الاثنين، 9 يوليو 2012
التجربة التنموية في لبنان ما بعد الحرب: مراجعة وتقويم
بطرس لبكي
النهار- الأحد 8 تموز 2012-07-08
عقد تسعينات القرن الماضي كان من أنشط العقود إعمارياً في تاريخ لبنان وسجل إنجازات مهمة حسنت شروط الحياة في بعض المناطق والمجالات. لكن العديد من المناطق بقيت محرومة، وكلفة الانجازات كانت مرتفعة، فيما فاعلية بعض التجهيزات كانت منخفضة...
انطلقت التجربة التنموية بعد 1990 في ظرف لبناني واقليمي ودولي مختلف: على الصعيد اللبناني كانت الخسائر التي المت بلبنان كبيرة (90 ألف قتيل و 760 ألف مهجر، 880 ألف مهاجر، نظام تربوي مخلخل، خسائر بالرأسمال المادي قدرت ما بين 6 و 12 مليار دولار، خسائر بالدخل الوطني تفوق 50 مليار دولار، انخفاض الدخل الفردي الى نصف مستواه عام 1975، نصف الخطوط الهاتفية معطلة، ثلث الطاقة الإنتاجية الكهربائية معطلة، 80% من موارد المياه ملوثة، نصف الفنادق مدمرة). والدور الإقتصادي اللبناني قد تدهور بسبب تقدم دور الدول العربية النفطية، وعولمة النشاط المصرفي وانهيار الكتلة السوفياتية، والصعود الصناعي لآسيا الجنوبية والشرقية. ولكن بعض العناصر الإيجابية كانت ظاهرة: منها تحسن كفاءة الأفراد والشركات اللبنانية وازدياد مدخراتهم، وعدم تكون مركز خدمات اقليمي متنوع كلبنان، وظهور بوادر سلام اقليمي في مطلع التسعينات.
بدأ مجلس الإنماء والإعمار، الذي اعيد تكوينه مطلع عام 1991، باعداد خطة لتأهيل البنية التحتية. سميت خطة النهوض. وكلف بذلك كونسورسيوم دار الهندسة – بكتيل. اعد هذا المخطط عام 1991 ووافق مجلس الوزراء عليه في ربيع 1992. وكان يتكون من 126 مشروعاً ضمن 15 قطاعاً ويغطي سنوات 1992-1997: قيمة الإنفاق الإستثماري فيه 4449 مليون دولار.
وكان يهدف الى تأهيل البنية التحتية في مختلف القطاعات الى اعلى مستواها بين 1975 و 1990 مع تحسين لوضع بعض القطاعات المتضررة اكثر والمحرومة نسبيا (كهرباء، مهجرين، زراعة، مصافي نفط، مرافئ في المناطق) وكان متوسط الإنفاق الإستثماري 890 مليون دولار سنوياً.
نصف الإنفاق كان على أربعة قطاعات: الطرقات، الكهرباء، الإسكان، المهجرين. والإنفاق على تطوير القطاعات الإقتصادية كان ضعيفاً (صناعة، زراعة، سياحة، نفط، خدمات القطاع الخاص): 10% من الإنفاق الإجمالي. انطلقت اعمال التأهيل منذ 1991، كذلك الحملة لتعبئة التمويل من مصادر اوروبية وعربية. وتطورت عامي 1992 و1993 بتلزيم تأهيل قطاعي الكهرباء والمواصلات.
- تغير الوضع السياسي في نهاية 1992 مع الانتخابات ووصول اول حكومة للمرحوم الرئيس رفيق الحريري الى السلطة، ومع بروز مؤشرات لسلم اقليمي (اتفاقات اوسلو ووادي عربة...). فقدرت الحكومة اللبنانية ان لبنان لا يستطيع ان يكتفي بالتأهيل، واطلقت خطة لتوسيع البنية التحتية واعداد لبنان للظرف الإقليمي المنتظر وهي خطة الالفين الهادفة الى تطوير البنية التحتية واطلاق النشاط الإقتصادي وملاقاة حاجات السكان. فأصبحت خطة الألفين تغطي فترة 1995-2007 وقيمتها الإجمالية 18 مليار دولار اي 1366 مليون سنوياً.
- وهذا المبلغ يفوق بنسبة 50% المبلغ المقرر في خطة التأهيل السابقة. انتهى اعداد خطة الألفين في خريف 1994 ووافق مجلس نواب على اطاره الماكرو اقتصادي ضمن موازنة 1995. وادرجت البرامج القطاعية في قوانين برامج اودعت في مجلس النواب ابتداءً من اواخر 1994.
لكن الظروف الإقتصادية تغيرت جذرياً: فابتداء من 1994 اخذ نمو الإقتصاد اللبناني يتراجع من 8% عام 1994 الى 6.5% عام 1995 الى 4% عام 1996، الى 3.5% عام 1997 الى 2% عام 1998 الى 1% عام 1999 الى 0% عام 2000. وذلك بسبب السياسات النقدية والمالية والتجارية للدولة: رفع الفوائد على التسليف للقطاع الخاص للتماهي مع الفوائد على سندات الخزينة، رفع سعر صرف الليرة اللبنانية نسبة للدولار واخيراً فتح الأسواق اللبنانية امام السلع الآتية من الخارج دون معاملة بالمثل: فتوقف النمو، واغلقت ابواب المؤسسات او خفض من اعداد العاملين فيها وتراجع النمو الإقتصادي وتسارعت الهجرة الخارجية. رافق ذلك نمو سريع للدين العام من مليارين آخر عام 1990 الى 30 ملياراً سنة 2000. فأصرت وزارة المال على لجم الإنفاق خارج خدمة الدين العام. وبما انه من الصعب لجم النفقات الجارية لأسباب سياسية، لم يعد من الممكن الا لجم النفقات الإستثمارية وتراجع الإستثمار في المشاريع ذات التمويل اللبناني وحتى الخارجي بسبب ارتباطها بحصة لبنانية في التثمير وفي الإستملاكات.
لذلك وبعد ان بلغ الإنفاق الإستثماري لمجلس الإنماء والإعمار مليار دولار عام 1997 بدأ هذا المؤشر يتراجع بسرعة في السنوات اللاحقة.
ترافق التغيير الإقتصادي ابتداء من 1995 بتغير سياسي في خريف 1998 مع وصول العماد اميل لحود الى رئاسة الجمهورية والدكتور سليم الحص الى رئاسة الحكومة.
طلب الرئيس الحص من مجلس الإنماء والإعمار في شباط 1999 اعداد خطة تنمية اقتصادية واجتماعية خماسية ضمن الأطر التالية:
- الأفضلية للشأن الإجتماعي،
- الأفضلية للمناطق المحرومة،
- الأفضلية للزراعة والصناعة والسياحة والتكنولوجيا،
- انهاء المشاريع قيد التنفيذ،
- تنسيق الخطة مع توجهيات وزارة المال في مجال الإصلاح المالي.
هدفت هذه الخطة للتوصل الى هذه الأهداف من خلال:
- تحسين الميزة التفاضلية والتنافسية للإقتصاد اللبناني،
- تحسين عرض الخدمات العامة.
وبالمقارنة مع خطة الألفين كانت هذه الخطة التي اعدها الاستثماري الأميركي مونيتور (MONITOR) تستوجب انفاق 1.27مليار دولار سنويا (اي اقل بـ8% من خطة الألفين) مع انخفاض في حصة القطاعات التي كانت قد جهزت في التسعينات (كهرباء، مواصلات، ابنية حكومية، مرافئ، مطار، تربية، تعليم عالٍ، صحة عامة).
هذا بينما حظيت قطاعات أخرى بحصة أهم من حصتها في الخطط السابقة: طرق واوتوسترادات، تعليم مهني، بيئة، مياه وسدود، مياه مبتذلة، سياحة، اقتصاد، خدمات القطاع الخاص.
وبرزت قطاعات جديدة في خطة 2000/2004: الحماية من الفياضانات، التكنولوجيا العالية، البحث العلمي، تكوين شبكات للإتصال مع المغتربين.
وافق مجلس الوزراء على هذه الخطة في 17/5/2000، لكن التغيرات السياسية الناتجة عن انتخابات الألفين وعودة الرئيس الحريري الى رئاسة الحكومة، رمت هذه الخطة في أدراج الرياح حتى بروز خطة ترتيب الأراضي عام 2009.
انجازات سيرورة الأعمار (1991-2001) على الصعيد العام
- 2379 مشروعاً لزّمت بمبلغ /6209/ مليار دولار.
- 1766 مشروعاً نفذت بكلفة /3078/ مليار دولار.
- 613 مشروعاً قيد التنفيذ بقيمة /3130/ مليون دولار أي ربع عدد المشاريع الملزمة ونصف القيمة الملزمة.
- 27,5 مليار دولار مجمل الانفاق التثميري أي 82.87 % من المبالغ الملزمة.
- معدل التثميرات السنوية /650/ مليون دولار أي أدنى بكثير من المخطط /850/ مليوناً في خطة التأهيل، /1366/مليوناً في خطة الألفين، /1270/ مليوناً في الخطة الخمسية. ويعود هذا التقصير لسببين:
- ضعف الطاقة الاستيعابية للاقتصاد اللبناني بقطاعيه العام والخاص وذلك رغم تقوية طاقات مجلس الانماء والأعمار وباقي الادارات وتقوية طاقات مكاتب الدراسات والاشراف وشركات التعهدات.
- أزمة المالية العامة المتفشية منذ 1997 وقد تسببت بتأخير للاستملاكات والدفع للمتعهدين مما أخر إطلاق المشاريع الممولة محلياً وحتى خارجياً.
انجازات سيرورة الأعمار (1991-2001) على الصعيد القطاعي
- حصل قطاع الكهرباء على 22.3% من الانفاق أي بين ضعفين وعشرين ضعف الحصة المخططة في خطة الألفين والخطة الخمسية.
- حصل قطاع الطرق والنقل على 50 الى 70 % من حصته المخططة (بسبب التأخير في الاستملاك ومحاولات الخصخصة).
- حصل قطاع الاتصالات على 3 و16 ضعف حصته المخططة (بسبب سهولة التثمير النسبية) وتسبب ذلك بفائض في التجهيز.
- حصل قطاع النقل البحري والجوي على ما بين ضعفي حصته وأربعة أضعاف (بسبب الحجم الزائد للحاجة لمشروع مطار بيروت).
- حصل قطاع النفايات الصلبة على ما بين أربعة اضعاف وسبعة اضعاف حصته المخططة (بسبب ارتفاع أسعار المعالجة في بيروت وجبل لبنان اضعاف سعر المنافسة في السوق).
- حصل قطاع التربية والثقافة والرياضة على حصته المخططة نفسها.
- حصل قطاع الصحة العامة على ما بين ضعفي حصته المخططة وثلاثة أضعاف (بسبب الانفاق الزائد وغير الفعال في بعض المناطق لأسباب سياسية).
انجازات سيرورة التنمية واخفاقاتها على الصعيد الإقليمي
على الصعيد الاقليمي جرى انفاق فائض عن الحاجات في الكثير من القطاعات وناقص عن الحاجات في قطاعات أخرى في المنطقة الممتدة من وسط بيروت الى الحدود الجنوبية. وجرى انفاق أقل بكثير من الحاجات في كل القطاعات في المنطقة الممتدة من وسط بيروت الى الحدود الشمالية. وكذلك الأمر في البقاع.
ويمكن إعطاء تفاصيل قطاعية على هذا التقويم.
خلاصة
ان عقد تسعينات القرن الماضي كان من أنشط العقود اعمارياً في تاريخ لبنان وسجل انجازات مهمة حسنت من شروط الحياة في بعض المناطق والمجالات: التلفونات، المياه، الطرق، المستوصفات، المستشفيات، المطار، المرفأ، النفايات الصلبة في عدد من المناطق.
لكن العديد من المناطق لا تزال محرومة في مجال الصحة العامة والطرق وعودة المهجرين والسكن والمياه والري ومعالجة المياه الآسنة.
وكلفة الانجازات كانت مرتفعة جداً في مجالات الكهرباء والنفايات الصلبة وبعض الأوتوسترادات وعودة المهجرين. كذلك فاعلية بعض التجهيزات كانت منخفضة في بعض المجالات المجهزة (كهرباء، مستشفيات، مستوصفات، مدارس، السير، مياه الشفة) وذلك لأسباب متنوعة: عدم استكمال التجهيز، ضعف الصيانة وضعف الإدارة.
بعض القطاعات جُهِّزت أكثر من الحاجة: الكهرباء في السنوات الأولى، الهاتف الثابت، المطار وبعض الطرقات.
الفوارق بين القطاعات الموروثة من قبل الحرب ازدادت.
لكن هذا الجهد الكبير وغير الكامل في مجال الاعمار أطاحته الأزمة الأقتصادية العائدة الى سوء الادارة المالية والنقدية والتجارية والتي ألغت مفاعيل الأعمار ولجمت النمو وأعادت اللبنانيين الى الهجرة بأحجام غير مسبوقة، اي باضعاف اعدادهم اثناء فترة 1975-1990.
باحث – نائب رئيس مجلس الانماء والاعمار سابقاً
الاسلاميون والربيع العربي
محاضرة سعود المولى في النادي الثقافي العربي- بيروت، الأربعاء 29/2/2012
منذ بداية الربيع العربي والحملة على الاسلاميين لا تتوقف... يتلاقى فيها الليبرالي الأميركي المتفذلك باليساري التروتسكي النزق بالشيوعي الروسي المتخلف.. ناهيك عن بقايا مخابرات العروبة القومجية (حزبي البعث العراقي والسوري ومخلفات العقيد القذافي الكثيرة، وقد التقوا جميعاً في حضن الأصولية "النظيفة").. الحملة على الاسلاميين تبدأ بشيطنتهم أولاً مقدمة لتحويلهم الى شماعة تعلق عليها كل نكبات ونكسات وخطايا التيارات القومية واليسارية التي حكمت بلادنا لأكثر من 60 عاماً... صحافة الثرثرة والديماغوجية تنظر الى الاسلاميين وترسم صورتهم وكأنهم قوى خارج التاريخ والجغرافيا وخارج أي سياق اجتماعي اقتصادي ديني سياسي الخ... فتارة هم "خطفوا الثورة"، وتارة هم "سلفيون"، وتارة هم "عملاء النظام"، وفي أطوار كثيرة هم "يقبضون من السعودية وقطر"..الخ... وينسى أبطال اليسار المزيف ما كانوا يرددونه من أبجديات التحليل والتنظير في المادية التاريخية والجدلية...وينسى أبطال اليمين الليبرالي ما كانوا يقولونه عن الديموقراطية وتداول السلطة..ولا بأس من الاعادة والتكرار.
1- التيار الاسلامي العربي هو أولاً حركات وجماعات واتجاهات بعضها محافظ وبعضها ثوري وبعضها راديكالي وبعضها سلفي وبعضها رجعي وبعضها عقلاني... فهو إذن تيارات واسلامات وسلفيات وليس تياراً واحداً أو سلفية جامدة محددة.. التيار الاسلامي هو ككل تيار سياسي عربي معاصر ظاهرة اجتماعية سياسية معقدة متشابكة لها ديناميتها الخاصة وأطرها ومرجعياتها وسياقاتها... تماماً مثل القومية العربية وتمظهراتها المختلفة أو الشيوعية وتجاربها المتعددة..
2- التيار الاسلامي العربي المعاصر لم يكن في نشأته متطرفاً أو تكفيرياً أو حتى سلفياً...برغم وجود تطرف وسلفية في بعض محطاته ولحظاته التأسيسية...بل لعله نشأ ليبرالياً وطنياً (مثال حسن البنا وحسن الهضيبي ونجم الدين أربكان) ممتزجاً باشتراكية طوبوية (مثال مصطفى السباعي وسيد قطب) وبديموقراطية يسارية غربية (مثال مالك بن نبي وجلال آل أحمد وعلي شريعتي)..
3- جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا في مصر (1928) هي أم الحركات والتيارات السياسية الاسلامية.. ولكن الى جانبها وقبل نشوئها كانت حركة (جيش الإخوان) السعودية الوهابية مثالاً آخر حمل السلفية التطهرية (البيوريتانية) العنفية إلى مصاف التنظيم المسلح المقاتل باسم الشريعة الصافية (الملك عبد العزيز قام بتصفية جيش الاخوان في معركة السبلة عام 1929)..
4- الحركة الاسلامية الاخوانية المعاصرة نشأت رداً على انهاء الخلافة الاسلامية (آذار 1924) وحملات التبشير وبداية التغلغل الصهيوني ومسألة التجزئة الاستعمارية والانتدابات والاحتلالات.. وفي الرد على نفس التحديات نشأ التيار القومي السوري ثم القومي العربي، والى جانبهما لا بل قبلهما التيار الماركسي والاشتراكي.. فكان من الطبيعي ولادة ظاهرة سياسية اسلامية لسبب بسيط ينساه المتمركسون اليسراويون وهو أن مجتمعاتنا مسلمة أصلاً...فالإسلام أصل وليس استثناء...
5- التيار القومي سطع في بلاد الشام ولم تعرفه مصر والسودان وبلاد المغرب العربي التي شهدت مزيجاً وطنياً اسلامياً اصلاحياً (مدرسة محمد عبده ومدارس علال الفاسي ومصالي الحاج والدستور التونسي والشيخ بن باديس وجمعية العلماء الجزائرية) تطور لاحقاً الى حركة وطنية تحررية استقلالية نشأ من داخلها وإلى جانبها "الإسلام السياسي الحركي"، وذلك بوحي مباشر من التجارب الفاشية والنازية والبلشفية التي كانت قبلة أنظار التيارات القومية والماركسية يومذاك..
6- التيار الاسلامي الحركي كان رداً ثقافياً في البداية ركّز على السعي لاعادة بناء الهوية الاسلامية والشخصية الوطنية في وجه التبشير والشعور بالهزيمة وانهيار الخلافة الجامعة وفي وجه الهجوم الغربي الاستعماري الكاسح في تلك المرحلة ما بين الحربين . ولم تختلف تجربة التيار الاسلامي في تلك الفترة عن تجربة مصر الفتاة أو الاستقلال او الحزب الوطني أو حتى حزب الوفد من حيث الشعارات وأساليب الحشد والتعبئة والتنظيم اللهم الا مع إدخال الرموز الاسلامية في الشعارات السياسية.
7- لم يطرح الاخوان مسألة الدولة والحكم ولا حتى تطبيق الشريعة الاسلامية كمطلب سياسي راهن بل تعاملوا مع الدولة المصرية على اعتبار انها دولة وطنية مسلمة ودخلوا الانتخابات وتحالفوا وشاركوا في الحياة الوطنية العامة الى جانب غيرهم ولم يطرحوا العنف كخيار حتى في موضوع فلسطين قبل انهيار الثورة الفسطينية الكبرى 1936-1939 وبروز نذر الحرب العالمية الثانية حيث تشكل النظام الخاص على وقع طبول الحرب وتقدم الألمان (1940-1941). ولم يتجذّر طرح الاخوان نحو الراديكالية والعنف الا مع تصاعد الصراع الداخلي مع الانكليز المحتلين، وتصاعد دور ضباط الجيش حتى داخل الاخوان، وآنقلاب النظام الخاص عن سيطرة المرشد (البنا)، ثم تجذّر أكثر مع تطور القتال في فلسطين وصولاً الى النكبة عام 1948 ومشاركة الاخوان في حرب فلسطين..أما التحول الجذري فجاء مع الانقلاب الذي قاده الضباط الاحرار (1952) وغالبيتهم كانوا من الاخوان..
8- لم يطور الاخوان تنظيراً او تأصيلاً لموضوعات الثورة والعنف والصراع والحكم والسلطة ولم يستخدموا التراث الديني في هذا الاطار الا بعد عام 1965 ومع تصاعد صراعهم مع النظام ودخولهم السجون بالآلاف وصولاً الى اعدام سيد قطب عام 1966.. فالقمع الناصري العنيف هو البذرة التي ولدت فكر العنف الجهادي في السجون على يد سيد قطب( المفاصلة وجاهلية المجتمع وحاكمية الله) وصولاً الى الغلو والتكفير مع جماعة المسلمين بقيادة مصطفى شكري بعد نكسة حزيران ( المعروفة باسم جماعة التكفير والهجرة).
9- في العام 1971 أطلق الرئيس السادات الآف السجناء من الاخوان وبينهم تيارات عنف وتكفير وتيارات حزب تحرير، وبدأوا العمل السياسي العلني والسري ناهيك عن التسلل داخل الجيش والمشاركة في حرب اكتوبر 1973.
10- العامل الفلسطيني شكل مجدداً عامل تجذير وتثوير من خلال ضباط منظمة التحرير الذين شاركوا في احداث لبنان عام 1973 ثم1975-1976، وتبلور الدعوة الى العنف الثوري على يد مجموعات فلسطينية ( خطف طائرات واحتجاز رهائن) وليس صدفة ان اول الجهاديين المصريين كانوا فلسطينين خدموا في حركة فتح ومنظمة التحرير وتأثروا بحزب التحرير( الفلسطيني النشأة والجذور والهوية) أمثال صالح سرية (قائد عملية الكلية الفنية العسكرية) وسالم رحال( أحد قادة الجهاد).
11- حرب لبنان وتصاعد السجال والخطاب الطائفي والمذهبي، وانقسام العرب، ثم زيارة السادات للقدس 1977 واندلاع الثورة الايرانية بخطاب اسلامي ثوري جذري 1978-1979 ونجاحها في اسقاط الشاه، كل ذلك أجج الغليان الثوري.
12- لم يستطع هذا الحراك الاسلامي الثوري الجذري ان يجد له متنفساً في فلسطين بسبب اغلاق الحدود ايامها من مصر الى الاردن الى سوريا ولبنان فكانت افغانستان هي الملجأ والحضن. وليس صدفة ايضاً ان يبداً التجمع الجهادي في افغانستان على يد الفلسطيني عبد الله عزام الذي خدم ايضاً لفترة في صفوف وقواعد منظمة التحرير الفسلطينية في الاردن.
13- اغتيال السادات (6 اكتوبر 1981) دفع بالناجين من تنظيم الجهاد المصري للهرب الى افغانستان حيث شكلوا مع المتطوعين السعوديين والخليجيين بقيادة بن لادن اطار العمل الجهادي حول عبدالله عزام مع انضمام مجموعات سلفية كثيرة من شتى بلدان العرب والمسلمين، وعلى أرض أفغانستان تبلورت طلائع القاعدة والسلفية الجهادية.
14- الاخوان المسلمون كانوا خارج هذا التطور بل وضده فركزوا جهودهم على مجتمعاتهم عبر العمل الاجتماعي الانساني والخدماتي والنقابي والمدني السلمي وليس صدفة أيضاً وأيضاً انهم سيطروا على معظم نقابات المهن الحرة في مصر وأمسكوا ببنية المجتمع في تركيا ومصر والمغرب وغيرها، وخصوصاً عند الطبقة الوسطى من محامين وقضاة واطباء ومهندسين وتجار صغار ومتوسطين واساتذة جامعيين وعبر تأسيس مشاريع صحية وتعليمية واسكانية وتوظيفية.
15- الازمة العامة التي عصفت بالدول العربية كنتاج لأزمة العولمة وأزمة الكرامة وازمة الحرية والديموقراطية، سمحت بانطلاق ثورات الربيع العربية وفي قلبها اسلاميون من شتى الأطياف، فهم أبناء هذا المجتمع وهذا الحراك وهذا الوضع الثوري المتأزم.
16- لم يكن التيار الاسلامي اذن غريباً عن الحراك الاجتماعي بل كان في قلبه. ففي مصر شارك الاسلاميون في تشكيل حركة كفاية وفي اضرابات معظم قطاعات المهن الحرة والجامعات والعمال.. وفي تونس والمغرب كانوا الاكثر تعرضاً للقمع والاعتقال.. ومنذ التسعينات تطورت لغتهم وتقدم خطابهم نحو تبني شعارت ومقولات الحوار والتعددية والتسامح والانفتاح والدولة المدنية والسلم الأهلي والديمقراطية، والتيار الاسلامي حمل ويحمل في داخله توجهات وخيارات وبرامج ومشاريع واسعة ومتعددة تبرز فيها تناقضاته وحدوده..
17- ليس التيار الاسلامي بالظاهرة الغريبة التي تحاول خطف الثورة او حرفها عن مسارها.. هو احدى قوى الثورة بل لعله أهمها واكثرها تنظيمأً وحراكاً وتطوراً وحضوراً.. وليس التيار الاسلامي بالبعبع المخيف. فهو مثله مثل غيره، فيه المحافظ الرجعي والتقدمي الثوري، والسلفي التقليدي والمدني الحديث، فيه الديموقراطي والاستبدادي، فيه الالهي والبشري، فيه من كل تنوعات الثورة والربيع وألوانه .
18- المهم والمفيد التعامل مع هذا التيار كواقع اجتماعي سياسي شرعي له حق الوجود والعمل وحق الوصول الى السلطة كغيره، وعلى قوى اليسار والديموقراطية والليبرالية التي تخشى على مكتسبات الثورة والربيع ان تعيد تنظيم نفسها ومراجعة خطابها وأدائها وطرح لغة جديدة وبنية جديدة تستطيع معها ان تستعيد حضورها ورياديتها.. ولا تبكي على وصول الاسلاميين الى السلطة، فهذا هو الصح وليس شواذاً او استثناء.. وككل وصول الى السلطة (سبقهم اليه القوميون والماركسيون) سيواجه التيار الاسلامي تحديات بناء الدولة والمجتمع، واقامة التحالفات، وصوغ السياسات، وتحديد الاصدقاء والاعداء، وتوضيح البرامج والشعارات، وسيتفاعل معها مثل غيره من التيارات، سلباً وايجاباً.. والنتيجة لن تكون معروفة سلفاً بل هي تتوقف على جهدنا المشترك وعملنا معاً للدفاع عن مكتسبات ثورة الربيع ولصون الاوطان وحفظ وحدة المجتمع ولحماية الديموقراطية والحرية والتعددية ولبناء توافقات وتفاهمات استراتيجية من اجل الوطن والشعب في كل بلد، ومن اجل قضايا العرب والمسلمين، خصوصاً فلسطين، والتنمية والتقدم.
19- لذا فان المطلوب هو التركيز على الشافية والديموقراطية والمحاسبة والرقابة وعلى الحريات وعلى التعددية والتداول السلمي للسلطة ونبذ العنف بكل اشكاله وعلى التنمية البشرية وعلى المجتمع المدني وعلى تشجيع قيام مراجعات نقدية لدى كل التيارات اسوة بمراجعات جماعة الجهاد والجماعة الاسلامية في مصر التي تحولت من العنف الجهادي الى الديموقراطية المدنية السلمية..
20- المطلوب من كل القوى وعلى رأسها العلمانية القومية واليسارية والليبرالية، مع الاسلامية، التواضع، والنقد الذاتي، ونبذ التطرف والاصولية، ونبذ العنف والتكفير والتخوين، والدخول في مرحلة مصالحة وطنية شاملة، ومراجعة نقدية جذرية، وتحول سلمي ديموقراطي، ولبناء دولة مدنية عادلة لمصلحة تقدم وازدهار مجتمعاتنا وشعوبنا، ولمصلحة الاستقلال الوطني والتنمية والحرية والديموقراطية مع الكرامة....
عادل عبد المهدي: بغياب الثقة والادارة الناجحة تتعطل الخيارات
عادل عبد المهدي: التيار لمصلحة العراق.. لكنه يسبح ضده
عادل عبد المهدي: المحاصصة والتعطيل والتزوير.. ومفوضية الانتخابات
عادل عبد المهدي: المحاصصة ضد مصلحة الشيعة.. وضرر لغيرهم
الثلاثاء، 3 يوليو 2012
وداعاً "الأخبار" والمدافعين عن بشار الأسد! مقال ماكس بلومنثال
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)