الثلاثاء، 12 يناير، 2010

ثقافات من دون امتياز

نحوَ سياسة جديدة للتنوع الثقافي في العراق

د. حيـدر سعيـد


ربما لم يُتَح لنا بعد أن ندرس كيف تعاملت الدولةُ العراقية الحديثة مع فكرة (التنوع الثقافي)، وما السياسات التي تبنّتها بإزاء تعدد الثقافات في العراق. غير أننا يمكن أن نستنتج، من سيرورة الدولة، النموذجَ العام الذي حكم طريقةَ تعاملها مع هذه المسألة.
لقد اختارت الكولونياليةُ البريطانية أن يُبنى العراق على نموذج (الدولة ـ الأمة). ولكن هذا النموذج من الأنظمة السياسية كان نموذجا إشكاليا في حالة كحالة العراق، إذ لم تكن ثمة أمة تتأسس عليها الدولةُ. أعني أنه لم تكن (في اللحظة التي بُنيت فيها الدولة العراقية الحديثة في الربع الأول من القرن العشرين) ثمة أمة موحّدة، أنتجت إرادةَ عيش مشترك، وذات هوية واحدة، وثقافة واحدة، ومصير واحد، وتكون الدولة تعبيرا عن هذه الأمة. يقول الملك فيصل الأول، مؤسس الدولة: "لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خالية من أية فكرة وطنية، متشبّعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة". ولذلك، كان المشروعُ الأول أمام الدولة العراقية الناشئة هو بناء (أمة عراقية)، وهو المشروع الذي أطلقه الملك فيصل، والذي يتمثل بـ "أن نشكِّل من هذه الكتل شعبا"، بحسب ما يقول، ومن ثم "إزالة الفوارق وتكوين وطنية صادقة تحل محل التعصب المذهبي والديني".
لقد كان هذا المشروعُ شكلا من أشكال المطابقة اللاتأريخية بين (الأمة) و(الدولة)، ولذلك، لم يسر بطرق سلسة، بل لقد أصابته تعثرات عميقة، كشف عنها انفجارُ الخطاب والسياسات القائمة على الهويات الإثنية والدينية والطائفية مع سقوط آخر نسخة من (الدولة ـ الأمة) في 9/ 4/ 2003.
ومع ذلك، وعلى الرغم من الفشل في مشروع بناء أمة عراقية، ظلت فكرةُ (الهوية الوطنية الواحدة) هاجسا مسيطِرا على الدولة العراقية، بأنظمتها كافة، وظل مشروعُها المستمر بناءَ دولة ذات هوية واحدة، أو بأمة واحدة، سواء حقّقت (أو أرادت أن تحقّق) ذلك بالصهر الثقافي السلس، أو بالدمج القسري العنيف.
لقد بُنيت هويةُ البلاد وأمتها بوصفهما هوية وأمة عربية مسلمة. وحين كانت الدولةُ تسمح بالحديث عن هوية ثقافية أخرى، كان يُنظَر إلى هذه الهوية بأنها هامش، أو تابع، أو ملحق ثانوي.
لقد كان واحدا من المشاهد المألوفة في الأدبيات الثقافية للدولة العراقية استعراضُ الثقافات المكوِّنة للبلاد، ولا سيما ثقافات الأقليات، فكانت الصورُ والمشاهد التي تقدِّم العراق تتقصّد أن تظهر صورا من التعبيرات الثقافية للأقليات، من أزياء، وطقوس دينية، وفنون، وفلكلور، وثقافة شعبية، وعادات، وتقاليد، وما إلى ذلك. ولم يكن هذا يعبِّر عن شعور من الدولة بالتعددية الثقافية، بقدر ما كان تكريسا للثقافة الأحادية.
لقد كانت الدولةُ تستعمل نزعة أنثروبولوجية، تعمد من خلالها إلى الإشارة إلى الاستثناء من حيث هو استثناء، وهو ما أدّى ـ فعليا ـ إلى تعميق الشعور بالهامشية لدى أبناء الثقافات الأخرى. وعلى نحو عام، تتجه أيةُ نزعة أنثروبولوجية إلى (التنويع اللامعياري) في الثقافة بوصفه موضوعا وهدفا، وهو التقليد الذي رسّخه تعريف الأنثروبولوجيا لـ (الثقافة) ونمط المقاربة التي اعتمدتها منذ أواسط القرن التاسع عشر. ومن ثم، كانت هذه الصورُ والمشاهد تشير إلى (تنويع لامعياري)، في حين أن المعيار هو الثقافة الأحادية السائدة.
غير أن التغيير السياسي الذي حدث سنة 2003 قلب المنظورَ بالكامل، وأسّس نموذجا جديدا. لقد وعى العراق، في هذه اللحظة، تعدديتَه، وحاول أن يبني نظاما سياسيا يعبِّر عن هذه التعددية وينطلق منها، نظاما يعبِّر عن تعدد ثقافات وهويات، لا عن هوية واحدة وأمة واحدة. وهكذا، تمّ الانتقال، بشكل منهجي، من (الدولة ـ الأمة) إلى دولة التعددية الثقافية، من دولة تجاوزِ الهويات الثقافية إلى دولة الاعتراف بها، من دولة تقوم وطنيتُها على صهر المكوِّنات الثقافية وتذويبها إلى دولة تمثَِّل وطنيتُها تجميعا لهذه المكوِّنات.
لقد سار العراق، منذ تلك اللحظة، في طريق شاق لاختيار نظام من التقنيات السياسية مقتبس من الأنظمة التي توصَف في الأدبيات الأساسية بأنها (الأنظمة الملائمة للمجتمعات التعددية) أو (أنظمة التعددية الثقافية)، وهو ناتج طبيعي لوعي التنوع الثقافي والاعتراف به. جاء في (الإعلان العالمي عن التنوع الثقافي)، الذي أصدرته منظمةُ اليونسكو سنة 2001: "إن التعددية الثقافية هي الرد السياسي على واقع التنوع الثقافي".
ومع ذلك، يبدو أن المدى الذي تأسّست فيه هذه الحريةُ الثقافية هو الفراغ الذي تركه غيابُ (الدولة ـ الأمة)، وليس نظاما ممؤسسا. ولذلك، ظلت مسألة التنوع الثقافي تصعد وتهبط مع صعود وهبوط الحديث عن إعادة بناء دولة مركزية قوية.
لقد وضعت الطريقةُ التي سارت بها الأوضاع في البلاد منذ سنة 2003 (العنف القاسي الذي مارسته تنظيمات أصولية أجنبية ومحلية ضد المدنيين وأوقع عشرات الآلاف من الضحايا، وضعف الدولة الذي سمح بصعود ونفوذ قوى ما قبل الدولة، والنزاع الأهلي العنيف الذي عاشته البلاد سنتي 2006 و2007) العراقيين أمام تصوّر أن الحل هو بناء دولة مركزية قوية. وقد فُهِم هذا النمطُ من الدولة بأنه استعادة للنموذج الكلاسيكي لـ (الدولة ـ الأمة)، ومن ثم، استعادة للشكل الأحادي لهوية البلاد وثقافتها، وهو ما يعيد تعريف وفهم التنوع الثقافي بوصفه هامشا على المتن الثقافي المركزي للبلاد.
ولذلك، يبدو أن سياسة التنوع الثقافي في العراق مرتبطة برهانين أساسيين متداخلين:
1 ـ الفصل بين طبيعة الدولة، مركزية أو لامركزية، وبين التعددية الثقافية، أو ـ على نحو أشمل ـ الفصل بين مسألة التنوع الثقافي ومدى التمثيل السياسي أو حجمه.
إن مؤسسات السلطة الرئيسة، لا الدولة، هي ـ بلا شك ـ المجال السياسي الذي يضمن تمثيلا متكافئا وشراكة بين الجماعات المكوِّنة للبلاد وعدم احتكار جماعة ما للسلطة، ويضمن ـ أيضا ـ قرارَ الجماعة في شؤونها وعدمَ الانتقاص من حقوقها. إن هذا يعني أنه، في الوقت نفسه، ينبغي لـ (الدولة) أن تبقى بعيدة عن فكرة (التمثيل). غير أن تجربة العراق ما بعد 2003 جعلت (الدولة)، إلى جانب مؤسسات السلطة والتشريع وصناعة القرار، مجالا للتمثيل الإثني والديني والطائفي، وهو ما جعل النظامَ التعددي في العراق يعبر من مبدأ (الشراكة في السلطة power sharing) إلى (تقاسم الدولة state sharing)، ومن ثم، إضعافها.
وعلى العكس من ذلك، ينبغي للدولة أن تبقى جهازَ خدمة عامة. وفي إطار التنوع الثقافي، ينبغي لها أن توفِّر حماية متساوية للتعبيرات الثقافية المختلفة في البلاد، من فنون، وطقوس دينية، وثقافة شعبية، ولغات، ولهجات، وما إلى ذلك، فهذه التعبيرات هي المجال الفعلي المعبِّر عن التعددية الثقافية، التي تبقى فكرة مجرّدة من دون هذه التعبيرات الملموسة.
2 ـ لقد باتت الحقوقُ الثقافية أشبهَ بتحصيل الحاصل، فقد تضمّنت القوانينُ الناظِمة في العراق حقوقا ثقافية كاملة لسائر الجماعات المكوِّنة للبلاد، ولا سيما الحقوق الدينية واللغوية.
غير أنني أتصوّر أن الأهم من (الحق) هو (ممارسة الحق)، أو (حرية الاختيار في ممارسة الحق)، فـ (الحق)، في النهاية، تجريد. ولذلك، لا تتوقف مسألةُ الحقوق على البنية الدستورية والقانونية الناظمة، بل على السياق السياسي والاجتماعي الذي تتنفس فيه هذه الحقوق ومدى سماحه، بما يتضمنه من توازنات قوى، لهذه الحقوق بأن تصبح واقعا.
ولذلك، يكون الرهانُ الأساسي في حقل الحقوق الثقافية هو بناء مؤسسات تصون الاعتراف بالتنوع الثقافي بوصفه صورة لتعدد متكافئ، لا تنويعا لامعياريا وهامشا ملحقا.