الاثنين، 22 أغسطس، 2011

المعضلة الطائفية في التحول الديموقراطي السوري

جهاد الزين
ما هي التركيبة الاجتماعية للسلطة في الزمن الآتي بعد تراكم 90 عاما شهد مأزقين: مدينيا (1958) وريفيا (2011) في بنية النخب الحاكمة؟
يمكن النظر الى التاريخ السوري المعاصر من زاوية سوسيو- سياسية على انه منذ ما بعد الحرب العالمية الاولى وسقوط الدولة الفيصلية في دمشق، ينقسم الى حقبتين:
حقبة سيطرة اعيان المدن الكبرى ولاسيما دمشق وحمص وحلب وحماه، السيطرة التي امتدت من العام 1920 حتى العام 1958، اما الحقبة الثانية فهي حقبة سيطرة حزبيي الارياف بقيادة العسكريين والتي امتدت الى اليوم... 2011.
في ضوء هذا التوصيف الاجتماعي للتاريخ السياسي السوري المعاصر فان الازمة الداخلية السورية المتفجرة اليوم هي حصيلة "نهايتين": افلاس نمط قيادة اعيان المدن للدولة السورية الذي عبر عن نفسه بـ"تسليم" عبد الناصر للسلطة في سوريا عام 1958 وهو ما سيتحول الى استلام نهائي للحزبيين الريفيين مع انقلاب1966... حقبة ستمتد اكثر من اربعة عقود ونصف العقد... هي التي نشهد "نهايتها" حاليا ولا نعرف بالضبط كم ستطول؟ وليس اوضح من البيان الختامي الصادر امس عن "اللقاء التشاوري للحوار الوطني" والذي ترأسه نائب رئيس الجمهورية في الاعلان "الرسمي" عن هذه "النهاية".
اذن السؤال الجوهري في سوريا الراهنة من منظور البنية الداخلية للبلد والدولة هو: ما هي التركيبة الاجتماعية الجديدة للسلطة في الزمن "الديموقراطي" الآتي بعد تراكم تسعين عاما ادى الى "افلاسين" مديني وريفي في بنية النخب الحاكمة السابقة والحالية؟
لكن لا يمكن الاكتفاء بهذه الصياغة للتاريخ السوري المعاصر بدون التشديد على ان نخبة اعيان المدن قبل ان" تفلس" سياسيا بشكل نهائي كانت قد نجحت في توحيد الدويلات السورية الاربع، دمشق وحلب والعلويين والدروز، في كيان واحد هو الجمهورية العربية السورية التي نعرفها اليوم او ما سمي ذات يوم "جمهورية ما تبقى من سوريا" اي بدون المناطق التي ضمتها فرنسا بطلب ماروني – مسيحي الى لبنان (والتي اظن ان موارنة جبل لبنان غيروا رأيهم تجاهها وما عادوا يرغبون بها منذ العام 1975!) كما بدون لواء الاسكندرون وفلسطين الانتدابية واجزاء من حوران وشرق الاردن. كذلك ستتمكن طبقة اعيان المدن من تحقيق الاستقلال عن فرنسا في الاربعينات قبل ان يبدأ تعثرها العميق الارتدادات على مصيرها كله كطبقة حاكمة امام المنعطف الهائل الذي شكله تأسيس اسرائيل عام 1948 وهو التأسيس الذي سيؤدي عمليا الى الهاوية بالبورجوازيات العربية الحاكمة في سوريا والعراق ومصر وليبيا والسودان وسيقضي بالنتيجة على العصر الذهبي لليبرالية العربية الذي امتد في النصف الاول من القرن العشرين.
اما حزبيو الارياف السورية بقيادة الضباط فقد ضيقوا، لاشك، الهوة الاجتماعية الاقتصادية الانمائية بين الريف والمدينة، كما شهدت العاصمة دمشق ترييفا افقيا هائلا ضاعف عدد سكانها فنقلها في نصف قرن من نصف مليون الى اكثر من خمسة ملايين فيما مدن اخرى كاللاذقية وطرطوس تبدلت معالمها الديموغرافية تبدلا جعل باحثا فرنسيا كفابريس بالانش وهو مؤلف كتاب "السلطة السورية والمنطقة العلوية" يكتب مؤخرا ان عدد السكان العلويين زاد بنسب محدودة عن عدد السكان السنة في اللاذقية وجبلة وبانياس فيما وصلت النسبة في طرطوس الى65 بالماية (ع) والى 35 بالماية (س). لكن لايجب ان ننسى ان هذه النسب تتعلق بمدن الساحل في حين ان الفارق على المستوى السوري العام هو 70 الى 80 بالماية سُنّة مقابل 10 الى 15 بالماية هم علويون. وعموما يقدر البعض كل الاقليات الدينية والمذهبية في سوريا بين ربع الى ثلث السكان مقابل ثلاثة ارباع الى ثلثين من السنة (توفيق كسبار في دراسته عن العلاقات الاقتصادية اللبنانية السورية المنجزة مؤخرا يورد رقم 20 مليونا واربعماية الف نسمة هم عدد سكان سوريا الاجمالي بالاستناد الى الاحصاءات الرسمية السورية لعام 2009).
لقد توسل ريفيو السلطة الاقوياء العلاقات القانونية للتمركز في دمشق الصغرى والكبرى ولكنهم غضوا النظر بشكل مثير عن انتشار احياء سكنية غير مرخصة في ضواحي دمشق الغربية والجنوبية (قرب المخيم الفلسطيني) فانتشر الريفيون الفقراء، عسكريين ومدنيين، من اكراد وحوارنة وعلويين وغيرهم منذ السبعينات يبنون داخل حدود دمشق (بما فيها بعض سفوح قاسيون) وحولها بلا ترخيص. لكن الدولة خلافا لبلدان اخرى كانت تسارع في العديد من الحالات الى مد بنية خدمات صحية للمناطق غير القانونية. وقد اذهلني منذ حوالى العام ونصف العام اعتراف مجلة سورية صادرة بالانكليزية وقريبة من السلطة وبقلم خبير تنظيم مدني اوروبي بأن حجم مخالفات البناء في دمشق الكبرى يصل الى الخمسين بالماية. وان "أربعين بالماية من سكان المدن الكبرى يعيشون في مساكن مخالفة للقوانين".
حقق ريفيو السلطة استقرارا سياسيا وامنيا طويل الامد وغيروا توزيع الثروة السورية. ورغم الاحتكارات التي بلغت حدا فضائحيا فسيبقى الانطباع بالنتيجة اذا تمكنت سوريا من عبور مرحلة انتقالية بشكل سلمي ان اجحاف حقبة اعيان المدن الفضائحية بحق الارياف على اكثر من مستوى قد ردت عليها الحقبة الريفية بتسلط غير ديموقراطي بوليسي ادى تاريخيا الى احداث توزيع جديد للثروة رغم وسائل الفساد المستفحلة في المدن والفجوات التنموية الخطرة التي لا تزال تطبع الارياف السورية والنمو المركزي الفاحش للعاصمة حتى بوجود السدود الكبيرة وشبكة الطرقات الشاسعة والمرافئ المتوسعة.
لكن الظاهرة التي تخللت بشكل بارز الاحداث السورية هي لعب الارياف أو التجمعات السكانية الكبيرة في الارياف من درعا الى محيط دمشق الى جسر الشغور جنوب ادلب دورا اساسيا في اطلاق الاحتجاجات الشعبية وتفعيلها قبل انتقالها الى مناطق اخرى. هذا عنى في جملة ما عناه ان التوصيف التقليدي السابق لاصول النخب الحاكمة الريفية لم يعد بدوره كافيا لاعتماد التحليل السياسي اعتمادا وحيد الجانب على ثنائية "المدينة – الريف" بعدما بدا حجم التململ الريفي، الناتج عن سوء الاوضاع الاقتصادية التي تعيشها شرائح واسعة، كبيرا في مواجهة الجيل الثاني من السلطة الريفية او الادق ذات الاصول الريفية لأن هذا الجيل الثاني عاش في دمشق معظم حياته واصبح جزءا من نسيج طبقتها العليا المتعددة الطوائف بين البورجوازيتين القديمة والجديدة.
الذي اريد ان اصل اليه هنا ان الافق الديموقراطي الاكيد الذي تدخل اليه سوريا ضمن التحولات العربية ليس واضحا حتى الآن ما اذا كان سيأخذ منحى سلميا في المستقبل ام يتجه الى الحرب الاهلية (ونحن اللبنانيين نعرف ان الحرب الاهلية هي ايضا ظاهرة تكوينية في "ديموقراطيتنا" الطائفية –المذهبية)... هذا الافق الديموقراطي له مضمون طائفي اكثري/اقلاوي- مديني/ريفي – اسلامي/ مسيحي. وحول النقطة الاخيرة، هناك خاصية في تاريخ سوريا خلال القرن ونيف الماضي هي انها منذ اواخر العهد العثماني شكلت ملاذا فعليا للاقليات المسيحية بدأ مع قوافل الهاربين الارمن والسريان من الاناضول وكيليكيا خلال الحرب العالمية الاولى وسنوات الاضطراب التي تلتها قبل استتباب الامر لمصطفى كمال اتاتورك في تلكما المنطقتين ثم امتد الملاذ السوري مع استقبال الانتداب الفرنسي في منطقة الجزيرة لقوافل الهاربين الاشوريين من شمال العراق في الثلاثينات من القرن الماضي بعد قمع الجيش العراقي الملكي للتمرد الاشوري على الدولة المركزية ثم في التسعينات والعقد الاخير مع استقبال عشرات آلاف المسيحيين (ومئات آلاف المسلمين العراقيين) الهاربين من الجحيم العراقي في حين يعيش معظم المسيحيين السوريين الاصليين وضعا من الازدهار الاجتماعي. وبدون معرفة هذه الخلفية لا يمكن فهم الموقف المسيحي "الهادئ جدا" في الاحداث الجارية. حتى احداث 1860 في دمشق، التي تذهب في الاتجاه المعاكس للشواهد السابقة، قد تكون في الذاكرة التي تحفظها الكنائس مؤشرا على مخاطر التطرف الشارعي.
تحمل سوريا سمة مصرية من زاوية انطوائها كمصر على مسألة طائفية في دولة مركزية قوية ذات جيش قوي وهذا الى الآن يختلف عن الوضع اللبناني المتمثل بالدولة الضعيفة التي باتت تتقاذفها الطائفيات ليس ككرة بل كحذاء مهترئ.
يجب ان تأخذ المسألة الطائفية في سوريا المنحى الذي يليق بدولة فعلية تستعد للانتقال الصعب الى "التعددية" وفق تعبير فاروق الشرع.
لقد خذلتنا النخبة العراقية الجديدة بعد عام 2003 عندما قدمت نموذجا لبنانيا – بل اسوأ- للحرب الاهلية والفساد الوقح. وكم كان العديد من الليبراليين واليساريين العراقيين المعارضين قبل سقوط نظام صدام حسين يرفضون مجرد المقارنة بالطائفية اللبنانية معتبرين النسيج العراقي اكثر تماسكا وطنيا!! بعض المعارضين العلمانيين السوريين- لاسيما في الداخل - يبدون اكثر واقعية من "اسلافهم" العراقيين من حيث اعترافهم بوطأة المسألة الطائفية كأحد تحديات الانتقال الديموقراطي السوري كما تظهرها سطور واضحة في كتاباتهم.
النخب السورية من كل الاطياف والمواقع داخل السلطة وخارجها هل بامكانها تقديم نموذج للتحول الديموقراطي الذي يحمل من ضمنه مشروع تأسيس مصالحة طائفية مناطقية سلمية على غرار "المصالحة" بين الجنوب والشمال بعد الحرب الاهلية الاميركية؟ الفارق الجوهري انها "مصالحة" يجب ان تستبق الحرب الاهلية فتحول دونها كمهمة اساسية من بين مهمات بناء نظام سياسي جديد. دعونا نجازف بالتفاؤل في هذا السياق فقد سبق لسوريا في الخمسينات والستينات ان حصرت "الحرب الاهلية" داخل مؤسسات الدولة ومنعت انفلاتها في المجتمع على النمط اللبناني؟؟
هذه مصالحات تكرسها عادة على المدى الابعد تحالفات جديدة بين قوى اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية في ظل نظام اول شروطه البنيوية ان تحمل الاكثرية- وهذا زمن عودة الاكثريات من كل الانواع - مشروعا ديموقراطيا بل مشاريع ديموقراطية.