السبت، 20 مارس، 2010

أيها الفلسطينيون: صلّوا على النبي

أيها الفلسطينيون: صلّوا على النبي
صقر ابو فخر

تقصدت اختطاف هذا العنوان من أحد الكُتّاب الظرفاء الذي نحته في معرض الحديث عن الأخ والصديق منير شفيق عندما قال إن «أبو فادي» لا يفعل شيئاً اليوم إلا إعادة صوغ كتاباته الماوية القديمة بلغة إسلامية هذه المرة، على طريقة «يا عمال العالم: صلّوا على النبي». إنها فكاهة محببة في أي حال، لا تتنافر مع المشهد الإيجابي في إحدى قاعات فندق البريستول في بيروت في 24/2/2010. هناك، على المنصة، جلس الصديق بلال الحسن (القومي العربي سابقاً، الماركسي في الجبهة الديموقراطية سابقاً، القريب من فتح سابقاً، المقترب من المعارضة الإسلامية حالياً) إلى يسار منير شفيق (القومي العربي سابقاً، الشيوعي سابقاً، الفتحاوي سابقاً، الماوي سابقاً، الإسلامي حالياً)، وجلس هنا وهناك، يساراً ويميناً، محمد أبو ميزر ـ أبو حاتم (الفتحاوي) وصلاح الدباغ (القومي العربي)، وبيان نويهض الحوت (القومية العربية أيضاً)، وماجد الزير (الإسلامي الحمساوي تقريباً) في مشهد بهيج بالتأكيد؛ مشهد يلخص التيارات الأساسية في «الأمة» كما يحلو للبعض أن يردد في معرض الوصف العام للقوى السياسية التي كان لها شأن في التاريخ المعاصر للبلدان العربية، أي القومي والشيوعي والإسلامي والوطني الفلسطيني.
[[[
منذ فترة غير بعيدة، راحت الأخبار تتواتر بالتدريج (إما مباشرة من طريق الدكتور سلمان أبو ستة، أم غير مباشرة من طرق مختلفة وقنوات متعددة، وعبر بعض الأصدقاء أمثال أحمد خليفة) عن أن ثمة تحركاً يجري إعداده بين بيروت ودمشق لتأليف هيئة فلسطينية جديدة. وهذه الهيئة ستنتدب نفسها للدفاع عن «الثوابت الوطنية للشعب الفلسطيني»، ومن المؤمل ان يكون لهذه الهيئة شأن في نقد أو تعديل السياسات الفلسطينية الراهنة. وقد طربنا، في الحقيقة، أيما طرب لهذه الأخبار، ولا سيما أن أي تحرك جماعي (خاصة إذا ضم شخصيات محترمة ذات تجربة مديدة في العمل السياسي والفكري أمثال مَن ذكرنا) ستكون له آثار إيجابية بالتأكيد خلافاً لهذا الاضطراب العميم الذي يلف الفلسطينيين كلهم من رفح إلى حندرات (مخيم فلسطيني في حلب) ومن الرويشد إلى تشيلي. ولا ريب في أن المجموعة التي صاغت مسودة البيان الأول لهذه الهيئة اندفعت إلى هذه المهمة متسربلة بإحساسها بالمسؤولية الوطنية بعدما وصلت الأحوال في فلسطين إلى حد مروّع من التهتك السياسي والمسلكي، هذا التهتك الذي آذى قضية فلسطين إيذاءً فاحشاً، وحوّلها من إحدى أكبر قضايا التحرر الوطني في العالم إلى مسألة عادية تتبارى وسائل الإعلام في عرض وقائعها التي باتت مقصورة على الفضائح المالية والجنسية لهذا «المناضل» أو ذاك، وعلى العملاء الذين تمكنوا من اختراق الفصائل كلها بالطول والعرض، وعلى الهوان الذي حل بالفلسطينيين في مخيمات غزة وأحيائها وأنفاقها، وفي العراق ولبنان ومخيمات الهاربين الفلسطينيين من العراق في الهول والتنف والرويشد والوليد وطريبيل، حتى أن البعض لم يجد مناصاً من انتزاع كلية من أحشائه وبيعها كي يتسنى له الخروج من الجحيم العراقي إلى تشيلي أو البرازيل أو الدانمارك. ومع ذلك فالكلام السياسي الرائج في حلوق الجميع بلا استثناء تقريباً (سلطة ومعارضة، فصائل ميتة ومنظمات راكدة، إعلاميون وناشطون) لا يحلو في أفواههم إلا بالتعارك على صغائر الأمور وهوامشها، أو بالمناقرة اليومية على طريقة عجائز القرى كلما عثر هذا الطرف على فضيحة يستطيع أن «يجرّس» بها الطرف الآخر... وهكذا.
إن هذه المجموعة التي تتنكب اليوم مهمة عسيرة، مدعوة إلى الاستماع إلى كلام نقدي ربما طرق أسماعها مراراً، أو تخلل مناقشاتها التمهيدية مرات كثيرة. وعلى الرغم من ذلك، وحتى لا يتجرع هؤلاء المبادرون مرارات محتملة، فإن في الإعادة إفادة. وها نحن نعيد.
التجارب المجهضة
ليتذكر الأصدقاء الذين جلسوا على منصة البريستول أن مشروع «الهيئة الوطنية الفلسطينية للدفاع عن الثوابت» ليس فريداً البتة، وليس جديداً على الإطلاق، ولا يحمل الإعلان الصادر عن الهيئة أي إضافة سياسية أو فكرية أو معرفية قط. لقد سبق هذا الاعلان محاولات كثيرة أُجهضت كلها لأسباب ذاتية بالدرجة الأولى، مثل محاولة حسيب صباغ وجورج عبد وآخرين تأسيس مرجعية فلسطينية (بيروت، 1995)، ومثل «مؤتمر العودة وتقرير المصير» (أميركا، 1996)، و«المؤتمر الوطني الفلسطيني» (دمشق، 1998)، و«اللجنة الراعية لإعلان حق العودة الفلسطيني» (بيروت، 2000) التي وقع بيانها 90 شخصية فلسطينية رفيعة أمثال رفعت النمر وشفيق الحوت وجورج حبش وأبو علي مصطفى، والتي كتب عنها بلال الحسن مقالة متفائلة جداً بعنوان «حزب العودة الفلسطيني (الحياة، 4/3/2000)، وتجربة تأسيس حركة لليسار الفلسطيني (الضفة وغزة، 2003)، و«مؤتمر حق العودة» (لندن، 2004)، و«مؤتمر الجاليات الفلسطينية في الشتات» (أوروبا، 2005)، و«المؤتمر الشعبي العام» (بيروت، 2007) الذي نسق أعماله سلمان أبو ستة، وغير ذلك كثير من المحاولات. وحتى لا تلحق هذه بما سبقها، وحتى لا تتغلب العوامل الذاتية المعيقة لأي تحرك على النيات الصادقة أحسب أن من الضروري الانتباه إلى ما يلي: ليس الموقعون على إعلان الهيئة مستقلين حقاً بحسب لغة البيان الذي وصف هذه الخطوة بـ«الحراك المستقل»، بل ان بعضهم لديه انتماءات حركية فاقعة، ومنها الانتماء إلى جماعات اسلامية برهنت، خلال العشر سنوات الماضية على الأقل، على عدم قدرتها على العمل المشترك مع عَلمانيين أو شبه عَلمانيين، لأنها، بكل بساطة، لا تمتلك وعياً مطابقاً للعالم وللسياسة بما هي فن الممكن، وفن ابتداع المخارج عند الاستعصاءات، وفن السير، ولو بتعرج، نحو الأهداف التاريخية، ولأنها أيضا أسيرة تصوراتها الرؤيوية ذات المضمون الديني التي تقارب الخرافة في أحيان كثيرة. وفوق ذلك فإن الأسماء الموقعة على الإعلان، في غالبيتها، لا توحي بأن أمراً جدياً سيحدث. وأرجو ألا تصدُق هذه الإيحاءات أبداً.
لقد فشلت المحاولات السابقة كلها لأنها بلا جذور في صفوف الفلسطينيين، فكأن الزارعين يزرعون على البلاط. ومن المعروف أن «الجذور لا تنبت في السماء» أو على البلاط إطلاقاً.
مرض البدهيات
يتصدى إعلان تأسيس هذه الهيئة لمهمات أكبر بكثير من إمكانات الموقعين. ولو استثنينا الدكتور عزمي بشارة، وحده من بين الموقعين، لأنه ذو تجربة سياسية ونضالية وفكرية وثقافية تفترق عن تجارب معظم الموقعين بما يمكن قياسه بالسنوات الضوئية، لأمكن القول إن بناء «سياسة ثقافية جديدة» و«خلق فكر سياسي» و«زرع ثقافة جديدة» إنما هي مهمات لا يدانيها معظم الموقعين لمحدودية شأنهم في هذا الميدان من المعرفة والثقافة.
ما علينا... فليس بيت القصيد هنا بالذات، بل في لغة البدهيات. فالبيان يؤكد ان «شعب فلسطين هو شعب واحد وقضيته واحدة... إنها قضية استعمار استيطاني إحلالي». ومَن مِن الفلسطينيين يقول بعكس ذلك؟ ويضيف البيان إن «قضية فلسطين هي قضية العرب». طيب، ومَن ينكر هذا الأمر من العرب أو الفلسطينيين؟ ويشدد البيان على «حق العرب بمقاومة الاحتلال... وحق الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم»، وأعتقد أنني لم أقرأ، وأنا واحد من مؤسسي «مجموعة عائدون» وعضو في «مؤتمر العودة» (2004) ومنسق فاعليات المؤتمر في لبنان، أن أي فلسطيني ينكر حق العودة. ويضيف البيان: «لا يمكن تحقيق السلام مع الاحتلال، ولا يمكن تحقيق السلام مع العنصرية الصهيونية أو مع الكولونيالية»، وهذا موقف صحيح بالتأكيد.
المشكلة هي في البداهة دائماً. فالبداهة، ومعها المواقف البدهية الثابتة التي ما برحت تؤكد الثوابت، تقتل تجدد الفكر السياسي لأنها، في الأساس، قائمة على الجمود، وليس على اكتشاف التناقض والاختلاف وصراع الأضداد والتــطور اللولبي. أليس كذلك؟ (السؤال موجه إلى الماركسيين القدامى من موقعي هذا البيان). وعلى سبيل المثال يمكن أن يدبج أي شخص او مجموعة أو جماعة إعلاناً يتحدث فيه عن ان الصحة أحسن من المرض، وهذا الأمر صحيح بالتأكيد. وأن العلم أفضل من الجهل، وهذه بدهية أخرى لا ينكرها إلا الجاهل. وان الأخلاق الرفيعة أرقى من الأخلاق الوضيعة، وهذه فضيلة لا شك فيها. وأن الرحمة والعفو أفضل من الثأر والانتقام، وأن الصدق أفضل من الكذب، والكرم أفضل من البخل، والخير أحسن من الشر... وهكذا.
البدهيات، ولا سيما في حقل السياسة، تعقم التفكير، ولا يتقدم الفكر السياسي المستند إليها، خطوة واحدة إلى الأمام. ولا أدري كيف يمكن «بناء سياسة ثقافية جديدة... وخلق فكر سياسي وزرع ثقافة جديدة» فوق ركام هذه البدهيات. وللعلم فحسب، فإن الإسلاميين يرفضون استعمال كلمة «خلق» للأفعال البشرية، لأنها مقصورة على أفعال الله وحده، ويستعملون بدلاً منها كلمات مثل إيجاد، تأسيس، بناء... الخ.
قصارى القول، ان هذا الإعلان يشدد على «الثوابت»، وهي نفسها الأهداف النضالية للشعب الفلسطيني ولحركة التحرر الوطني الفلسطينية كما وردت في الميثاق الوطني لسنة 1968. وبهذه اللغة، فالإعلان لا يفعل شيئا إلا تكرار ما هو معروف منذ 45 عاماً. وكان بالإمكان ان يتناول هذا الإعلان الأسئلة اللجوجة التي تقرع رؤوس الفلسطـينيين يومياً مثل: كيف يمكن إعادة بناء حركة التحرر الوطني للشعب الفلسطيني؟ وكيف يمكن إعادة ربط إقليــمي الوطن، أي غزة والضفة الغربية؟ وكيف يمكن تحويل مجموعات حق العودة المتناثرة في شتى أنحاء العالم إلى تيار سياسي، بدلاً من استنقاعهم الراهن بما هي واجهات لمنظماتهم الفاشلة إياها؟ وكيف يمكن تشييد مجتمع فلسطيني كمجتمع راسخ في أرضه، وثابت في مواجهة الاحتلال بدلاً من أن تكون الهجرة إحدى غايات هذا المجتمع؟ وكيف يمكن التصدي للمجموعات القاعدية المسلحة في المخيمات التي من شأن انفلاتها أن يجلب الكوارث للفلسطينيين؟ وهل نطلب الكثير من البيان التأسيسي لو حاول الإجابة أو الإشارة، لا إلى «حالة نهوض» يعيشها الفلسطينيون (أين؟)، بل إلى مظاهر عودة الانقسام الأهلي التقليدي إلى المجتمع الفلسطيني مثل إعلاء شأن العائلة والعشيرة والطائفة، علاوة على شيوع العياء الاجتماعي لدى النخب السياسية كالوجاهة والمفاخرة، وبروز مسلك السمسرة المالية والسياسية، داخل فلسطين وخارجها أيضاً. والسؤال الجوهري هنا: هل يتفسخ المجتمع الفلسطيني حقا؟ وما يدعـو إلى هذا التساؤل الفج هو أن ثمة ظاهرة عجيبة في الشأن الفلسطيني يمكن رصدها على النحو التالي: لماذا كلما ارتفع الكلام على ضرورة الوحدة الوطنية الفلسطينية يزداد الانقسام الأهلي والسياسي؟ ولماذا كلما تصاعدت الدعوة إلى الكفاح المسلح غرقت المنظمات المسلحة في خمول عسكري يشبه البيات الشتوي لدى بعض الكائنات اللبونة؟
السياسي مثقف رديء
ليس مطلوباً من إعلان أولي أن يجيب عن هذه التــساؤلات وعن غيرها من الأسئلة الكثيرة. ولعل مهمة المؤتمر المقبل لهذه الهيــئة ان يتصدى لهذه المهمة. وفي هذه الحال، فإن ما عرضناه هنا، في هذه المناقشة، يمكن ان يتحول إلى شبه مداخــلة في المؤتمر العتيد تنوب عن كثيرين ممن يحملون هذه الأسئلة، ويدركــون، في الوقت نفــسه، أن من دون «حركة فتح» لا يمكن ان تتبدل الأحوال على الإطلاق، ففي إصلاحها صلاح الشعب الفلسطيني، وفي نهوضها يكمن نهوض أشمل. أما من يتطلع إلى أن إضعافها ربما يحمل الحَبّ إلى طاحونـته، والماء إلى جرادله، فهذا يعني أن دهراً قوامه خمسة وأربعون عاماً من النضال العسير والمتواصل منذ أن أطلقت «فتح» رصاصتها الأولى في 1/1/1965، لم يتحول إلى خميرة كفاحية لدى البعض، وهذه كارثة بجميع المقاييس.
إحدى البدهيات تقول إن السياسي مثقف رديء، أما المثقف التابع للسياسي فهو أردأ من الأول بما لا يقاس. والمثقف الفلسطيني، بات اليوم، مع الأسف، على وجهين: إما مدافع عن جماعته أو مقارع لخصومه. وفي الحالتين أصبح، إلا القليلين جداً، مجرد أداة بائسة للدعاية السياسية، ومروّجاً أجدب لبضاعة كاسدة. بينما تتطور الأمور في غزة، وربما في الضفة الغربية كذلك، بطريقة سيصبح من الصعب معها، إذا استمرت الحال على ما هي عليه لسنوات، إعادة الوحدة بين الشطرين على الغرار اليمني. فالأنبياء الجدد، الكذبة بالطبع، الموجودون في كل مكان وفي كل آن، جعلوا المسيح يقرئ الفلسطينيين في غزة وعين الحلوة السلام، ويوصيهم بالقول: مزِّقوا شباك التلاميذ، وانسوا جميع الوصايا، وتذكروا واحدة فقط لا غير: إحملوا امتعتكم وارحلوا.
إن أي فشل جديد هو إحباط متجدد، وبرهان إضافي عن أن لا شيء يينع الآن في فلسطين، كأنما أقحلت أرضها من الغلال النافعة، وتغولت أشواك النجيل فوق تربتها الموعودة بالحرية.