الاثنين، 22 أغسطس، 2011

أزمة الخطاب في السعودية

فؤاد ابراهيم
التاريخ لن يعود للوراء»، عبارة تتردد في كل زوايا الشارع العربي منذ بداية «ربيع العرب» من تونس في 5 كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي، وأن وكلاء التاريخ الجدد قادرون على شق درب الخلاص من الأقدار العقيمة، المفروضة نتيجة تواطؤ أطراف غير مقدّسة محلية وخارجية.
في السعودية، ثمة من يريد أن يثبت أن التاريخ يمكن إعادته للوراء، وأن «الخصوصية» السعودية قادرة على إبقاء حصرية وكالة التاريخ بيد فئة محدودة، وهي من تقرّر ما إذا كان هناك «ربيع عربي» أو هو» خريف أو صيف أو ربما زمهرير» على حد وصف الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات العامة السابق والسفير في لندن وواشنطن سابقاً، في مقابلة مع قناة بي بي سي العربي في 8 آب الحالي.
منذ اندلاع الثورات العربية، برز العامل السعودي بكونه نذيراً من تحوّلات تفقد فيها القوى القابضة على القرار السياسي العربي السيطرة. وفيما كانت الثورة المصرية تعبر بآمال العرب الى مرحلة النصر الحسم، كانت القوى المضادة للثورة تستنفر قواها وتحالفاتها وإمكانياتها المالية لجهة تصنيع البدائل، المعادية تكويناً للثورة ولأهدافها.
حين سأل رئيس تحرير صحيفة محلية في الرياض وزير الداخلية الأمير نايف ذات لقاء خاص مع رؤوساء تحرير الصحف المحلية عن موقف المملكة من الثورة المصرية، وكيف ستتعاطى الحكومة مع مطلب التغيير، كانت إجابته مستمدة من ثقافة «الخصوصية»: إننا لسنا تونس ولسنا مصر، وإننا نطبّق الشريعة الإسلامية!
اليوم، ومع الإقتراب من الثلث الأخير من السنة الأولى لربيع العرب، نحاول أن نرصد مظاهر أزمة الخطاب في السعودية، بالنظر الى النزوع المتعاظم لدى العائلة المالكة بأنها لها وحدها حق حصري في تقرير طبيعة التغيير.
الحشد الأمني الهائل الذي قامت به وزارة الداخلية في «يوم الغضب» الافتراضي في 11 آذار الماضي، مثّل امتحاناً حقيقياً للثقة بين الحاكم والمحكوم، بخلاف ما صدر عن وزير الداخلية الأمير نايف في اليوم التالي، من أن عدم خروج تظاهرات في المدن والشوارع يعكس الثقة المتبادلة بين الحكومة والشعب. من راقب تدابير الفزع قبل أسابيع من اليوم المقرر للإحتجاج، شعر بأن الدولة كانت تعيش حالة طوارىء، وأن 11 آذار شهد «حظر تجوّل» غير معلن في كل أرجاء المملكة.
مهما يكن، ما أعقب ذلك اليوم يسترعي إنتباهاً خاصاً، أي حين بدأ الهجوم المضاد على الثورات العربية: دخول قوات درع الجزيرة الى البحرين في 15 آذار، وإرسال سفينة محمّلة بالذخائر والأسلحة الى اليمن في 16 آذار، وتشكيل جبهة خليجية لتوفير غطاء مالي وإعلامي وسياسي لتدخل عسكري دولي في ليبيا، بدء تحريك الجماعات السلفية في مصر، والإتصال مع شخصيات سياسية لتعطيل مفاعيل مجلس الثورة في تونس.
محلياً، وهنا تكمن أزمة الخطاب في السعودية، ألقى الملك عبد الله في 17 آذار خطاباً مقتضباً بسبب أوضاعه الصحيّة، ثم تُلي عقب ذلك بيان تفصيلي عن القرارات الجديدة، والتي أحدثت خيبة أمل كبيرة لدى المتطلّعين نحو إصلاحات سياسية جديّة. وفيما جرى اختصار مطالب الناس في تقديمات اجتماعية بقيمة 36 مليار دولار، كان الأخطر، في هذه القرارات، إعادة تأسيس الدولة الأمنية والدينية، حيث أشاد بيان الملك بدور علماء الدين الذي نهروا وزجروا أهل دعوتهم من الإستجابة لأهل الغيّ والضلال بالخــروج في مظاهرات ضد ولاة الأمر، كما أطرى رجال الأمن الذين انتــشروا في كــل أرجاء البلاد في يوم الغضب المقرر، فكانت المكافأة: حظر توجيه النقد للعلماء في وسائل الإعلام بصورة حاسمة وإنزال عقوبة صارمة ضد المخالفين، وزيادة عديد رجال الأمن بتجـنيد وتدريب 60 ألفاً في قوى الأمن الـتابعة لوزارة الداخلــية..وهكذا أغلق الباب على أي نقاش داخلي حول الإصلاح السياسي!
ما جرى في سوريا في آذار الماضي مثّل مخرّجاً مثالياً للعائلة المالكة من أي استحقاقات إصلاحية، فالتعبئة الثقافية والإيديولوجية التي جرت خلال ما يربو عن ثلاثة عقود ضد النظام في سوريا، على خلفية طائفية، في المساجد والمجلات والنشريات والكتب الدينية في السعودية، أريد تثميرها في استدراج الإهتمام المحلي والدولي الى مكان آخر، وإقفال ملف (الثورة) في السعودية..
الإصلاح السياسي المرفوض داخلياً وخارجياً في الدول الحليفة للسعودية، وعلى وجه الخصوص في مصر والبحرين واليمن وتونس، بل والاشتغال على تعطيل شروط التحوّل الانتقالي فيها، تصبح ليبيا وسورية إستثناءً في ذلك الرفض.
بيان الملك عبد الله في 8 آب الجاري حول الأوضاع في سورية يعتبر «استثناءً» فعلياً في النهج السياسي السعودي. فما غفل عنه صنّاع القرار في السعودية إزاء الثورات في تونس ومصر واليمن فضلاً عن البحرين من استعمال مفرط للقوة ضد تظاهرات سلميّة، بل غضب من الحليف الأميركي لأنه تخلّى في لحظة حرجة عن (حلفائه)، في إشارة الى الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، ولم نسمع عن إحترام إرادة الشعب المصري إلا بعد أصبحت عودة مبارك مستحيلة..!
بيان الملك عبد الله يضعنا أمام صورتين متقابلتين: الأولى سوريا وتشجيع التظاهر فيها حد استعمال أقصى أشكال العنف، مؤسس على فتوى دينية أطلقها رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق، وعضو هيئة كبار العلماء حالياً الشيخ صالح اللحيدان في الأيام الأولى من اندلاع الاحتجاجات في سوريا، أجاز فيها قتل ثلث الشعب السوري من أجل أن ينعم الثلثان. بيان الملك عبد الله طالب القيادة السورية بتفعيل الإصلاحات الموعودة وتحويلها الى واقع ملموس، كما جرّم العنف..
في البحرين، كما في الداخل السعودي، وعلى الضد يصبح التظاهر عملاً غوغائياً ومحرّماً لأنه خروج على ولي الأمر، ومدخل للفتنة، وتتدخل قوات عسكرية سعودية من أجل منع التحوّل الديمقراطي السلمي، والإفراط في استعمال كل الاتهامات ضد المتظاهرين، بما في ذلك استعمال العنف، رغم أن الحركة الشعبية السلمية في البحرين أغضبت ثوّار العالم بسبب الإفراط في سلميتها، وعزوفها حتى عن تقنيات المقاومة المدنية المشروعة في الثورات الشعبية، كقانونية استعمال الغاز المسيل للدموع، والهراوات، والمياه المغلية بالنسبة لقوات مكافحة الشغب..
لعبىة محاور، إرهاب ديني، عقم سياسي، ثارات مؤجّلة.. قد تكون جميعها حاضرة في المواقف السياسية المتناقضة من الثورات العربية. لاشك أن التقارب التركي السعودي حيال الموضوع السوري يعتبر استثناءً، لأن لعبة المحاور تملي هذا النوع من التقارب، ولا ريب أن فتاوى «التحريم الكنسي» التي أصدرها علماء دين في السعودية ضد رؤوساء تحرير صحف محلية لمجرد أنهم لم ينخرطوا في حملة تجريم التظاهر، حتى خصّص الشيخ المثير للجدل محمد العريفي خطبة في صلاة الجمعة كي يطلق عبارة إستفزازية يقول فيها (أن بعض الصحافيين لا يستحقّون بصاق المفتي)، ولا ريب أن تشجيع الإصلاح السياسي في سوريّا واستغلاله كعامل رئيسي في المناكفة السياسية ولعبة المحاور، واجتياح بلد بأسره للحيلولة دون تحقيق الإصلاح السياسي المأمول شعبياً كما في البحرين، والإلتفاف عليه في اليمن، ومحاولة اختراقه في تونس ومصر نصبح أمام عقم سياسي، أما الثارات المؤجّلة فإن تخصيص ليبيا وسوريا بالعقاب الثوري، لا شأن له بالإصلاح السياسي المفقود محلياً، أو خارجياً في بلدان الحلفاء!
تطوّر آخر لافت تمثّل في قانون مناهضة الإرهاب، والذي كشفت عنه منظمة العفو الدولية في 22 تموز (يوليو) الماضي، والذي يعتبر من وجهة نظر مراقبين استكمالاً لقرارات 17 آذار الماضي، حيث يقفل القانون الجديد الباب أمام أي شكل من أشكال الإحتجاج السلمي. توحيد العقوبة، أي جعل من يكتب بالقلم في نقد سياسات الدولة، ومن يشهر السلاح في وجهها على مرتبة سواء في الجريمة والعقوبة، تحت طائل قانون مناهضة الإرهاب، يعني أن (التاريخ لا يعود للوراء) فحسب، بل يعني تعطيل حركة تاريخ الإنسان في هذا البلد.
في القانون الجديد، يصبح التشكيك في نزاهة الملك أو ولي العهد جريمة يعاقب عليها بعشر سنوات في الحد الأدنى، وهذا يضعنا أمام «خصوصية» من طراز آخر. ومهما قيل عن تعديلات ستجري على القانون بعد انتهاء عطلة مجلس الشورى في إيلول القادم، فإن القبول بهذا النوع من النقاشات القانونية في ظل تطلّعات شعبية نحول الانتقال الديمقراطي يعني أن ثمة مأزقاً تعيشه الدولة.. مأزق يمكن أن نرقب تداعياته، ولا نفهم مبررات الوقوع فيه، تماماً كمقولة (السلفية مطلب وطني) بحسب مؤتمر عقد مؤخراً تحت رعاية وزير الداخلية الأمير نايف، مستحضراً مقولات له في 2006 و2008، حول سلفية الدولة السعودية!

صراع الأجنحة و«ربيع العرب»

لابد من الإنطلاق من حقيقة داخلية، قد ينظر إليها بعض المراقبين بقليل من الإهتمام، ولكّنها تمثّل جزءً من «أسطورة الهيبة» السعودية. الحقيقة هي: أن الجيل الثاني الذي شهد مرحلة التأسيس أو عاش الأخطار المحدقة بالكيان، يقترب من نهاية زمنه الإفتراضي بفعل قوانين الطبيعة، فأعمار أفراد الطبقة الحاكمة اليوم تتراوح بين 80 ـ 90 عاماً، وأن الأوضاع الصحيّة المتدهورة التي يعاني منها أغلب أفراد الطبقة، تزيد في وتيرة التكّهنات والأسئلة عن القادم من أشخاص ومتغيّرات. ويمكن أيضاً في هذا الصدد التنبوء بطبيعة الأوضاع النفسية التي يعيشها شعب بأكلمه، بانتظار رحيل أي من الأمراء الكبار، وما ينجم عن ذلك من تحوّلات بأحجام متفاوتة، تبعاً لموقع الأمير في السلطة.
الإنغماس السعودي في أكثر من ثورة عربية (اليمن، والبحرين، وسورية)، دع عنك ما يقال عن أموال سعودية تغذي جماعات مناهضة للثورة لمنع انتقال ديموقراطي رصين في كل من تونس ومصر، وشكوك حول ضلوع غير مباشر في تسليح جماعات غير ثورية في ليبيا، لا يعكس وضعاً صحياً داخلياً. صراع الأجنحة داخل العائلة المالكة في ظل استحقاقات قريبة قادمة، نتيجة عوامل عديدة منها الأجل الوشيك لأعضاء جيل التأسيس، يستره الهروب للأمام والانخراط الكثيف في الثورات العربية..
التناغم المعدوم بين أداء خارجي يوهم بالقوة والتماسك وآخر داخلي يدفع المقرّبين من السلطة إلى حبس أنفاسهم من احتمالات قائمة لتمزّق خطوط التوارث داخل العائلة المالكة بفعل ما يصفه أحدّ المقرّبين من العائلة المالكة (افتراس داخلي). صفقات المحاصصة بين جناحين أو أكثر تجري الآن على حساب الأجنحة الأخرى التي ستجد نفسها على هامش (لعبة التسويات) داخل العائلة المالكة، وربما ستكون هذه الأجنحة ضمن (نظام الرعاية) لدى أحد كبار الأمراء في الجناح السديري.
في المحصّلة، هناك أزمة خطاب في السعودية، تزداد خطورة بمرور الوقت، كلما تزايدت درجة انخراط السعودية في شؤون الثورات العربية في الخارج، وتمسّكت بالنموذج الأصلي (prototype) للدولة الدينية ـ الأمنية المتخاصمة مع شعبها، حيث الإقتراب من لحظة القطيعة والمصادمة.