شيء فلسطينيون، والولاء لفلسطين فوق كل الخلافات العربية وفوق كل الصراعات الحزبية..وشعارنا أن فلسطين هي طريق الوحدة العربية في حين كان الشعار السائد في ذلك الوقت أن الوحدة هي السبيل لتحرير فلسطين" (أبو جهاد)...ثم جاء إنفصال الوحدة بين مصر وسوريا (28 أيلول 1961) ثم انتصار الثورة الجزائرية (5 تموز 1962) ليصبا في صالح الموقف الفتحاوي "الفلسطيني" القائم على الإعتماد على الذات أولاً وعلى تجميع وحشد كل الطاقات في سبيل التحرير ثانياً..ومن هنا جاءت المادة 2 من مبادىء النظام الأساسي لحركة فتح تقول إن "الشعب الفلسطيني هو صاحب الحق الطبيعي والشرعي في فلسطين وهو ذو شخصية مستقلة ويملك وحده حق تقرير مصيره واستلام زمام قضيته دون وصاية أو تبعية أو توجيه ، وله السيادة المطلقة على جميع أراضيه"..وفي المادة 10 إن "حركة فتح حركة وطنية ثورية مستقلة وهي تمثل الطليعة الثورية للشعب الفلسطيني"..وفي المادتين 26 و27 : "عدم الزج بالقضية الفلسطينية في الخلافات العربية والدولية واعتبار القضية فوق أي خلاف".."حركة فتح لا تتدخل في الشؤون المحلية للدول العربية ولا تسمح لأحد بالتدخل في شؤونها.".. ولكن هذه الوطنية الفلسطينية لم تمنع منذ البدايات الأولى نشوء "مزاج" (تحوّل لاحقاً إلى تيار) كان يرى في الثورة الفلسطينية "رأس الحربة للثورة العربية الشاملة"..وهو كان يدعو فتح إلى "إستقطاب الجماهير الفلسطينية ومن خلفها كل الجماهير العربية في طريق الثورة المسلحة وحرب الشعب طويلة الأمد".. هذا التحليل الحماسي كان في أساس وجود التيار القومي- اليساري داخل فتح على مر الأزمنة والتقلبات التي عرفتها..
3= المرحلة الثالثة 1965-1971 وهي مرحلة إنطلاق الكفاح المسلح وحرب الشعب الفلسطينية. لم يكن قرار البدء بالعمل المسلح تحت إسم قوات العاصفة قراراً سهلاً في ظل ظروف عربية ودولية معادية..وباعتقادي أن ما عجل في اتخاذ القرار ليس مشروع تحويل نهر الأردن كما قيل ويقال ..لعل المشروع الإسرائيلي كان حافزاً لعقد القمة العربية وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية..أما من جانب فتح فإن العلاقة مع الصين وكوريا وفيتنام من جهة ومع الجزائر الحديثة الإستقلال من جهة ثانية، سمحت بإنشاء مكاتب والبدء بالتدريب والحشد والتسليح..وجاء التورط المصري في اليمن والصراع المصري-السعودي من جهة، ودخول سوريا حقبة حكم البعث وإنقلاباته ومزايداته من جهة أخرى، ليطرحا على فتح ضرورة المبادرة والتحرك لإطلاق المارد الفلسطيني من قمقمه..ولعل البعض داخل فتح كان يحمل شعار "التوريط" أي أن تؤدي عمليات فتح (على محدوديتها) إلى ردود فعل عسكرية إسرائيلية تجر الجيوش العربية إلى مواجهة شاملة مع إسرائيل ما يحقق آمال الفلسطينيين..ولكن لا يبدو أن كل حركة فتح (أو قياداتها الرئيسةعلى الأقل) كانت في جو هكذا عقل مؤامراتي (لعله كان موجوداً عند خالد الحسن القادم من حزب التحرير وشقيقه هاني القادم من حركة القوميين العرب..ولكنه بالتأكيد لم يكن موجوداً عند ياسرعرفات وخليل الوزير ومحمود عباس وصلاح خلف القادمين من تجربة إخوانية ثم عسكرية في غزة وطلابية في القاهرة، ومن علاقة بالمصريين ثم بالجزائريين والصينيين).. وقد قوبلت الحركة بحملات تشكيك واتهام من قبل الأنظمة العربية (سوريا بالأخص) ومن الأحزاب القائمة (الشيوعيون والقوميون العرب والبعثيون وقد رأوا في فتح منافساً وغريماً قد يكتسح قواعدهم الفلسطينية وهي أهم وأشرس قواعد حزبية عربية)..أما القوميين السوريين الذين انتهوا في سوريا منذ اغتيال عدنان المالكي، وكانوا يقبعون في السجون اللبنانية بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة على الرئيس شهاب؛ فقد كانت فتح نافذة أمل لتجديد شبابهم. هذا في حين لم يغفر "الإخوان المسلمون" لقادة فتح خروجهم عليهم في غزة، ولا مبادرتهم إلى حمل راية فلسطين التي كان من المفترض أن يحملها الإخوان..ولم يستطع الإخوان العودة إلى طريق فلسطين قبل أواخر العام 1987 وتشكيل حركة حماس بعد أن سبقهم تنظيم الجهاد الإسلامي (الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي) في إطلاق المقاومة الإسلامية منذ العام 1980 ..
منذ البداية ووجهت فتح بحملات مطاردة واعتقال واغتيال ما بين الأردن وسوريا، وحتى لبنان (الشهيد جلال كعوش).. كما شهدت الساحة الفلسطينية إغراقاً بالتنظيمات التي تصدر البلاغات العسكرية عن عمليات وهمية وذلك بقصد سرقة الوهج والمبادرة من فتح...وابتدأت حركة القوميين العرب تلملم كوادرها وقواعدها (ما بين فلسطين والأردن والمخيمات) الذين كانت أنهكتهم وشردتهم المطاردات، ولكن أيضاً المناظرات والإنشقاقات..لكن حركة فتح رفعت يومها شعار "اللقاء فوق أرض المعركة" ؛ لا بل أنها دخلت في عمليات إندماج مع جبهة التحرير الفلسطينية ومع حزب البعث السوري، لتخرج منها، بعد محاولات إنقلاب عليها وتصفية لقادتها، أكثر تصميماً على حفظ إستقلالية القرار الوطني الفلسطيني والمبادرة الثورية الكفاحية..وانتهى الفصل الأول من هذه المرحلة بنكسة الخامس من حزيران 1967.. وقد كانت حركة فتح أسرع القوى في تجميع صفوفها لأنها لم تكن أسيرة الإرتباط بالأنظمة المهزومة في الحرب أو بالمعادلات الدولية والإقليمية القائمة..ولذا فقد كانت فتح الوحيدة التي لم تصبها النكسة بإرتباك أو بإنهيار (كما حدث للقوميين العرب والبعثيين والشيوعيين)..لا بل أن حركة فتح رأت في النكسة فرصة ممتازة للعمل الفلسطيني المستقل ، وقد "اختفت قدرة القمع العربية ونشأ واقع جديد وعادت القضية إلى صورتها الحقيقية: صراع فلسطيني-إسرائيلي" (فتح: دراسات ثورية- ص 85، والإقتباس هو من حديث للشهيد كمال عدوان)..كما أن كوادر فتح الموجودين في سوريا كانوا قد شاركوا في القتال في الجولان، بقيادة عرفات والوزير، وانضم إليهم عشرات ومئات قدموا من دول الخليج بقيادة صلاح خلف ومحمود عباس..وفي دمشق عقدت قيادة فتح إجتماعها التاريخي في 12 و13 حزيران والذي طرح فيه أبو عمار وأبو جهاد "الإنتقال إلى الأرض المحتلة وإعادة تاسيس الكفاح المسلح".وقد طرح كوادر وقادة فتح في الأردن نفس الموقف (بقيادة أبو ماهرعبد الفتاح غنيم).. وهكذا سارع أبو عمار إلى الإنتقال إلى الضفة الغربية (منطقة القدس ثم الخليل) ليعيد تنظيم الشباب وربطهم بالقيادة وتأمين لوجستيات العمل المسلح..وبعد عودته إنعقد مؤتمر فتح التاريخي في منزل خليل الوزير في دمشق أوائل تموز وكانت مصر قد قررت إعادة بدء القتال على إمتداد قناة السويس..فرأى قادة فتح أن الفرصة سانحة للدعوة لبقاء الناس في أرضهم وللإعداد للمقاومة الفلسطينية المسلحة..وبعد زيارات متكررة قام بها عرفات إلى داخل الأرض المحتلة وإلى الأردن وسوريا ولبنان قررت القيادة "رفع وتيرة التدريب والتسليح وإرسال موجات الثقة والأمل إلى الداخل والبدء بإنشاء قواعد إرتكاز أمنية في الأرض المحتلة والإنتقال لاحقاً إلى حرب تحرير شعبية" (خليل الوزير)..ومطلع آب عاد عرفات إلى الضفة على رأس 30 مقاتلاً وأنشأ مركز قيادته في نابلس لُيعلن الإنطلاقة الثانية للكفاح الفلسطيني المسلح في28 آب 1967..
وهنا دخلت الثورة مرحلة بناء القواعد تحت الإحتلال لإعلان المقاومة المسلحة وتأجيج المقاومة المدنية الشعبية التي شهدت تصاعداً كبيراً خلال عامي 1967 و1968..وبعد أن أرسيت الدعائم الأولى لهذا الإتجاه كان من الضروري للثورة أن تعمل باتجاه مواز خارج الأرض المحتلة "لتنتقل من قاعدة الحماية في سوريا إلى قاعدة الإرتكاز في الضفة الشرقية-الأردن حيث المناعة الطبيعية والجماهير المؤيدة لنا وقوانا المسلحة الكافية للدفاع والمواجهة" (كمال عدوان). وباعتقادي أن ما عجّل في إتخاذ قرار الانتقال من الإعتماد على سوريا وبناء قوة قي الأردن هو التطورات الدراماتيكية في الصراع على السلطة في سوريا بعد حرب حزيران وخصوصاً بعد ضرب جناح الجنرال سويداني القريب من فتح..وهكذا وجدت فتح نفسها في الأردن أسيرة وضع معقّد مركّب لا تملك السيطرة عليه بعكس ما توقعت أو أملت.. وجاءت معركة الكرامة الخالدة (21 آذار 1968) لتجعل من فتح مارداً جماهيرياً ولتتدفق عليها أمواجالمتطوعين من كل مكان..وانتعشت بقية التنظيمات أيضاً وبعضها أطلق كفاحه المسلح الخاص..وقد نجحت فتح ، وبدعم مصري-سوري في السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية (1969) ولتنتقل غلى مستوى أعلى من التحشيد والمواجهة على إمتداد الحدود الأردنية مع فلسطين..وقد واجهت فتح أول هجوم "أردني" على قواعد الإرتكاز في مخيم الكرامة في 10 شباط 1968، ثم في 4 تشرين الثاني في عمان..ثم تكررت الصدامات طوال عامي 1969-1970 وصولاً إلى صدام حزيران/يونيو 1970 الذي مهّد لحرب أيلول السبعين..حدث ذلك بفعل إنشقاق الساحة العربية والأردنية-الفلسطينية من حول عبد الناصر (وليس الملك حسين) بفعل مشروع روجرز الذي وافق عليه عبد الناصر تكتيكياً من أجل إعادة بناء قواته التي دمرها عدوان حزيران 67..انقلبت موازين القوى التي راهنت فتح عليها (وبعضها كان يرتبط بالظباط الأحرار والناصريين داخل الجيش الأردني، وبعضها الآخر بالدعم السوري والعراقي) واختلت حالة التوازن التي حكمت العلاقة بين الثورة الفلسطينية والنظام الأردني..فكان لا بد من مراجعة الحسابات ووضع خطة بديلة وتحديد أهداف مباشرة..وكل ذلك كان يحتاج إلى وقت وإلى وحدة موقف لعادة ترتيب الأمور..لكن النظام الأرجني اندفع في تفجير الحرب مدعوماً بموقف غلاة اليسار الذين رفعوا شعارات إسقاط النظام وانتقال "كل السلطة لسوفياتات العمال والفلاحين والجنود الثوريين" (شعار للجبهة الديمقراطية) وتحويل عمان إلى هانوي العرب (مطار الجبهة الشعبية)..وفاة الرئيس عبد الناصر (28 أيلول 1970)، وانقلاب الرئيس حافظ الاسد (بدأ في أيلول وانتهى يوم 16 تشرين الثاني 1970)، وانسحاب القوات العراقية المفاجىء، والموقف السوفياتي المتفرج والشامت، كل ذلك "حال دون إستثمار أي عامل زمني وجعل المبارزة تتم ضمن ظروف ومعادلة قوى ما بعد مشروع روجرز" (كمال عدوان)..وباعتقادي أن السوفيات وسوريا والعراق لم يريدوا تغيير المعادلة في الأردن المحسوب كموقع أميركي-بريطاني أساسي؛ في حين أن موقفهم تغّير في لبنان الساحة المفتوحة!!
وهكذا خرجت فتح والثورة مهزومة من الأردن بعد معارك جرش وعجلون (تموز 1971) ..

خاتمة: بيروت يا بيروت
لم يكتب أبو جهاد وكمال عدوان عن المراحل التالية لأنهما كانا يتحدثان عن مراحل الولادة وليس التأريخ لمسيرة فتح والثورة الفلسطينية..ولكن ما يمكن إضافته هنا أن مراجعة تجربة الأردن أسست لتيارات عديدة داخل فتح..ففي بيروت ودمشق وبغداد والقاهرة، وفي كل عواصم الشتات والترحال، انشغل الفلسطينيون بالنقاشات الحارة وبالبحث عن مخارج من الأزمة التي عصفت بهم بعد الرحيل من الأردن..وكان لبيروت أن تتحول في تلك السنوات (1971-1975) ليس فقط إلى مركز ثقل حركة فتح من جهة، وإنما أيضاً وخصوصاً إلى عاصمة للحرية وللثقافة وللإبداع الثوري وإلى ملجأ لكل الأحرار والثوار العرب من جهة أخرى..تجربة بيروت هذه (التي خلّدها شاعر فلسطين والعرب محمود درويش) أنتجت أعظم مشاركة ثورية كفاحية وأعظم تلاحم إنساني بين شعبين وقضيتين..كما أنتجت أعمق الأفكار والمبادرات والممارسات التي أضاءت ظلام الوضع العربي..ويكفي أن فتح كانت هي الحضن والملجأ، وهي الأم والأب، وهي البداية والنهاية، في كل تلك التجربة التاريخية الرائعة..

عن التكفير والتخوين ماضياً وحاضراً

بقلم: سعود المولى
في تاريخنا العربي الإسلامي أن كتب حجة الإسلام أبي حامد الغزالي أُحرقت على يد علماء مسلمين..كما أحرقت كتب شيخ الإسلام ابن تيمية... الأول أشعري شافعي ينحو نحو التصوّف والثاني حنبلي ينحو نحو السلفية...وإحراق كتبهما جرى بتهمة "الإبتداع المخالف للسنة"..
وقد تراشق القوم بالأحاديث الموضوعة على لسان الرسول فنقل بعضهم أنه قال "سيكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي"..وروى الشافعية عن الرسول أنه قال "عالم قريش يملأ طباق الأرض علماً" وحملوه على الشافعي..فرد عليهم الأحناف بحديث يقول "سيكون في أمتي رجل يُقال له محمد إبن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس" (الشافعي هو محمد ابن إدريس)..وروى المالكية أن أبي حنيفة هو "شر مولود وُلد في الإسلام..وأنه لو خرج على هذه الأمة بالسيف لكان أهون"..واتهم العلماء إبن تيمية بالكفر..فكتب أحد الحنابلة (أبو بكر تقي الدين بن أحمد الحصني الدمشقي) في إفتاء أهل المذاهب الأربعة بكفر إبن تيمية..وكتب الحافظ ابن حجر (في الفتاوى) "إبن تيمية عبد خذله الله واضله وأعماه وأصمه وأذله..بذلك صرًح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه مطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الإجتهاد: أبي الحسن السبكي وإبنه التاج، والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية"..وفي الدر الكافية لإبن حجر العسقلاني أنه نودي في دمشق "من إعتقد عقيدة إبن تيمية حل دمه"..وفي رسالة الذهبي إلى إبن تيمية ما لا يقل سوءاً عن ذلك..
وإبن تيمية هذا هو الذي تستخدم فتاويه لتكفير الشيعة والدروز والعلويين وحتى الأشاعرة والمعتزلة والأحناف والشافعية من المسلمين السنة..
أسوق هذا الكلام لا لنبش تاريخ أسود أو إيقاظ فتنة نائمة، بل للإشارة إلى أن التكفير والتخوين غالباً ما يصيب كل الناس لا يُفرق بين سلفي واشعري أو بين متصوف وشيعي أو بين معتزلي وحنبلي ناهيك عن العقلاني الرشدي أو العلماني الحديث..فهذا الداء أصاب المسلمين منذ كانوا واستمر متصاعداً عبر العصور حتى كتب الإمام الشيخ محمد عبده في أواخر القرن التاسع عشر مقالته الشهيرة بعنوان "متى ولع المسلمون بالتكفير والتفسيق" والتي قال فيها "إن أصلاً ثابتاً من أصول الإسلام هو البُعد عن التكفير، هلاَّ ذهبت إلى ما اشتُهر بين المسلمين وعُرف من قواعد أحكام دينهم وهو: إذا صدر قولٌ من قائلٍ يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِلَ على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر! فهل رأيتَ تسامحاً مع أقوال الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟ وهل يليق بالحكيم أن يكون من الحمق بحيث يقول قولاً لا يحتمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟! إذن لم يَدَعِ الإسلام لأحد، بعد الله ورسوله، سلطاناً على عقيدة أحد ولا سيطرةً على إيمانه، على أن الرسول كان مبلِّغاً ومذكِّراً لا مهيمناً ولا مسيطراً. قال الله تعالى: "فذكِّرْ، إنما أنت مذكِّرٌ، لستَ عليهم بمسيطر"، ولم يجعل لأحد من أهله لأن يحلَّ ولا أن يربط لا في الأرض ولا في السماء، بل الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه في ما بينه وبين الله سوى الله وحده، ويرفع عنه كل رقٍّ إلا العبودية لله وحده. وليس المسلم، مهما علا كعبه في الإسلام، على آخر، مهما انّحطَّت منزلته فيه، إلا حقّ النَّصيحة والإرشاد. قال تعالى:" ولتكنْ منكم أُمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون". وتلك الأمة ليس لها عليهم إلا الدعوة والتذكير والإنذار والتحذير، ولا يجوز لها ولا لأحد من الناس أن يتتبَّع عورة أحد، ولا يسوِّغ لقوي ولا لضعيف أن يتجسّس على عقيدة أحد"..(انتهى كلام محمد عبده).

إذا كان ما كتبه محمد عبده عن أسلافنا من أهل الإسلام وعن مسلمي القرن التاسع عشر حول ولوعهم بالتكفير مدعاة للنظر وهو يحكي عن مجتمع ديني تقليدي يواجه تحديات الدخول في العصر، فكيف بنا اليوم وقد دخلنا الألفية الثالثة للميلاد والثلث الثاني من القرن الخامس عشر للهجرة؟؟ فهل كان الحزبيون العلمانيون أبناء القرن العشرين بأحسن حالاً.؟. لا وألف لا!!
فها هم شباب "الإخوان المسلمين" في مصر يغتالون رئيس الوزراء النقراشي باشا بعنوان أنه عميل بريطاني...كما إغتالوا غيره قبله وبعده..حتى ضج منهم مؤسس الإخوان وزعيمهم الشهيد حسن البنا فصرخ صرخته المشهورة : "ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين"..
وها هو النظام الملكي المصري يغتال حسن البنا بشعار أنه عميل بريطاني ماسوني وتتواتر الروايات الشعبية عن أنه شوهد يخرج من مبنى السفارة البريطانية وهو يحمل "شنطة فلوس"...
ثم يأتي النظام الناصري فيغتال سيد قطب بعنوان أنه عميل أميركي صهيوني..ويزج بعشرات الآلاف من الإخوان ومن الشيوعيين في السجون ويسومهم ألوان التعذيب بشعار أنهم خونة للوطن وللثورة..وها هم الإخوان يهربون إلى الخليج ويشنون حملة شعواء ضد النظام الناصري يتهمونه فيها بأنه أميركي أولاً ثم روسي..ولا ننسى حرب اليمن بين مصر والسعودية وتراشقهما بالتهم.
وها هو الصحافي القدير والكاتب الحصيف كامل مروة يموت برصاص ناصري يتهمه بالعمالة والخيانة..وقبله سقط زميله ورفيق دربه نسيب المنتني برصاص آخر لم يوفره من تهم العمالة.. وها هو النظام اللبناني يقوم بإعدام انطون سعادة بتهمة رسمية في المحكمة بأنه عميل بريطاني وصهيوني ولا تعوز التهمة أدلة ووثائق قدمها الإدعاء...
وها هم القوميون السوريون يغتالون الرئيس رياض الصلح والضابط عدنان المالكي بشعار أنهم عملاء صهاينة..ثم يتحالفون مع حكم الرئيس شمعون ضد عبد الناصر ويتحالفون مع حلف بغداد ومع الإنكليز نكاية بالقوميين العرب.. ثم يتآمرون للإنقلاب على الرئيس فؤاد شهاب بعنوان أنه صهيوني..
وها هم الشيوعيون يسحلون القوميين والبعثيين في شوارع بغداد والموصل ويعلقون الجثث على أعمدة الكهرباء بشعار أنهم خونة ومتآمرين على الشعب..ثم يأتي القوميون العرب والبعثيون إلى الحكم ويسحقون ويذبحون الشيوعيين بعنوان أنهم خونة وعملاء...
ونفس الأمر يتكرر في سوريا ولبنان والسودان وليبيا والجزائر وفي كل مكان من هذا "الوطن العربي الكبير"...
وداء التكفير والتخوين هذا لم يترك للفلسطينيين أي مطرح للتفاهم على قضيتهم.. فتقاتل القيسية واليمنية طوال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في البلاد التي كانت تسقط تباعاً بيد الصهاينة....ثم صار الصراع بين آل الحسيني وآل النشاشيبي وآل عبد الهادي وآل الخالدي الخ..وتشكلت الأحزاب وتقاتلت وكل حزب يتهم الآخرين بالخيانة والعمالة فيما الصهاينة يتوسعون ويتركزون في بلادنا.. وهاهو المفتي الحاج أمين الحسيني يتهمونه بالعمالة للإنكليز حتى وفاته شريداً فقيراً في بيروت.. ثم صاروا كلهم ينتسبون إليه اليوم ؟؟ وها هو أحمد الشقيري يموت حاملاً عار الإتهامات الجائرة السخيفة الغوغائية بعد أن قضى حياته كلها في الذود عن فلسطين..ولحق به ياسر عرفات الذي فاق سجل إتهامه بالخيانة والتآمر وبالصهيونية (عشرات ومئات المرات) كل من سبقوه ولحقوه حتى مات شهيداً شهيداً بعد معركة بطولية قادها حتى الرمق الأخير..ثم صاروا كلهم اليوم يبكون عليه وينتسبون إلى "خطه ونهجه"؟؟
نعم هكذا ضاعت فلسطين... وهكذا يضيع لبنان...
لقد ولع العرب والمسلمون بالتكفير والتخوين حتى طار صوابهم وضاعت بوصلتهم واختل ميزان العدل والحق في عقولهم ووجدانهم..وصاروا كقطيع الماعز يركضون وراء كل تيس أخرق لا علم عنده ولا دين ولا تقوى لمجرد إتباع الهوى والعصبية..وبدل التمثل بقول الإمام علي "إعرف الحق تعرف أهله" صاروا يلهثون وراء كل ناعق في غربال وكل ديماغوجي شعبوي يقول كذباً ويفتري حقداً وبغضاً وكل صاحب هوى ومصلحة...فكيف والحال هذه تستقيم أحوال "خير أمة أخرجت للناس"؟

السبت، 18 ديسمبر 2010

Why WikiLeaks Is Good for Democracy

by: Bill Quigley

http://www.truth-out.org/why-wikileaks-good-democracy65549

Since 9/11, the US government, through Presidents Bush and
Obama, has increasingly told the US public that "state
secrets" will not be shared with citizens. Candidate Obama
pledged to reduce the use of state secrets, but President
Obama continued the Bush tradition. The courts, Congress and
international allies have gone meekly along with the
escalating secrecy demands of the US Executive.
By labeling tens of millions of documents secret, the US
government has created a huge vacuum of information.
But information is the lifeblood of democracy. Information
about government contributes to a healthy democracy.
Transparency and accountability are essential elements of
good government. Likewise, "a lack of government
transparency and accountability undermines democracy and
gives rise to cynicism and mistrust," according to a 2008
Harris survey commissioned by the Association of Government
Accountants.
Into the secrecy vacuum stepped Private Bradley Manning,
who, according to the Associated Press, was able to defeat
"Pentagon security systems using little more than a Lady
Gaga CD and a portable computer memory stick."
Manning apparently sent the information to Wikileaks - a
nonprofit media organization that specializes in publishing
leaked information. Wikileaks in turn shared the documents
to other media around the world, including The New York
Times, and published much of the documents' contents on its
website.
Despite criminal investigations by the U.S. and other
governments, it is not clear that media organizations like
Wikileaks can be prosecuted in the U.S., in light of the
First Amendment. Recall that the First Amendment says:
"Congress shall make no law respecting an establishment of
religion, or prohibiting the free exercise thereof; or
abridging the freedom of speech, or of the press; or of the
right of the people peaceably to assemble, and to petition
the government for a redress of grievances."
Outraged politicians are claiming that the release of
government information is the criminal equivalent of
terrorism and puts innocent people's lives at risk. Many of
those same politicians authorized the modern equivalent of
carpet bombing of Baghdad and other Iraqi cities, the
sacrifice of thousands of lives of soldiers and civilians
and drone assaults on civilian areas in Afghanistan,
Pakistan and Yemen. Their anger at a document dump, no
matter how extensive, is more than a little suspect.
Everyone, including Wikileaks and the other media reporting
on what the documents reveal, hopes that no lives will be
lost because of this flood of information. So far, it
appears those hopes have been met: McClatchy Newspapers
reported November 28, 2010, that "US officials conceded that
they have no evidence to date that the [prior] release of
documents led to anyone's death."
The U.S. has been going in the wrong direction for years by
classifying millions of documents as secrets. Wikileaks and
other media that report these so-called secrets will
embarrass people, yes. Wikileaks and other media will make
leaders uncomfortable, yes. But embarrassment and discomfort
are small prices to pay for a healthier democracy.
Wikileaks has the potential to make transparency and
accountability more robust in the U.S. That is good for
democracy.

Wikileaks: Antidote to Government Lies and Misinformation

by Bill Koehnlein
According to Julian Assange, the founder and director
of Wikileaks, he was told by Australian intelligence
services, prior to the release by Wikileaks several
months ago of secret US government documents relating
to the war against Iraq, that all manner of smears and
personal attacks will be made against him, as
punishment for the work he is doing. The charge of
rape, for which Sweden has issued an arrest warrant for
Assange, appears to be bogus, an attempt to discredit
him and take attention away from the damning and
incriminating content of the hundreds of thousands of
documents made public by him and Wikileaks.
As expected, virtually every member of the upper
echelons of the US government is screaming for blood,
along with yahoos both liberal and conservative. Two
notable pimps, Peter King, the congressman from Nassau
County, and Joseph Lieberman, the senator from Tel
Aviv, have tried to outdo each other when it comes to
rhetorical venom. King accused Assange and Wikileaks of
"engag[ing] in terrorist activity" and said that
Wikileaks is "enabling terrorists to kill Americans.?€?
Lieberman, concluding a hysterical rant said, "Let
there be no doubt: the individuals responsible [for
disseminating the leaks] are going to have blood on
their hands.?€?
Most government hacks, elected and appointed, who have
commented so far droned on in a similar vein, and the
thrust of much media coverage as well is a variation on
the same theme. Nonetheless, the US press *is*
reporting on some juicy details contained in a few of
the leaked documents, but compared to coverage by the
European press (The Guardian's Simon Jenkins said
"[t]he job of the media is not to protect the powerful
from embarrassment") US media is giving the actual
contents short shrift while focusing instead on
national security lapses, potential "endangerment" of
unspecified persons, and damage control in the realm of
foreign diplomacy.
Ironically, the documents leaked to the media do not
contain much that is particularly revealing to anyone
with an ounce of brains, common sense and an ability to
think critically. This is quite reminiscent of the
Pentagon Papers, made public by Daniel Ellsberg in 1971
and published in The New York Times, which, for the
most part, confirmed what everyone in the peace and
antiwar movement already knew. Additionally, none of
the documents released yesterday, or those which will
be made public in the coming weeks, have been
classified as "top secret"; indeed, though
"classified", they were freely available to more than
three million people who have access to something
called Siprnet, a "miniature" internet--or, more
accurately, an intranet--maintained by the United
States government as a repository for classified
documents, diplomatic correspondence, and internal
governmental memoranda.
Nonetheless, the US government has gone into deep
frantic mode after getting caught with its pants down.
The greatest damage, perhaps, has to do with political
and diplomatic embarrassment, yet the official refrain
accuses Assange and Wikileaks of nothing short of
imperiling civilization itself. Demagogues like King,
Lieberman, and all the other dutiful political hacks
scream loudly, but with no proof or substantiation at
all, that innocent people will be killed as a result of
the leaks; Assange the terrorist has blood on his
hands, they say. But Assange is not responsible for the
murders of millions of innocent people in Iraq,
Afghanistan, Pakistan and just about everywhere else in
the world. The United States is. Assange didn't launch
invasions, wars and occupations in the Middle East and
Asia. The United States did. Assange has gained
possession of documents, but he has never gained
possession of depleted uranium, cluster bombs, deadly
drones and all manner of weapons of mass destruction.
It is the United States which possesses those, and it
is the United States which has used them. Public
embarrassment is small penance to pay for committing
the worst crimes against humanity since the Nazis tore
Europe asunder seven decades ago.
What will become of Julian Assange? The only thing the
United States government can do is to kill him, and I'm
convinced this is what will happen. The US has no other
recourse. The release of these documents is of
historical importance, and that importance should not
be underestimated; nor, can any remedial action by the
US undo the shame that was made even more shameful by
making it public (to quote the famous Situationist
manifesto from the 1960s). His assassination will be
retribution for daring to take on and challenge the
most awesome, belligerent and aggressive superpower in
recent history; beyond that, it will be a clear signal
to other people who are inclined to defend
truthfulness, openness and free societies to be
considerably less adamant in their demands for freedom
and justice. I think that on some level Assange must
know that he is doomed. I wish him a long life but I
fear this is not something he will have.
Bill Koehnlein November 29, 2010
What is Wikileaks, actually? The media refers to it,
often labeling it a "whistle-blower website".
For the curious, this is what Wikileaks says about
itself: http://www.wikileaks.org/media/about.html

الصين بعيون عربية

د. محمد عبد العزيز ربيع
(كاتب وأستاذ جامعي من مواليد فلسطين مقيم في العاصمة الأميركية).


حين تنظر العين إلى الأشياء تلتقط من الصور ما يروق لها أو يستثيرها، ثم تقوم بارسالها على الفور إلى العقل، وهناك يقوم العقل بتجميع ما يصله من صور وتشكيلها على شكل شريط سينمائي صامت، يساعده على إدراك عملية تطور الأشياء التي سجلتها عدسة العين، لكن دون أن يفهم سبب التطور أو يحدد طبيعة القوى التي تقف خلفه. أما الأذن فتلتقط الكلمات التي تصلها من أفواه الآخرين ومن أجهزة الإعلام، وترسلها مباشرة إلى العقل على شكل جمل متناثرة قلما تكون مترابطة بسبب تنوع مصادرها وأحيانا تناقض مضامينها. وهناك يقوم العقل بتجميع تلك الجمل والكلمات وتنسيقها وربطها بالصور التي تجمعت لديه وتحليلها واستنباط نتائج يرسمها على شكل خارطة ذهنية تضع الأشياء في أطرها السليمة. إذ بينما تحكي الصور قصة التطور الذي يعيشه الواقع الحياتي.. من أين بدأ وأين وصل وفي أي اتجاه يسير، تحكي الكلمات قصة الفكر الذي يقف خلف الفعل ويشرح سبب القرار المتعلق به. وهذا يجعل بالإمكان تخيل الخطوة التالية، وما يُحتمل أن تكون عليه صورة المستقبل في المستقبل. تحاول هذه الورقة رسم خارطة لتوجهات الصين السياسية والاقتصادية والثقافية بناء على زيارة قامت بها مجموعة من المفكرين والمثقفين العرب للصين تحت رعاية "منتدى الفكر العربي" في أواخر عام 2010، بهدف إجراء حوار مع مجموعة مماثلة من الصينيين. ولقد شرفني المنتدى باختياري عضوا في الوفد الذي شارك في ذلك الحوار. ويسعدني القول بأن الزيارة منحتني فرصة نادرة للتعرف على بعض الأماكن التاريخية في الصين، والاطلاع على بعض ما حققه الصينيون من تقدم صناعي وتنمية مجتمعية ونهضة عمرانية، وسماع وجهات نظر مجموعة من صناع القرار فيها، ومحاورتهم بشكل علمي لم تتدخل فيه مصالح شخصية. لكن الحوار، وبالرغم من أهميته، لم يغوص في أعماق البحر الفكري الصيني الواسع، وبالتالي لم يستطع تحديد مواقف الصين الحقيقية من العديد من القضايا الدولية والإقليمية التي كانت تشغل بال الوفد العربي ولا تزال. ويعود السبب في ذلك إلى صعوبة الحوار مع أية مجموعة تتمسك بفكرة إيديولوجية بغض النظر عن طبيعة الإيديولوجية المعنية، سواء كانت دينية أو قومية أو ماركسية، أو حتى رأسمالية. فالإيديولوجي لا يتحاور عادة مع الغير بهدف سماع وجهة نظر الآخر والتفكير فيما قد تحمله كلماته من نقد بناء، بل بهدف شرح موقفه، ومحاولة إقناع الآخر بوجهة نظره، والدفاع عن فلسفة حياته. محطات الزيارةكانت مدينة شانغهاي هي نقطة البداية بالنسبة لرحلتنا في الصين، قمنا هناك بزيارة الجناح الصيني في المعرض الدولي وأجنحة عدة دول عربية. ولقد كانت الترتيبات الصينية في غاية الدقة من حيث التنظيم وترتيب المواعيد والإلتزام بها، إذ بينما كان على الزوار العاديين الوقوف ساعات أمام بعض الأجنحة مثل الجناح السعودي بسبب الإقبال الشعبي الشديد، لم نقف دقيقة واحدة أمام الأجنحة التي زرناها، بل قام مدراء تلك الأجنحة باستقبالنا على الباب والترحيب بنا. ومما أسعدنا في جناح فلسطين المتواضع جدا رؤية عدد من الشابات والشباب الصينيين يقفون أمام صورة الرئيس الراحل ياسر عرفات لأخذ صور تذكارية، وأيديهم مرفوعة ترسم علامة النصر.سافرنا بعد زيارة المعرض الدولي إلى مدينة إيوي التي اكتسبت لقب "مدينة الجوارب" بسبب تخصصها بتصنيع معظم ما يستهلك العالم من جوارب. وهناك قمنا بزيارة مصنع ينتج حوالي نصف مليون قطعة يوميا من الجوارب وملابس النساء الداخلية وملابس الأطفال. وبعد قضاء حوالي نصف ساعة هناك، أخذنا المرافقون لسوق المدينة الذي يعتبر أكبر سوق في العالم.. مبنى ضخم يحتوي على 15 ألف معرض تجاري، مما يجعل زيارة كافة المعارض تحتاج لنصف عام على افتراض قضاء 30 دقيقة في كل معرض. لكننا لم نقض في السوق سوى دقائق معدودة بسبب ارتباط مسبق مع نائب رئيس مدير المنطقة الذي دعانا لحفلة غداء في الفندق. وخلال كلمة قصيرة أطلعنا المسئول الصيني على ما يقومون به من نشاطات مختلفة، وتصميم الإدارة على تحويل المدينة إلى مركز تجاري عالمي يضاهي دبي، كما أخبرنا بأنه يتواجد في تلك المنطقة حوالي 5 إلى 6 آلاف عربي يعملون في التجارة. وبعد تناول الغداء، سارعنا بالسفر إلى بيكين العاصمة حيث وصلناها في حوالي منتصف الليل. ومما لاحظناه خلال زيارة مدينتي شنغهاي وإيوي، اهتمام الصينيين غير العادي باطلاعنا على مدى ما حققوه من تقدم اقتصادي وعمراني وما يتطلعون لتحقيقه من طموحات في تلك المجالات. وفي بكين بدأنا حوارنا المنتظر في صباح اليوم التالي مع زملاء صينيين يشاركون في صنع القرار السياسي والاقتصادي في البلاد.. كان "مركز الصين للدراسات الدولية" التابع لوزارة الخارجية هو الجهة التي استضافتنا وقامت بتحمل نفقات إقامتنا وتنقلاتنا داخل الصين.التوجهات السياسية والاستراتيجيةكان واضحا منذ بداية الحوار أن الصين تشعر بثقة كبيرة بالنفس، وتنطلق من فلسفة سياسية تضع مصلحة الصين الذاتية فوق كل شيء، وأنها ترفع شعار "اشتراكية بخصائص صينية" كحزمة أفكار وخطة عمل لنظام مميز في إدارة الحكم والاقتصاد والتنمية المجتمعية والعلاقات الدولية. ويمكن القول أن تلك الخطة تقوم على سبعة مبادئ أساسية تشكل استراتيجية متكاملة تشمل كافة المجالات الحيوية:1. ضمان حدوث التنمية الاقتصادية مع الحفاظ على الاستقرار السياسي.2. إعطاء الأولوية لمتطلبات بناء الدولة وتحقيق التنمية المجتمعية الشاملة.3. التأكيد على مركزية الحكم والقيادة الجماعية والتكتم على القرارات والخلافات الداخلية.4. التركيز على هيبة السلطة وإعطاء الأولوية لحرية الأمة وأمنها على حرية الفرد وأمنه.5. إخضاع السياسة للاقتصاد، واخضاع المبادئ للمصالح.6. عدم الخوض في قضايا دولية لا تؤثر مباشرة على أمن الصين ومصالحها الاقتصادية. 7. تجنب الدخول في نزاع سياسي أو اقتصادي مع أمريكا، على الأقل في المرحلة الراهنة.8. تبني مبدأ "إدارة الصراع وليس حله". اكتشف الفريق العربي منذ بدء الحوار عمق الهوة التي تفصل الموقف العربي عن الموقف الصيني فيما يتعلق بدور الصين الممكن والمحتمل على الساحة الدولية. إن اهتمام العرب بقضايا فلسطين والعراق والأمن الإقليمي لم يُقابل بإهتمام مماثل من جانب الطرف الصيني. ويمكن القول إن الفريق العربي خرج بقناعة بأن الصين غير معنية كثيرا بتلك القضايا في المرحلة الراهنة، وربما لن تكون معنية بها في المستقبل القريب بالقدر الذي يرغبه العرب، ويعتقد البعض أن الظروف الدولية ومكانة الصين كقوة كبرى تحتمه. وعلى سبيل المثال، بالرغم من الضغوط العربية على الطرف الصيني لإعلان موقف مؤيد للموقف العربي حيال قضية القدس، إلا إن الصينيين تمسكوا بموقفهم الذي يدعو لإنسحاب إسرائيلي من الأراضي العربية التي احتلت عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية. وهذا يعني أن موقف الصين الذي تميز بتأييده شبه المطلق لتطلعات الشعب الفلسطيني لعقود أصبح اليوم محايدا بالمعني الغربي، أي منسجما مع موقف أمريكا وإسرائيل الذي يُخضع القدس والمستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية للمساومات. قامت أمريكا في أعقاب الحرب العالمية الثانية بفرض نظام على العالم سمح لها بالهيمنة على الكثير من الدول والشعوب، وأتاح لها المجال بعد انتهاء الحرب الباردة لنشر فكرة العولمة التي تشمل الاقتصاد وحرية التجارة والثقافة. لكن كان على أمريكا في المقابل أن تدفع تكاليف إقامة وإدارة ذلك النظام من النواحي المالية وحمايته عسكريا. وكما يشير التاريخ، تسببت نظم الهيمنة في الماضي في إلحاق أضرار بكل دولة مهيمنة بسبب ارتفاع تكاليف النظام الذي أقامته وفرضته على الغير، وسمح في الوقت ذاته لبعض الدول المنافسة باستغلال ما وفره النظام من استقرار لتحقيق أهداف اقتصادية واستراتيجية على حساب الدولة المهيمنة دون دفع جزء من تكاليف النظام القائم. واعتقد أن الصين تحاول اليوم تحقيق الاستفادة القصوى من نظام الهيمنة الأمريكي وما يوفره من عولمة اقتصادية لبناء اقتصادها بالسرعة الممكنة لتغدو دولة عظمى. لكن الصين تهمل الجانب الثقافي بالرغم من أن الثقافة لا تقل أهمية عن الاقتصاد، وذلك بسبب ما لها من تأثير على طرق تفكير الشعوب وتوجهاتها ومواقفها من الغير.وهذا يعني أنه ليس لدى الصين الآن استعداد لاتخاد مواقف تجاه قضايا دولية وإنسانية لا تمس مصالحها الاقتصادية والأمنية بشكل مباشر. وحيث أن الصين تستفيد من علاقتها بإسرائيل التي تقوم بسرقة الكثير من التكنولوجيا العسكرية الأمريكية وبيعها للصين، فإن القيادة الصينية رأت على ما يبدو أن مصلحتها تُملي عليها اتخاذ موقف من القضية الفلسطينية يساوي بين إسرائيل والعرب. ولذلك يقول المسئولون الصينيون إن الدعوة لانسحاب القوات الإسرائيلية لحدود 1967 وإقامة دولة فلسطينية يشمل ضمنا الدعوة لإنسحاب إسرائيل من القدس الشرقية، وبالتالي ليس هناك داعي للتعامل مع قضية القدس بشكل مستقل. ولقد وجدت الصين في قرارات هيئة الأمم المتحدة وعملية التفاوض غطاء كافيا لاتخاذ موقف شبه مؤيد لوجهة النظر العربية وغير متناقض مع وجهة النظر الإسرائيلية. قد يبدو هذا الموقف منسجما مع نفسه وطموحات الصين التي تقتصر على الاقتصاد دون غيره، إلا أنني لا اعتقد أن أمريكا أو إسرائيل ستسمح للصين بالتوقف عن هذا الحد. إن أمريكا تضغط اليوم بشكل كبير ومتزايد كي تقوم الصين بتعديل سياستها المالية ورفع قيمة عملتها الوطنية على أمل أن يساهم ذلك في تعديل الميزان التجاري بين البلدين. كما أن إسرائيل لن تكتفي بموقف محايد، بل ستضغط للحصول على المزيد من التأييد حين تشعر بأن حاجة الصين لما لديها من تكنولوجيا عسكرية أصبحت أكثر إلحاحا. كان السيد ين جانج أحد المفكرين الصينيين الذين سمحت لي الظروف بالتحدث معهم عن قرب، وحين سألته عن خلفيته الدراسية ونشاطاته العلمية اكتشفت أنه قضى سنة في القدس بدعوة من معهد إسرائيلي كانت على ما يبدو كافية لإقناعه بوجهة النظر الصهيونية. السيد جانج عضو في أكاديمة الصين للعلوم الاجتماعية، وأستاذ في معهد دراسات غرب آسيا وأفريقيا، ونائب رئيس الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط. التوجهات الاقتصاديةتشير السياسة الاقتصادية الصينية والحقائق على الأرض إلى أن الصين تسير على خطى الدول الآسيوية التي سبقتها على مضمار التنمية الاقتصادية والتطور التكنولوجي، وذلك بالعمل الدؤوب على بناء "دولة تجارية" وليس دولة قومية تقليدية. فالقيادة الصينية تقوم اليوم بتحويل الصين إلى شركة مساهمة عملاقة تهتم بعمليات الإنتاج الصناعي والتطوير التكنولوجي وتسويق بضائعها في الأسواق العالمية، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح دون اهتمام حقيقي ببناء جسور تواصل ثقافية مع الشعوب التي تتعامل معها. وهذه هي السياسة التي اتبعتها اليابان وسنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية من قبلها. إن قيام تلك الدول بإهمال ضرورات التعرف على ثقافات الشعوب الأخرى، والتعاطف معها وتأييد قضاياها العادلة ومساعدتها ماليا وتكنولوجيا أدى إلى فشل الدولة التجارية عامة في كسب أصدقاء لها في العالم. إن مما لا شك فيه أن اليابان نجحت نجاحا باهرا في تحقيق فوائض مالية كبيرة نتيجة لما حققته من تقدم صناعي وتكنولوجي وعلمي مكنها من غزو الأسواق العالمية. لكن ابتعاد اليابان عن إقامة علاقات ثقافية مع شركائها التجاريين جعل من السهل قيام أولئك الشركاء بشراء احتباجاتهم من دول منافسة تتمتع بنفس المزايا كما يحدث اليوم مع الصين. نتيجة لذلك، ليس بإمكان اليابان أو غيرها من دول تجارية آسيوية الإدعاء بأن لها شعب صديق واحد في الشرق أو الغرب، في آسيا أو أوروبا، في أمريكا الشمالية أو الجنوبية أو أفريقيا. وحيث أن سياسة تجارية كهذه ليست من صفات الدول العظمى ولا تخدم مصالحها على المدى الطويل، فإن من شبه المؤكد أن تحاول الصين الجمع بين مصالح الدولة التجارية ووظائف الدولة القومية. وهذا يعني أن الصين ستواصل مد نفوذها إلى أماكن عدة من العالم سعيا وراء الموارد الطبيعية والأسواق التجارية، وبناء موانئ وقواعد شبه عسكرية لتأمين تلك المصالح وحمايتها. أما اليوم، فإن الصين ترى أن مجالها الأمني يقتصر على منطقة الجوار إلى حد كبير، بينما يمتد مجالها الاقتصادي الحيوي ليشمل كل أنحاء العالم، بدءا بالدول التي تستحوذ على موارد طبيعية وأراضي زراعية وفرص استثمارية مثل دول القارة الإفريقية. ويمكن القول أن سياسة الصين الاقتصادية ترتكز على عدة مبادئ أساسية، أهمها:1. التوسع في الاستثمارات الخارجية بهدف تأمين احتياجاتها المتزايدة من المواد الخام والطاقة والمنتوجات الزراعية والأسواق التجارية، واستخدام ما لديها من فوائض مالية لتمكين شركاتها الوطنية من التمركز في أهم الأسواق الاستهلاكية في العالم. فالصين تبدو اليوم على استعداد للعمل في أي مكان، في ظل أية ظروف، والتعامل مع أي نظام كان، شريطة أن يكون الاستثمار مجزي من النواحي المادية والاستراتيجية. 2. فتح الأسواق الصينية أمام البضائع الأمريكية والأوروبية مقابل قيام دول الغرب بافساح المجال لنقل المزيد من التكنولوجيا للصين. وعلى سبيل المثال، يقول بعض الاقتصاديين والمسئولين الحكوميين الصينيين بإن السبيل الأمثل لتعديل الميزان التجاري بين الصين والولايات المتحدة يكمن في قيام أمريكا بالسماح بتصدير التكنولوجيا الصناعية المحظورة مقابل قيام الصين بفتح أسواقها أمام البضائع الأمريكية. 3. تشجيع الصينيين على زيادة الاستهلاك بهدف توسعة السوق الوطني ورفع مستوى الحياة بالنسبة للفرد، وزيادة اعتماد الصناعات الصينية على الأسواق الداخلية. 4. تشجيع عمليات الخلق والابتكار والبحث العلمي من خلال إقامة المزيد من مراكز البحوث والدراسات والجامعات، والتوسع في تدريس اللغات الأجنبية. وبالرغم من حداثة النهضة العلمية في الصين، إلا أنها تجاوزت ألمانيا في عام 2007 بالنسبة لعدد طلبات براءات الاختراع.5. الاهتمام بالتعليم والتدريب المهني وتدريس اللغة الإنجليزية بشكل خاص. وبسبب الاهتمام الكبير بهذه اللغة، فإن عدد الصينيين الذين يتقنون التحدث بها يتجاوز اليوم، وإن كانت الغالبية من الأطفال، سكان أمريكا.6. تمتين العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار، خاصة الدول الأعضاء في منظمة دول جنوب شرق آسيا (بروناي، اندونيسيا، ماليزيا، الفلبين، سنغافورة، تايلاند، برما، كمبوديا، لاوس، وفيتنام)، إضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية. إذ على سبيل المثال، تجاوز عدد السلع التي يتم تصديرها اليوم فيما بين دول جنوب شرق آسيا والصين دون رسوم جمركية 7000 سلعة. وهنا أود الإشارة إلى أن توجه الصين نحو التعاون مع دول الجوار بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية كان له أهمية كبيرة في مساعدة الدول الآسيوية عامة على تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة دون خسائر كبيرة ومعدلات بطالة مرتفعة، وذلك خلاف ما حدث في أمريكا ومعظم دول أوروبا. إذ بينما لم تستطع أمريكا حتى نهاية عام 2010 استعادة ما خسرته من نمو اقتصادي بسبب الأزمة، استطاعت الصين خلال السنوات الثلاثة الأخيرة زيادة حجم ناجها القومي الاجمالي بما يزيد عن 20%. التوجهات الثقافية إن التركيز على ما حققته الصين من انجازات اقتصادية جعل القائمين على ترتيب زيارتنا يهملون البعد الثقافي. إذ لم يفكروا في ترتيب زيارة لمتحف نتعرف من خلالها على جانب من حياة الصينيين وتراثهم الثقافي. لكن بعد انتهاء جلسات الحوار، طلبنا من زملائنا الصينيين ترتيب زيارة للمدينة المُحرمة التي اكتسبت اسمها بسبب تحريم دخول الشعب إليها لعهود، بينما كانت تقيم فيها العائلات الإمبراطورية الحاكمة. وتبدأ المدينة بالساحة الحمراء حيث يرقد جثمان ماو تسي تونج، مؤسس الصين الحديثة. وفي تلك المدينة شاركنا آلاف الصينيين والأجانب في الوقوف في صف طويل لزيارة ضريح الزعيم الصيني. كان هناك تمثال كبير وجميل يُظهر ماو بشكل مُهيب تعلو وجهه ابتسامة كبيرة واثقة، وبعدها انتقلنا إلى حيث يرقد جثمان ماو محنطا في نعش زجاجي جعل الرجل يصغر في عيني كثيرا. وهذا جعلني أتساءل عن سبب تحنيط الموتى وعرض جثثهم كتحف أثرية لمن يريد أن يتفرج عليها مقابل دفع رسوم زهيدة.مررنا بعد ذلك على ساحات كبيرة وعدة قصور متشابهة من حيث التصميم لم يُسمح لنا أو لغيرنا بدخولها بسبب قدمها وهشاشتها، كما شاهدنا أيضا حدائق صغيرة ولكن جميلة تتنوع فيها الأشجار المعمرة والنباتات والأزهار. وبينما كنا نتجول في تلك المدينة المترامية الأطراف، أخبرنا المرشد السياحي بأن آخر أبناء العائلة الإمبراطورية التي حكمت الصين، إبن أخ الإمبراطور الذي تنازل عن العرش في عام 1912، يتواجد في تلك المدينة بشكل مستمر.. بحثنا عنه حتى وجدناه. رجل تبدو عليه الهيبة والبساطة في آن واحد، يبلغ سنه كما أخبرني 65 عاما، أجاب على بعض الأسئلة التي اقتصرت على النواحي الشخصية، إذ قال بأنه لم يشارك في أفلام عن حياة الصين القديمة، ولا في أفلام وثائقية عن حياة عائلته، وأنه يعمل فنانا ويعيش على دخله من بيع لوحاته البسيطة.. مخطوطات جميلة باللغة الصينية. كان الدليل السياحي يترجم الأسئلة التي وجهتها لآخر أفراد العائلة الإمبراطورية دون أن ينظر في عينيه، وكأنه يرى في ذلك الرجل صورة الإمبراطور وهيبته التي اختفت عن الأنظار قبل قرن.قمت مع الصديق سمير حباشنة في مساء ثاني يوم لنا في بيكين بنزهة ليلية بعد وجبة عشاء ثقيلة، استهدفت ممارسة رياضة المشي والتعرف على معالم المدينة القريبة من الفندق. وحين وصلنا إلى تقاطع الشارع الذي سرنا عليه مع الشارع الرئيسي التالي، شاهدنا عمالا يقومون بعزل زاوية التقاطع وإلى جانبهم سيارة شحن كبيرة. سرنا في طريقنا غير معنيين بما كانوا يفعلون، بعد حوالي نصف ساعة والمرور على معارض لأكبر دور الأزياء والمجوهرات في العالم اكتشفنا منطقة حديثة وجميلة مخصصة للتسوق والمشاة فقط، وذلك على النظام الألماني الذي يجعل أسواق المدن الرئيسية مناطق مغلقة للسيارات وفضاء مفتوحا للمشاة.. كانت تلك المنطقة تعج بالشباب الصيني والسياح الأجانب الذين يبحثون عن وجبات طعام خفيفة وتحف تذكارية يحملونها لبلادهم. لاحظنا أن الغالبية العظمى من الصينيين كانوا شبابا يشبهون في لباسهم ومشيتهم شباب أمريكا وأوروبا في مدن الغرب الرئيسية، ويأكلون في المطاعم الأمريكية سريعة الوجبات. أما في المدينة المحرمة، فكانت الغالبية العظمى من الصينيين متقدمين في السن.. رجال ونساء بدت على وجوههم آثار التعرض طويلا للشمس.. كانوا على ما يبدو من العاملين في المزارع، وربما في المناجم والمصانع المفتوحة. وهذا عزز قناعتي بنظرية نشرتها ضمن كتابي الأخير الذي صدر عن منتدى الفكر العربي هذا العام تحت عنوان: "الثقافة وأزمة الهوية العربية". نظرية تقول بأن الثقافة والهوية شيئان متقاربان ولكن مختلفان من حيث الوظيفة والمرجعية، وإن من الممكن بلورة هوية وطنية قوية دون ثقافة وطنية جامعة. فزوار المدينة المحرمة كانوا يتطلعون إلى الإرث الإمبراطوري القديم وماو تسي تونج كرموز لهويتهم الوطنية، بينما يتطلع الشباب المتعلم والمُنعم إلى الغرب كرمز لهوية ثقافية وثقافة بديلة. من الأشياء الهامة التي أود الإشارة إليها هنا، توجه الصينيين بشكل غير عادي نحو المادة لدرجة جعلت الفنادق تُحاسب الزبائن على فنجان القهوة أو الشاي الذي يصنعوه في غرف نومهم. إن الثقافة الصينية، وخلافا للمتعارف عليه، تقوم على المادة وليس على الروحانيات، إذ يتمنى الصيني لصديقه في عيد رأس السنة عاما جيدا يجني خلاله أموالا كثيرة، وليس الصحة أو السعادة أو طول العمر. ومن خلال الحديث مع المرشدين السياحيين والمرافقين والباعة في الأسواق اكتشفت أن معرفة شباب الصين بتاريخ وحضارات الغير من الشعوب شبه معدومة، وأن الجيل القديم من المثقفين كان أكثر معرفة بالثقافة العربية وتفهما للموقف العربي من جيل الشباب الذي سيتولى قيادة الصين في السنوات القليلة القادمة. الحركة العمرانيةتخلفت في بيكين لمدة يومين بعد سفر معظم الزملاء، قمت خلالهما بزارة معهد الصين للدراسات الدولية مرة ثانية، وزيارة سور الصين العظيم ضمن رحلة سياحية عادية منحتني فرصة المرور على عدد كبير من الأحياء الحديثة المكتظة بالفنادق، والتسوق في "سوق الحرير" الذي أنصح كل زائر لبيكين بزيارته. وفي الطريق إلى السور الذي يبعد عن المدينة حوالي ساعتين بالسيارة، ويبلغ طوله حوالي 7 آلاف كلم، رأيت مئات العمارات العملاقة في مراحل مختلفة من البناء، كما رأيت شبكة طرق ليس لها مثيل في العالم. وكما علمت فيما بعد، أقامت الحكومة الصينية 6 طرق دائرية حول العاصمة التي يبلغ عدد سكانها 18 مليون نسمة، وتعادل مساحتها مساحة بلجيكا. وفي داخل بيكين، رأيت شوارع ذات اتجاهين يبلغ عدد مسارب كل اتجاه ثمانية، بينما يبلغ عرض الرصيف على كل جانب حوالي 15 مترا. لذلك يقال أن نصف مشاريع البناء الجارية اليوم في العالم توجد في الصين، وأن من المتوقع أن تقيم الصين خلال العقدين القادمين ما بين 20 إلى 50 ألف ناطحة سحاب جديدة. ولهذا استهلكت الصين من الحديد والصلب في عام 2009 ضعف ما استهلكته الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي واليابان مجتمعة.إلى جانب الترتيب المحكم للتنقلات وإدارة الجلسات وتفاصيل الزيارة والحرص على الوقت، لاحظت اهتماما غير عادي بالنظافة وتخطيط المدن والحرص على إقامة الحدائق العامة وتجميل كل موقع على الطرق. وعلى سبيل المثال، أقامت الصين في مدينة بيكين عشرات الشوارع العريضة التي تخترق المدينة بخطوط مستقيمة تمتد مسافات تصل أحيانا 30 كلم. ليس هناك شك في أن فتح تلك الشوارع كلف ملايين الفقراء بيوتهم وذكرياتهم التي جرفتها معدات البناء وتجاوزتها قرارات قيادة مصممة على إقامة مدينة حديثة تصلح عاصمة لدولة عظمى. لكن الروح السائدة بين الناس الذين صادفناهم يغلب عليها الرضا عن النظام والاعتزاز بالانجازات، وليس التباكي على الاطلال. فكثير من الشباب يقضي يومه كاملا في الشركة التي يعمل فيها، وأحيانا ينام في مكتبه ولا يعود لبيته إلا مرة كل بضعة أيام. قمت مع الصديق سمير حباشنة بعد يومين بنفس الجولة السابقة، وكان الهدف في هذه المرة البحث عن مكان لتناول وجبة طعام خفيفة. وحين وصلنا إلى التقاطع الذي رأينا فيه عمالا يقومون بعزله، دهشنا بوجود نصب فني كبير يزيد ارتفاعه عن ستة أمتار، قام العمال بنصبه وغرس الأشجار والأزهار من حوله وتحويله إلى منتزه صغير ونظيف يبدو عمره سنوات وليس ساعات. ولقد علمت فيما بعد أن شركة صينية أقامت مبنى كبير من 15 طابق، يتحمل الهزات الأرضية القوية خلال 6 أيام فقط. هكذا تبني الصين وتعمر وتنمو، تحسب الثواني وليس الأيام، وتنجز في ساعات ما يحتاج في دول أخرى لسنوات. كل الإنجازات التي شاهدناها تمت بسرعة البرق، فالصينيون لا يعرفون إضاعة الوقت، ولا هدر الموارد، ولا المناكفات التي تعطل العمل وتضعف الإرادة.. ربما كانت شعوب جنوب شرق آسيا أكثر شعوب العالم وعيا بأهمية الوقت والعمل، وبأنها في سباق مع الزمن، وأن بإمكانها كسب الرهان وتحقيق ما تريد تحقيقه من انجازات. ملاحظة أخيرةتقودني قراءتي لما عاشته الصين عبر ربع القرن الماضي من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية إلى نتائج محددة تتعلق بطريقة تفكير النخبة السياسية الحاكمة وتوجهاتها على الساحة الدولية. أما زيارتي لتلك البلاد ومشاهدتي لبعض ما تم انجازه على أرض الواقع، فقد اقنعتني بأن لدى الصين قدرة هائلة على تحقيق معجزات اقتصادية وصناعية وعمرانية كان من الصعب تخيلها قبل عقود. ولقد جاءت تجربة الحوار مع مجموعة المفكرين والمثقفين لتعزز قناعاتي بأن النخبة السياسية والاقتصادية في الصين تجاوزت كل الشعارات القديمة والمبادئ التي حالت سابقا دون انطلاقها لتحقيق التقدم بمفهومه العصري. كانت الصين خلال فترة الكفاح ضد الاستعمار الغربي والنضال من أجل التحرر الوطني دولة فقيرة تعاني من التخلف والفقر، ويقودها حزب يحمل أفكارا ثورية تؤمن بتحرير الإنسان والأرض من هيمنة القوة العسكرية واستغلال رأس المال، وهذا جعلها تغدو حليفا لشعوب العالم الثالث بما في ذلك العرب، تشاركهم المظالم والطموحات. أما اليوم، فإن الوضع مختلف تماما.. مشاغل الصين الأساسية ليست فكرية أو فلسفية، ومصالحها الأساسية ليست في الترويج لفكرة ثورية، بل في التصنيع والتصدير والتنمية المجتمعية، وتوفير مصادر ثابتة لما تحتاجه الآن وفي المستقبل من مواد خام ومنتجات زراعية، والتطور إلى دولة يقوم الاقتصاد فيها على المعرفة. وفي ضوء هذه التطلعات والتوجهات، وجدتْ الصين نفسها تبتعد عن العرب وعن غير العرب من شعوب العالم الثالث، وتعيد تقييم علاقاتها معهم على أساس ما يتوفر لديهم من موارد طبيعية ومواقع استراتيجية تساعدها على تحقيق أهدافها الاقتصادية والأمنية بعيدة المدى. في ضوء هذه الحقائق والاستنتاجات يمكن القول أن العرب، وربما شعوب العالم الثالث عامة في طريقهم لخسارة الصين وما تشكله من ثقل اقتصادي وسياسي واستراتيجي على الساحة الدولية، مما يعني أن على شعوب العالم المغلوبة على أمرها أن تعتمد على أنفسها. إن الصين لم تتحول بالقدر الكافي لتصبح جزءا من الطرف المعادي لطموحات تلك الشعوب، لكنها، وبكل تأكيد، لم تعد جزءا من الطرف المغلوب على أمره، ذلك الطرف الذي يعيش في مستنقع من التخلف والفقر والظلم والاستبداد والتبعية، ويتطلع لتنمية موارده واستعادة حريته وكرامته.. لذلك كان على هذا الجزء من العالم أن يصحو من سباته، ويأخذ زمام المبادرة، ويسخدم ما لديه من موارد طبيعية وبشرية ومصادر طاقة لتنمية بلاده وتحرير شعوبه، وتعزيز موقعه على الساحة الدولية.تشير الأرقام المتعلقة باستهلاك الطاقة إلى أن استهلاك الصين ازداد بمقدار عشرة مرات منذ عام 1980، مما جعلها تتجاوزت الولايات المتحدة في منتصف عام 2010. كما تشير الأرقام أيضا إلى أن استهلاك الصين من الطاقة العالمية سيبلغ حوالي 20% بعد عشرين سنة. فهل بإمكان العرب استخدام أهم وأخطر مادة استراتيجية في التاريخ لحماية مصالحهم وتحقيق نهضة تنموية شاملة في بلادهم؟ إن العرب يشكلون أكبر كتلة بشرية تجمعها وحدة الثقافة واللغة والدين والتاريخ، لكنها لا تزال مشتتة، تعاني من التجزئة والتخلف والتبعية وغياب الوعي وعدم القدرة على الاستفادة من تجارب الغير من الشعوب، وتقوم في الوقت ذاته بتبديد مواردها وإضاعة الفرصة تلو الأخرى.. إن العرب بحاجة لصحوة ثقافية واجتماعية وسياسية تمكنهم من النهوض من كبوتهم التي طالت، وتأهلهم للقيام بدور دولي يتناسب مع إمكانياتهم المادية والبشرية وتراثهم الثقافي والعلمي. ودون ذلك، لن يكون للعرب مستقبل في المستقبل.

العدالة والمصالحة: قبل أن يجرفنا الطوفان

سعود المولى
منذ أيام تلاقى عدد كبير من المثقفين اللبنانيين، من مختلف الطوائف والمناطق والتيارات، ليقولوا بفم ملآن إنه "قد طفح الكيل باللبنانيين من سياسات التهديد والوعيد، ومن التخوين والتخويف، ومن العنف والترهيب"؛ وإنه "ليس قدر لبنان أن يكون منذوراً لحروبٍ مستدامة..إنما هو وطنٌ يستحق الحياة الحرة الكريمة كسائر الأوطان"...ووجّه المجتمعون نداء إلى جميع اللبنانيين المهتمّين بمستقبل وطنهم، لا سيما أولائك الذين يرفضون البقاء مكتوفي الأيدي في انتظار ما سيكون، وذلك للعمل معاً والتفكير معاً من أجل طَيّ صفحة الحروب بصورة نهائية، ومن أجل مصالحة وطنية قائمة على العدالة والإنصاف. لتلك الغاية إقترح المجتمعون تشكيل إطار عمل وتواصل – "تجمع العدالة والمصالحة" – يتيح للمجتمع اللبناني أن ينهض بمسؤولياته في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ لبنان..

والحال أنه ليس أول نداء ولا أول دعوة ولا أول مبادرة تنطلق من "المجتمع المدني الديمقراطي اللبناني" لوأد الفتنة وصون الوحدة والتعايش ولبناء أسس لبنان الجديد... وهي بالطبع لن تكون الأخيرة..وهذا أمر حسن ومرغوب إلا أنه يطرح علينا جميعاً أسئلة مقلقة: لماذا تضيع هكذا مبادرات ويأكلها النسيان بعد أيام أو ربما أسابيع على إطلاقها ؟؟ لماذا لا تتحول إلى مؤسسة فاعلة للتفكّر والتدبّر، وللتخطيط والتواصل، وللتحاور والتشاور؛ هذا إن لم نصل إلى المطالبة بآلية للعمل المشترك الجاد المتواصل لتنفيذ برامجها وشعاراتها ؟؟ لماذا يبدو المجتمع المدني ضعيفاً "مسبوعاً" أمام سطوة الطوائف والطائفيات؟؟ لماذا لم ننجح حتى الآن في تاسيس ذلك المكان المشترك-الحيز العام- الإطار المدني الديمقراطي- الذي يجمع المطالبين بالجمهورية الديمقراطية البرلمانية وبالميثاقية الدستورية وبدولة الحق ومؤسساتها وقوانيينها وبالإصلاح والتغيير؟؟ لماذا نكرر كل يوم إصدار الوثائق والمبادرات التي لا تقول جديداً ولا تكتب بديعاً ، في حين أننا نحتاج إلى عمل بعد القول، وإلى سيف بعد القلم ؟؟
صحيح أن اللبنانيين قد حققوا معاً إنجازاتٍ كبرى ، فباتت في رصيدهم المشترك، أهمها التعدّدية الثقافية والدينية، والديموقراطية البرلمانية ، والفصل بين السلطات (نظرياً) واستقلالية القضاء عن السلطة السياسية (نظرياً أيضاً) ..وصحيح أيضاً أنهم حرّروا أرضهم من الإحتلال الاسرائيلي (عملياً وفعلياً)، وحرروا قرارهم الوطني من الوصاية (نسبياً كما نرى)..ولكن هل أمسكوا فعلاً بمصيرهم الوطني؟ وهل وضعوا فعلاً حداً "لتلك الدورة الجهنمية من العنف والقتل"؟؟ لا طبعاً!! ولعلنا صرنا في حال أسوأ مما كنا عليه ؟ فأين هو دورنا؟؟
في وثيقة تجمع العدالة والمصالحة الجديدة، إشارة رائعة إلى أنه "في عام 1989 إختار اللبنانيون أن يعيدوا تأسيس سلمهم الأهليّ على قانون للعفو وليس على فعل العدالة. غير أن هذا القانون لم يفلح – بمعزلٍ عن تطبيقه الكيفيّ الإستنسابيّ – في طيّ صفحة الماضي الذي استمرّ يُلقي بثقله على حاضر اللبنانيين، مقيِّداً قدرتهم على معانقة المستقبل".والحال أن هذه هي المسألة الأساسية التي ينبغي أن ننكب على معالجتها. ولذلك قلنا ونعيد القول (كما قالت الوثيقة بالحرف) بأنه ينبغي أولاً "الإمتناع عن استخدام العدالة ضد أي جماعة أهلية أو فريق سياسي". ومن الضروري أيضاً أن يبادر اللبنانيون إلى إجراء مصالحة فيما بينهم ومع الآخرين، "على أساس الإعتراف بمسؤوليتهم المشتركة عن الحروب التي دمّرت بلدهم. إذ إن كل فريق منهم احتكم إلى السلاح، في مرحلة من المراحل، لحل خلافه مع الفريق الآخر، أو بدعوى الدفاع عن الذات، كما استعان بقوى خارجية لتلك الغاية، مضحّياً باستقلال الوطن وسيادته، ليغدو الجميع، من حيث يدرون أو لا يدرون، مجرد أدوات في حروب لبنان المتمادية".
إننا نحتاج إلى وقفة تاريخية إذ نحن فعلاً أمام منعطف تاريخي: فإما ننقذ ما تبقى من الوطن..وإلا فالطوفان..وأمام الطوفان لا تنفع الوثائق والتجمعات وإنما نحتاج إلى سفينة نوح!!