الأحد، 20 مارس 2011

في الهوية الشيعية

مقتطفات من دراسة للدكتور جابر حبيب جابر
أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، نائب في البرلمان
المشكلة الشيعية الراهنة تكمن أولاً في أن ولاية الفقيه ليست جواباً شيعياً يقبله جميع الشيعة وبالتالي فإن أصل الإشكال الأساسي المتمثل بغياب جواب شيعي لسؤال السلطة بعد الغيبة مازال قائماً لدى جزء كبير من الشيعة لا سيما في العراق. ثم أن ممكنات ولاية الفقيه ليست متاحة في العراق ولبنان والبحرين كما هي في إيران وبالتالي على الهوية السياسية الشيعية أن تعرِّف نفسها بمخارج أخرى. ثانياً إذا كانت كل الهويات الإجتماعية متغيرة وقابلة للصعود والهبوط فإن الهوية الطائفية – الدينية هي أكثر عرضة لهذا التقلب والتغير لأنها لا تقوم على عناصر إثنية أو عرقية محسومة وبالتالي فإن الهوية الشيعية مازالت تتداخل مع عناصر هوية أخرى مثل الإنتماء القومي أو الإثني أو حتى القبلي، مما يصبح لزاماً معه علاقة هذه الهويات ببعضها.. واذا ما كانت تراتبية التعريف تقضي بثانوية الهوية الطائفية مقابل الهوية الوطنية تغدو الشيعية السياسية مجرد أيديولوجية بما يعنيه ذلك من قابلية الإندثار مع تقادم الزمن أو تغير علاقات السلطة وبما يعنيه أيضاً من إمكانية توظيفها لخدمة مشروع السلطة أيضاً. مع ذلك فإن وجود وجدان شيعي يتعالى على الفروق القومية والإثنية يشي بوجود هوية شيعية حية.. أزمة هذه الهوية تكمن في حل معضلة العلاقة مع الوطن الذي لا يتطابق بالضرورة معها.. وهل يكمن الجواب في إيجاد وطن ينسجم معها عبر ما يعنيه من الإنفصال عن الآخر الذي لا تحتويه الهوية أو بتعريف الشيعية تعريفاً غير سياسي يعيدها إلى الدائرة المذهبية والتوقف عن إستنطاق تلك الدائرة حول سؤال السلطة بقبول مصدر شرعية بديل هو الدولة الديمقراطية التعددية كما في الحالتين العراقية واللبنانية... إننا هنا بصدد تحد كبير يرتبط به مصير أوطان بقدر ما يرتبط به مصير الهوية الشيعية نفسها.
لقد كان صعود الشيعية السياسية مجدداً مرتبط بسياق تاريخي لا يصح أبداً قراءته بطريقة لا تاريخية.. إنه مرتبط بأزمة مشروع الحداثة وإنغلاق المشروع القمومي وتهميش الغالبيات والأقليات الشيعية وحتمية سؤال الهوية.. لكنه ليس القاعدة وليس الجواب النهائي.. إنه كأي طرح أيديولوجي يولد وينمو ويخبو وقد يموت.. والخطر الذي أعتقد وجوده هو في النظر إلى الصعود خارج سياقه التاريخي وبالتالي الإرتماء في حضن الإغراء الأيديولوجي لتبسيط الواقع وفك العلاقة مع الإطار الزماني والمكاني معبراً عنه في فكر الثورة الدائمة. من هنا لابد من موضعة التشيع السياسي في أطره الوطنية والنظر إليه إرتباطاً بخصوصية كل بلد دون أن يعني ذلك تفكيك الوجدان الشيعي أو إلغاؤه. إن ما يشكل خطراً على الهوية الشيعية هو محاولة البعض إعطاءهاً طابعاً رسالياً وبالتالي رهنها بصراع دائم سيستنزف تدريجاً قدرة أبنائها ويرهن مصائرهم بتحولات ذلك الصراع في الوقت الذي يعمد الآخر بكل ما لديه من موارد هائلة وشبكة تحالفات إقليمية ودولية وأدوات صناعة الرأي العام والتعبئة والتحشيد إلى مواجهة شاملة ومكلفة يتم عبرها إحياء نمط الطائفية السنية التي تستمد وجودها وزخمها من شيطنة الشيعة ومن أسطورة المؤامرة الشيعية.
ليس في هذا الكلام دعوة لتحييد مطلق للبعد السياسي في الهوية الشيعية بل لعقلنته كي يكون قادراً على تمثيل مصالح من يتم تهميشهم وطنياً أو إقليماً لأنهم شيعة دون أن يهدد مصالح الآخرين الذين سيظلون ينظرون الى الشيعية السياسية بتوجس ويوظفون صعودها لإسباغ مصادر شرعية على علاقات السلطة والهيمنة القائمة لا سيما في النظام الرسمي العربي وبتوظيف الأصولية السنية بإسم مواجهة المرتدين الشيعة والأصولية القومية بإسم مواجهة المد الفارسي.

لذلك مثلما يصعب للهوية الوطنية العراقية أن تحيد الحسين أو تتجاهله ومثلما أن رمزية الحسين ستظل قادرة على الفعل في الوجدان العراقي وضاغطة على أي تكوين حقيقي للهوية الإجتماعية العراقية فإن المبالغة في تشييع السياسة وعدم مساومة الآخر الشريك في الوطن والممتلك لرموزه الخاصة وقراءته المختلفة للتاريخ ستؤدي إلى إستقطاب طائفي دائم ليس الشيعة في وضع يؤهلهم لتحمل أكلافه السياسية والمادية والإنسانية وثقله المؤذي لهويتهم كما يراها الآخر.

شيعة البحرين

مقتطفات من دراسة للباحث البحراني الدكتور نادر كاظم
"شيعة البحرين" يمثلون حالة خاصة أو متفردة تمييزهم تاريخياً عن شيعة القطيف ولبنان وإيران.. ويمثل شيعة العراق منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين المثال الأقرب شبهاً بشيعة البحرين. ويتمثل هذا التفرد في حالة الشتات البحريني الجماعي، وهو شتات إمتدت حركته على مدى قرن ونصف من الزمان. ومن المعروف أن الشتات يخلق حالة نفسية معينة تطبع هوية ومزاج الجماعات التي تعاني منه. إلا أنه من اللافت أن هؤلاء المشتتين كانوا يندمجون في الأقطار التي تشتتوا فيها في القطيف والإحساء والبصرة وكربلاء والنجف والمحمرة وأصفهان وشيراز وبهبهان والنجف وبوشهر وغيرها، بحيث تتناسى الأجيال اللاحقة أصولها البحرينية التي لم يتبق من شيء يذكر بها إلا لقب من بقابا بلده الأصلي مثل: "البحراني" أو "الغريفي" أو "البلادي" أو "الساري" أو "الستري" أو "التوبلاني" أو غيرها من الألقاب المنسوبة إلى منطقة معينة في البحرين، وفي كثير من الأحيان تنقرض الألقاب ويجري تناسي الأصول وخصوصاً في الشتات الهائل الذي يكون عادة إبان الحروب والهجمات المتعاقبة والتي لم تهدأ من القرن الثامن عشر.
ولعل أقدم إشارة جاء فيها وصف الحرين بأنها "بلد الإيمان"، وأن أهلها هم "أهل الإيمان" هي تلك التي جاءت في مكتوب الشيخ عبيد آل مذكور الذي حرّره إلى الشاه عباس الصفوي يستنهض به همته ويحثّه على القيام لطرد البرتغاليين من البحرين. وقد جاء فيه: "أما بعد فكيف رضيت همته العلية وشيمته القدسية بالجلوس في دار أصفهان والإغضاء عن جلب على أهل الإيمان".
وتعود هذه الإشارة إلى القرن السابع عشر الميلادي، إلا أنها سوف تتعزز في القرن الثامن عشر الذي يعد قرن الشتات الأعظم في تاريخ البحرين، ولقد كان لهجمات العُمانيين الإباضية (اليعاربة) الأثر الأكبر في هذا الشتات العظيم. وفي هذا السياق يذكر الشيخ ياسين بن صلاح الدين البلادي البحراني في ديباجة رسالته المسماة بـ "القول السديد في شرح كلمة التوحيد"، قال بعد كلام طويل في وصف الشتات البحريني: "فأضرمت نيران الفتن، في مرابع أهل الإيمان، وشنّت الغارات والمحن في معالم ذوي العلم والإحسان". وفي فترة قريبة من هذا كتب الشيخ علي البلادي كتاباً في تراجم علماء البحرين، وقال: "ومن هؤلاء وأضرابهم سميت البحرين ببلاد المؤمنين والإيمان، واشتهرت بذلك في كل مكان". ويذكر ناصر الخيري أن البحرين "في عرف الشيعيين من الأماكن المقدسة".والمرجّح أن يكون القرن السابع عشر هو الزمن المرجعي لهذه الإشارة، ويعود ترجيحنا هذا إلى حقيقة تاريخنا وهي أن البحرين دخلت في مدار النفوذ الصفوي في هذا القرن تحديداً (1602م). وهذا يعني أنه لأول مرة في التاريخ يظهر حليف إقليمي قوي لأهل البحرين، وأكثر من هذا فهو حليف شريك لهم في المذهب مما يعني أنه لن يألو جهداً في حمايتهم والذوذ عنهم ضد الهجمات المتعاقبة التي تستهدفهم.. والعلة في هذا كما يذكر محمد علي التاجر هو "أن عواطف العقائد الدينية هي أقوى رابطة تربط أهالي البحرين لذلك العهد بشاهات الدولة الصفوية".
وقد بادر أهل البحرين إلى مكاتبة الدولة الصفوية (1501 ـ 1736م) من أجل التخلّص من البرتغاليين ومن الهجمات المتعاقبة التي تشيع الفوضى والإضطراب في البلاد، ويذكر ناصر الخيري أن ظهور الدولة الصفوية واشتهارها "بعطفها على المذهب الشيعي" ومناصرته قد حمل أهل البحرين على "مكاتبة ملوكها واستصراخهم بها سرّاً وعلانية". وإذا عرفنا أن تعبير "أهل الإيمان" يتطابق مع "الشيعة" في الإستخدام اللغوي العرفي لدى الشيعة في هذه الحقبة حيث يكون معنى "الذين آمنوا هم الشيعة أهل الولاية"، أقول إذا كان ذلك كذلك فإنه لن يكون من العسير الإستنتاج بأن تعبير "أهل الإيمان" كان جزءاً من حيلة خطابية تستهدف استنهاض الدولة الصفوية لإنقاذ أهل البحرين "وعقيدة التشيع" التي يصور حالها عبيد آل مذكور في خطابه إلى الشاه عباس بقوله: "فحسبك بتشتّت شملها وإضمحلال أثرها وإندراس معالمها (...) ولم يبق من أطلالها إلا عروش خاوية وآثار متداعية، ومع ذلك فقد اكتفينا من عمرها بالخراب، ومن مائها بالتراب".
وفي القرن السابع عشر أيضاً عادت الإمامة إلى مجتمع الأباضية في عمان، حيث عقدت الإمامة في العام 1034 هـ (1624م) لناصر بن مرشد اليعربي، وهو أول إمام يعربي في عمان، وفي عهده دخلت عمان في "حقبة إستثنائية من تاريخها الحديث، وهي حقبة إستعادت فيها الإمامة بناء ذاتها وتحققت خلالها وحدة البلاد الإجتماعية". ومن نسل هذا الإمام سيخرج سلطان بن سيف الذي عقدت له الإمامة في العام 1711. وقد صرف هذا الإمام عنايته لحرب الدولة الصفوية، وانتزع من أيديها جزيرة قشم ولارك وجاش وبندر عباس وهرمز والبحرين بعد حروب طاحنة، وأهمها وقعة البحرين في العام 1717م.
وعلى هذا، فقد كتبت على أهل البحرين ان يتواجهوا ـولأول مرة أيضاً ـ مع عدو إقليمي قوي، ونجح في التغلب على بلادهم لأكثر من مرة، وهذا العدو المختلف عنهم مذهبياً هو إمام مسقط واليعاربة الإباضيون (أو الخوارج بتعبير مؤرخي البحرين في تلك الفترة). لقد تأجج هذا العداء في سياق التنافس على النفوذ الإقليمي مع الدولة الصفوية، إلا أنه لم يكن يخلو من تعصب مذهبي متبادل، وكما يقول ناصر الخيري: "وأنّى للأباضي أن يتفق مع الشيعي، وذلك يبالغ ويسرف في بغض علي بن أبي طالب بينما هذا يبالغ في مودته ويكاد أن يجعله إلهاً، فهم لهذا على طرفي نقيض، ومحال أن يجتمع الضدان ويأتلف النقيضان".
وإذا تذكرنا إشارة ألبرت حوراني عن دور الثورة في إيران وحرب الخليج الأولى في استثارة الإحساس القوي بالهوية الشيعية وإهتزاز نظام هذه المجتمعات، فإنه علينا أن نتذكر كذلك بأن هذه الإستثارة لم تكن هي الأولى من نوعها، كما لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يهتز فيها "نظام المجتمع" في البحرين. فقد شهدت بنية المجتمع البحريني إهتزازاً عميقاً في القرن الثامن عشر. والحفر "الأركيولوجي" في تاريخ هذه الإستثارة وهذا الإهتزاز كفيل بإضاءة الكثير من المناطق المظلمة والمجهولة فيما يتعلق بمعضلة الولاء وإزدواجه، وفي ما يتعلق بدور هذه الإستثارة وهذا الإهتزاز في صياغة الوجدان الجماعي و "المزاج العام" تجاه فكرة "الوطن" أو "اللاوطن/الشتات" لدى شيعة البحرين. كما ان هذا النوع من الحفر كفيل بأن يكشف لنا حقيقة أن هذا التاريخ رازح بقوة في حاضرنا، وأنّ كثيراً من هواجسنا ومخاوفنا وعقدنا النفسية اليوم إنما تضرب بجذورها في هذا التاريخ البعيد والقريب الذي يتحرك من تحت أقدامنا دون توقف. ووالمفارقة هنا أنه في كل مرة تظهر دولة شيعية قوية في المنطقة يكون نصيب شيعة البحرين من ذلك مزيداً من البلاء والضرّ والتضييق والشتات، حدث هذا حين قامت الدولة الصفوية ودخلت البحرين ضمن مناطق نفوذها في القرن السابع عشر، وحدث هذا عندما قامت الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979م. فما أشبه الليلة بالبارحة!
وكأن من مصلحة شيعة البحرين ألا توجد دولة شيعية قوية في هذا الإقليم.

الخائفون من الديمقراطية

المستشار طارق البشري

ما أشبه اليوم بالبارحة، واليوم هو شهر مارس سنة 2011، والبارحة هى شهر مارس سنة 1954، والفرق بينهما سبعة وخمسون عاما قضيناها جميعها فى ظل حكم دستورى فردى، كان وطنيا يرعى المصلحة الشعبية فى ثلثه الأول، وصار لا يرعى مصالح الوطن ولا المواطنين فى ثلثيه الأخيرين.
أما البارحة، فقد كنا وقتها فى عهد السنوات الأولى لثورة 23 يوليه 1952، طُرِد الملك فاروق بعد خلعه، وتولى الجيش السلطة السياسية، وأعلنت الجمهورية، وقُضِى على الطبقة الحاكمة السابقة، قضى على ما سمى بالإقطاع الزراعى، وألغيت الأحزاب السياسية وألغى دستور 1923، وقام بحكم مصر «مجلس قيادة الثورة» بحسبانه يجمع السلطة كلها بغير برلمان ولا دستور، وبإعلان دستورى مختصر، وأن الفترة الانتقالية تستمر ثلاث سنوات تنتهى أول سنة 1956، عظم الضغط الشعبى على مجلس قيادة الثورة من خارج الجيش ومن داخل وحداته وأسلحته، يطالبون رغم تأييدهم إلغاء الملكية والقضاء على الإقطاع ــ يطالبون بإقامة نظام دستورى وعودة البرلمان وعودة الحياة الحزبية وإلغاء حالة الطوارئ (كانت تسمى حالة الأحكام العرفية). وخضعت قيادة ثورة 23 يوليو لهذه المطالب، فأعلن مجلس قيادة الثورة فى 5 مارس 1954 أنه سيلغى حالة الطوارئ وسيشكل جمعية تأسيسية لإعداد الدستور وسيلغى الرقابة على الصحافة والنشر، ثم فى 25 مارس قرر مجلس قيادة الثورة حل نفسه والسماح بقيام الأحزاب وانتخاب جمعية تأسيسية وذلك كله فى 24 يوليه سنة 1954. وبدا بهذا أن الوجه الديمقراطى لثورة 23 يوليو قد غلب وجهها الآخر وأن الأسلوب الديمقراطى والأهداف الوطنية والشعبية انتصرت على الأسلوب الآخر.
ولكن فاجأت هذه القرارات الديمقراطية الكثيرين، وقالوا إن هذه القرارات الخاصة بالحريات العامة وبصياغة نظام الحكم على أسس حزبية برلمانية منتخبة من الشعب، قالوا إن ذلك من شأنه أن يعيد العهد الماضى البغيض، وأن يعيد حكم الباشوات السابق، وأبدوا الهلع والفزع من عودة طبقة حاكمة كانت هُزمت فعلا وأطيح بها من مقاعد الحكم ومن نظام اجتماعى كانت تقوّضت قوائمه، وأبدى المنتصرون الهلع والفزع من المهزومين. وبدأت موجة من المظاهرات والإضرابات تطالب بعودة مجلس قيادة الثورة. يصف المؤرخ عبدالرحمن الرافعى ذلك: «وأضرب عمال النقل احتجاجا على عودة الأحزاب المنحلة، وقررت نقابتهم استمرار مجلس قيادة الثورة فى مباشرة سلطاته وعدم الدخول فى معارك انتخابية حتى جلاء المستعمر، فتوقفت القطارات ووسائل النقل فى البلاد، وبلغ عدد العمال المضربين مليون عامل» (كان تعداد مصر وقتها نحو 24 مليون نسمة) وقيل وقتها إن مظاهرات سارت تهتف بسقوط النظام الحزبى والديمقراطية.
وبهذا الضغط من الخائفين من الديمقراطية يذكر أيضا عبدالرحمن الرافعى: «رأوا أن الثورة مهددة بالانحلال إذا نفذت قرارات، 5 و25 مارس، وأن البلاد ستعود إلى الفوضى وإلى نفس الأحزاب المنحلة، فأصدروا قرارات اجماعية بإلغاء قرارات 5 و25 مارس، وشفعوا ذلك بالاعتصام حتى تلغى هذه القرارات. «وحملوا مجلس قيادة الثورة مسئولية ما يقع من حوادث إذا لم تجب مطالبهم».
تحدد فى هذه الأيام القليلة من شهر مارس 1954 نظام الحكم المصرى لسبع وخمسين سنة تلت. وكان وجه العجب فى هذا الموقف أن جماهير من الشعب المصرى فزعوا من عودة الديمقراطية والبرلمانية وكأنهم سيواجهون بذلك خطرا مهددا ومعضلة كبيرة، وأنهم فارقوا بين الثورة والديمقراطية الانتخابية وكأنهما ضدان لا يلتقيان، وكانوا غير واثقين من أنفسهم إزاء نظام حكم وإدارة يبشرهم بأنهم هم من سيملكون اتخاذ القرارات فيه وتكون لهم الهيمنة، والأخطر من ذلك والأشد مدعاة للعجب أنهم خافوا ممن هزموهم وأقصوهم عن الحكم وعن السيطرة الاجتماعية الاقتصادية. وصار أمامنا السؤال: كيف يخاف الإنسان ممن هزمه، وإذا كان الإنسان خائفا من خصم فكيف تقدم وهزمه وأجبره على ترك مكانه، وإذا كان هزمه وأقصاه فكيف يخاف منه من بعدُ، بعدَ أن فقد القدر الأكبر من قوته بترك السلطة ووسائطها فى القمع والترويع، وكيف يخاف الإنسان من الشبح أكثر مما يخاف من الواقع، وهل يخاف الإنسان من فلول جيش منهزم بأكثر مما نخاف من الجيش وهو بكامل عدته.
مازلت أذكر رسما كاريكاتوريا رسمه فى ذلك الزمان الرسام «عبدالسميع» بمجلة روزاليوسف. رسم أسدا داخل قفص من قضبان حديدية، وباب القفص مفتوح وفى خارجه يقف الحارس خائفا. والأسد يجلس داخل القفص المفتوح ويقول للحارس ما معناه: «أغلق الباب لأنه يدخل تيار هواء يؤذينى» وهذا بالضبط ما كان يعبر عن تناقض المواقف وقتها، والذى يفسر عدم الثقة أو فقدان الثقة فى الذات وإرادتها الجماعية الحرة وما يتاح لها من خيارات، وتركن إلى الاعتماد على الانسياق الجبرى، الحرية هى الصقيع والانسياق هو الدفء.
وهناك من «الديمقراطيين» من اعتاد على موقف المواجهة مع الحكام المستبدين مطالبا بالديمقراطية ورافضا الاستبداد، ولكنه اعتاد على موقف المطالبة، فإذا صار فى وضع التمكن من الممارسة الديمقراطية، فزع من الذات وعمل على أن يعود إلى وضعه الأول، وضع وجود الاستبداد وبقائه هو فى موقف المطالبة والاعتراض والتحدى.
عندما انتهى شهر مارس 1954، كانت مصر قد عادت إلى نظام سياسى غير حزبى وغير ديمقراطى، وبقيت فى هذا النظام طوال عهود لثلاثة حكام، ولم تبد فرجة للخروج من هذا النظام إلا أخيرا جدا فى 25 يناير 2011، أى لم تتح للمصريين فرصة جادة وحقيقية للخروج من النظام الفردى الاستبدادى إلا بعد سبع وخمسين سنة، بمعنى أن أحداث مارس 1954 حكمت نظام الحكم فى مصر طوال هذا الزمن الطويل. وأنا هنا أشير إلى مدى الجسامة والخطورة للحدث الذى نحياه الآن وما يطرح من بدائل.
وأبادر بالتنويه أننى بهذا الحديث الذى سقته آنفا، لا أقصد الحديث عن نظام الرئيس جمال عبدالناصر رحمه الله وأجزل له المثوبة على ما قدمه لبلده ووطنه، لا أقصده لسببين: أولهما: أن فترة الثمانية عشر عاما التى تمثل عهد عبدالناصر من 1952 إلى 1970، هى أكثر فترة تمتعت فيها مصر باستقلالها السياسى فى القرن العشرين، ومارست موجبات هذا الاستقلال، حفاظا على أمنها القومى وبناء أسس نظام داخلى يرعى المصالح العليا للشعب المصرى ويكفل تنمية موارده والعدالة الاجتماعية. وثانيهما: أن ثورة عبدالناصر كانت وعدت بالاستقلال الوطنى وإجلاء المحتل الإنجليزى عن مصر ووفت بهذا الوعد، وكانت وعدت بالعدالة الاجتماعية ووفت بعهدها أيضا، ووعدت بحفظ الأمن المصرى القومى وجهدت بصدق وأمانة فى الوفاء به فى مواجهة ظروف دولية شديدة الصعوبة. ولم يكن وعدها الأساسى يتعلق بالنظام الحزبى البرلمانى الانتخابى.
للديكتاتورية حصاد مر
ولكننا من تجربة مارس 1954 نظن أنه لو كان تحقق النظام الديمقراطى بمؤسساته الانتخابية مع وطنية نظام عبدالناصر وسعيه لبناء مصر بسياسات التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية وحفظ الأمن القومى، لكان أمكن لمصر بعد عبدالناصر أن تحفظ منجزات عهده. إنما ما آلت إليه أوضاع الحكم غير الديمقراطى فى ترسيخ سلطة الفرد الحاكم، هى ذاتها ما انتكست به كل منجزات الفترة الناصرية، فى عهدى أنور السادات وحسنى مبارك، اللذين عارضاه وخالفاه فى كل سياساته الوطنية والاجتماعية، فلم يوافقاه إلا فى نظام الحكم الفردى الاستبدادى، واستخدما سلطات هذا النظام الفردى فى تقويض كل ما شيدت مصر فى العهد الناصرى وفى عهد ثورة 1919 السابق عليه وكان مارس 1954 هو شهر الحسم بين نظام ديمقراطى انتخابى ونظام فردى.
واليوم فى مارس 2011، تسنح فرصة البناء الديمقراطى الدستورى بثورة 25 يناير، وهى ثورة لم تطرح أى هدف سياسى آخر لها فى المجالات الوطنية والاجتماعية، إنما طرحت هدفا سياسيا تنظيميا بحتا هو تحقيق النظام الديمقراطى، بشقيه الحزبى والانتخابى وتشكيل المؤسسات الدستورية الجماعية الانتخابية التى لا تتيح فرصة لظهور حكم فردى من بعد ــ إن شاء الله سبحانه ــ ومن ثم يكون ضياع هذا الهدف أو عدم تحققه هو إفشال كامل للفعل الثورى القائم.
وفى هذا الظرف نجد فى التو واللحظة فريقا من أهل مصر، المثقفين والساسة والإعلاميين، يثيرون ذات المخاوف من الديمقراطية التى ظهرت سنة 1954، ويقولون إن انتخابات فى عدة شهور قليلة من شأنها أن تفكك الثورة وأن تعيد الحزب الوطنى الحاكم السابق، وهو الحزب المهزوم بفعل ثورة لا تزال قائمة، وإن ممارسة الديمقراطية «المبكرة» من شأنها أن تفكك احتمالات البناء الديمقراطى، غير مدركين فيما يبدو ما فى هذا القول من تناقض، فلو كانت جماهير الثورة الحاصلة تخاف من الحزب الوطنى الحاكم فيما سبق، فَلِمَ قامت الثورة تتحداه؟ ومادامت هزمته فكيف تخاف من بقاياه؟
وهم يطالبون أن تطول فترة حكم مصر بغير انتخابات تشريعية، وأن تبقى محكومة إما بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى أعلن عن تحديده لمدة حكمه بالشهور والمهام المحددة أو بمجلس رئاسى لم نعرف من يقترحون أن يكون المعيِّن لهم، أو بانتخابات رئيس جمهورية لايزال مجهولا لدينا جميعا حتى الآن، ويكون انتخابه قبل كل مؤسسات الدولة التشريعية بمثابة توليه لسلطة مطلقة تجمع السلطتين التنفيذية والتشريعية بغير وجود كيان موازٍ له يحد من سلطته. ويبقى كذلك حتى تتكون المجالس التشريعية بالانتخاب، وهؤلاء المطالبون بطول مدة الحكم الفردى، يقولون ببقائها حتى تنشأ الأحزاب الجديدة وتنمو وتستعد لملء الفراغ السياسى، وكأن الحاكم الفردى المطلق المشيئة سيكون بالنسبة للأحزاب الوليدة كالأب الحنون على أولاده الصغار، فيرعاهم ويصبر عليهم وعلى تنميتهم ليقطعوا أجزاء من سلطته ويحدوا نفوذه المطلق، أى يكون حاكما يتعهد منافسيه ومقيديه بالرعاية حتى ينافسوه جيدا.
إن كل ما نصنعه الآن هو تكوين مؤسسات ديمقراطية لهذه الفترة الانتقالية المحددة لنضع من خلالها دستورا ديمقراطيا جديدا. لأن الفترة الانتقالية إن كانت مبنية على أسس نظام استبدادى أو فردى فلن تنتج إلا نظاما جديدا استبداديا وفرديا، أما إن توافر فيها عنصر الاختيار الإجماعى الحر والعمل الجماعى المشترك الممثل لجماهير الشعب، فالغالب إن شاء الله أن تنتج مثيلا لها فى الجوهر فى هيئة دستور جديد.
ثورة ناجحة استطاعت أن تجمع بعملها السلمى الثورى أكثر من عشرة ملايين مواطن فى يوم واحد بمدن مصر العديدة، وأن يبقى نفسها التجمعيى هذا أياما وأياما حتى أسقطت رءوس النظام السياسى القابض على السلطة وحتى نحقق النقل المؤقت للسلطة لإنشاء سلطة جديدة. هذه الثورة بجمهورها كيف تخاف ولا تطمئن إلى نتيجة انتخابات تجرى وهى فى عز زخمها وحركيتها الجماهرية الواسعة.
إلى من يخافون من الديمقراطية الانتخابية، أذكر لهم قول أبى العلاء المعرى:
فيا عجبا من مقالاتهم .. أيعمى عن الحق هذا البشر
والحمد لله

نــتــعـــرف مجـــدداً عـــلى الــنــخـــبــــة المصـــريــــة

بقلم: جهاد الزين -النهار-بيروت
منذ اندلاع الانتفاضة المصرية في 25 كانون الثاني وانا امضي وقتاً طويلاً نسبياً امام عدد من اقنية التلفزيون المصرية. استطيع القول ان هذه الشاشات - مضافا اليها البرامج المتعلقة بمصر على شاشتي "الجزيرة" و"العربية" كما على الـCNN والـBBC - لا تزال تستحوذ على تسعين بالماية تقريباً من وقتي التلفزيوني في البيت والمكتب. اعني تحديداً من الشاشات المصرية التي هي بمتناولي، قناة "دريم" والتلفزيون المصري الرسمي وبعض برامج "التوك شو" (الحوارية) المصرية التي تنقلها "قناة اليوم" عبر مجموعة خليجية... مقابل ذلك تراجعت نسبة متابعتي للشاشات اللبنانية بشكل كبير خصوصا ان التفاقم المتزايد لتفاهة السياسة الداخلية اللبنانية – والتي تبدو منذ فترة غير قصيرة على الهامش المتخلف للوضع العربي – قد ساهم في هذا الابتعاد.
اتاح لي شبه الانصراف التلفزيوني هذا منذ بضعة اسابيع الى الشؤون المصرية – بل حتى الى الافلام السينمائية المصرية على شاشات متخصصة بها – ولا زال يتيح ان ادخل في تجربة من نوع خاص، دعوني اسمِّها تجربة اعادة التعرف على النخبة المصرية خلال الانتفاضة وما بعد بدء المرحلة الجديدة.
كانت ولا تزال اسابيع استماع الى كل فئات النخب المصرية: عسكريين، سياسيين، فايسبوكيين، ادباء، مثقفين، قضاة، صحافيين، فنانين، وزراء، اقتصاديين، اكاديميين. جميعهم باتت تحفل بهم التلفزيونات المصرية وغير المصرية، عقائديين، قادة احزاب، ولاسيما "الاخوان المسلمين" الذين اخذنا نراهم ونسمع آراءهم، بل نتفرس في وجوههم ولحاهم وكلماتهم... في هذا المحفل النقاشي الهائل الذي افتتحته الانتفاضة بل "الثورة المصرية" كما بات اهلها – وهم هؤلاء انفسهم – يحبون تسميتها، محفل متواصل ليل نهار كأننا نتعرف مجددا على هذه النخبة بل النخب حتى لو كنا نعرف – بما فيه على المستوى الشخصي - اسماء عديدة بينها منذ زمن طويل.
من هذه المناظرة الدائمة التي اطلقتها "الثورة المصرية" تولدت لدي بضع ملاحظات لا شفاء لي من وطأتها او من قلقها اذا لم اضعها في الضوء.
1- بدءا من ميدان التحرير – الذي اصبح عاصمة المستقبل العربي مهما آل إليه هذا المستقبل؟! - وحتى في ذروة الاحتشاد الذي قيل انه ذات يوم تجاوز المليون (فعلا وليس على الطريقة اللبنانية في الاحتساب الـ8 والـ14 آذاري) كان لدي انطباع ان هذه الحشود هي اساسا انتفاضة النخب المصرية بأقصى ما تعنيه الكلمة: اوسع تجمع للطبقة الوسطى بكل شرائحها، ولكن طبعا تحت قيادة اذكيائها وموسريها ونشطائها ومثقفيها ومعظم موظفيها في القطاعين العام والخاص وبعقائدييها من كل الاطياف وابناء عقائدييها الذين يمارسون الآن حرية يغبطهم عليها آباؤهم... والذين كان بعضهم يمشي الى جانب ولده "الفايسبوكي" وهو – اي الأب – على عكاز او كرسي مدولب! (واعرف حالات محددة).
… انها اذن انتفاضة نخب... واسعة... "جماهير نخب" في القاهرة اساساً والاسكندرية والسويس والعديد من المدن... وليست انتفاضة كل الشعب المصري الذي لا تزال اغلبيته الريفية، اي المقيمة في الارياف، تتلقى نتائج ثورة النخب المدينية والقطاعات المتصلة بها، كما تلقت عام 1952 انقلاب "الضباط الاحرار" باسم الدفاع عنها وببرنامج اجتماعي اقتصادي جذري وغير ديموقراطي نفذه الجيش... مع فارق ان عام 1952 كان عام مجموعة صغيرة قادت المؤسسة العسكرية التي حكمت مصر حتى سقوط الرئيس حسني مبارك وان كانت شريحة من "رجال الاعمال – السماسرة" دخلت على خط القرار السياسي في السنوات الاخيرة من عهد الرئيس مبارك بينما ثورة 1919 التي كانت ثورة وطنية لتحقيق استقلال مصر اعتمدت على نخبة مدينية بقيادة بورجوازية المجتمع المتنورة.
اليوم... نحن امام ثورة لا شك ان صفتها الاولى انها ثورة ديموقراطية... وطنيتها – اي السياسة الخارجية – هي حصيلة غير معلنة لديموقراطيتها... في هذه المصالحة التاريخية التي يقدمها لنا ميدان التحرير للمرة الاولى منذ العام 1948 تاريخ تأسيس اسرائيل بين الديموقراطية والوطنية.
ازعم... ان كل هذه الانطباعات بل هذا التقييم هي وهو حصيلة مشاهداتي التلفزيونية. فالذي رأيته وأراه ثورة نخب، ثورة الشرائح الاكثر وعياً وحداثة وحيوية في المجتمع المصري... الذي تنتظر ملايينه الثمانون ان تحملها الديموقراطية الى واقع معاشي افضل؟!
انها هذه النخب المجمعة على قنوات التلفزيون على منع الفلتان الامني حيث يختلط تآمر "النظام القديم" بانفجار احتقان الفقراء والعشوائيات، او بانفجار الامية الطائفية التي يتسبب بها مواطن غيور على شقيقته المسلمة التي احبها شاب قبطي وأحبته... فقتله مفجراً رغم وعي النخب ازمة علاقات تهدد النسيج الوطني المسلم المسيحي... وادت الى سقوط عدد من القتلى في القاهرة نفسها.
الخلاصة التلفزيونية الاولى: هي ثورة نخب واسعة، ثورة طبقة وسطى، لا ثورة فقراء وفلاحين.
2- الخلاصة التلفزيونية الثانية: هي ان هذه الثورة الديموقراطية الهامة والواعدة مصريا وعربيا، لا تحمل حتى الآن برنامجها الاقتصادي. جميع الذين اسمعهم على التلفزيونات، بمن فيهم الاقتصاديون والمسؤولون الرسميون، يركزون على استمرار تشجيع الاستثمارات، زيادة الحد الادنى للأجور، الحفاظ على الاقتصاد الحر و"دولة الرعاية" معا. لكن هذه ليست برنامج وضع جديد واستراتيجية شاملة. انها افكار تشبه في المجال الامني الدعوة الى اعادة الشرطة الى الشوارع. الجدل الوحيد الجديد هو الجدل الدستوري لأنه البرنامج الوحيد للثورة منذ لحظة قيامها.
3- تُظهر الثورات العظيمة على ما يبدو افضل ما في الافراد... ما في النخب:
فبمعزل عن التنوع الهائل بين القيادات والشخصيات والناشطين والشباب... الجميع يظهر حساً عالياً بالمسؤولية في الكلام العام... كأنما كل هؤلاء من مختلف مواقعهم، يعبرون عن نضج كبير في الشأن العام... ولفت نظري بصورة خاصة – بعد انتهاء الانفعال الشخصي في لحظات محددة وخطرة – ان الشباب الفايسبوكيين كانوا لا يقلون نضجاً ومسؤولية عن الأجيال الأخرى... والكل تحفل بهم قنوات التلفزيون، بل استطيع ان اقول ان بعض من انشر لهم في صفحة "القضايا" كتبوا مقالات مهمة وجذابة خلال الاسابيع المنصرمة...
4- الخلاصة الرابعة التي لا بد من التوقف عندها هي المتعلقة بالزملاء الصحافيين التلفزيونيين المصريين. فقد سمحت الاحداث لي بالتعرف على كفاءات مميزة لعدد من مقدمي البرامج، نساء ورجالا... وفي مجالات مختلفة... كان اداؤهم قويا وتحضيرهم لامعا وذا مجهود، كما ان ملاحظاتهم الحوارية كانت كفوءة وندية. وأخص بالذكر هنا السيدة منى الشاذلي التي اصبح برنامجها "الساعة العاشرة" على "قناة دريم" بالنسبة لي مرجعاً يومياً للمتابعة... وهذه مناسبة لأنصح عددا من زملائنا اللبنانيين بمتابعة هذه التجربة المصرية الجديدة أو المتجددة في البرامج السياسية والثقافية والحوارية ودراستها...

السبت، 12 مارس 2011

نداء من مثقفين سعوديين إلى القيادة السياسية

إعلان وطني للإصلاح
لا يخفى على أحد ما ترتب على الثورتين التونسية والمصرية من تفاعلات ، وما ظهر بسببهما من تأزمات وحراك سياسي في العديد من الأقطار العربية – وبلادنا في القلب منها - ، الأمر الذي أوجد ظروفا تفرض علينا جميعا مراجعة أوضاعنا ، وبذل أقصى الجد في إصلاحها قبل أن تزداد تفاقما ، ونجد أنفسنا أمام تطورات لا يمكن درؤها ولا التنبؤ بعواقبها.
وقد سبق لنخبة من المثقفين السعوديين أن قدموا لخادم الحرمين الشريفين في يناير 2003 مقترحات محددة ضمن وثيقة "رؤية لحاضر الوطن ومستقبله". وقد رحب بها سلمه الله ووعد بالنظر فيها. كما أعلن عدد من كبار المسئولين في أوقات لاحقة بان الحكومة عازمة على تبني سياسات إصلاح واسع النطاق في جهاز الدولة ، وفي علاقتها مع المجتمع السعودي.
الآن، وبعد مرور عقد على تلك الوعود ، فان الإصلاحات الموعودة لم يتحقق منها إلا النزر اليسير، ونعتقد آن المشكلات التي أشير إليها في وثيقة الرؤية وما تبعها من خطابات مطلبية ، قد تفاقمت بسبب تأخر الإصلاح السياسي.
إن الوضع الراهن مليء بالمحاذير و أسباب القلق. و إننا نشهد مع سائر أبناء الشعب السعودي انحسار الدور الإقليمي البارز الذي عرفت به بلادنا ، وترهل الجهاز الحكومي ، وتدهور كفاءة الإدارة ، وشيوع الفساد و المحسوبيات ، وتفاقم العصبيات ، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع ، ولا سيما الأجيال الجديدة من شباب الوطن ، الأمر الذي يُخشى أن يؤدي إلى نتائج كارثية على البلاد والعباد ، وهذا ما لا نرضاه لوطننا و أبنائنا.
إن معالجة هذه الأوضاع تستوجب مراجعة جادة ، و الإعلان الفوري عن تبني الدولة والمجتمع معا لبرنامج إصلاحي واسع النطاق ، يركز على معالجة العيوب الجوهرية في نظامنا السياسي ، ويقود البلاد نحو نظام ملكي دستوري راسخ البنيان.
إن رضا الشعب هو الأساس لشرعية السلطة ، وهو الضمان الوحيد للوحدة والاستقرار وفاعلية الإدارة الرسمية ، وصون البلاد من التدخلات الأجنبية . وهذا يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والدولة ، بحيث يكون الشعب مصدرا للسلطة ، وشريكا كاملا في تقرير السياسات العامة عبر ممثليه المنتخبين في مجلس الشورى ، وأن يكون غرض الدولة هو خدمة المجتمع وصيانة مصالحه والارتقاء بمستوى معيشته ، وضمان كرامة أفراده وعزتهم ومستقبل أبنائهم.
لهذا فإننا نتطلع إلى إعلان ملكي يؤكد بوضوح على التزام الدولة بالتحول إلى " ملكية دستورية" ، ووضع برنامج زمني يحدد تاريخ البدء بالإصلاحات المنشودة والشروع في تطبيقها وتاريخ الانتهاء منها. كما يؤكد تبنيها للأهداف الكبرى للإصلاح ، أي : سيادة القانون ، والمساواة التامة بين أفراد الشعب ، والضمان القانوني للحريات الفردية والمدنية ، والمشاركة الشعبية في القرار ، والتنمية المتوازنة ، واجتثاث الفقر ، والاستخدام الأمثل للموارد العامة.
ومما نراه في هذا الصدد أن يتضمن البرنامج الإصلاحي العناصر التالية:
أولاً : تطوير النظام الأساسي للحكم إلى دستور متكامل يكون بمثابة عقد اجتماعي بين الشعب والدولة. بحيث ينص على أن الشعب هو مصدر السلطة ، والفصل بين السلطات الثلاث: التنفيذية والقضائية والتشريعية ، وكون السلطات محددة ، وربط الصلاحيات بالمسؤولية والمحاسبة ، وعلى المساواة بين المواطنين كافة ، والحماية القانونية للحريات الفردية والمدنية ، وضمان العدالة ، وتكافؤ الفرص. والتأكيد على مسؤولية الدولة في ضمان حقوق الإنسان ، وكفالة حق التعبير السلمي عن الرأي ، وتعزيز الحريات العامة ، بما فيها الحق في تكوين الجمعيات السياسية والمهنية.
ثانيا: التأكيد على مبدأ سيادة القانون ووحدته ، وخضوع الجميع - رجال الدولة وعامة المواطنين - له ، على نحو متساو ومن دون تمييز، وتحريم التصرفات الشخصية في موارد الدولة أو استعمالها خارج إطار القانون.
ثالثا: اعتماد الانتخاب العام والمباشر وسيلة لتشكيل المجالس البلدية ومجالس المناطق ومجلس الشورى ، ومشاركة النساء في الترشيح والانتخاب.
رابعا: إقرار مبدأ اللامركزية الإدارية ، وتخويل الإدارات المحلية في المناطق والمحافظات جميع الصلاحيات اللازمة لإقامة حكم محلي فعال ومتفاعل مع مطالب المواطنين في كل منطقة.
خامسا: تفعيل مبدأ استقلال السلطة القضائية، بإلغاء جميع الهيئات التي تقوم بادوار موازية خارج إطار النظام القضائي، وإشراف المحاكم على التحقيق مع المتهمين و أوضاع المساجين، وعلى هيئة الادعاء العام، و إلغاء التعليمات و الأنظمة التي تحد من استقلال القضاء وفعاليته، أو تحد من حصانة القضاة، أو تفتح الباب للتدخل في اختصاصات القضاء. كما يجب الإسراع بتدوين الأحكام وتوحيدها. وتقنين التعزيرات، واعتبار ما وقعت عليه حكومتنا من عهود ومواثيق دولية لحقوق الإنسان جزءاً من منظومة الأحكام القضائية.
فكل ذلك يضمن العدل والمساواة والانضباط في تطبيق الأحكام. كما يجب تفعيل نظام الإجراءات الجزائية ونظام المرافعات لتحقيق ما ذكر، ومنع أي إجراء أو تصرف خارج إطارهما، أو انتهاك لحدودهما.
سادسا: التعجيل بإصدار نظام الجمعيات الأهلية الذي اقره مجلس الشو رى ، وفتح الباب أمام إقامة مؤسسات المجتمع المدني بكل إشكالها و إغراضها ، باعتبارها قناة لترشيد و تأطير الرأي العام ، وتفعيل المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار.
سابعا: رغم اتساع النقاش حول حقوق المرأة السعودية ، إلا أن الحكومة لم تتخذ ما يكفي من إجراءات للوفاء بمتطلبات هذا الملف المقلق ، لأن إهمال حقوق النساء أو تأجيلها يساهم في تعميق مشكلة الفقر والعنف ، كما يضعف من مساهمة الأسرة في الارتقاء بمستوى التعليم. والمطلوب اتخاذ الإجراءات القانونية والمؤسسية الكفيلة بتمكين النساء من نيل حقوقهن في التعلم والتملك والعمل والمشاركة في الشأن العام دون تمييز.
ثامنا: إصدار قانون يحرم التمييز بين المواطنين ، لأي سبب وتحت أي مبرر ، ويجرم أي ممارسة تنطوي على تمييز طائفي أو قبلي أو مناطقي أو عرقي أو غيره ، كما يجرم الدعوة إلى الكراهية لأسباب دينية أو غيرها. ووضع إستراتيجية اندماج وطني ، تقر صراحة بالتعدد الثقافي والاجتماعي القائم في المجتمع السعودي ، وتؤكد على احترامه ، وتعتبره مصدر إثراء للوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي . نحن بحاجة إلى إستراتيجية فعالة للاندماج الوطني تعالج وضع الشرائح التي تتعرض للإقصاء والتهميش أو انتقاص الحقوق لأي من الأسباب المذكورة أعلاه ، وتعويضها عما تعرضت له في الماضي.
تاسعا: لقد كان قرار خادم الحرمين الشريفين تشكيل هيئة لحقوق الإنسان ، والجمعية الوطنية لحقوق الإنسان ، من الخطوات المبشرة التي علقت عليها الآمال. لكننا نجد الآن أن كلا من الهيئة والجمعية قد تحولتا إلى ما يشبه دائرة بيروقراطية تقوم بدور محدود في الدفاع عن حقوق المواطنين، وتغفل الكثير. ومن أسباب هذا التراجع تدخل الحكومة في تعيين أعضائهما ، فضلا عن رفض الكثير من الأجهزة الحكومية للتعامل معهما.
لذلك يجب أن تكون صيانة حقوق المواطن والمقيم وحمايتهم من العسف و الإذلال في رأس الأولويات لأي حكومة ومجتمع. ولهذا نطالب بإلغاء القيود الحكومية المفروضة على الهيئة والجمعية ، وضمان استقلالهما في إطار القانون، كما نطالب بتشريع حق تكوين جمعيات أهلية أخرى للدفاع عن حقوق الإنسان.
عاشرا: لا كرامة من دون عيش كريم . لقد انعم الله على بلادنا بخير كثير ، لكن شريحة كبيرة من مواطنينا تشكو الفقر وضيق ذات اليد. وشهدنا تأخر الحكومة في علاج مشكلة البطالة والسكن ، وتحسين مستوى المعيشة، ولا سيما في المناطق القروية وحواشي المدن، وبين المتقاعدين وكبار السن، ولا نرى مبرراً للفشل في وضع حلول لهذه المشكلات. ونعتقد إن عدم طرح هذه القضايا للنقاش العام، و إغفال دور القطاع الخاص والمجتمع المدني عند التفكير في مثل هذه المشكلات ، والنظر إليها بمنظار تجاري بحت ، قد حولها من مشكلات إلى معضلات ، و أصبحت من ثم أسباباً لإذلال المواطنين والتضييق عليهم.
حادي عشر: كشفت السنوات الماضية عن تفاقم العبث بالمال العام ، وسوء إدارته ، الأمر الذي يستوجب قيام مجلس الشورى المنتخب باستخدام صلاحياته في مراقبة ومحاسبة كافة الأجهزة الحكومية. وله أن ينشئ الهياكل والأجهزة الإدارية المستقلة والقادرة على تأدية مهامها الرقابية، وإعلان ما تتوصل إليه للشعب، وخاصة ما يتعلق منها بالفساد الإداري وسوء استخدام السلطة و العبث بالمال العام من قبل الأجهزة الحكومية.
ونؤكد في هذا المجال على ضرورة اعتماد مبدأ الشفافية والمحاسبة، و إقامة إطار مؤسسي لضمان هذين المبدأين ، يتمثل في:
أ) إقامة هيئة وطنية للنزاهة ، تتمتع باستقلالية وحصانة في المراقبة ، و إعلان نتائج التحقيق إمام الرأي العام.
ب) تمكين المواطنين من الاطلاع على استخدامات المال العام من جانب الأجهزة الحكومية ، و إلغاء القيود التي تمنع الصحافة من كشف المعاملات التي يشتبه في كونها تنطوي على فساد.
ثاني عشر: لقد قفزت عائدات البترول خلال الأعوام الخمسة الماضية إلى مستويات عالية، وتوفرت للحكومة أموال طائلة، كان ينبغي الاستفادة منها، وترشيد إنفاقها ، بدلاً من تبذيرها في مشاريع باهظة الكلفة وقليلة الجدوى. لهذا نطالب بضرورة إعادة النظر في الأسس التي توضع على أساسها خطط التنمية الخمسية ، وتبني إستراتيجية طويلة الأمد للتنمية الشاملة ، تركز على توسيع قاعدة الإنتاج الوطني ، ووضع الأساس لمصادر اقتصادية بديلة ، وتوفير الوظائف، وتعميق مشاركة القطاع الخاص في تقرير السياسات الاقتصادية.
في الختام نؤكد على دعوتنا للقيادة السياسية ، لتبني برنامج الإصلاح المقترح. ولكي يثق الجميع في صدق النية والعزم على الإصلاح فانه يتوجب البدء بأربع خطوات فورية :
1- صدور إعلان ملكي يؤكد عزم الحكومة على الأخذ ببرنامج الإصلاح السياسي، ووضع برنامج زمني محدد للشروع فيه وتطبيقه.
2- الإفراج الفوري عن السجناء السياسيين ، وتقديم من ثبت ارتكابهم لجنايات إلى المحاكمة دون تأخير ، مع تامين الضمانات القضائية الضرورية لكل متهم.
3- إلغاء أوامر حظر السفر التي فرضت على عدد كبير من أصحاب الرأي .
4- رفع القيود المفروضة على حرية النشر والتعبير ، وتمكين المواطنين من التعبير عن آرائهم بصورة علنية وسلمية. ووقف الملاحقات التي يتعرض لها أولئك الذين يعبرون عن رأيهم بصورة سلمية .
إننا إذ نوجه هذا الخطاب لقيادتنا السياسية و مواطني بلادنا ، فإننا نؤكد على تضامن الجميع ، الشعب والحكومة ، في مواجهة الإخطار المحدقة بنا ، وتلافي أي مفاجآت غير متوقعة . ونثق في استيعاب الجميع للدروس المستفادة مما جرى في الدول العربية الشقيقة .
إن مواجهة التحديات لا تتم إلا بإصلاح جدي وشامل وفوري، يجسد المشاركة الشعبية في القرار ، ويعزز اللحمة الوطنية، ويحقق آمال الشعب في وطن مجيد وجدير بكل خير.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
يلي ذلك أسماء الموقعين على النداء وعددهم 133 من المثقفين والمثقفات والناشطين والناشطات في العمل العام وفي النهوض الديمقراطي المدني

A Call from Saudi Intellectuals to the Political Leadership

Declaration of National Reform

It is no secret that the revolutions in Tunisia and
Egypt have led to crises and political agitations in
many Arab countries- at the heart of which is our
country. This has imposed new conditions on us to
reevaluate our current state of affairs, and do our
best to reform them before they worsen and we find
ourselves facing consequences we can neither prevent
nor predict.

A group of Saudi intellectuals had previously submitted
specific proposals in a document titled "Vision for the
Present and Future of the Nation" to the Custodian of
the Two Holy Mosques in January 2003, which he welcomed
and promised to look into. Soon afterwards, several
senior officials announced that the government was
determined to adopt comprehensive reform policies
within the government apparatus as well as its
relationship with Saudi society.

And now, a decade later, very little of the promised
reforms have been implemented. We believe that the
problems indicated in the "Vision document" and
subsequent demands for reforms have been exacerbated by
the delays in political reform.

The current situation is full of risks and reasons for
concern. We are witnessing with the rest of the Saudi
population the receding of Saudi Arabia's prominent
regional role; the deterioration of the government
apparatus and administrative competence; the prevalence
of corruption and nepotism; the exacerbation of
factionalism; and the widening gap between state and
society, particularly among the new generation of youth
in the country. This threatens to lead to catastrophic
results for the country and the people, which we will
never accept for our nation and its children.

Resolving these conditions requires a serious review
and an immediate announcement that both government and
society will together adopt a comprehensive reform
project that focuses on structural shortcomings in our
political system, and that leads our country towards a
constitutional monarchy.

The people's consent is the basis for the legitimacy of
authority, and the only guarantee for unity, stability,
and the efficiency of public administration, as well as
the protection of the country from foreign
intervention. This requires a reformulation of the
state-society relationship, whereby the people will be
a source of authority, and a full partner in deciding
public policies through their elected representatives
in the Shura (Consultative) Council, and whereby the
purpose of the state is to serve society, secure its
interests, improve its standard of living, and ensure
the dignity of its members, their pride, and the future
of their children.

We therefore look forward to a royal declaration that
clearly demonstrates the state's commitment to becoming
a "Constitutional Monarchy," and that puts in place a
timeline that delineates the beginning, implementation,
and finalizing of the desires reforms. The royal
declaration should also confirm the adoption of the
major reform goals, namely: the rule of law, full
equality between members of the population, the legal
guarantee of individual and civil freedoms, popular
participation in decision-making, even development, the
eradication of poverty, and the optimal use of public
resources.

In this vein, the reform program should include:

First: Developing the Basic Law into a comprehensive
constitution that serves as a social contract between
the people and the state. It should state that the
people are the source of authority and guarantee the
separation of the three powers: executive, judicial
and legislative, while limiting their authorities, and
linking their powers to responsibility and
accountability. The constitution should also guarantee
justice and equality among all citizens, legally
protect individual and civil liberties, and ensure
equal opportunities, as well as confirm the state's
responsibility to guarantee human rights and the right
to freedom of expression and to strengthen public
liberties, including the right to form political and
professional associations.

Second: Confirming the principle of the rule of law,
and that it applies to everyone- government officials
and citizens- equally and without discrimination, and
the prohibition of improper or illegal use of public
resources.

Third: Adopting universal suffrage for the formation of
municipal, provincial, and Shura councils, and allowing
women to participate in nomination and election.

Fourth: Adoption of the principle of administrative
decentralization, granting local administrations in the
regions and provinces all necessary powers to establish
efficient local rule that is in line with the demands
of citizens in each region.

Fifth: Applying the principle of the independence of
the judicial authority, by ending the role of all
bodies that carry similar roles outside the judicial
framework. Courts must preside over investigations with
defendants; prison conditions; and public prosecution.
All rules and organizations that limit the independence
and efficiency of the judiciary or the immunity of the
judges must be cancelled. There should also be an
accelerated process for recording verdicts and
centralizing it, as well as rationing judicial
sentences, and including all international human rights
charters and conventions signed by our government
within the jurisdiction of the judiciary.

All of the above safeguards justice, equality, and
discipline in the application of the provisions.
Further, the Law of Criminal Procedure and the system
of pleas must also be activated to accomplish these
safeguards and prevent any procedure or conduct outside
their framework.

Sixth: Accelerating the issuance of the system of civil
associations passed by the Shura Council, and opening
the door for the establishment of civil society
institutions in all its forms and purposed, as a
channel to framing public opinion and activating
popular participation in decision-making.

Seventh: Despite the growing debate on women's rights
in Saudi Arabia, the government has not taken
sufficient measurements to fulfill the demands of this
disconcerting issue. Neglecting or postponing women's
rights exacerbates the problems of poverty and
violence, and weakens family contribution to raising
the quality of education. We demand taking the proper
legal and institutional measures that will empower
women to attain their rights to education, owning
property, employment, and participation in public
affairs without any discrimination.

Eighth: Issuing legislation that forbids discrimination
among citizens under any circumstances, and
criminalizes practices of sectarian, tribal, regional,
or racist discrimination, as well as inciting hatred on
religious or other grounds. We also demand the
implementation of a national integration strategy that
speaks to and respects multiculturalism and diversity
in Saudi society and considers them a source of
enrichment for national unity and social peace. We are
in need of an effective national integration strategy
that addresses the marginalization of and
discrimination against particular groups within society
and that compensates them for past grievances.

Ninth: The decision of the Custodian of the Two Holy
Mosques to establish the Human Rights Commission and
the National Society for Human Rights was a welcome
step in the right direction. But we now find that both
the HRC and the NSHR have become a pseudo-bureaucratic
body with a limited role in defending the rights of
some citizens, while ignoring most. Some of the reasons
that have led to this failure are the interference of
the government in appointing the members of the HRC and
NSHR, as well as the refusal of many government
agencies to deal with either.

Therefore, the protection and safeguarding of the
rights of citizens and residents from cruelty and
humiliation should be the top priority for any
government and society. For this reason, we demand the
elimination of all government restrictions imposed on
the HRC and the NSHR and the safeguarding of their
independence under the law. We also demand the right to
form other civil associations for the defense of human
rights.

Tenth: There is no dignity without a decent living. God
has bestowed great riches upon our country, but a large
portion of our citizens suffer from poverty and
neediness. We have witnessed the government's delay in
treating the problems of unemployment and housing, or
improving people's living standards, particularly in
rural areas and suburbs and among the retired and the
elderly. We do not see any justification for the
failure to implement solutions to these problems. We
believe that neglecting to put these issues up for
public debate, ignoring the role that the private
sector and civil society can play, and tackling these
problems from a purely commercial point of view, has
turned them from problems to dilemmas that have led to
the humiliation of citizens.

Eleventh: The last few years exposed an increasing
tendency towards tampering with public money and its
mismanagement. This requires that the elected Shura
Council use its authorities to monitor and hold all
government agencies accountable. The Shura Council can
establish independent administrative structures and
bodies capable of accomplishing their monitoring
duties, and announce their conclusions to the people,
especially when it comes to administrative corruption,
abuse of power, and government agencies' tampering with
public money. Here we stress the importance of the
principles of transparency and accountability, and of
establishing an institutional framework that safeguards
these two principles by: a) establishing a National
Commission for Integrity that enjoys full independence
and immunity and that will announce its findings to the
public; and b) Giving citizens access to public
financial records by government agencies, and ending
all restrictions that forbid the press from revealing
corrupt practices.

Twelfth: Oil revenues in the last five years have
reached record numbers, providing the government with
enormous financial resources that should have been used
for the public good in efficient ways instead of
squandering them in extremely expensive yet ineffective
projects. For this reason, we demand a review of the
foundations on which the "five year plans" are
developed and to instead adopt a long-term strategy for
comprehensive development that focuses on expanding the
base of national production, diversifying the economy,
providing employment opportunities, and increasing the
private sector's participation in economic
policy-making.

In conclusion, we reaffirm our call to our political
leadership to adopt the proposed reform program. In
order for everyone to trust the serious intentions and
determination for reform, four steps must be taken
immediately:

1- The issuance of a royal declaration that confirms
the government's determination to undertake a program
of political reform, and to develop a specific
timetable for its implementation.

2- The immediate release of political prisoners, and
prompt referral to trial of all those who have
committed crimes, while providing the necessary
judicial guarantees to all each of the accused.

3- The elimination of travel bans imposed on a large
number of those who have expressed they political
opinions.

4- Lifting all restrictions imposed on the freedom of
the press and of expression, allowing citizens to
express their opinions publicly in a peaceful manner.
And stopping the prosecutions suffered by those who
express their opinions in a peaceful manner.

We thus address this letter to our political leadership
and the citizens of our country, for we reaffirm the
solidarity of the people and the government in facing
upcoming dangers and avoiding any unexpected surprises.
We are also confident that everyone has learned their
lessons from the developments in neighboring Arab
countries.

Facing the challenges can only be achieved through
serious, comprehensive, and immediate reform that
embodies popular participation in decision-making,
solidifies national cohesion, and accomplishes
citizens' hopes in a glorious and worthy homeland.

[For the names of the signatories and other details,
please see the group's website at
http://www.saudireform.com (in Arabic).]

بطريرك الحرية والديموقراطية والكرامة

لن أضيف الكثير إلى ما قيل وسيقال عن هذا الرجل التاريخي الإستثنائي.. إنما سأشهد معه وله بمقدار ما عرفته وعايشت مواقفه. لقد أحببته وإحترمته منذ عرفته مطراناً يجهر بالحق ويحمل صليب المحرومين والمظلومين في هذا الوطن..وإزداد حبي وإحترامي له من وقفته إلى جانب السيد موسى الصدر ثم إلى جانب الشيخ محمد مهدي شمس الدين من أجل وطن الحرية والعدالة والكرامة لجميع اللبنانيين..إن تاريخية وإستثنائية هذه القامة السامقة في سجل الخالدين تنبع من عناوين ثلاثة: الحرية والديموقراطية والكرامة: وهذه إرث آبائه وأجداده من الموارنة الذين عمروا هذا الجبل الأشم وسقوه من عرقهم ودمائهم لكي يكون لبنان ولكي يبقى لبنان..أذكر أنني كنت يوماً في مجلس للشيخ الإمام حين دخل علينا أحد المعممين القادمين من ماكينات تفقيس العمائم وهو يشتم ويلعن الموارنة وبطريركهم بسبب خطاب أو موقف لم يعجبه...يومها نظر سماحة الإمام إلى ذلك المعمم وقال له بلهجته النجفية الحلوة: "عمي! لولا الموارنة وبطركهم لما كان لبنان ولما كنت أنت اليوم تتنعم بالحرية في التعبيرعن رأيك هذا"..
لقد كان قدَر الموارنة وبطركهم الدفاع عن خصوصية لبنان وعن دوره في محيطه العربي والعالم...وكان قدَرغيرهم من الطوائف اللبنانية الدفاع عن عروبة لبنان الحضارية..وفرادة العظماء في تاريخ لبنان المعاصر تكمن في فهمهم لخصوصية لبنان وفي وعيهم لدوره ولرسالته التي قال فيها الإمام الصدر والبابا يوحنا بولس الثاني والإمام شمس الدين والبطريرك صفير إنها رسالة الحوار والتعايش والمحبة ضمن الحرية والكرامة والديموقراطية.. ولم يكن للموارنة أن ينجحوا في حمل هذه الرسالة لولا قادة بطاركة تاريخيين وإستثنائيين يقف مار نصرالله بطرس صفير في مقدمتهم..لولا هؤلاء البطاركة وأولهم بطركنا صفير لم يكن من الممكن التلاقي والتلاقح بين اللبنانية الحوارية المنفتحة غير العنصرية ولا الإنعزالية، وبين العروبة السمحة الحضارية غير الإستبدادية ولا الإلغائية...فبين الميثاق الوطني ومعركة الإستقلال وبين وثيقة الطائف ومعركة الجمهورية الجديدة، أكثر من مجرد توازنات دولية وإقليمية..إذ لولا إرادة العيش المشترك، وإرادة الشراكة الإسلامية-المسيحية، وإرادة حفظ صيغة لبنان في الحرية والتنوع والكرامة والديموقراطية، لما تحقق وفاق ولما قام دستور ولما بقي لبنان أصلاً في زمن تلاشي أمبراطوريات ودول كبرى..وهذه الإرادة الوطنية الجامعة كان البطريرك صفير خير من عبّر عنها خصوصاً بعد غياب المرجعيات الإسلامية الكبرى: رفيق الحريري وكمال جنبلاط وحسن خالد وصائب سلام ورشيد كرامي وتقي الدين الصلح وصبري حمادة وعادل عسيران وموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد أبو شقرا وحليم تقي الدين.. ونحن ندين لهؤلاء الرجال الكبار سعيهم ومبادراتهم في توحيد إرادة اللبنانيين الوطنية العربية وفي التعبير عنها عند كل المنعطفات التاريخية.. وقد كان على البطريرك صفير أن يحمل وحده هذا العبء في أحلك الظروف وأصعب الأوقات بعد رحيل كل هؤلاء الكبار...فكان هو مرجعيتنا الوطنية والأخلاقية والحوارية نحن المسلمين أيضاً..
يكفي أن نذكر له موقفه يوم الهجوم على الطائف والجمهورية أعوام 1989-1992..فلولا البطريرك صفير لما كان طائف ولا كان دستور جديد.. يكفي أن نذكر له موقفه في عقد القمة الروحية التاريخية في صرح بكركي يوم 2 آب 1993 (إبان حرب السبعة أيام الصهيونية الشرسة) لإعلان تلاقي وتفاهم القيادات الروحية اللبنانية قاطبة في إحتضان المقاومة وحمايتها وجعلها مقاومة كل اللبنانين لا مقاومة طائفة أو فئة واحدة منهم... يكفي أن نذكر له موقفه يوم عقدنا المؤتمر العالمي الإسلامي المسيحي "مسلمون ومسيحيون معاً من أجل القدس" في 14-16 حزيران 1996 وبعد شهر فقط على مجزرة قانا وحرب نيسان.. يكفي أن نذكر موقفه في رفض الوصاية ورفض الدولة البوليسية ورفض الظلم، وفي رفع لواء العدالة والحرية والديموقراطية، يوم كان غيره يخشى مجرد التعبير عن هواجسه وأفكاره في وجه التمديد ولغة التهديد والوعيد والسجن والنفي والتشريد أعوام 1998-2004..
يكفي أن نذكر له موقفه ودوره في إحتضان ورعاية كل أعمال وهيئات الحوار الإسلامي المسيحي التي كنا نبادر إلى إطلاقها وذلك منذ العام 1989 وإلى يومنا هذا..
يكفي أن نذكر له موقفه التاريخي الإستثنائي في إطلاق معركة التحرر من الوصاية والتبعية ومن الدولة البوليسية في أيلول من العام 2000 وبعد أربعة أشهر فقط على تحرير الجنوب من رجس الإحتلال الصهيوني، صارخاً بأعلى الصوت: آن الأوان لكي يلتقي التحريران ويتعانق الإستقلالان في حركة وطنية واحدة تحقق المصالحة الشاملة النهائية والسلم الأهلي الحقيقي، وتبني لبنان الذي نريد: دولة سيدة حرة مستقلة، عربية الهوية والإنتماء، إنسانية الهم والمشاعر..دولة الحق وحكم القانون والمؤسسات..دولة تحمي ولا تهدد..تصون ولا تبدد.. تقف مع شعب فلسطين لإستعادة حقوقه وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، ترفض التوطين كما ترفض التهجير والعنصرية، وتقف مع كل العرب في معارك التنمية والعدالة والحرية والديموقراطية...
يكفي أن نذكر له دوره في السينودوس التاريخي من أجل لبنان، وفي المجمع البطريركي الماروني، وفي المجامع البطريركية الكاثوليكية، وفي السينودوس من أجل مسيحيي الشرق، وفي كل المحافل الكنسية والعلمانية، دفاعاً عن دور الموارنة التاريخي في هذا الشرق العربي..حتى صار الموارنة ولبنان واحداً..فكما أنه لا يمكن تصور دور الموارنة والمسيحيين في المحيط العربي والعالمي لولا وجود لبنان..فإن ما يعطي لبنان خصوصيته وفرادته هو الوجود الماروني على قاعدة الشراكة الاسلامية المسيحية فيه..وإن إستعادة الموارنة وكل المسيحيين لحضورهم ولدورهم في لبنان والعرب، وفي صنع القرارات وفي تسيير حركة التاريخ العربي، لم تكن ممكنة أبداً لولا وجود أمثال البطريرك هزيم والبطاركة حكيم ولحام وإخوانهم بطاركة الشرق..وفي القلب منهم وأمامهم ومعهم البطريرك صفير العظيم..
نعم يكفي أن يكون البطريرك صفير قد أنجز كل ماسبق حتى نتوجه بطريركاً لكل العرب ولكل اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين...
عشت يا بطريركنا حتى ترى حلم حياتك يتحقق.. فتكتمل الفرحة.. وتهنأ بالاً وترتاح.. بعد طول تعب وسنين...