الخميس، 23 أغسطس، 2012

الستينات و ما أدراك ما الستينات

د. قدري حفني- القاهرة

قال الرئيس مرسي في خطابه الشهيرفي ميدان التحرير، و هو يستعرض تاريخ ما قدمه الشعب المصري من شهداء "وعندما نذكر الشهداء أيها الأحباب الكرام ننظر فى التاريخ أيضا لنعرف أن شجرة الحرية قد بدأ غرسها قد غرس جذورها رجال كرام منذ عشرات السنين. منذ بدايات القرن الماضى غرس الرجال جذورا روتها دمائهم وأحيتها تضحياتهم على مدار العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات والستينيات وما أدراك ما الستينيات وبعد ذلك عقدا بعد عقد الى أن وصلنا بعد ظلم طويل و ليل دام طويلا الى 25يناير 2011 فكان شهداء هذه الثورة أحيى كذلك كل مصابى الثورة العظام وأسرهم …أسر الشهداء والمصابين وكل من قدم لبلده وضحى لوطنه فى سبيل تقدمه يا رجال الثورة الصامدين “ لم يذكر الرئيس صراحة أنه يقصر حديثه علي الإخوان المسلمين، بل أنه أشار إلي شهداء العشرينيات، و الثلاثينيات، و الأربعينيات، و الخمسينيات و هي المراحل التي قدم فيها الشعب المصري شهداء ثورة 1919 ثم شهداء كوبري عباس في الثلاثينات، و شهداء فلسطين في الأربعينيات ثم شهداء مقاومة الاحتلال في قناة السويس من رجال الشرطة و الفدائيين في الخمسينيات؛ و رغم كل ذلك فقد انهالت التعليقات مؤكدة أنه لم يكن يعني سوي إدانة الناصرية. و قد دفعتني تلك التعليقات إلي تساؤل منهجي و ذكريات تاريخية كشاهد علي ذلك العصر. من الناحية المنهجية ينبغي الحذر من أن يندفع المرء مدافعا عن الجماعة السياسية أو الفكرية التي ينتمي إليها إلي حد ألا يري أخطاءها و أن يبرر خطاياها. و من ناحية أخري فلا ينبغي للمرء أن تدفعه إدانته السياسية أو الفكرية لجماعة سياسية أو فكرية إلي تجريدها من أية إيجابية أو تلويث تلك الإيجابيات. مثل ذلك الموقف لا يعتبر خطأ منهجيا فحسب بل هو أيضا خطيئة سياسية حيث يؤدي عمليا إلي تكريس تقديس رموز بشرية تاريخية، و من ثم تبرير تكرار نفس الخطايا في المستقبل. الدفاع عن الناصرية لا يعني تبرير انتهاك الحريات و تعذيب المعتقلين إلي حد القتل و من ناحية أخري فإن رفض الناصرية لا يعني إدانة الانحياز للفقراء و بناء السد العالي إلي آخره. تري هل المرء ملزم بالدفاع عن تاريخ جماعته التي ينتمي إليها و تنقية صفحتها مهما شهد ذلك التاريخ من مظالم؟ هل علينا لكي ندافع مثلا عن تاريخنا الفرعوني و نفخر به أن يقتصر حديثنا على ما يحفل به التاريخ الفرعوني من منجزات علمية و حضارية باهرة، دون أن نشير إلي تأليه أجدادنا لحكامهم. و هل انتماءنا للتاريخ الإسلامي أو المسيحي يفرض علينا أن نركز علي روحانية الدين و سمو القيم التي نادت بها الأديان و أن نطمس علي تلك الدماء التي سالت في معارك بين بشر يحملون رايات دينية و يزعمون أن قتالهم إنما هو دفاع عن التفسير الصحيح للعقيدة؟ بعبارة أخري هل ثمة ما يبرر تنزيه بشر عن الخطأ بل و عن الخطيئة؟ لقد كانت تلك الحقبة الستينية حافلة بالإنجازات و الانكسارات. إنها الحقبة التي شهدت قرارات التأميم و إنجاز بناء السد العالي و هي الحقبة التي كرست سلطة الحزب الواحد، و هي ذات الحقبة التي شهدت للمرة الأولي في تاريخ مصر تكريسا رسميا لفصل الذكور عن الإناث في التعليم الجامعي بإنشاء كليات جامعة الأزهر، و هي الحقبة التي شهدت قيام الوحدة المصرية السورية كما شهدت انهيارها، و هي الحقبة التي شهدت أعنف حملات اعتقالات و تعذيب للمنتمين لكافة التيارات السياسية المعارضة كالإخوان المسلمين و الشيوعيين، و هي الحقبة التي شهدت واحدة من المرات النادرة التي خرج فيها الجيش المصري ليقاتل و تسيل دماؤه خارج حدوده الوطنية في اليمن حيث فقدنا ما يزيد عن 15 ألف شهيد، و هي الحقبة التي شهدت أيضا هزيمة 1967 التي سالت فيها علي أرض سيناء دماء ما يقرب من 10 آلاف شهيد. و غني عن البيان أن أعداد شهداء الجيش المصري في انكسارات الستينات يفوق بما لا يقارن أعداد شهداء التعذيب و ضحايا الاعتقال في تلك الحقبة. تري هل يمكن بعد ذلك اختزال عبارة "الستينات و ما أدراك ما الستينات" في أنها تقتصر علي ما عاناه أعضاء جماعة الإخوان المسلمين؟ و من ناحية أخرى تري هل يمكن اختزال كل ما شهدته حقبة الستينيات في كلمة إدانة أو كلمة تمجيد؟ و هل من ضير و نحن نتحدث عن الشهداء أن نردد مع محمد مرسي "الستينات و ما أدراك ما الستينات". لعله لو قالها في سياق حديث عن الانفتاح الاقتصادي لكان لها مذاق آخر يحمل نكهة إدانة تدخل الدولة و انحيازها للفقراء. و لو قالها في إطار العلاقات المصرية الأمريكية لكان فيها شبهة إدانة لسعي عبدالناصر لاستقلالية القرار المصري. تري هل تكون رسالتنا لرئيسنا و للرؤساء القادمين أن لكم أن تعذبونا و تنتهكوا حرماتنا مادمتم تحققون "إنجازات" ثورية؟ أم أن نؤكد للجميع أن إدانة التعذيب و انتهاك الحريات في الستينيات أو في غيرها يعد ضمانا لعدم تكرار ذلك في المستقبل تحت أي ذرائع أو مبررات سياسية أو اجتماعية أو دينية؛ و ما أكثر الذرائع و المبررات التي ما زالت جاهزة للاستخدام حتي الآن.