السبت، 20 مارس 2010

الدين والرقابة: مداخلة سعود المولى في ندوة سكايز

الدين والرقابة: مداخلة سعود المولى في ندوة سكايز
السبت 30 كانون الثاني 2010
مقدمة:
في كتابه نظام الخطاب، يقول ميشال فوكو:" نحن نعلم انه ليس لنا الحق في أن نقول كل شيء"..
أطلت علينا الألفية الثالثة للميلاد بخطاب جنائزي ُيمجد منطق النهايات في كل شيء.. خطاب يبتلع الخصوصيات الثقافية تحت عنوان ما هو عالمي، ويؤجج في الآن نفسه أبشع ما في الخصوصيات القبلية والمذهبية والطائفية والاثنية والعشائرية من تفتيت وتفسيخ ووحشية..
وفي الوقت الذي صرنا فيه نستطيع ان تقول كل شيء أمسينا لا نقول شيئاً... تعولمت وسائل الاتصال والتواصل حتى بتنا في شك إن كان الإعلام حقاً أداة اتصال ووسيلة نقل وإيصال ولغة حوار وتواصل ومنبر معرفة حيادية موضوعية صادقة أمينة؟
وهل هدف الإعلام، أي إعلام، في عصرنا الراهن هو الحقيقة ؟ وهل وسيلته هي الصدق والخبر الصحيح والمعلومة المجرّدة عن أية غاية؟
ليس عندي أدنى شك من أن جوابنا على هذه التساؤلات هو جواب سلبي. لماذا؟
لأن واقع الإعلام، نهجه وقيَمه وآليات تطوره، قوانينه ونظمه ومؤسساته ووسائله، تجسداته المباشرة وغير المباشرة، هو واقع القوة المادية الطاغية المسيطرة. الإعلام الحديث ليس تطويرا ً للإعلام القديم الذي عرفته الشعوب، انه انقطاع معرفي يندرج في سياق القطع الحداثوي مع مسيرة الفطرة الانسانية، انه عكس الفطرة ونقيضها لا بل هو أداة تدميرها كلياً..
وهنا تكمن إشكالية العلاقة بين الحرية والمسؤولية، أي بين حرية الفرد ومسؤولية الجماعة وهي إشكالية لم تجد لها حلاً حتى في أعتى الديمقراطيات الغربية حريةً...
غير أن الموت الذي سبق أن أعلنه نيتشه (موت الإله) وفوكو( موت الإنسان) ليس انسداداً كونياً، بل هو صيحة الحرية للفكر والنقد ويقظتها إذ هي لا تبدأ إلا لحظة تقويض استبداد ونرجسية ووحدانية فكر ما ، أو ثقافة ما، أو خطاب ما ، في كل زمان ومكان.. ومنذ قال سارتر بأن "الآخر هو الجحيم" صار سؤال الانسان اليوم لا ينفصل عن سؤال التعدد والاختلاف، أي عن سؤال الآخر: الشبيه والمختلف ، عقلاً أم جسداً، ما يضعنا أمام مشكلة الانساني بين الوحدة والتعدد، وأمام قضية التنوع والاختلاف، وما ينتج عنهما من صدام وعنف أو من تواصل وتبادل وتفاعل.. ومن هنا موقعية حرية التعبير والحرية عموماً .. ومن هنا ضرورة الإعلاء دائماً من شأن الجرأة على النقد والتفكير وعلى السؤال الدائم والتمحيص الدقيق والشك بالمطلقات وبالثنائيات والتقابلات، والجرأة على نقد الايديولوجيات القائمة على قناعات جاهزة وعلى إجابات معلبة.. ان العقل والفكر الحر يستضيء بالشك في المألوف والسعي الدائم الى استكشاف الاسئلة، والمحاكمة النقدية للموجود، والتساؤل عما هو قائم، وعدم الوثوق الأعمى بنتائج وحقائق يقينية.. وهل يمكن تخيل الإبداع الديني والأدبي والفني والثقافي وحتى السياسي من دون عقل نقدي وفكر حر يقظ منفتح على تعدد الأسئلة وعلى النسبية الثقافية..
وهل يمكن أن يكون هناك من مثقف حقيقي لا يحمل صفات وخصائص العقل النقدي والتفكير الحر: أي أن يكون صادقاً مع نفسه، لا يقبل استغلال عقله أو موقفه أو نقده في أي اتجاه مخالف لقناعاته، وأن يكون كما قال المتنبي "على قلق دائم كأن الريح تحتي" (أي السؤال)..
يقول كزينوفون"الناس يفطنون دوماً لأخطاء الناس ويغفلون غفلة مطبقة عن أخطائهم هم" ..
أما في القرآن الكريم فإن الله "لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"..
وفي الانجيل أن "الحقيقة تحرر"..
فكيف يستقيم ذلك مع الرقابة على الفكر وعلى القول والتعبير؟؟
1= أنواع الرقابات المختلفة والتداخل فيما بينها
ليست الرقابة التي تخضع لها المجتمعات العربية في الوقت الراهن محصورة بالرقابة الحكومية الفوقية أو الرسمية والتي تتحكم في وسائل الإعلام والمعلومات وترسم سياسات تلك الوسائل أو تضع لها الحدود والخطوط الحمر والضوابط وصولاً الى القتل وشتى أنواع القمع... فالرقابة لا بل كم الأفواه هو مما يتناسب مع مصالح الحكومات ومع هدف الدفاع عن بقاء النخب الحاكمة في الحكم.
غير أن هناك أنواعا أخرى من الرقابات "غير الحكومية" أو غير الرسمية، كالرقابة الاجتماعية والثقافية والدينية، وكلها تتحالف معا لتخفض من سقف التعبير في هذه المجتمعات ولتدفعها إلى الوراء بحيث صارت تتذيل قائمة مجتمعات العالم المعاصر في المجال الخاص بحرية التعبير .وليس هناك أدنى شك من كون الرقابة الدينية هي الأخطر والأقسى طالما أن الاستبداد الديني هو أبشع أنواع الاستبداد على رأي مشايخنا الكبار عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده وحسين النائيني ومحمد مهدي شمس الدين..
وحتى نقطع الطريق على الذين قد يقولون إننا نطرح رؤية نقدية من منطلقات مقارنة مع المجتمعات الغربية، فإننا سنركز في كلمتنا على زاوية مقارنة مختلفة تماماً إذ سنقول بأن المجتمعات العربية الاسلامية عرفت درجة عالية جداً من الانفتاح والحوار والتسامح والحرية خلال العصور الذهبية لرقيها، في حين أن حاضرها الفقير البائس يتسم بالتوتر والانغلاق والخشية من الآخر ومن الرأي الآخر إلى درجة فاضحة ، ونحن دخلنا مرحلة من الاستبداد والحجر على الفكر شبيهة بالمرحلة السلبية للمسيحية في القرون الوسطى.
يكفي أن نتذكر مساجلات وجدالات المسلمين بين أشاعرة ومعتزلة ، وبين شيعة وخوارج، وبين مذاهب وفرق تتحاور في المساجد والأسواق والبيوت والساحات وحتى أروقة الحكم في دمشق وبغداد والقاهرة..ويكفي على كل حال أن نقرأ أقوال المعتزلة في خلق القرآن وفي العدل والتوحيد لنرى كم هو البون شاسع بين أمسنا وحاضرنا..فنحن لا نملك اليوم إمكانية التعبير عن رأي أقل بكثير من جرأة ووضوح رأي المعتزلة في خلق القرآن... فكيف بكلام ابن رشد وابن سينا والفارابي والطوسي الخ...
والاطروحة التي نقدمها تقول بأن جوهر الثقافة الإسلامية كما تُعبّر عنه النصوص التأسيسية (القرآن والسنة) تسامحي ومنفتح على الآخر، بخلاف ثقافات اخرى ترفض الآخر ولا تتسامح معه. لكن القرون الأخيرة التي مر بها العالم الإسلامي، والتي تميزت بالاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، وأورثتنا تخلفاً رهيباً، شهدت اندفاع المجتمعات الإسلامية بعيداً عن جوهر ثقافتها الأصلي، وغرست فيها هذا التوتر الذي يكاد يقترب من الانهيار العصبي لا بل من انفصام الشخصية الذي يحدث على مستوى الأفراد..

2= دور الفتوى في زيادة الرقابة في المجتمعات المسلمة
وما يميّز مجتمعاتنا على كل حال هو صعود دور رجال الدين في رسم حدود الحياة العامة وتعبيراتها المختلفة..وترافق ذلك مع تزايد دور "الفتوى" والاستغلال السياسي السيئ لها من قبل بعض العلماء والسياسيين بشكل تم إخراجها بسببه عن المسار الفقهي والديني الذي تنتمي إليه. ويمكن اعطاء امثلة عن هذا الاستغلال، في معركة المسلمين مع كتاب سلمان رشدي، "آيات شيطانية"، والذي أدى إلى خلق انطباع مشوه حول فكرة ولفظة "الفتوى" عند الرأي العام الغربي، بحيث صارت تدل على "الحكم بالموت"، وهو الحكم الذي تضمنته فتوى تكفير سلمان رشدي في شباط 1988.
وإذا جمعت إلى تلك الفتوى فتاوى أخرى أصدرها أصوليون متعصبون ومتطرفون، سواء بتكفير هذا الأديب أو ذاك، فإن فكرة الفتوى، التي هي أصلا فكرة تنويرية لعموم المسلمين قد تم تشويهها بطريقة فظة، وأصبحت سيفا رقابيا مسلطا على الإبداع المسلم.
لقد أوجدت فكرة الفتوى مناخاً من الخوف، وبالنسبة للغربيين فإن لفظة فتوى تُترجم عادةً على أنها حكم بالموت، وكما يعلم أي مسلم فإن كلمة فتوى تعني رأياً فقهياً أو قانونياً، ولا تتضمن معنىً مخيفاً، ولكن مع الأسف فإن هذا هو الذي يحدث في الغرب كما في الشرق، حيث صار صبية الجماعات المتطرفة ممن لا فقه عندهم ولا تقوى يلعبون بمبدأ الفتوى (وبعضهم بمبدأ "التكليف الشرعي") كأداة إرهابية ليس إلا..
إنه أمر مقلق بالطبع، فلو كنت صحفياً تريد أن تعيش حياةً عادية وتحافظ على عائلتك، ولكن تشعر بأن حياتك تتعرض لخطر بسبب كتابة شيء ما، فإن ذلك سوف يبعث على الخوف من الكتابة بحرية، وهذا بحد ذاته بالطبع أمر محزن للغاية.
المشكلة الاساس في وضعنا اليوم تتمثل في صعود الاصوليات المتنوعة وهي تعبير عن سياسات واسترايتجيات الهوية الاثنية أو القومية أو العشائرية القبلية أو المذهبية المحلية ، وكلها تنتمي إلى ما يسميه ابن خلدون العصبية.. وهذه لا علاقة لها بالدين بل هي تكون أحياناً ضد الدين الذي تدعي النطق باسمه أو التعبير عن أهله. والأحزاب الطائفية في لبنان فيها كل شيء إلا الدين والورع والتقوى ومكارم الأخلاق. وهي تستمد عصبيتها ولحمتها وقوتها وسطوتها من مصادر أخرى غير الدين (ولو أن الدين رمز لتشكيلها) من قبيل العشيرة والعائلة والجوار في السكن والحي والشارع (وثقافة الشارع) ومن قبيل الذاكرة الجميعة الانتقائية.. وغيرها.. فالأصولية هي هنا أصولية الهوية وليس أصولية العودة إلى أصول الدين أي أنها أصولية طهارة الذات المطلقة المقدسة في مقابل نجاسة وكفر وفساد ودونية الآخر. ولا يمكن رفض هذه الأصولية الدينية برفض الدين وإنما بإعادة الاعتبار إلى القيم الدينية الحقة وأولها انسانية الانسان وكرامته وحريته، هذا هو المقدس المطلق أي الأصل الذي تنبني عليه علاقات البشر ومن هنا واجب العمل على صياغة ميثاق أو منظومة القيم الانسانية التي تحترم وتقدس حياة الانسان وعقله وروحه وكرامته وحقوقه وحرياته.. وتقدس اختلاف البشر كسنة إلهية وكحقيقة تكوينية. وتحترم الاختلاف وحق الاختلاف والتعبير عن هذا الاختلاف من خلال التنوع والتعدد الثقافي ومن خلال الحرية المطلقة للرأي والتعبير.

3= موقف الحكومات والأنظمة من الإعلام الحر
لكن ثمة ملاحظة ربما تريح أعصاب كثيرين في المؤسسات الرسمية الحاكمة في العالم العربي والإسلامي تكمن في أن أوضاع مجتمعات المسلمين المغرقة في الرقابة ليست وحيدة في هذا الحال المأساوي، بل إن معظم دول العالم مع الأسف تأتي في نفس التصنيف.ويكفي أن نستعيد هنا الموقف الفرنسي المخجل من الحجاب الاسلامي أو الموقف الآوروبي الإرهابي من أي كلام عن المحرقة النازية ضد اليهود والذي وصل الى حد إصدار قوانين تحرّم الكلام والنقاش وتعاقب عليه بالسجن ناهيك عن العزل الاجتماعي..وبمعزل عن موقفنا من هذا الكلام إلا أن الأمر يدل على أن كل مجتمع يخلق لنفسه حرمات ومحرمات يجعلها سقفاً لحرية التعبير..أي أنه ليس هناك من حرية مطلقة وإنما كل حرية هي مقيدة بما يسمونه الحفاظ على النظام العام وأمن المجتمع وسلامته واستقراره... فنحن لسنا وحدنا في تقييد حرية التعبير ...إنما نحن أكثر استبداداً من غيرنا لأن استبدادنا أحمق مكشوف وحشي وليس ناعماً مقنعاً كالاوروبيين...
حين اندلعت قضية روبير فوريسون في فرنسا (قبل قضية غارودي بسنوات) انبرى للدفاع عن حقه في حرية التعبير واحد من كبار اليساريين اليهود هو جان غابرييل كوهن بنديت وقد كتب يومها مقالاً عنوانه "القضية قضية مبدأ" قال فيه :" ان كون الغالبية العظمى من الناس تعيش في ظل أنظمة حكم تنعدم فيها حرية التعبير، يجعلنا نستنتج اننا ُنعتبر محظوظين وسعداء لكوننا نعيش في بلد توجد فيه حرية تعبير، وان علينا الاكتفاء بهذا القدر من الحظ والسعادة.. ولمن لا يقتنع فان منشقي الكتلة الشرقية واللاجئين السياسيين من أميركا اللاتينية، موجودون عندنا بالضبط لإعادة تذكيرنا بهذه النعمة التي هي امتياز من العبث نكرانه. غير أني أعتقد بأن هذا الامتياز يفرض علينا عدم الاكتفاء بما هو عندنا. من الواجب طبعاً ان ندافع عنه، وان نمنع بتره أو تحويره، ولكن ينبغي أيضاً ان نناضل لكي نحصل على ما هو أكثر منه. ففي هذا الحقل المعّين لحرية التعبير، لا توجد حدود. وإذا كنت أعرف ثمن الفرق بين نظام ديموقراطي وأخر توتاليتاري فان هذا لا يجعلني أرضخ لفزاعة الدولة التوتاليتارية لكي أقبل ما أعتبر انه يحد من حرية التعبير... وفي الماضي كنت أجد مختلف الحجج الصالحة لتبرير منع غيري من حق التعبير. ولكني اليوم أقاتل من أجل حرية التعبير والحق في هذه الحرية للجميع ودون استثناء، حتى لأشد أعدائي حدة حماسة.."
ويمكن هنا أن نتذكر موقف السلفي رشيد رضا من قضية دريفوس بمقابل موقف الفرنسيين: يكتب رشيد رضا في العدد الأول من جريدته المصرية (المنار) (1898)(ص 53-55) معيباً على فرنسا الجمهورية ومبادئ الحرية ما فعلته باليهود وبخصوص قضية دريفوس ..ويقول إن هذا الاضطهاد لم ينتج عن تعصب ديني عند الفرنسويين وهم أقرب الى وهن العقيدة وإنما مصدره التعصب الجنسي (العنصري) والحسد الذميم وقد أثارهما في صدور الفرنسويين "فئة من أرباب الجرائد المعادين لليهود الطامعين بما في ايديهم من خزائن الموال"..ويقول رشيد رضا أنه لو جرى مثل تلك الحوادث مع الشرقيين لقامت قيامة تلك الجرائد ضدنا... وأجمل ما في كلام رشيد رضا قوله : "ومن الغريب أن داء الجرائد الإفرنسية قد سرى الى بعض الجرائد المصرية فقامت تصلي اليهود ناراً حامية وتأخذ عليهم مهارتهم في الكسب وتفننهم في اساليب الربح...أما نحن فرأينا أن الحرية العمومية ليست مختصة بفريق دون فريق..فإن التمدن الصحيح والعدالة الحقيقية يفرضان المساواة المطلقة بين جميع بني الانسان في المنافع العمومية.."...
لاحظوا هذه العبارات تقال في أواخر القرن التاسع عشر:
الحرية العمومية-المساواة المطلقة-التمدن الصحيح-العدالة الحقيقية-المنافع العمومية.
وتصوروا أن تصدر عن إسلامي سلفي أو حتى إسلامي معتدل في يومنا هذا.
4= الإسلام والحرية الدينية
تقول المادة 18 من إعلان - ميثاق حقوق الإنسان: "لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة"...
والى ذلك ذهب الإمام شمس الدين في تفسيره لآية "لا إكراه في الدين" وللآيات الأخرى المماثلة: ("ولو شاء الله لجمعهم على الهدى - ولو شاء الله لجعلهم امة واحدة - قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه - لكم دينكم ولي ديني - ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين - وما جعلناك عليهم حفيظا - من شاء فيلؤمن ومن شاء فليكفر")... وهو ما ذهب إليه أيضا الكثير من العلماء والفقهاء المعاصرين.
يقول الشيخ عبد العزيز جاويش (تلميذ محمد عبده وصديق شكيب أرسلان ومصطفى كامل) "وما كان للعقائد أن تتكون بالإرغام والقهر، ولا للإسلام الذي هو دين البحث والنظر أن يقول بقتل من لا يدينون به" (كتابه: الإسلام دين الفطرة والحرية - الزهراء للإعلام العربي - لا تاريخ نشر)... ويقول الشيخ عبد المتعال الصعيدي "الحرية الدينية عبارة عن حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية فلا يكون لغيره من الناس سلطان عليه في ما يعتقده، بل له أن يعتقد ما يشاء وله ألا يعتقد في شيء أصلا، وله إذا اعتقد في شيء أن يرجع عن اعتقاده وله الحرية في الدعوة إلى ما يعتقده بالتي هي أحسن" (كتابه: حرية الفكر في الإسلام - دار الفكر العربي ط2 - القاهرة - دون تاريخ).
ومما يتعلق بموضوع الحرية الدينية قضية الردة (أي الكفر بعد الإسلام عن وعي واختيار) وقد برز في العقود الأخيرة التيار الذي أسس له وطوره المشايخ محمد عبده، ورشيد رضا، وعبد المتعال الصعيدي، ومحمد مهدي شمس الدين، وراشد الغنوشي، وحسن الترابي، وعبد الوهاب خلاف، ومحمد أبو زهرة، وعبد العزيز جاويش، وسيد قطب، ومالك بن نبي، ومن رجال القانون الدستوري: فتحي عثمان وعبد الحميد متولي وعبد الحكيم حسن العيلي ومحمد سليم غزوري وطارق البشري ومحمد سليم العوا، والذي يقول بأن الردة جريمة لا علاقة لها بحرية العقيدة، وإنما هي مسألة سياسية (من قبيل الخيانة الوطنية والحرابة، أي الخروج المسلح على الدولة) وبذلك تكون عقوبة المرتد تعزيراً لا حداً، أي أن عقوبة الردة هي تشريع زمني يطبق تبعاً لما تمليه المصلحة العامة مع مراعاة البيئة الخاصة.
إن الكثير من المفكرين المسلمين، وعلى رأسهم الشيخ شمس الدين والترابي والغنوشي، يتفقون مع الشيخ عبد المتعال الصعيدي في أن آيات الحرية الدينية أصلية ولم يتم نسخها، وفي أن حرية اختيار العقيدة أو تغييرها مطلقة في الإسلام "فلكل إنسان أن يعتقد ما يشاء في الدنيا، وحسابه على الله تعالى في الآخرة، وليس من حقنا أن نحاسبه بشيء على ما يعتقده، لأن كل إنسان عاقل يتحمل مسؤولية اعتقاده ولا نتحملها نحن عنه، فليس لنا أن نحاسبه على شيء من شأن نفسه وحدها، ولا شأن لنا فيه" (عبد المتعال الصعيدي).
ومع ذلك، فان السائد في فكر الحركة الإسلامية المعاصرة وممارستها، لا علاقة له بما سبق تقريره من موقف إسلامي أصيل في الحرية الدينية وحرية الاعتقاد وتغيير المعتقد. وهذا مما يعيق لا بل يلغي إمكان الحوار، أي حوار. إن قبول الحرية الإنسانية بالمطلق يبدأ بقبول حرية تغيير الرأي أو المعتقد ولعل هذا ما عبّرت عنه وجودية جان بول سارتر، وما كان الإمام شمس الدين قد وصفه بالمغامرة: ففي كل حوار هناك على الدوام مغامرة، فنحن لا نعرف كيف ينتهي الحوار، الذي هو بالنتيجة لحظة وجود أصيلة.