الخميس، 24 نوفمبر 2011

سعود المولى: المواطنة بين الدعوة العلمانية وشعار الدولة المدنية

نص منقول عن التسجيل لمحاضرة في مخيم شباب الفريق العربي للحوار- ضهور الشوير- صيف 2011
نبدأ من نقاط اساسية لفهم المعضلات التي نعيشها في منطقتنا:
أولاً: ان مسالة المواطنة لا يمكن ان نفصلها عن معنى العلمنة والحداثة في الدولة الحديثة. فالمواطنة لم تكن موجودة في الازمنة المسماة بالقرون الوسطى حينما كانت الكنيسة تحكم كل الغرب.. وحتى في اثينا ما قبل الميلاد والتي تعطى مثالا عن الدولة/المدينة : كان فيها المواطنون لا يتجاوز عددهم ثلثَ سكان اثينا اي اولئك الذين يتمتعون بحقوق سياسية ومدنية.هذا هو معنى المواطنة وهو لم يكن ينفصل عن الدين لأن المواطن الاثيني او الروماني او الفينيقي كان يخضع لمقدس أو اله المدينة والا فهو خارج المواطنة... أما معنى الحقوق فقد تطور مع روما الجمهورية ثم صار الى ما هو عليه مع الحداثة والعلمنة.. وهذه نقطة اساسية حتى نفهم ما يحدث في بلداننا التي لم تدخل بعد في هذا الزمن الحديث.
ثانياً: ليس فقط الاسلام ومجتمعات المسلمين هي التي لا تزال تنص على ان للدولة دينا،أو ان دين الدولة هو الاسلام او ان دين الرئيس او الملك هو الاسلام.. فهناك دول عظيمة في العالم ما زال دينها مسيحيا او دين ملكها او رئيسها او ان فيها كنيسة رسمية هي كنيسة الدولة... فعلى سبيل المثال الدول الاسكندنافية (السويد والنروج والدانمارك) والمملكة المتحدة (بريطانيا) هذه دول تقوم على كنيسة وعلى ملك/ملكة هو رأس الكنيسة وعلى تحديد كنيسة الدولة أي دينها: لوثرية-انغليكانية..الخ....
ثالثاً: لا يوجد علمانية واحدة طبقت بنفس الصورة والشكل في عدد من الدول (اي بمعنى فصل الكنيسة عن الدولة او الفصل بين السلطتين الدينية والدنيوية). في بعض المجتمعات طبقت العلمانية على اساس انها نزع الدين عن حياة المجتمعات بالكامل، بمعنى علمنة كل ما في الحياة الاجتماعية والانسانية والاقتصادية والثقافية...وفي بعضها الآخر ما يزال الدين فاعلاً فيها بقوة.. فلا يوجد علمانية واحدة كما يعتقد او يروج البعض كما لو ان العلمانية وصفة كونية.. علمانية المانيا تختلف عن علمانية السويد وهذه تختلف عن علمانية فرنسا وتلك تختلف عن علمانية بريطانيا او امريكا... لذلك علينا ان نبحث في واقعنا ومجتمعاتنا وان نقوم بجهد فكري وثقافي وسياسي واجتماعي لكي ننتج علمانيتنا الخاصة (ونحن اسميناها المدنية) وحداثتنا الخاصة المنسجمة والمتطابقة مع واقعنا والتي لا تكون في مواجهة مع الدين او ضده والتي تستفيد من كل نجاحات واخفاقات الحداثة الانسانية.
رابعاً: مجتمعات منطقتنا فيها مسلمون ومسيحيون ويهود، والانسان فيها ديني وغيبي بالفطرة والتكوين. اي ان المكون الاساسي لهذه المجتمعات، الثابت الاساسي، فهو الدين او بالأحرى الشرع (منذ شريعة حمورابي وغيره) على اختلاف تنوعاته: بمعنى العلاقة مع الغيب والمطلق في تفسير وتوجيه الحياة الدنيا.. وحتى انجلز الشيوعي قال: ان مفتاح آسيا هو في السماء وليس في الأرض اي ليس في الاقتصاد او قوى الانتاج وعلاقات الانتاج.وبالتالي يلزم ان نفهم واقع التكوينات الدينية والمذهبية (قوة الشرع) والتكوينات العشائرية والقبلية (صلة الرحم) لكي نتوصل الى انجاز تقدم ملموس في حقل المواطنة والحقوق المدنية والمجتمع المدني أو "سياسة المدينة".
خامساً: المسألة الأخرى في حديثنا عن المواطنة والمجتمع المدني هو ملاحظة وتسجيل تلك الحقيقة المعروفة في كل العالم العربي وهي وجود وقوة واستمرارية مؤسسات "المجتمع الأهلي" في بلادنا، رغم استخدام تعبير "السياسة المدنية" في تراثنا الفكري كما عند الفارابي وابن خلدون (وهما يربطانها بالنموذج المثالي "المدينة الفاضلة" لدى الفلاسفة).
وبالتالي، هناك مشكلتان تواجهنا: الاولى مفاهيمية والثانية تكمن في التطبيق والواقع.
في المشكلة المفاهيمية، نحن نعيش حالة التباس وضبابية وحالة تداخل مفاهيمي، ولم ننتج مفاهيمنا ومصطلحاتنا المطابقة لمجتمعاتنا كما هي. اذا اردنا ان نوصف شيئا نستخدم مصطلحا اجنبيا. فمفهوم المواطنة يأتي من اللغة الاجنبية citizenship من كلمة citizen اي المواطن ومشتقة بالتالي من المدينة = city وهو لا يختلف عن معنى المجتمع المدني ومعنى الشعب او الوحدة السياسية. اما عندنا فالمواطنة مشتقة من كلمة وطن، وما هو الوطن؟ انه شىء عاطفي وجداني لا يوجد له تحديد في ديننا: حب الوطن من الايمان (حديث نبوي). وهناك رسالة من رسائل الجاحظ عنوانها "الحنين الى الاوطان"، واذا تمعّنا فيها يكون هنا الوطن مكان الاقامة حيث معقل البدوي، بينما مفهوم الوطن بالمعنى السياسي الحديث ليس موجودا. حتى مفهوم الامة باللغة الاجنبيةnation يعني الامة/الدولة ،اي الكيان السياسي الاقليمي للشعب، وبذلك لا تنفصل الدولة عن الامة. اما عند العرب فالامة مفهوم وجداني وعاطفي وايديولوجي، انها الهلال الخصيب وسوريا عند انطون سعادة والامة العربية من المحيط الى الخليج عند ميشال عفلق والبعث وعبد الناصر والقوميين العرب.. وهي الامة الاسلامية العظمى عند الاسلاميين سنة وشيعة (اخوان مسلمين وحزب تحرير وسلفيين وحزب دعوة وخمينيين الخ..). وحتى في النص الديني المقدس (القرآن) استخدم مصطلح الأمة في عدة معاني مختلفة: امة المؤمنين، جماعة من الناس، جيل او قرن، طريقة او منهج، او حتى شخص واحد قائم بذاته (وكان ابراهيم امة وحده).
وعلى أساس هذا التباين او بالاحرى هذا الغموض في استخدام المصطلحات، ينشأ الالتباس في وعينا المعاصر وفي صياغتنا وبلورتنا لمفاهيمنا وللرؤى.
ونفس الالتباس يتعلق بمفهوم المجتمع المدني..فبغض النظر عن انتماءات وغايات القائمين على الجمعيات المعروفة باسم المجتمع المدني فإن الجميع قد استخدم المصطلح في تقابل عدائي مع "المجتمع الأهلي" أو الأصلي – التقليدي. ففي وعي المثقف العربي الحديث (وبغض النظر عن التصاق المصطلح بالتجربة الغربية وبالممارسة الديمقراطية الليبرالية) فإن "المجتمع المدني" هو القيّم على الشأن الخاص المتعلق بالفرد وحياته الشخصية ، وهو القائم على البنى والتنظيمات الحديثة بمواجهة أو في مقابل المجتمع الأهلي أو البنى التقليدية القديمة من دينية وعشائرية ومناطقية، الأمر الذي يجعل المصطلح كما يستخدمه المثقف العربي شديد الالتصاق بتشكل حقوق المواطن ووعي هذا الأخير مواطنيته في اجتماع سياسي مدني على النمط الغربي حيث المدني مواجه للديني من جهة وللسلطة التوتاليتارية ( أو العسكرية) من جهة أخرى ، فيكون المجتمع المدني قيّماً أيضاً وفي آن معاً على الحرية والديمقراطية في مواجهة السلطة والدولة، وعلى الحداثة والتقدم في مواجهة الدين والبنى التقليدية.
والحقيقة أن هذا الاستخدام يثير إشكالية أساسية هي لغوية مفاهيمية. ففي حين أننا نجد في اللغات الأجنبية الغربية تطابقاً وتدرجاً في الاشتقاق اللغوي والمفاهيمي معاً بين مصطلحات: civique- civile -cité وcitoyen ، فإن تعبير المواطنة الذي شاع استخدامه لترجمة Citoyenneté يخرج عن المدنية والمدني ويستعير تعبير الوطن كأساس للاشتقاق .. وهذا أمر لا يعكس فحسب إشكالاً لغوياً وإنما أيضاً إشكالاً مفاهيمياً في المصطلح. من هنا تفضيلنا استخدام المصطلح الذي شاع في تراث العرب والمسلمين والصادر عن اجتماعهم السياسي وهو المجتمع الأهلي، بما هو وعاء لبشر ينتجون سياسة وثقافة وسلعاً وعلاقات تبادل في علاقاتهم بالدولة بما هي هيئة حاكمة ومنظمة وضابطة لعلاقات هؤلاء البشر. إن هذا يجعلنا نقرر بان مصطلح المجتمع الأهلي في التاريخ الاجتماعي السياسي العربي هو الذي يوازي مفهوم المجتمع المدني الحديث من حيث دلالة استقلالية المجتمع عن الدولة عبر مؤسسات ومنظمات مستقلة أو شبه مستقلة أو وسيطة. إن هذا لا يعني استبدال أو المفاضلة بين مؤسسات حديثة ومؤسسات قديمة، ولا التبشير بنموذج تاريخي ناجز أو العودة إلى الأصول التاريخية بقدر ما نهدف إلى إيجاد واستخدام مصطلح ومفهوم يعبّران عن حقيقة الانتظام الاجتماعي والمجتمعي في بلادنا.
وهكذا يبدو المجتمع المدني أو الأهلي ، نمطاً في تنظيم المجتمع يتعلق بعلائق الأفراد فيما بينهم لا بصفتهم مواطنين في دولة ولكن من حيث هم منتجون لأوضاعهم المعيشية ولمعتقداتهم ومقدساتهم وحرماتهم . ويبدو أيضاً مُسمى يُطلق على البنى والتنظيمات المختصة والمنتجة لأوضاع الناس العائلية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والخارجة عن اختصاص سلطة الدولة.
ما هي الدولة؟
من المحيط الى الخليج، برأيي لا توجد دول، انما سلطات حاكمة، فالدول بالمعنى السياسي او العلمي هي كيان سياسي قانوني ذو سلطة سيادية على بقعة محددة (اقليم او أرض ووطن) وعلى شعب محدد. ولا يزال في عقولنا، مفهوم الدولة كما عرّفه ابن خلدون وهو القوة والغلبة والاستيلاء.. وفي النصّ الديني دليل على ذلك: تلك الايام نداولها بين الناس، وبالمصطلح الشعبي نقول العملة المتداولة. اي ان الدولة مشتقة من معنى التداول: الانتقال من حال الى حال ومن يد الى يد، اي ان أساسها هو الغلبة والقوة، ومن يملكها يكون القوي. ونعود بالذاكرة الى مقولة لويس الرابع عشر الشهيرة: انا الدولة والدولة أنا. حتى في العهد العثماني، لم يكن هناك مصطلح الدولة، انما السلطنة والمملكة والباب العالي والسلطان وبالتالي فلم يكن هناك شعب ومواطن وانما رعايا. وفي نماذج قليلة فقط برز معنى الدولة ككيان الأمة والشعب والوطن. والاختلاف يطال ايضا مفهوم تكوين الدولة: ففي بلاد الشام كان الغنى والجاه لاحقا على الدولة (وهنا العودة الى مفهوم ابن خلدون: يأتي البدو ويستولون على الدولة)، اما في المجتمعات الغربية فالدولة أسستها الطبقات المالكة والغنية، اي هي لاحقة على الجاه والغنى. والمعلوم ان الدولة تنشأ على شكلين، اما على اساس العقد الاجتماعي كما قال توماس هوبس وجون لوك وجان جاك روسو وغيرهم، واما على اساس التناقض والصراع الطبقي كما قالت الماركسية واللينينية: نتيجة الانقسام الطبقي، تحتاج الطبقة الحاكمة الى جهاز لقمع الطبقات المحكومة، وبذلك تكون الدولة اداة او جهاز في خدمة طبقة وضد طبقة ومصيرها هو الزوال بزوال الطبقات في مرحلة الشيوعية.
واذا نظرنا الى مجتمعاتنا، نجد ان هناك عائلات مالكة وحاكمة استولت على المدينة وهي تحكم منذ 50 او 60 او حتى 100 سنة.
نشأة الدول العربية
تعود نشأتها الى تاريخ سقوط السلطنة العثمانية حيث كانت المنطقة خاضعة لنظام الملة (الملل) المنظّم بقوانين.. الدول العربية الحديثة جاءت مع الاستعمار الأجنبي وأنشأها الاحتلال وبالقوة القهرية من فوق، فأعطيت فلسطين للصهاينة وقسّم الانتدابان الفرنسي والانكليزي المنطقة الى دول وعلى هواه وذلك حتى العام 1936، اذ لم يكن واضحا حتى ذلك الوقت ما هي حدود كل دولة (المشرق مثلاً جرى تقسيمه مراراً: دولة للدروز ودولة للعلويين ودولة للمسيحيين..الخ..)، لذلك نشأت نخب تولت مهمة الحكم دون ارساء قواعد دولة حديثة مستقرة متوازنةز. وعلى هذا الأساس ولد نوعان من الدول ما بين النكبتين: نكبة فلسطين ونكبة الانقلابات العسكرية:
الدولة التقليدية، وهي نموذج السعودية وامارات وممالك الخليج والاردن والمغرب حيث حكم العائلة المالكة وهو حكم اساسه الدين والقبلية ومعنى التحكيم بين القبائل وسياستها بالاعراف والشرع معاً.
الدولة الحديثة، وهي دولة الضباط والانقلابات العسكرية التي حكمت المنطقة بأسوأ مما حكمتها دول الملوك اذ قامت على التسلط والاستبداد وتحولت الى دول فئوية مذهبية عشائرية.
الاستثناء اللبناني أنشأ نظاماً علمانياً طائفياً لا مثيل له (بمعزل عن تقييمنا له سلبياً وايجابياً انما نحن هنا نذكر الواقع) وهو نظام تمتع بحد لا بأس به من الديموقراطية البرلمانية ومن احترام الحريات الخاصة والعامة..
وبفعل وجود هذين النوعين من الدول التقليدية والعسكرية فانه لم تنشأ مواطنة ولا حقوق مواطنين ولا مساواة ولا عدالة ولا كرامة حتى. فعندما نتكلّم عن تطبيق المواطنة، هذا يحتاج الى بناء دولة بكل معنى الكلمة،اي على اساس تشريعات وقوانين ومساواة وفصل بين السلطات والاحتكام الى القانون وحده..
ففي العالم العربي والاسلامي فإن المشكلة تكمن بالتحديد في السيطرة السلطوية الاستبدادية التي لا تولد دولة مركزية ديمقراطية (بحسب ادعاءاتها) في مجتمعات تعددية، وانما تقود الى تفتت طائفي وقبلي أساسه ما نسميه استراتيجيات الهوية ( وتدخل تحت هذا البند ما نسميه في لبنان الطائفية السياسية ) وهي استراتيجيات سياسية تندرج في اطار الصراع للوصول الى السلطة أو للدفاع عن سلطة قائمة أو لتوزيع جديد للسلطة...
ويكمن حسم هذه المشكلة بدولة تنبثق عن مجتمعها، أي أن نسعى إلى إنتاج دولنا الخاصة على أساس المبادئ الأساسية لحقوق الانسان، المبادئ القانونية لتأسيس الدول التي فيها السلطة السياسية ذات السيادة المنبثقة عن الشعب. هذا هو النضال الصعب الذي علينا ان نقوده.. وهنا تكون المسؤولية مزدوجة:
إنها تقع اوّلا على الاسلاميين أولاً، اذ عليهم تبديد المخاوف من وصول الاسلاميين الى السلطة، والمطلوب أن يصوغوا مفهومهم للدولة المدنية:ماذا تعني لي الدولة المدنية في بلد غالبيّته مسلمين؟ كيف يمكن أن اكون اسلاميا، وكنت أدعو لدولة اسلامية، وأتجه الى اقامة دولة مواطنين فعلية ودولة فيها سيادة للشعب فينتخب ممثليه فيكون الدستور والتشريع منبثقاً من الشعب عبر ممثليه وليس من سلطة الهية او دينية مقدسة. هذه هي المعضلة الأساسية.
وثانياً: على الأقليات غير المسلمة او غير العربية في المنطقة العربيّة-الاسلامية، هم يشكلون التحدي الأصعب، خصوصاً في زمن عاصف حيث اثيرت مشاعر الخوف عند الاقليات جميعاً دون استثناء ولاسيّما المسيحيين الذين يعيشون حالة ذوبان في المنطقة، وهي بحاجة الى معالجة شجاعة من قبلهم أوّلا، وتتطلب تضامنهم والتفاعل بين الكنائس وجرأة وخيالاً وقوة لمواجهة واقعهم اذ لا يمكن مواجهته بعقدة الخوف كما حصل عند سقوط السلطنة العثمانية حين تحالف المسيحيون مع الاحتلال الاجنبي.او كما يحاول البعض اليوم بان يقول للمسيحيين لا حل الا ببقاء الوضع كما هو عليه واستمرار الانظمة القمعية والا فالسلفية والاسلامية والتعصب ستقتل المسيحيين..
ولكن المسؤولية الاساس تقع على المسلمين ، لأنهم في موقع القوّة وعليهم طمأنة اخوانهم. وهذا لا يكون الا بصياغة نظام مدني، ومواطنة صحيحة، ومساواة وقانون يعيش في ظلّه الجميع بشكل عادل.وعلى كل القوى السياسية وخصوصا الاسلامية تقديم رؤيتها لمعنى الدولة المدنية وكيفية قيامها.
وهنا اقول اننا نستطيع كمسيحيين ومسلمين ان نستنطق كتبنا المقدسة، بعض الايات والاحاديث من القران والانجيل، والقيم المشتركة بيننا، والمبادىء الانسانية العالمية: من محبة وتسامح،وعدالة وكرامة، من اجل تقريب وجهات النظر فنبني عليها نظام حياة جديد لشعوبنا ومجتمعاتنا. نحن نؤمن باله واحد صحيح ولكننا نختلف في الدين/الشرع وفي فهمنا لهذه الكتب المقدسة وفي اسلوب حياتنا ورؤانا للمجتمع وللحياة في هذه الدنيا.وبالتالي فان علينا العمل معاً في حوار للحياة ولاعمار الدنيا وليس للسجال والخلاف حول اللاهوت.. ما نريده في منطقتنا هو دولة حديثة لا تنفصل عن مجتمعنا المتديّن، دولة تكون منسجمة ومتوازنة مع معتقدات مجتمعها الدينية والاخلاقية. ولعلنا ننسى ان العلمانية الغربية قامت على القاعدة الدينية-الفكرية- المسيحية.. فهي نشأت في مجتمعات مسيحية خالصة،ثقافتها هو الكتاب المقدس، ووعيها ولاوعيها يتشكل عبر هذه الثقافة، وبالتالي فقد كانت العلمانية بنت هذه الثقافة.. ولكن دخول المسلمين اليها ولّد مشاكل من نوع لم تحسب له حساباً: الحجاب والذبح الحلال والثقافة اليومية للناس، ومن هنا فان العلمانية الغربية صارت اليوم امام تحد جديد هو تحد التعددية الثقافية الذي لم يكن اصلاً مطروحاً عندها قبل العام 1990... ونحن لدينا امتياز ينبغي استغلاله يتمثل في اننا نعيش هذه التعددية وقد حاولنا التعامل معها..ولذلك فان شعوب المنطقة العربية هي امام تحدٍّ انساني عالمي في صنع علمانية من نوع جديد:علمانية تعددية متوازنة.

برهان غليون من نقد الحداثة الى نقد الدولة الدينية

شمس الدين الكيلاني
المستقبل - الاربعاء 19 تشرين الأول 2011 - العدد 4149 - رأي و فكر - صفحة 19
حمَّل غليون فاعليات التحديث ذاتها ومظاهرها التقنية والأيديولوجية برمتها، مسؤولية بروز الإسلام السياسي حركياً وفكرياً. فهو يعتبر أن التحديث قسّم المجتمعات العربية إلى مجتمعين وثقافتين متنافرين، وهما على تنافرهما ذاك، توحدهما هيمنة روح العصبوية على سلوكهما، "فإن الثقافتين العصرية والتقليدية تلتقيان على تقديس القيم ذاتها رغم اختلاف أشكالها: التعصب والقطيعة والترداد الطقوسي للأفكار والأقوال، والانغلاق، وفقدان روح الإبداع لحلول جديدة وروح الحوار. ورفض حرية التعبير والتفكير، والميل الدائم للقمع، والأمل بمحاربة الدكتاتورية والتسلط بدكتاتورية وتسلط جديدين"، وبالتالي أن الحقيقة التي تكمن وراء بروز الحركة الإسلامية وشعاراتها ومفاهيمها هي الصراع السياسي على السلطة، فالناس لا يتنازعون في هذا السياق على تعيين حقيقة الإسلام، بل إن هذه النخبة تعلقت بالإسلام لتستخدمه كسلاح يعينها في صراعها على السلطة مع النخبة الحاكمة المستبدة المبرقعة بأيديولوجية حداثية وعلمانية، وأن هذا لا يعفيها إن وصلت إلى السلطة من الرضوخ لمفاهيم الحكم المعاصرة، وإلاّ أدخلت البلاد في دورة جديدة من الاستبداد، إذ ليس للإسلاميين أو غيرهم من مهرب من التفكير في النظام السياسي اليوم انطلاقاً من مفاهيم العصر، وإن لم يفعلوا ذلك تحولوا، كما هو حاصل مع طالبان أفغانستان،إلى أناس خارجين عن العصر".
نقد فكرة (الدولة الإسلامية) ودولة تطبيق الشريعة:
من هنا فإن غليون لا يعتبر شعار(الدولة الإسلامية _ وتطبيق الشريعة) سوى تفسير حديث تغذيه مشكلات الإسلاميين الراهنة، فعلى رأي غليون "لم يفكر الإسلام. بالدولة، ولا كانت قضية إقامة الدولة من مشاغله، لكن الدولة كانت، دون شك، أحد منتجاته الجانبية الحتمية.. وليس من قبيل الصدفة تجاهل القرآن لها، وكلمة الدولة الإسلامية نفسها كلمة مبتدعة حديثة تعبر عن تأثر الفكر الإسلامي المعاصر الشديد بالفكر الحديث السائد.
كما أن طرح الإسلاميين لمفهوم( الدولة الإسلامية) لا يتسق مع تاريخ التجربة السياسية العربية الإسلامية، فالدولة السلطانية التي سادت بعد الفترة القصيرة للخلافة النبوية، لم تتعامل مع (الشريعة) أو القواعد الفقهية إلاَّ بما يتسق ومصالحها، وشهدت طوال تاريخها هيمنة السلطة السياسية على الهيئة الدينية، ولم يدع أحد من الحكام طوال هذا التاريخ صلته بالوحي أو عصمته، أما في العصر الحديث، فلا يمكن بناء دولة حديثة على أساس الانتماء الديني ومجرد الشراكة في الإيمان، إذ إن منطق الإيمان القائم على أسبقية الولاء للجماعة وتطبيق شريعتها وتقاليدها وعرفها، لا يمكن إلاَّ أن يُفسد منطق الانتماء إلى الدولة أو للرابطة السياسية القائمة على أسبقية التعاقد بين أفراد أحرار ومتساوين، يجمع بينهم العقد الذي تواضعوا عليه وبالتالي الولاء للقانون..".
دولة الشريعة أم دولة القانون؟
وترتبط رهانات شعار الدولة الإسلامية بشكل رئيسي بإقامة السلطة الإسلامية،أي سيطرة الحزب الإسلامي، وتطبيق الشريعة، وينطوي هذا الشعار على اعتقاد الإسلاميين الجازم "بأن أحكام الشريعة واضحة وصريحة، ولا تحتاج سوى للإرادة السياسية لتطبيقها"، بينما الممارسة - بنظر غليون تبيِّن أن السلاطين لا تعنِي لهم الشريعة "أكثر من الاسترشاد بآراء الفقهاء ولم يكن هذا يمنعهم من تطبيق إجراءات وقوانين غير مستقاة مباشرة من الكتاب والسنة"،على الرغم من أن تطبيق الشريعة لم يكن موضعاً للاعتراض كحاله اليوم. كما أن الدولة الإسلامية السلطانية التقليدية، وعلى الرغم من تطبيقها أحكام الشريعة، فإن هذا التطبيق لم يمنعها "من أن تكون دولة تعسفية ".أما في التجربة المعاصرة فإن شعار تطبيق الشريعة يضفي على الشريعة طابعاً مقدساً، كما يؤدي إلى وضع اجتهاد الفقهاء على مستوى الأحكام الدينية النصّية المقدسة، مع أن أحكام الشريعة، هي بالأساس القواعد القانونية والتشريعية التي استنبطها الفقهاء، وهم بشر غير مقدسين.
ويعتقد غليون، أن ما يطلبه الفكر الإسلامي اليوم، لا يختلف عما طرحه الفقهاء قديماً من ضرورة إلزام الإمام بالشريعة، اعتقاداً منهم أن في هذا الإلزام بناء للدولة الإسلامية. والحال أن هذا لا يحل مشكلة الدولة التي لا تتعلق بنوعية القوانين والشرائع التي تلتزم بها السلطة، بقدر ما يتعلق بتحديد وسائل ممارسة السلطة التي تملك القوة الضاربة. فنظرية السلطة ليست نظرية في الأخلاق ومنظومة القيم الدينية وغير الدينية، ولكنها نظرية في قواعد استخدام القوة، و في آليات استخدامها. أما فيما يتعلق بالحساب النهائي فهو من شأن الله، ومتروك له، ولا يمكن لسلطة مدنية يمارسها بشر أن تخلط نفسها بسلطة الله، أو تدعي تطبيق حسابه.
فعند غليون، أن الدولة ليست ملك أي دين، إنها ملك مواطنيها، أي الناس الذين يشتركون في بنائها والقادرين على بنائها كدولة مواطنيها، أي كدولة للحرية والمشاركة والمساواة والعدالة، وأن الدولة لم تعد في أي بقعة من العالم دولة المسلمين أو المسيحيين أو البوذيين، ولو أن سمة الثقافة إسلامية أو المسيحية أو البوذية لا بد أن تظهر عليها، وتنعكس على قوانينها. فالدولة إما أن تكون في العصر الحديث دولة مواطنيها على مختلف اعتقاداتهم وأصولهم وتأويلاتهم الدينية وغير الدينية، أو لا تكون دولة على الإطلاق، وتتحول بسرعة إلى عصبة منظمة تتحكم بمواطنيها، وبالتالي لن ننجح في أن نجعل الدولة دولتنا فعلاً، كمواطنين أحرار، ما لم نقبل جميعاً بمبدأ الحرية كقاعدة لبناء حياتنا السياسية المشتركة، وتكون دولة مواطنيها جميعاً، وأن بداية الطريق لذلك"هي تجاوز إشكالية بناء الدولة الإسلامية التي سيطرت على عقل المسلمين خلال القرن الماضي بأكمله

عودة إلى الميثاق الاجتماعي

بالأمس صح مجدداً ما كنا نقوله ونكتبه...السياسيون اللبنانيون لا يقرأون (غير صفحة الوفيات) ولا يتابعون (غير المسلسلات المافياوية) ولا يراكمون (سوى الأخطاء والخطابات)..
بالأمس إكتشف السياسيون (النواب والوزراء) فجأة أن هناك شيئاً إسمه المجلس الاقتصادي الاجتماعي...وغاب عنهم أنه موجود في نص اتفاق الطائف.. وأنه تشكل رسمياً وفعلياً قبل بضع سنوات..وقد كان له رئيس وهيئة ادارية عقدت عدة اجتماعات قبل أن يتوفاها القضاء والقدر!..
بالأمس أعدنا اكتشاف حقائق لبنانية فاقعة رهيبة.. كل وزير جديد يأتي معتبراً نفسه عنتر زمانه أو أبوزيد خاله..فلا يقرأ ملفات سلفه ولا يقيم وزناً لما تم انجازه قبل توليه هو نعمة الوزارة..
بالأمس سمعنا عن مشاريع "دراسات" جديدة (ستكلف مليارات جديدة) لإصلاح كذا وكذا..ومنها على سبيل المثال لا الحصر قطاع التربية والتعليم.. فتأكد لدينا على الوجه الشرعي أن الوزير الجديد لا يعرف أن سلفه أعد هكذا دراسات ومشاريع (مطبوعة منشورة) وهي لم تطبق وقد كلفت طبعاً مليارات..
بالأمس تذكرنا بالمناسبة ما سمي يوماً الميثاق الاجتماعي وتذكرنا ضرورته وأنه سبق للوزير سليم الصايغ أن أعد هذا الميثاق بالتعاون مع هيئات المجتمع المدني..
في التمهيد للميثاق، وهو بقلم الوزير سليم الصايغ، قرأنا على الأقل عشرة عناوين تنطلق من فكر كمال جنبلاط وترجع اليه:
1- انطلق نص الوزير من ملاحظة كيفية مواجهة لبنان الكيان/الدولة ولبنان الوطن/الرسالة لتحديات العولمة على المستوى الاجتماعي..هذه المواجهة كانت في صميم فكر جنبلاط الانساني الاممي الذي حاول توطين الحداثة الغربية مع الحفاظ على الروحانية الشرقية.
2- يقوم الميثاق على فكرة انسانية الانسان باعتباره الموضوع والمرتكز والهدف.. يقول الوزير الصايغ شارحاً:الانسان المتخطي لذاته..وفي مكان آخر: الانسان المتمكن من تخطي ذاته...ولا يخفى عليكم كم استخدم كمال جنبلاط نفس العبارة.
3- يطرح التمهيد ضرورة "مواجهة المسألة الاجتماعية بكل إشكاليتها"..ما يعني طرحاً اقتصادياً اجتماعياً فكرياً ثقافياً لا يكتفي بمستوى واحد من مستويات المسألة الاجتماعية.
4- يقول النص بضرورة "مصالحة المجتمع مع ذاته".وهذا لعمري يعني طرح فكرة التعاون والتضامن الاجتماعي وفكرة السلم الأهلي الدائم القائم على العدالة والمساواة.
5- ويقول النص بتحقيق ذاتية الانسان وبناء الانسانية. وهذا القول هو الأشد تعبيراً عن فكر كمال جنبلاط....
6- يدعو النص الى قيام سلّم مسؤوليات متناسبة مع حجم الاحتضان للانسان.فالانسان مسؤول وكذلك العائلة والمجتمع والدولة، كل بنسبة تدخله.
7- ويدعو لتضامن الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، لتحقيق العدالة الاجتماعية.
8- وأن المشاركة تقوم على خلق القيمة الاساسية: خدمة المجتمع التي هي إعلاء للحق الانساني.
9- أما العبارة الأجمل والأكثر توفيقاً فهي قول الوزير بضرورة خلق "القيمة الاجتماعية الأصلية وليس القيمة الاقتصادية المضافة اجتماعياً".
10-وفي الختام يقول: هكذا يتحقق التضامن الاجتماعي حيث تلعب العائلة دوراً أساسياً.
ونجد في مضمون نص الميثاق الأفكار الرئيسة التالية المرتبطة بفكر كمال جنبلاط وممارسته وهي كانت في أساس برنامج الإصلاح السياسي الذي قدمته الحركة الوطنية اللبنانية عام 1975 وهي وردت أيضاً في وثيقة المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الشهيرة 1976، ثم صارت كلها في أساس اتفاق الطائف... وطبعاً هي لم تطبق إلى يومنا هذا.
1- اللامركزية وتحقيق الانماء المتوازن.
2- التنمية الشاملة المتكاملة.
3- السياسات الاجتماعية المتكاملة بدلاً من السياسات الاجتماعية التعويضية.
4- تعزيز التماسك الاجتماعي أمام تحديات العولمة.
5- تأمين أنظمة الحماية الاجتماعية وشبكات الأمان الاجتماعي.
6- تعزيز مفهوم الاندماج الاجتماعي.
7- تحقيق مبدأ المساواة بين الجنسين في مختلف ميادين الحياة العامة.

لعل هذا الميثاق من أهم إنجازات العقل والروح منذ اتفاق الطائف..ولعله أفضل تطبيق حي لروح ونص اتفاق الطائف..وهو بالتالي أهم مدماك من مداميك الحقيقة والعدالة والمصالحة والسلم الأهلي. فهل نحلم باستعادته والبدء بتطبيقه ؟؟

موسى الصدر وكمال جنبلاط

كلمة في ندوة رابطة أصدقاء كمال جنبلاط مساء الأربعاء 19 تشرين الأول 2011

ما الذي يجمع بين الامام موسى الصدر والمعلم كمال جنبلاط ؟؟ سؤال قد يبدو للوهلة الأولى في غير محله إلا أنه مدخلنا الوحيد لقراءة واقعنا المعاصر وخصوصاً حين يدور الحديث عن العولمة والموقف الانساني والديني منها.. فهذه المسألة (الإسلام والعولمة) هي الجامع الأول والأساس بين هذين العملاقين وهي موضوع الكتاب الذي بين أيدينا..
وكمال جنبلاط وموسى الصدر ليسا من الأشخاص العاديين ، بل هما مثال للشخص الاستثنائي بكل ما لكلمة استثنائي من معنى.. واستثنائيتهما لا تتأتى فقط من السياسات التي قاداها في السيتنات أو السبعينات، أو من المحطات السياسية التي خاضاها كل من موقعه وضمن جماعته..
استثنائية كمال جنبلاط وموسى الصدر تنبع من اشكاليات والتباسات السياقات التي حكمت تجربتهما وخياراتهما في تقاطعها مع استعداداتهما وتطلعاتهما.. فمسائل مثل العنف والقوة والثورة في مقابل السلم واللاعنف والاصلاح، ومثل العشائرية والمناطقية والطائفية في مقابل المساواة في المواطنية، ومثل العلمانية والالحاد والمادية في مقابل العرفان الروحاني والانسانوية، ومثل الاشتراكية الماركسية والليبرالية في مقابل الاشتراكية ذات الوجه الانساني والديموقراطية الاجتماعية، ومثل الكيانية اللبنانية في مقابل العروبة الجامعة الحضارية، وقضايا التسوية اللبنانية وآفاقها، والإصلاح ومتطلباته، والدفاع والهجوم، والرابطة الوطنية والرابطة القومية ،والبعد الانساني العالمي الخ.. هذه المسائل هي التي تشكل برأيي المدخل الأصح والأنسب لقراءة منصفة لكمال جنبلاط وموسى الصدر وخصوصاً لجهة موقفهما الانساني من العولمة ومن تعدد الثقافات وحوارها وتلاقحها في مشروع إنساني أخلاقي عالمي...
صحيح أن الامام والمعلم اختلفا مراراً في السياسة كما كانا مختلفين في تكوينهما الفكري والشخصي وفي ذائقتهما الثقافية والدينية.. ولكن ما جمع بينهما هو تلك النزعة الإنسانية العالمية العذبة المسالمة الطيبة الجميلة المطمئنة بسكينة الحق والتي لا يمكن أن يخطئها القلب..وهما كانا في حياتهما متساميان عن الحياة المادية ، متساميان عن كل الأشياء، لأنهما كانا أنبل منها..
وبالفعل فقد تخطى كمال جنبلاط وموسى الصدر كل الحدود وحطما كل السدود، حتى تألقا في سماء عليائهما مع الشهداء والصديقين والأولياء...فجمعت بينهما الشهادة: شهادة الواقع وشهادة الغيب..
وقد اشترك كمال جنبلاط وموسى الصدر في العرفان ، وسلكا ما يشبه المسلك الصوفي أو رحلة الطريق الموحشة بلا زاد ولا ماء، في معارج الحقيقة.."وما أوحش الطريق لقلة سالكيه" ، بحسب ما يقول الإمام علي، أبو العرفان والتصّوف على طريق الحق .. التي وصف جنبلاط فيها حاله والمقام قائلاً:
(أبيت فوق السحاب فموطني في الغيوم وشُعلتي لا تُرى ونور عقلي يدوم )
كما اشترك جنبلاط والصدر بالإيمان العميق بالقيم الانسانية السامية وبعملهما في سلوكها الفردي وفي سياستهما المجتمعية على استنطاق هذه القيم الانسانية لإقامة نظام حكم صالح ولبناء الدولة المدنية العادلة بعيداً عن النظام الديني الإلهي أوالنظام الزمني لسلطة تحكم باسم عقيدة دينية أو قومية أو سياسية..
وكان جنبلاط والصدر القدوة الصالحة في زمنهما إذ هما الملتزمان بكل ما ناديا به من قيم، وهما الجامعان المزاوجان بين القول والعمل، فكان كل منهما هو القائد والامام والمعلم والشهيد الشاهد المعطاء بسخاء وبدون حساب.. وكان كل منهما هو الحكيم الحصيف والمناضل العنيد الصامد والفيلسوف المتحدي المقتحم.. كما في قول الفيدانتا الهندية التي أحبها جنبلاط: "استيقظ، قم، ولا تتوقف ، حتى تصل إلى الهدف"..
وجنبلاط هو القائل أيضاً: "أموت ولا أموت.. لا أبالي.. فهذا العمر من نسج الخيال"..
كأني به يستعيد قول الإمام علي زين العابدين، وما كان يردده الامام الصدر في خطب عاشوراء:
"ما دمنا على الحق لا نبالي، وقعنا على الموت أم وقع الموت علينا"..
موسى الصدر وكمال جنبلاط هما إمامان للحق وللعدل، قاما وقعدا ونهضا واستنهضا، ومشيا مجاهدين ولم يتوقفا عن العطاء حتى لحظة الموت الذي هو فناء وبقاء بالحق أو الحقيقة.
إن طريق كمال جنبلاط وموسى الصدر إلى انسانية الانسان المتخطي لذاته هي طريق معرفة النفس كما في الآية الكريمة "وفي أنفسكم أفلا ُتبصرون"، وفي الحديث النبوي: "من عرف نفسه فقد عرف ربه"، وكما في القول المشهور عن الامام علي بن أبي طالب وهو القول الذي كانا يرددانه في معظم كتبهما ومقالاتهما:
"دواؤك فيك وما تشعر وداؤك فيك وما تبصر
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
ومعرفة النفس لا تعني الانطواء والانزواء وانما الانخراط في المجتمع وفي عملية إصلاح الانسان والمجتمع.. فالمسلك الحكمي العرفاني التوحيدي بحسب كمال جنبلاط، والتشيع العلوي الأصيل بحسب موسى الصدر، ليس صوفية انعزالية انتظارية ، كما أنه لا يمكن أن يتمظهر في مظهر الفجور السياسي الشائع في لبنان ، وانما هو تقوى حياتية لخدمة الانسان والمجتمع..
وبالتالي فانه لا يجوز قياس الإصلاح ووزنه بمقاييس وموازين المدنية الحديثة المادية المستهلكة التي تهدد الانسان والعائلة والمجتمع والعقل..وهذا الكلام كتبه جنبلاط مطلع الخمسينيات وكتبه موسى الصدر مطلع الستينات، أي قبل انبثاق فلسفة ما بعد الحداثة ودعوات حماية البيئة والانسان وحفظ حياة الكون والكائنات..
والإصلاح الحقيقي عند كمال جنبلاط وموسى الصدر لا يقوم بالتشذيب الأعمى ولا بالزيادة أو النقصان، ولا بتقليد الجديد، أي جديد، ولا بالتشويه أو التحريف أو الهدم، بل بالتنمية المتوافقة الملائمة للأصول والجذور التي هي غذاء حياتنا وشمس صباحاتنا ونسيم أمسياتنا.. من هنا دعوة كمال جنبلاط وموسى الصدر إلى التفقه في الدين (وارسال جنبلاط طلبة من الشباب المؤمنين ومن المشايخ المتقدمين إلى كبرى الجامعات الاسلامية كالأزهر والنجف، في العام 57 او 58 ليعودوا على خطى السيد عبد الله التنوخي والشيخ محمد ابي هلال الفاضل، وافتتاح موسى الصدر لمعهد الدراسات الدينية في صور وترغيبه للطلاب بالدراسة والتفقه)..
واهتمام جنبلاط بالدين جعله يتحدث عن الغيبيات التي تنضمنها المعتقدات الدينية منتقداً الذين يهزأون بالمتعلقين بها ،أو الذين يعتقدون بطلانها من وجهة سطحية العلم الحديث المتقدم قائلاً إن العلم الحديث وصل إلى موطن من الأسرار والألغاز والأحاجي يصعب حلها، هي أيضاً نوع من الغيبيات.. فالعلم لم يستطع أن يكشف عن سبب أو ماهية العديد من الأشياء.. ويعطي جنبلاط أمثلة تفصيلية من واقع الطب وعلوم الحياة وحتى الفلك والفيزياء النووية ومسائل الزمان والمكان ليخلص إلى القول إن الحكمة الصوفية العرفانية كانت توصلت إلى نفس استنتاجات العلم الحديث قبل الآف السنين وقبل أن يولد العلم الفيزيائي الحديث... وهدف جنبلاط هو التوفيق بين نهج العلم ونهج الذوق الصوفي والعرفان في سعيهما إلى حقيقة الوجود الكوني والانساني... ولعل كمال جنبلاط هو من أول العرب العلمانيين الذين كتبوا عن أن غاية العلم نفسه هي التوحيد، كاشفاً عن ثقافة عميقة واطلاع واسع على كتابات العلماء الأوائل ما بين نيوتن وانشتاتين، وصولاً إلى أحدث كتابات الفيزيانيين والبيولوجيين والنفسيين والأطباء والموجهين..وكان الامام موسى الصدر هو الآخر من القلة من علماء الدين العرب ممن اطلع على الثقافة الغربية الحديثة وعلى العلوم الدقيقة وكتب بمثل ما قال جنبلاط لجهة أنسنة العلوم وعلمنة الثقافة الدينية من خلال التقوى والروحانية في طلب العلم ولو في الصين والبحث عن الحقيقة والحكمة ولو في قلب كافر أو منافق..
وفي حين ينطلق كمال جنبلاط في كل ما قال وفعل من إيمان عميق بقيمة وأهمية وعالمية مسلك الحكمة والتوحيد، ينطلق موسى الصدر في كل ما قال وفعل من إيمان عميق بقيمة وأهمية وعالمية التشيع العلوي الأصيل... وهما بهذا لا ينطلقان من موقع الأقلية الدينية المذهبية القبلية ، بل من كون هذه المذاهب والمسالك قديمة متصلة متجددة.. فطريق التوحيد واحد وهو مسلك عرفاني حكمي ذوقي نمشي اليه وننجذب في آن واحد.. فليتقي الطالب والمطلوب في جذب من فناء إلى بقاء، ومن عقل متبدّل إلى يقظة لا تبدأ ولا تتبدل ولا تزول.. فهو بين الشغاف والقلب، وبين الدمع والجفون.. هذا التوحيد المحض ليس نظاماً دينياً فقط ، بل هو الحقيقة تشير وتقود إلى الحقيقة، فلا تدخل في أي اختلاف أو مشاحنة مع أي دين أو معتقد...ولا تختص بأي دين معين.. ولكن تتعداها جميعها، وهي في الواقع تتميم وتكملة لجميع الأديان، لا بل هي التي تعطي الحياة لجميع الأديان على ما يقول معلم جنبلاط الفيدنتي أتمانندا...

نحو تصحيح مسار الطائفة الشيعية في لبنان

شهدت الجماعة المسلمة الشيعية في لبنان (منذ اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية: 1989-1990) صعود وسيطرة نزعات الغلبة والإستقواء المافياوية ومشاعر الدفاع الذاتي الميليشياوية الشرسة في وجه كل مشروع مصالحة أو حوار أو كل نقد سياسي أو تفكير بإصلاح وتغيير... وصار الوعي المضمر ( واللاوعي الجمعي ) للجمهور الشيعي يقوم على مسلّمة بأن الفريق الشيعي مستهدف في أمنه ووجوده وأن عليه وهو المنتصر-المتغلب أن يدافع بكل قوة عن مواقعه وأن يستقوي بسوريا وإيران في هذه المعركة وأن يقلب الطاولة ويطيح بالمعادلات ويؤسس نظاماً جديداً على أنقاض الطائف. وفي ذلك يقول السيد نواف الموسوي: "يجب أن يعمل حزب الله بحيث يشعر شيعة لبنان أنهم بحاجة اليه، ونحن يجب أن نستخدم كامل قدراتنا وإمكاناتنا لنصبح أقوى وأكثر تجذراً في طائفتنا، وحين تلتحم مصالح الشيعة بنا فإن ضعفنا سينعكس عليهم، لذلك سيدعموننا ، يجب أن يستقر حزب الله في إطار الطائفة الشيعية ، لأن وجوده في خارجها سيسهل ضربه" (من مقابلة أجراها الباحث مسعود أسد اللهي، أيلول 1997)..وقد تعاظم هذا الاستقواء مؤخراً تحت عنوان الدفاع عن المقاومة التي يستهدفها المشروع الأميركي-الإسرائيلي.
وفي سياق هذا التحول في الحالة الشيعية اللبنانية حدث ضمور شديد للسياسة، وغياب للدين أصلاً، حيث جرى اختزال المجتمع والدولة والطائف والإصلاح والتغيير بطبقة سياسية ترتكز على سطوة المال والأمن والإعلام وعلى معادلات الغلبة الداخلية والاستقواء بالخارج، وعلى تسعير العصبيات الجاهلية وتوتير الأحقاد الدفينة والذكريات المؤلمة لحروب أهلية (قريبة وبعيدة) أنهكت وحطمت الجسم والأعضاء..كما جرى اختزال الإسلام والتشيع بنوع من الدين السياسي غلبت فيه مظاهر الطقوس والشعارات الفارغة وديماغوجيا التحشيد المبتذل على حساب الدين بما هو عقل وروح، ووعي والتزام، وأخلاق ومعاشرة، وحوار وانفتاح، وتواضع واستغفار. كما سادت في أوساط الحزبيين الشيعة الحماسة الخالية من التقوى، والسياسة المفتقرة إلى الورع، والفقه المسمى فقه الحيلة والتقية... والأخطر من ذلك كله أنه جرى ضرب كل الحيوية الفكرية والسياسية التي تميّز بها الشيعة على مر تاريخهم: فلا مراجعة ولا شفافية، ولا تفكر أو تدبّر، ولا تنظيم أو ممارسة، ولا رقابة أو محاسبة، ولا مبادرة ولو خجولة للتفكير والنقاش أو الحوار حول حال الجماعة المسلمة الشيعية في لبنان وحول الماضي ودروسه وحول الحاضر وأوجاعه... لا بل حتى ولا سؤال فيه جرأة أو فيه قلق.. ونحن الذين كنا دائماً نردد قول المتنبي: على قلق كأن الريح تحتي....وما هو التشيع إن لم يكن قلق السؤال والظمأ إلى العدل وطلب الحق ولو كان دونه الموت؟
وفي السنين الأخيرة غابت المؤسسات المفترض أنها تؤطر التجارب والخبرات وتراكم المعرفة والممارسة وتسمح بتقويم المواقف واقتراح أمور وتصحيح سياسات ورسم مسارات وطرح خيارات.. فانكفأ المجلس الشيعي إلى حدود المصالح العائلية وتغطية الممارسات المافياوية والتشبيحية للشيعية السياسية التي صار تابعاً لها.. ومع انكفاء استقلالية المؤسسة وخصوصيتها الى حدود اختفائها تقريباً، تحول المجلس الى هيئة هدفها إلقاء البيانات الصادرة باسمه، والتي يجري إعدادها وصياغتها من قبل مندوبي أمل وحزب الله..
نعم لم يعد أمام اللبنانيين المسلمين الشيعة أي خيار: إما سلطات النهب والقمع والإرهاب المتضامنة في وحدة مسار ومصير، وإما حراب الاحتلال والتبعية والتغريب والأمركة والصهينة!! وكل من يخرج عن هذين الحدين يرجم بالتخوين والتكفير ويعتبر مفارقاً للجماعة..
وهكذا لم تتورع الحزبية الطائفية الشيعية عن فبركة الملفات الأمنية وتوريط بعض الشخصيات الدينية المعارضة لها في تهمة العمالة للعدو..ورغم قرارات المحاكم السورية واللبنانية ببراءة المتهمين المعتقلين ما زال هؤلاء يخضعون للسجن والترهيب بفعل سيطرة الحزبية الشيعية على أجهزة الأمن والمخابرات وعلى بعض مواقع القضاء والإعلام، وما زال التشويه وضرب السمعة والإعدام المعنوي للمعارضين هو شريعة الشيعية السياسية من غير وازع من دين ولا أخلاق ولا قانون.. وكل ذلك تحت عنوان ضرورة وحدة الطائفة وتماسكها في وجه الآخرين الطامعين بإضعافها. وكأن الشيعة ما عرفوا في تاريخهم لحظات أزمة أقوى وأعنف تجاوزوها بحيوية الفكر النقدي وحرارة الوجدان الصادق وبالوحدة ضمن التنوع وبالتفاعل والتضامن مع محيطهم..
وفي سياق عملية بناء المغايرة الشيعية والتمايز عن بقية أبناء الوطن، أصيبت الجماعة الشيعية بوباء خطير من الأثرياء الجدد تجار الحرب والموت والسياسة والمال الذين يرعون التفلّت و"التشبيح" في المناطق الشيعية؛ وهذه أمور إعترف بها حزب الله نفسه وصدرت عنها وفيها كتابات وتعليقات وحتى خطب للسيد حسن نصرالله ، ناهيك عن حملات حزب الله المعروفة باسم "النظام من الإيمان" و"أسرتي سعادتي"، و"تعزيز القيم الاجتماعية"..لقد أدخلت قوى الحزبية الطائفية المسيطرة الشيعة اللبنانيين في النفق المظلم ‎ في ما يتعلق بمجموع القيم والمبادئ الإجتماعية والأخلاقية التي هي أساس التشيع. فظواهر مثل الدعارة والإدمان على المخدرات باتت تسجل أعلى نسبها حالياً في المناطق الشيعية، رغم الأجواء الدينية المصطنعة القابضة عليها. وقد تحولت مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية إلى بؤر لتسويق الممنوعات ‎وتصريفها، ولإفساد جيل كامل من الشباب. ولا يمر يوم دون اكتشاف شبكة دعارة من هنا وشبكة من هناك. ويكثر الهمس عن وجود "شقق" و"بيوت"، وسط مناطق سكنية، تُستعمل لهذا الغرض. والأبرز على هذا الصعيد هو تآمر المعنيين في التستر عليها والتعمية عنها، وتكذيبها في الإعلام، تلافياً لافتضاح وجوه وشخصيات معروفة متورطة فيها. وقد صار "التشبيح" أمراً عادياً في المناطق الشيعية، فتزايدت سرقة سيارات المواطنين والتعدي على ممتلكانهم وأراضيهم؛ كما نشط التعدي على الأملاك العامة ‎ وخصوصاً على المشاعات والأوقاف حيث تكشف أن سيطرة الأحزاب على البلديات كان الهدف منه وضع اليد على كل مشاعاتها وأوقافها خدمة لهذه الأحزاب..
والإحتكام إلى السلاح،عند أي حادثة، صار أمراً اعتيادياً في مناطق سيطرة الأحزاب كحادثة "مكيانيك الحدث" وحوادث "بئر حسن" ومحلتي "الرويس" و"حي السلم" ، الأخيرة، وحوادث أخرى متفرقة (كما في بعلبك) توقع قتلى وجرحى، لأتفه الأسباب.. إضافة الى حوادث الانتحار والقتل المتعمد والسلب والنهب، وانتشار المجموعات الشِّللية والشبابية في الأحياء والقرى، التي تقوم بممارسات مسيئة عبر سهرات تدخين النرجيلة أو قيادة الدراجات النارية. ونكبت المناطق الشيعية بشيوع مخيف للأمراض النفسية كما تشهد به قاعات المستشفيات ، وبانتشار قوي لعمالة الأطفال وللعنف المنزلي الذي يتسبب كل يوم بوفاة المزيد من النساء والصبايا والأطفال. وكل ذلك تتناقله الصحف وأجهزة الإعلام الشيعية قبل غيرها.
ومظاهر التفلت الأخلاقي والتشبيح والبلطجة وتبعاتها هي حديث الساعة حالياً ‎ بين أبناء المناطق الشيعية، لكن الأحاديث ليست سبيلاً لمعالجتها. كما أن تذمر قيادات حزب الله، وخططه المبتورة، ليست كافية لوضع حد لها... ولم يعد استدعاء أجهزة الدولة، عند الحاجة فقط ، مؤثراً في احتوائها، لأن الدولة التي أفقدتها الشيعية السياسية هيبتها وحضورها بحجة أنها دولة ظالمة غاصبة للحقوق أو عميلة للخارج ، سوف يُفسَّر أي تحرك لها في هذا الشأن على أنه استهداف أو تصويب سياسي – مذهبي على "الطائفة" وقياداتها وكوادرها "المقاومة"!!
لقد أمكن تحقيق التماهي بين الشيعية السياسية وجمهور الطائفة في ظروف جديدة تماماً لم يسبق أن توفرت من قبل:
1= وجود مركز شيعي قوي في إيران الشيعية يحمل استراتيجية هجومية لتأكيد مصالحه ولفرض وجوده (وإيران دولة كبيرة وغنية وربما نووية).
2= غياب أو تغييب قيادات إصلاحية تاريخية (محسن الحكيم والخوئي في العراق، موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين في لبنان، خاتمي ومنتظري ورفسنجاني وكروبي وموسوي في إيران).
3= تغييب النجف منذ وفاة السيد الحكيم العام 1970 ثم تحديداً بعد حملة القتل في 1979-1980 والتي انتهت باغتيال محمد باقرالصدر وتشريد الآلاف من العلماء، ونشوء موقع قم الديني كبديل للدراسة منذ العام 1980 ثم كمركز وحيد للشرعية الدينية الشيعية.
4= خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان 1982-1988، وذلك بعد سلسلة حروب وغزوات شنتها اسرائيل وسوريا وشاركت فيها الشيعية السياسية ولا فخر.
5= إنهيار النظام الاقليمي العربي منذ حرب الكويت 1990-1991.
6= انهيار التوازنات الاستراتيجية الدولية منذ سقوط الاتحاد السوفياتي 1991 ثم بعد ذلك 11 ايلول 2001 فالحرب الأميركية على الاسلام وعلى ايران .
7= صعود الشيعة والأكراد في العراق بعد سقوط نظام صدام 2003.
8= انهيار الوضع المسيحي في لبنان بعد 25 سنة من الحرب الأهلية.....
9= انهيار الوضع المسيحي في الشرق الأوسط وسقوط امكانية التدخل الأجنبي لحمايتهم.
10= انهيار الوضع السني اللبناني باغتيال الرئيس الحريري (14 شباط 2005).
11= أزمة النظام المصري من جهة ، وأزمة الأوضاع السعودية والباكستانية واليمنية من جهة أخرى، مع سقوط النظامين العراقي والأفغاني، وصعود القاعدة، كل ذلك طرح في حينه أزمة الشرعية السنية (قبل الربيع العربي).
12= خروج الجيش السوري من لبنان وانهيار المعادلة اللبنانية الداخلية.
وبعكس ما كتب المحللون فليست استراتيجية الشيعية السياسية الفعلية إقامة دولة إسلامية في لبنان، فهذه الدولة موجودة في إيران ولبنان تابع لها وفق نظرية ولاية الفقيه ؛ ولا المشاركة السياسية الديموقراطية في الحكم، إذ أن المشاركة الفعلية تعني المسؤولية الكاملة عن الكل؛ فيما المشاركة بعرف الشيعية السياسية هي التقاسم partage وليس ال participation.
ما تعمل عليه الشيعية السياسية هو استراتيجية للهيمنة تسمح لها بأن تكون اللاعب الأوحد في البلاد...إلا أن هذه الشيعية السياسية الجديدة تحمل سمات خاصة تجعلها تختلف عن المارونية السياسية القديمة، وذلك لعدة أسباب:
-المارونية السياسية ورثت دولة حديثة كانت تحضنها فرنسا وتشكل لها إدارة شبه كفوءة.
-الظرف الاقليمي والدولي ساعد على بحبوحة اقتصادية وعلى نمو اجتماعي أفرز طبقة وسطى متعلمة وديناميكية من كل الطوائف.
-النظام العربي الرسمي أعطى شرعية لدور لبنان في محيطه.
-الثقافة الحداثوية كانت القاسم المشترك بين نخب الطوائف كافة.
-الديموقراطية الليبرالية سمحت بفضل التعدد الطائفي بتحول لبنان الى منطقة حريات إعلامية وسياسية لم توجد في غيره..
- الشيعية السياسية لا تنفصل عن فكر المهدوية الإيرانية وعن صعود التطرف الأصولي في الجانبين السني والشيعي، ولذلك فإنها محكومة بالأصولية.

كيف جرى تطبيق استراتيجية الهيمنة:
1= السيطرة على المكان أو الأرض territoire في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت (وبعد حروب مشهودة واغتيالات معدودة). والأرض المسيطر عليها تصبح أرضاً مغلقة (حُرُم باللغة القبلية، محرّمة باللغة الحديثة) لا تدخلها الدولة ولا يدخلها غير المسموح لهم (الأجانب تحديداً وهم كلهم جواسيس: والأجنبي يشمل كل من هو خارج إطارات الحزب وشبكاته الاجتماعية-السياسية-الاقتصادية حتى ولو كان شيعياً). وهذه الأرض يصير لها مع الوقت شبكات اتصالها المستقلة ناهيك عن بناها التحتية والفوقية المنفصلة عن بنى ومؤسسات الدولة والمجتمع.
2= الهيمنة على المجال الديني: من خلال فرض نمط ديني محدد تحوّل مع الزمن والتكرار والسلطة وسطوة النموذج الى النمط السائد بل الوحيد "الشرعي"، المقبول.. ثم من خلال السيطرة على التعليم الديني في المدارس(كل المدارس الرسمية في المناطق الشيعية وليس فقط مدارس الحزب أو الحركة) وعلى حصرية الاعلام الديني بيد الأحزاب (الإذاعة والتلفزة)..وهذه السيطرة كانت بقرارات رسمية لحكومة الرئيس الحريري 1997-1998.

3= الهيمنة الإيديولوجية أو السيطرة على الزمان: وذلك عبر تأطير الوعي الجمعي والذاكرة الجمعية للشيعة اللبنانيين، في أدق تفاصيل حياتهم اليومية التي تصبح مقوننة مرمّزة حتى في أمور مثل الوقت والزمن: فالزمن الشيعي ينظمه مناسبات واحتفاليات دينية ومناسبات مخصصة للتذكير بالشهداء (الأسابيع في القرى، الاحتفالات المركزية في بيروت).. والسيطرة التامة على المجال البصري للزمان تتم من خلال الملصقات والشعارات، والأعلام والصوَر التي تنتشر في كل زاوية وزاروب وشارع وتؤطر رؤية الناس اليومية لحياتهم ولحاضرهم وتاريخهم..ترافقها شعارات دينية تربط هذا الحاضر والتاريخ بتراثهم الديني والمذهبي الخاص.

4= السيطرة الاجتماعية وأدواتها: عبر فرض الفصل بين الجنسين في كل المجالات والأمكنة. ويلحظ غياب أي دور سياسي أو حزبي للمرأة في أي مرفق أو قطاع في أحزاب الشيعية السياسية، رغم أنها القوة الأكبر والتي تمتلك أكبر تنظيمات نسائية من بين الأحزاب، إلا أن وظيفة المرأة ودورها هما في رعاية الأيتام ودعم صمود المقاومة.
كما أنه لا دور للثقافة الوطنية والنقدية حيث أن الشيعية السياسية لا تنشر سوى الثقافة الحزبية الفئوية أوالدينية الطائفية والمذهبية. لا بل أنها تساهم في قمع أية ثقافة أخرى مختلفة.
وتقوم الشيعية السياسية بضبط كل نشاط ثقافي في لبنان: فبعد منع الكوميدي الفرنسي العالمي من أصل مغربي جاد المالح من عرض مسرحيته ضمن مهرجانات بيت الدين الدولية بحجة أنه يهودي في العام 2009، وبعد منع عرض فني راقص لفرقة "سامبا" برازيلية في مدينة صور في العام نفسه بحجة أنه يتنافى مع الدين والأخلاق الإسلامية، وبعد منع عرض فيلم المخرجة الإيرانية هانا مخلباف "أيام خضراء" بحجة أنه ينتقد نظام الحكم في إيران، إضافةً الى منع فيلم الكرتون "بيرسيبوليس" للمخرجة الايرانية مارجان ساترابي من العرض في الصالات اللبنانية بناء على رغبة حزب الله أيضاً، ها هو المنع يطال مجدداً فيلماً آخر بعنوان "أحمر أخضر أبيض" للمخرج الايراني نادر داوودي الذي مُنع حتى من السفر الى لبنان وأُلغيت مشاركته في "مهرجان بيروت السينمائي".
5= تقديم الخدمات المادية واصطناع بورجوازية خدماتية جديدة من الوجهاء الجدد من كبار المسؤولين وادخال عنصر الفساد المالي وبناء ثقافة النفعية والربح السريع السهل.. وهذه المساعدات المالية والتقديمات الاجتماعية ليست تمكيناً للناس بل زبائنية أخطر من زبائنية الاقطاع السياسي القديم.. فنمط بناء تلك الخدمات هو خارج سيطرة الناس ورقابتها وخارج أي توجه انمائي ما يجعلها أداة إفقار للمجتمع من كل طاقاته ومبادراته وتحويل شبابه الى متفرغين حزبيين أو اجتماعيين وليس كنشطاء مبادرين.. وبالمقابل فقد كان مشروع موسى الصدر الاجتماعي يقوم على العمل على الاستفادة من كل العناصر الايجابية في المجتمع بهدف توفير الشروط المؤدية إلى بناء شخصية سياسية واثقة سوية مؤمنة و متوازنة لشيعة لبنان وتساهم في إنهاض حركة الناس على قواعد التعاون والتضامن والاعتماد على الذات والمبادرة والتنظيم المؤسسي.

6= التعبئة الدائمة: لموازنة التحديات الداخلية حافظت الشيعية السياسية على خطاب أيديولوجي سياسي تعبوي دائم لا يفعل سوى التوتير وإبقاء العناصر والمحازبين والجمهور في حالة استعداد دائم للتصدي لعدو ما،واستمرار الشحن ضد أعداء تاريخيين بمعزل عن ضرورات السلم الأهلي وقرارات طي صفحة الماضي والعفو عن أيام وحوادث الحرب الأهلية..والتعبئة الدائمة تؤدي دوراً محدداً في إطار نزع المبادرة من عامة الناس وإبقائها في يد النخبة الحزبية المختارة والأجهزة الأمنية-العسكرية، وهذا يعارض مبدأ تمكين الناس empowerment ومبدأ مدنية التنظيم الحزبي.

7= التشكيك بمؤسسات الدولة الرسمية : وبشكل خاص المؤسسات الأمنية والحديث عن عدم فاعليتها وقدرتها على مواجهة الاستحقاقات الأمنية وفشلها في كشف الجرائم والتفجيرات أو في مواجهة الجيش الإسرائيلي خلال حرب تموز/ يوليو.. كما لم تترك الشيعية السياسية مناسبة دون استعمال لغة التشكيك وإطلاق الاتهام بحق مجلس الإنماء والأعمار، ووزارات المهجرين، والمال، والإقتصاد، ومديرية قوى الأمن الداخلي، وشعبة المعلومات تحديداً ،وطيران الشرق الأوسط ، وشركة أوجيرو.. وغيرها من المؤسسات التي لا تخضع لسيطرتها المباشرة..

8- السيطرة على الاغتراب الشيعي: وقد كان حكراً على حركة أمل حتى العام 1990 حين بدأ خروج عناصر وكوادر حزب الله الى كندا وأميركا وأوروبا وأفريقيا.. ويبدو أن تفاهم نيسان الشهير1996 سمح للحزب بالتوسع في إرسال كوادر الى الاغتراب اخترقت معظم الجمعيات والمؤسسات وقامت ببناء جمعيات ومنظمات جديدة تحت عنوان تمويل المقاومة وأعمال رعاية الشهداء والجرحى..وفي الوقت نفسه جرى التوسع في الأعمال التجارية عبر توظيف رؤوس أموال كبيرة كما في ميشيغان كمثال وفي القارة الأفريقية عموماً..والجديد هنا أن الحزب صار أيضاً يمثل مصالح بورجوازية الإغتراب الشيعية التي صارت تثق به وتتقاسم وتتشارك معه في المشاريع وحتى المغامرات (صلاح عز الدين ليس المثال الوحيد ، كما أن طائرة كوتونو والطائرة الاثيوبية حملتا دلائل على تلك العلاقات الحميمة بين الحزب والإغتراب الشيعي الأفريقي).

9- اللامسؤولية في الحكم: فقد اعتبرت الشيعية السياسية أنها غير مسؤولة عن أي عمل أو قرار حكومي لا يخدم مصالحها المباشرة (مثال تعطيل البرلمان وشل الحركة وسط المدينة لأكثر من سنة وتعطيل الوزارة بالاستقالة أو بدعوى الثلث المعطل- الموقف من المحكمة الدولية ومن القرار 1701 الذي طلبته الكتلة الشيعية أولاً ووافقت عليه ثانياً ثم تملّصت منه في كل وقت- والموقف من الاتفاقية الأمنية مع أميركا أو فرنسا والتي وافق عليها الوزراء الشيعة ثم شنوا حملة عليها- وعدم وجود أية مشاركة في القرارات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية التي تخص حياة الناس- لا يوجد لدى الشيعية السياسية أية مشاريع أو اقتراحات تتعلق بالخصخصة أو الجامعة اللبنانية أو قطاع الكهرباء أو الضمان الصحي والاجتماعي أو قوانين العمل- والفضيحة الأكبر كانت في الموقف من الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين في لبنان..

10= ضرب الحركة النقابية : شاركت الشيعية السياسية في وأد الحركة الطلابية التي كانت من أهم القطاعات المطلبية والديموقراطية في لبنان.. فبالاضافة الى موقفها من عدم السماح بإعادة الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية ، فهي ترفض إجراء انتخابات ديموقراطية لروابط في الكليات والمعاهد، وترفض السماح لأي حزب بالعمل في الكليات التي تسيطر عليها طائفياً خصوصاً في المجمع الجامعي الجديد في الحدث.. وتبقى رئاسة الجامعة اللبنانية خير مثال على دور الشيعية السياسية في المحاصصة والفساد..كما دخلت الشيعية السياسية الاتحاد العمالي العام أيام السوريين من خلال كوتا حزبية وقيادات أمنية حزبية لا علاقة لها بالعمال، مثلها في ذلك مثل بقية الأحزاب، وفي استعادة لشكل ونمط الممارسة النقابية في الأنظمة الشيوعية البائدة...وهي صارت تسيطر اليوم على معظم النقابات العمالية.

11= الانتقال الى السيطرة عبر الإدارة: يمارس حزب الله (بالتنسيق مع حليفه الرئيس نبيه بري) استراتيجية الأمر الواقع ومنطق الإحتلال: كلما شغر مركز في الإدارة يتم ملؤه من جماعتهما أو يتم تعطيل أي تعيين فيه بحيث يتولى الإدارة الفعلية شخص بالوكالة أو بالتكليف يكون عادة من فريقهما.. وهكذا جرى تعيين العشرات من جماعتهما مقابل تعطيل عشرات ومئات المراكز التي ما تزال شاغرة منذ سنوات دون إمكانية لملئها بحسب ما توحي المحاولات المتكررة والفاشلة.. أما أخطر تلك المراكز فهي في الجيش والمؤسسات الأمنية الأخرى.. ولا يتخلى الحزب عن غطاء بري في هذه المواقع وذلك لاعتبارات إقليمية (سورية) ومصلحية خاصة به ولكي يحافظ على سمعة النظافة مقابل فساد حركة أمل..
تعالوا الى كلمة سواء:
أ= المسلمون الشيعة ولبنان
أقل التصارح بين اللبنانيين عامة، وفي مقامنا هذا بين المسلمين الشيعة، الاعترافُ بأن العودة إلى شعار "الدفاع عن حقوق الطائفة" الذي قلما نجا فريق سياسي من التوسل به علانية أو من التوعد به ضمناً، حد الاستقواء بالخارج على شركاء الوطن والإفراط في التترس بمظاهر القوة والغلبة، إنما يورث اللبنانيين المتمسكين بمكتسبات التجربة اللبنانية، وبقيم الحداثة السياسية، إحباطاً لا شفاء منه. من هنا فاننا نرى أن التوادد المنافق بين اللبنانيين تحت عنوان التعايش بات يتدنى عن التحديات التي يواجهها الوطن وأن الأوان قد آن لأن تخرج من صفوف المجموعات الطائفية اللبنانية طلائع تسفه شعار "حقوق الطائفة" وتعلي شعار حقوق الوطن؛ ولعل الشيعة اللبنانيين الذين تعود شبهة التزاحم بين ولائهم الوطني، وبين دفاعهم عن حقوق "الطائفة"، إلى التورم، سواء في وجدانهم وفي سلوكات بعض أحزابهم، أو في نظرة الجماعات اللبنانية الأخرى إليهم، أولى اللبنانيين بأن يبادروا، أو أقله أن تبادر فئة منهم، إلى الصدوع، تحت طائلة الخروج على التضامن المذهبي، بأنه لا شيء يعلو على ولائهم الوطني، مذكرين بأن هذا الموقف يجد سنده الديني والمعنوي في المراجعة الشجاعة التي قام بها الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين حيث أوصى الشيعة، في عداد ما أوصاهم، بـ "ان يدمجوا انفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم [...] وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميّزهم عن غيرهم تحت أي ستار من العناوين"، (الوصايا، ص27).
ب= في ترميم مفهوم الدولة المدنية واتفاق الطائف
إن ترميمَ مفهوم الدولة المدنية الجامعة المانعة التي لا شريك لها في السيادة وفي رعاية أمن لبنان واللبنانيين، والمشاركةَ في بناء الدولة المنشودة هذه، هما الأفق الوحيد الذي يتطلعون إليه. وفي سياق هذا السعي الذي يشتركون فيه مع لبنانيين من شتى الانتماءات الطائفية والمشارب السياسية فإن اتفاق الطائف، الذي ارتضاه اللبنانيون سبيلاً دستورياً إلى تحديث نظامهم السياسي وإلى توفير العدالة والكرامة والمساواة في حقوق المواطنة، للجميع وبين الجميع، ــ إن اتفاق الطائف يبقى، في منأى من بداهة النظر إليه كنصٍّ يحتمل المراجعة باتفاق اللبنانيين وبما يلبي طموحات التحديث تلك، ــ يبقى الميثاق الملزم لجميعهم، والإطار الناظم لشأنهم العام وحياتهم المواطنية.
إن سيادة الدولة ما زالت تصطدم بعائق بنيوي كبير يتمثل في القيد الطائفي الذي يلقي بثقله على مستقبلنا الوطني، ويحول دون إرساء نظام ديموقراطي يضمن في آن معاً المساواة بين حقوق الأفراد واحترام التعدد الطائفي. ومثل هذا النظام المطلوب يستجيب لمعنى المواطنة الذي تجلّى في الرابع عشر من آذار، من خلال مساهمته في جلاء طبيعة العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه حياتنا الوطنية، وفي تعيين طبيعة الدولة القادرة على تجسيد هذا العقد. فالدولة المدنية القادرة العادلة هي دولة تتمتع بسيادة فعلية، فتصون الاستقلال بوضع حدٍ للتدخلات الخارجية التي تستدعيها الصراعات الطائفية بصورة دورية. وهذا يعني أيضاً أن تتصرف الدولة بإرادة حرة، تحت سقف القانون، فتحرر اللبنانيين أفراداً وجماعات من مفهوم "فدرالية الطوائف" وتعيد الاعتبار الى الأبعاد الثقافية للتعدد الطائفي، بوصفه نوافذ حضارية على عوالم مختلفة، لا كهوفاً تقبع فيها الطوائف ، ما يجعل لبنان دولة مستقرة غير مرتهنة للتغيرات الاقليمية.
ج= في مسألة "المقاومة"
المقاومة ليست غاية في ذاتها كما يحلو للبعض تصويرها جهلا أو تطرفا... والإسلام هو الذي علمنا أن كل ما في هذا الكون حتى الدين نفسه وجد لأجل الإنسان وليس العكس...فالإنسان وكرامته وحريته هي أسمى غايات الدين ومقاصده. ذلك أن مقاصد الشريعة الواضحة والمتفق عليها بإجماع الفقهاء والمتشرعين من كل المذاهب هي ثلاثة أقسام: ضروريات وحاجيات وتحسينات، وقد حصروا الضروريات في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال - وبعضهم جعل النفس قبل الدين- وقالوا إن هذه الأمور الخمسة قد ثبتت لديهم بالاستقراء وليس من الإسلام وحده بل "بالنظر إلى الواقع وعادات الملل والشرائع"....وأما الحاجيات فهي كل ما قامت الحاجة إليه من اجل رفع الضيق والحرج والمشقة (الدين يسر لا عسر).. وأما التحسينات فهي في الأخذ بما يستحسنه العقل من العادات والمستجدات وتجنب ما يستقبحه منها، سواء في مجال الحاجيات أو الضروريات...وأضافوا إلى كل قسم من هذه الأقسام ما هو له كالتتمة والتكملة (تكميلات) وجعلوا الضروريات أصلا للحاجيات والتحسينات والتكميلات باعتبار أن "مصالح الدين والدنيا مبنية على هذه الأمور الخمسة المذكورة" أي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال...كما اتفقوا على أن أحكام الشرع معللة بجلب المصالح ودرء المفاسد..ويعترف العلماء والفقهاء أن مصالح العباد في الدين والدنيا صارت اليوم تشمل الحق في حرية الرأي والتعبير والعمل السياسي والديموقراطية في الحكم والسلطة (أو الشورى إن شئت) والحق في العمل والمسكن وفي التعليم والصحة وفي الحياة الحرة الكريمة...
المقاومة هي إذن في شرع الإسلام والمسلمين أداة أو وسيلة في خدمة هدف أو أهداف الإنسان والمجتمع والأمة في الوحدة والحرية والكرامة والعدالة..فلا يوجد عالم أو فقيه يقول لك إن المقاومة هي الأصل والمبدأ المطلق وان المجتمع أو الوطن أو الدولة أو مقاصد الشرع، هي فرع تابع أو لزوم مكمل لغرض المقاومة الذي يصير كالمطلق أزلي سرمدي وعلى مستوى العزة الإلهية (والعياذ بالله).ولم نقرأ أو نعرف لأحد من المسلمين رفعاً لشأن الجهاد إلى حد اعتباره بديل الدين أو أصل الأمة أو أساس المجتمع.. وكل ما عرفناه وقرأناه وتعلمناه ووعيناه وعرفه ومارسه قبلنا كل المسلمين هو أن الجهاد باب من الأبواب وانه مشروط بشروطه وأنه تحت إمرة الإمام العادل (عند الشيعة) أو الخليفة (عند أهل السنة) وأن الشرعي المقبول منه هو الجهاد الدفاعي أي المقاومة ضد احتلال أو ظلم وطغيان وأن هذا الجهاد له أبواب تفصيلية في فقه المسلمين وله شروط واعتبارات تقع كلها تحت مستوى مقاصد الشرع ومصالح العباد أو تحت مسمى الحرب العادلة... وفقهاء المسلمين، السني والشيعي والزيدي والخارجي والظاهري، الذين كان الورع والتقوى والعلم يمنعهم من الإفتاء مخافة الوقوع في الخطأ وتحمل مسؤولية الفتوى، كانوا أكثر ما دققوا وربطوا وعقدوا الفتاوى المتعلقة بالجهاد....وكما في كل الشرائع السماوية، فان الإسلام أرسى الضوابط والحدود وحدد السلوكيات والأخلاقيات الواجب إتباعها إذا كان لا بد من الحرب...والحرب العادلة فقط وليس مطلق حرب (أي الجهاد الدفاعي والمقاومة)..... فليست الحرب بالمتعة أو العبادة (كما يقول البعض اليوم جاعلا من الإسلام دين حرب وسيف لا دين حق وعدل ومكارم الأخلاق)، بل هي آخر الدواء حين يكون ذلك مناسبا للمجتمع والأمة...
وفي الشرع السياسي الوضعي الدولي المقاومة هي كما قال كلاوزفيتز عن الحرب "امتداد للسياسة بوسائل أخرى"..هي وظيفة نضالية محددة محكومة بأسلوب وطريقة وبضوابط واطر، وبمرجعية سياسية واضحة من حيث حفظ المصالح وجلبها ودرء المفاسد وردعها..وهي شرعية ومشروعة ضمن ضوابط وحدود المجتمع الدولي وقوانينه وأعرافه التي يعترف الإسلام بها كلها على قاعدة الوفاء بالعهود التي نوقعها وندخل ضمنها (إن العهد كان مسؤولا)... وفي المعنى الوطني، السياسي الوضعي، فان المقاومة، أية مقاومة، هي حركة سياسية مسلحة ترتبط بإطار ناظم شامل وعميق هو ميثاق البلاد ودستورها وما اتفق عليه أهلها من نظام حكم ومؤسسات، وما تعاهدوا عليه من أهداف عليا وغايات.. وإلا تحولت المقاومة إلى ميليشيا والى حب السلاح... وإذا كانت الميليشيا وصفاً للقوى الشعبية المسلحة غير النظامية في تجارب العديد من الشعوب وعلى رأسها الشعب الأميركي نفسه خلال حرب الاستقلال..أو التجربة الفرنسية أو السويسرية أو الأوروبية عموما في حرب الأنصار والمقاومة ضد النازية والفاشية، إلا أنها بعد قيام الدولة المستقلة تفقد ضرورة وجودها، إذ يصير من الواجب الديني والوطني انضواء المقاومة تحت راية الدولة والنظام وإلا صارت قوة فئوية خارج الدولة وفوق الدستور وفي مواجهة مع مصالح الناس وأمنها واستقرارها، وتلك من الضرورات الشرعية الواجب حفظها والتفكير فيها أولا..أي قبل أي شيء آخر... وبها تقاس الأمور وليس عكس ذلك...
أما من حيث احتكار "حزب الله" لمشروع المقاومة فقد كان موقف الشيخ محمد مهدي شمس الدين قاطعاً حازماً أعلنه في كل المناسبات ومن على أعلى المنابر.. فالمقاومة "نهضت تحت سقف مشروع الإمام الصدر والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، المشروع الوطني الإسلامي الإنساني لبناء الدولة والمجتمع في لبنان وعلى ثوابت الكيان اللبناني ومسلّماته.. والمقاومة نمت في ظل هذا المشروع، فهي مقاومة الشعب اللبناني، كل الشعب اللبناني، لا فئة واحدة منه، وكل المناطق اللبنانية، لا منطقة واحدة منها، وهي مقاومة الدولة والمجتمع والجيش والأهالي والأحزاب.. وكل ذلك تحت سقف، وفي ظل، المشروع الوطني الذي هو الحصن والحضن والمرجع والمآل... إن المقاومة ليست غاية بحد ذاتها، وليست مشروعاً خاصاً بحد ذاته، ناهيك عن أن تكون حزباً أو فئة خاصة خارج مشروع الدولة والمجتمع في لبنان.. المقاومة أداة ضغط سياسية لها غاية تحرير لا غير، ووظيفتها أن تخدم هدف التحرير الذي يقوم به المجتمع بجميع مؤسّساته السياسيّة والأهليّة.. إنّ هذه الرؤية هي الرؤية الوطنيّة الحقيقيّة للمقاومة".
د= في عروبة لبنان
إن عروبة لبنان لا تخرج، ولا يمكن أن تخرج، عمّا جرى على العروبة، من حيث هي عنوان حضاري يجمع لا شعار سياسي يفرق ــ ما جرى عليها، خلال العقود الماضية، من استئناف نظر في مفرداتها، ومن إعادة تعريف لآفاقها؛ ولعل أنضج تعبير، ليومنا هذا، عن تلك المراجعات لمفهوم العروبة ما ورد في "إعلان الرياض" في ختام القمة العربية التاسعة عشرة في آذار 2007، من أن "العروبة ليست مفهوماً عرقياً عنصرياً، بل هي هوية ثقافية موحِدّة تلعب اللغةُ العربية دورَ المعبّر عنها والحافظِ لتراثها. وهي إطارٌ حضاري مشترك قائم على القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية". ومن نافل القول أيضاً أن عروبة لبنان، استئناساً بنص إعلان الرياض، لا يمكن أن تقوم إلا على "ثقافة الاعتدال والتسامح والحوار والانفتاح، وعلى رفض كل أشكال الإرهاب والغلوّ والتطرف وجميع التوجهات العنصرية الإقصائية [...]". هو كذلك ولو أنه لا ضائر من التذكير بأن لبنان، في سيرته المعلومة لدى الجميع، لا يحتاج إلى دروسٍ لا في الوطنية ولا في العروبة.
ه= في الصراع العربي ــ الإسرائيلي
إن لبنان، بحكم التاريخ والجغرافيا، وبإرادة التزامه بموجبات التضامن العربي وبمبادىء الحق الإنساني، كان وما يزال في صميم الصراع العربي ــ الإسرائيلي. بيد أن مكانه هذا لا ينبغي له أن يرتب عليه ما يزيد على المقدار المنصف من التزامه في إطار التكليف العربي: له ما للعرب وعليه ما عليهم ضمن رؤية عربية واحدة. وقد وقف لبنان، وهو يقف اليوم، مع شعب فلسطين وسلطته الوطنية، في ما تختاره من سياسات، مؤداها التوصل إلى إقامة دولة حرة سيدة قابلة للحياة وعاصمتها القدس، مع التمسك بازالة المستوطنات وجدار الفصل العنصري،وبحق العودة وفق القرار الدولي 194. من ثم فإن نصيب لبنان من مكابدة ذلك النزاع، ومعالجته، محكومٌ، خصوصاً بعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000،وبعد حرب تموز 2006، بأن يكال بمكيال الاستراتيجية العربية الموحدة التي تبلورت في مبادرة السلام العربية التي أعلن عنها خلال قمّةِ بيروت 2002، والتي توثقت في قمّةِ الرياض 2007.
"إما أن توضع استراتيجيّة عربيّة كاملة لتحمّل أعباء قضية فلسطين، ويكون لبنان والجنوب جزءاً منها، وإلا فلا يمكن أن نوافق أبداً على أن يكون الجنوب أرضاً محتلة.. ونحن سنكون أول المجاهدين وأول الشهداء إذا كانت هناك خطّة عربيّة شاملة.. أما إذا لم تكن هناك خطة، وتكون هناك مزايدات وعنتريات وتناقض وتمزّق عربي، فلمصلحة مَنّ يضيع الجنوب؟"(شمس الدين).
"نحن في لبنان محكومون بثلاث معادلات، المعادلة الوطنيّة: الإسرائيليون يحتلون أراضي لبنانية، والمعادلة القوميّة أو العربيّة: الإسرائيليون يحتلون فلسطين العربيّة والجولان.. والمعادلة الإسلامية: هم يحتلون بلاداً إسلامية وشرّدوا شعبها وينتهكون مقدسات إسلاميّة.. المقاومة تخدم المعادلات الثلاث.. فكوننا لبنانيين نقاوم، وكوننا عرباً نقاوم، وكوننا مسلمين نقاوم، وإن كنا نفضّل أن لا يكون للمقاومة في لبنان هوية دينيّة.. وإذا تمّ انسحاب إسرائيل إلى ما وراء الحدود الدوليّة مع فلسطين من دون شرط.. ووفقاً للقرار الدولي 425. إذا تم ذلك لا يعود عندنا في لبنان معادلة وطنية.. تتوقف المقاومة.. ولكن هذا لا يعني اعترافاً بشرعية الكيان الإسرائيلي من الناحية القوميّة ومن الناحية الدينيّة.. هذا الكيان غير شرعي ومقاومته مشروعة بل واجبة.. ولكن نحن بعض العرب في لبنان، وبعض المسلمين في لبنان.. ولا يمكن أن نأخذ على عاتقنا تنفيذ قرار عربي على المستوى القومي، أو إسلامي على مستوى الأمّة الإسلاميّة، وحدَنا.. ومن هنا لا يمكن أن نستمر في المقاومة باعتبارها قومية عربية أو مقاومة الأمة الإسلامية.. وما لم يكن هناك قرار عربي أو إسلامي قابل للتنفيذ، لا يقتصر على مجرّد الشعار السياسي، فنحن جزء منه، وإلا فإن قدرتنا على المقاومة تتوقف عند حدود الانسحاب الإسرائيلي من أرضنا.." (شمس الدين).

برهان غليون: لن أتولّى منصباً سياسياً في سوريا الجديدة

التفاوض مع النظام حول نقل السلطة فقط
• الشعب السوري لن يكون ضد المقاومة

يبدو الاسم الأبرز في المجلس الوطني السوري، برهان غليون، مرتاحاً للدور الجديد الذي يقوم به في «النضال» السياسي بعد مسيرة طويلة في العطاء الفكري. يتفاءل بأن يتمكن من لقاء أصدقائه في «سوريا الحرة» في الصيف المقبل، وهو «مزيج من شعور ومعلومات»
■ تحدّثت تقارير صحافية عن رفض روسي لتولّيك رئاسة حكومة مشتركة بين المعارضة والنظام. هل أنت مرشح لرئاسة حكومة مماثلة تجمع النظام والمعارضة في حال توقف الحل الأمني؟
- كلا لستُ مرشحاً لمثل هذا المنصب، فأنا لا أقبل بأن أشارك بأي حوار ولا أي حكومة مع هذا النظام حتى ولو توقف الحل الأمني. أضف أنني حتى بعد سقوط النظام، لن أتولى أي منصب سياسي رسمي في سوريا الجديدة، فأنا أنشط في المجلس الوطني السوري حالياً من منطلق أنني أؤدي مهمة تحريرية لا رغبة بتولي منصب سياسي.
■ كانت لافتة الدعوة التي وجهها أمير قطر قبل يومين للمجلس الوطني، ونصحكم فيها بمحاولة فتح حوار مع النظام السوري. كيف فهمتم الدعوة؟
- لم تردنا أي دعوة من سمو أمير قطر لفتح أي حوار مع النظام، وأعتقد أن المقصود من كلامه المذكور كان دعوة للنظام إلى التحاور معنا وليس العكس. بجميع الأحوال، نحن لن نتحاور مع النظام.
■ لمّحتَ أخيراً إلى أنكم مستعدون لزيارة روسيا إذا تلقيتم دعوة منها. هل تنوون تمرير رسالة إلى النظام السوري من خلال المسؤولين الروس؟
- أولاً بالنسبة إلى زيارة روسيا، نحن بالفعل مستعدون لزيارتها، رغم أننا لم نتلقّ أي دعوة روسية بعد، ونحن نستعد لزيارتها ولطلب موعد لذلك. ثانياً لسنا بوارد توجيه أي رسالة للنظام سوى أن عليه ترك السلطة، ثم إننا لسنا بحاجة إلى وسيط لإيصال رسائل إلى النظام وخصوصاً اننا لا نتحاور معه. نحن مستعدون للتفاوض مع أي طرف من النظام ممن لم تتلوث أياديه بالدم حول نقطة واحدة وحيدة، وهي كيفية نقل السلطة وتفكيك النظام القائم والدخول في مرحلة انتقالية نحو الديموقراطية في سوريا.
■ أنتم في المجلس الوطني السوري متهمون من أطراف معارضة أخرى بأنكم تمارسون سياسة الاقصاء من خلال استبعاد معارضين أساسيين. ألم تستعجلوا في إعلان مجلسكم؟
- بدايةً، من المستحيل أن يتمكن أي إطار معارض من نيل رضى جميع الأطراف. نحن كنا متفقين مع «هيئة التنسيق الوطني» على تأليف المجلس الوطني في الاجتماع الذي عُقد في الدوحة، والذي جمع في حينها ممثلين عن كل من «إعلان دمشق» والاخوان المسلمين وهيئة التنسيق، حتى إن ممثل «هيئة التنسيق» حازم النهار كان موجوداً معنا في اسطنبول قبل أن نعلن المجلس الوطني. كذلك كنتُ شاهداً على اتصال أجري مع الأستاذ حسن عبد العظيم من اسطنبول قبل إعلان المجلس للتأكد من موقف «هيئة التنسيق» برفض المشاركة في قيادة المجلس الوطني، وأجاب في حينها بأنهم في الهيئة يدرسون الموضوع، وقلنا لهم إن حصتهم في هيئات المجلس الوطني ستكون كحصّة «إعلان دمشق» (20 ممثلاً في الجمعية العامة) انطلاقاً من مبدأ المساواة بين مكونات المجلس. أعتقد أنّهم ترددوا في الانخراط معنا في المجلس الوطني لأنهم لم يقدّروا أهمية الدعوة ولأنهم ربما اعتقدوا أنه لن يخرج شيء جدي من الاعلان. حتى انّنا أبلغنا هيئة التنسيق أننا مستعدون للتفاوض معهم حول سقف مواقف المجلس الوطني لأننا ندرك صعوبة وضعهم في الداخل، وأنه ربما لن يتمكنوا من تحمُّل سقف معارضي الخارج بسبب ضغط النظام عليهم وإجرامه. رغم ذلك، أعتقد أن تركيبة المجلس الوطني اليوم متوازنة نوعاً ما. بجميع الأحوال، فإنّ أبواب المجلس الوطني لا تزال مفتوحة أمام انضمام هيئة التنسيق إلى الأطر التنظيمية للمجلس.
■ لكن أطرافاً في هيئة التنسيق تخوّنكم وتتهمكم بالعمالة للخارج، كالسيد هيثم منّاع مثلاً، حتى إن بعض شخصيات «الهيئة» اتهمتكم أخيراً بالطلب من السلطات الفرنسية منع ميشال كيلو وفايز سارة من عقد مؤتمرهما الصحافي في مركز الصحافة الأجنبية cape وفي الـiremo في باريس.
- فليسامح الله هيثم مناع. على كلّ حال، نحن لا نخوّن أحداً. أما بالنسبة إلى قصة المؤتمر الصحافي للصديقين كيلو وسارة، فليس لدي علم بأن أحداً من المجلس الوطني قام بمثل هذه الخطوة، وأنا أجزم بأن هذا لم يحصل.
■ أيضاً يتهمكم بعض المعارضين السوريين بأنكم أُنزلتم بالمظلة لقيادة المعارضة السورية بما أن عدداً من قادة المجلس الوطني لا تاريخ نضالياً معارضاً لهم.
- قد يكون ذلك صحيحاً لكنه ليس عيباً، فالجزء الأكبر ممن يتظاهرون اليوم ويستشهدون ويحرّكون الثورة السورية هم أشخاص لم يسبق لهم أن كانوا يوماً ناشطين. بالتالي فإن كانت الثورة السورية قد حرّكت معارضين سياسيين ودفعتهم للانخراط في العمل المعارِض، فهذا ليس خطأً.
■ حذّرتكم هيلاري كلينتون قبل يومين من أن الأقليات السورية قلقة على مصيرها في حال سقوط النظام، وبعض هذه الأقليات المذهبية والقومية غير راضية على نسبة التمثيل الذي أعطيتموها إياه في المجلس الوطني.
- المجلس الوطني أداة تحريرية تمثل الشعب الثائر وليس برلماناً. ونحن لم نعتمد في تمثيل الأطراف في الهيئة العامة (230) ولا في الأمانة العامة (29) ولا في المكتب التنفيذي (7) للمجلس، المعيار الطائفي. نحن ننظر إلى شعبنا شعباً واحداً، مع الأخذ في الحسبان التنوعات الدينية والإثنية. وتمثيل الأكراد والأشوريين جاء من خلال انضمام منظمات سياسية. ثم إننا في المجلس لسنا بوارد توزيع حصص ومناصب على هؤلاء وأولئك بل بناء أداة سياسية لتحقيق أهداف الثورة. ومن الطبيعي أن يكون منطقنا في العمل وطنياً لا طائفياً ويشترط أن يكون أي طرف يريد أن يتمثل صاحب وزن سياسي، ومستقبلاً البرلمان هو المكان الصالح لتتمثل فيه المجموعات الدينية وغيرها.
■ إلى أي مدى يصح القول ان الاخوان المسلمين والتيار الاسلامي عموماً، يشكلان القوة الأكبر داخل المجلس الوطني؟
- هذا غير صحيح، فالاخوان المسلمون ليسوا غالبية في الهيئة العامة للمجلس ولا في الأمانة العامة ولا في المكتب التنفيذي، وهم ممثلون بالتساوي كغيرهم من المجموعات الرئيسية (إعلان دمشق وتنسيقيات الثورة والمستقلين) بحسب ما يستحقونه بموجب المعيار الذي اعتمدناه من أن جميع الأطراف متساوية. وأنا أعلنتُ قبل تأسيس المجلس أنني لن أقبل إلا بمجلس متوازن سياسياً. إضافة إلى ذلك، غير صحيح أن جزءاً كبيراً من المستقلين (20 عضواً) هم إسلاميون.
■ ماذا قررتم بخصوص رئاسة المجلس الوطني؟
- بما أنّ المكتب التنفيذي للمجلس يعمل بالتوافق لكونه يمثل مجموعة القوى المؤتلفة في الجمعية العامة، فقد قررنا أن تكون الرئاسة تداولية وسيكون هناك رئيس، لا أعرف إذا كنتُ أنا سأكون رئيسه، الأكيد أنني سأكون في الهيئة الرئاسية، أي في المكتب التنفيذي، وستحسم الأمور في اليومين المقبلين أو الأيام الثلاثة المقبلة وسيعيّن الرئيس بالتوافق، وبعدها نحدد قاعدة تعيين الرئيس مستقبلاً.
■ طالبتم في البيان التأسيسي للمجلس الوطني بحماية دولية. أين تبدأ الحماية الدولية وفق تعريفكم لها وأين تنتهي؟ هل تتضمن تدخلاً عسكرياً أو منطقة معزولة من السلاح أم حظراً على الطيران العسكري السوري؟ من جهة انت ترفض التدخل العسكري، ومن جهة أخرى القيادي في المجلس الوطني وهو ممثل الاخوان المسلمين، محمد رياض الشقفة، يتحدث علناً عن تدخل عسكري ومنطقة تركية معزولة من السلاح...
- بالفعل حصل هذا التناقض في المواقف، وهذا التشويش ناتج من ضعف التواصل الذي رافق فترة انشاء المجلس، وعدم احترام أطراف في المجلس لما اتفقنا عليه منذ البداية من أنني الناطق الرسمي الوحيد باسم الائتلاف حتى تعيين أحد آخر. وحتى الآن هذا ساري المفعول. وبيان تأسيس المجلس ينص على رفض التدخل العسكري أيضاً ويؤكد تمسكنا بالسيادة والاستقلال. المجلس الوطني ضد التدخل العسكري الأجنبي سواء حصل بتفويض من حلف شمالي الأطلسي أو غيره، وأي شخص يصرّح بخلاف ذلك يعكس رأياً شخصياً لا يلزم المجلس الوطني. غير أن من الضروري التذكير بأن من يدفع للتدخل العسكري هو سياسات النظام الدموية وليس المعارضة ولا قوى الثورة. ويجب أن ندرك أن مخاطر التدخل ستزيد مع اصرار النظام على التصعيد في العنف ضد الشعب الأعزل.
■ هل تعتقدون أن الحراك الداخلي يؤيد التدخل العسكري الأجنبي؟
- جزء من الحراك الداخلي يؤيد ذلك بالفعل لأنه يعيش تحت القصف والعنف ويريد وقف المذابح بأي طريقة. لكن القصد ليس التدخل في الحقيقة بل وقف العنف المنظم الذي يتعرضون له. وهذا ما تهدف إليه الحماية الدولية للمدنيين وهي حق لجميع الشعوب التي تتعرض لجرائم ضد الانسانية. بجميع الأحوال، اليوم التدخل العسكري غير مطروح، وهو ما يؤكده لنا جميع الدبلوماسيين الذين نلتقيهم، القتل اليومي هو المشكلة وليس التدخل العسكري لأنه لا خطر من حصوله ولا نريده أصلاً. ما نقصده بالحماية الدولية واضح؛ أولاً نريد مراقبين مدنيين دوليين وعرباً، وإعلاماً أجنبياً ومساعدات انسانية، وتشديداً للعقوبات التي تطاول رموز النظام حصراً، ولا علاقة لهذا أيضاً بخلق منطقة معزولة من السلاح على الحدود التركية أو غيرها.
■ الحماية الدولية التي تطالبون بها، هل هدفها حماية المدنيين أم إسقاط النظام؟
- هدفها حماية المدنيين. إسقاط النظام مهمة الشعب السوري لا القوى الاجنبية. لكن بالتأكيد ستساعد الحماية على استمرار الثورة وتوسيع قاعدة المشاركين فيها. المطلوب هو وقف العنف الذي يحول دون الشعب وتقرير مصيره بحرية واختيار قياداته التي يريد. ووقف العنف هو شرط حصول الشعب السوري على حق تقرير المصير الذي هو حق طبيعي لجميع الشعوب.
■ كيف تعتقدون أن من الممكن اسقاط النظام؟
- باستمرار الثورة وزيادة الضغط الداخلي والخارجي على النظام واتساع رقعة الانتفاضة. ان ازدياد الضغط من الداخل ومن الخارج على النظام هو الكفيل بإسقاطه.
■ هل تراهنون على انشقاق الجيش أو عسكرة الثورة؟
- نحن نؤكد سلمية الثورة. وهذا هو جوهر قوتها وشرط انتصارها والابقاء على طابعها الشعبي العميق. إذا تعسكرت تحول الصراع إلى قتال بين ميليشيات النظام وميليشيات الأهالي، وهذا هو الفخ الذي سعى النظام إلى الدفع إليه منذ البداية. وبالمثل رهاننا ليس على المنشقين عن الجيش السوري، بل على امكانية حصول انشقاق سياسي كبير عن النظام عندما يصل الضغطان الداخلي والخارجي إلى ذروتهما.
■ إلى أي حد يمكن القول إن تأسيس المجلس الوطني كان نتيجة توافق أميركي ــ تركي ــ فرنسي ــ إخواني، وما طبيعة الدعم الذي تنالونه من الخارج؟
- ليس المجلس ثمرة أي توافق ولا نتيجة اي اتفاق مع أي دولة مهما كانت. هو ثمرة إرادة سورية محض. نحن في المجلس الوطني ندفع من مالنا ومن روحنا ولا نتقاضى شيئاً. قد تكون تركيا مهتمة بتفاهم مع الاخوان المسلمين، لكن هذا لا ينعكس أبداً على عمل المجلس ولا على تركيبته.
■ هل لديكم في المجلس الوطني اتصال أو تواصل مع رفعت الأسد أو عبد الحليم خدام مباشرةً أو غير مباشرة؟
- نحن نرى أن هذين الشخصين جزء من النظام أو من إسقاطات النظام ولا علاقة لنا بهما ولا يمكن بأي حال التعاون معهما.
■ لم يعترف بالمجلس الوطني السوري حتى الآن إلا ليبيا. هل ترون أن عدم نيلكم اعترافاً دولياً بعد هو هزيمة مبكرة لكم؟
- هذا ليس سؤالاً بل هو استفزاز. المجلس بالكاد قد ولد، ولم تتشكل بعد مؤسساته نهائياً. ونحن لم نتقدم بطلب اعتراف بعد. لكننا متأكدون من أن اعترافات عالمية واسعة تنتظر المجلس. الاخوة الليبيون أخذوا المبادرة مشكورين، لكننا لم نبدأ بعد جولاتنا الخارجية الهادفة إلى نيل الاعتراف الدولي. سنبدأ بالدائرة العربية طبعاً، ثم ننتقل منها إلى الدول الاقليمية، بعدها أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية.
■ يستند دعم حزب الله المستمر للنظام السوري إلى مقولة إن هذا النظام يؤمّن ضمانة للمقاومة، وأن نظاماً جديداً قد يولد قد يكون مصلحة إسرائيلية. بماذا تعلّقون؟
- موقف حزب الله في العداء لحقوق الشعب السوري والتنكر لتضحيات ابنائه ليس مقبولاً ولا يمكن تبريره بأي حال. والشعب السوري لم يكن ولن يكون ضد المقاومة، وله أراض محتلة من إسرائيل. ومع ذلك علاقة سوريا الديموقراطية المقبلة بالمقاومة في أي مكان سوف تتحدد بمقدار ما تقبل هذه المقاومة التنسيق مع الحكومة السورية.
■ هل تتواصلون مع الحكومة اللبنانية أو مع المعارضة اللبنانية الحالية المؤيدة لكم في إطار 14 آذار؟
- لا نرغب الدخول في اللعبة السياسية اللبنانية، كما أننا لا نريد زيادة التوتر الموجود أصلاً على الساحة اللبنانية.
يخطئ من يظنّ أنّ الدكتور برهان غليون اعتزل التعليم الجامعي منذ أن بات اسمه من بين الأبرز سورياً على الصعد السياسية والاعلامية منذ أشهر. فزحمة «العمل» لم تمنعه من مواصلة إلقاء دروسه الجامعية، مع تطوُّع عدد من طلابه وطالباته من مساعدين له في تنسيق مواعيده ولقاءاته الاعلامية

مروان: للموجة ايقاع بدايتها

كتبها الياس خوري يوم استشهاد صديقنا مروان كيالي ورفيقيه الصديقين باسم سلطان التميمي (حمدي) و محمد حسن ابحيص (أبو حسن)..في 18 شباط 1988...
(..) لم يخطئ الأعداء ، كانوا يعرفون من أنت ، وكانوا يريدون قتلك أنت. قتلوك مع رفيقيك في غربة ليماسول لأنكم كنتم تمثلون جزءا من روح هذه الانتفاضة الكبرى التي تعصف بالاحتلال ، والتي تبرهن أن موازين القوى التي رست بعد غزو 82 تتخلخل بالحجارة والتظاهرات والفدائيين الذين يواصلون لعبة العلاقة بين الحياة والموت . وكنت أنت تتقن هذه اللعبة ، لأنك ابن التجربة الجديدة التي صنعتها الثورة وصنعها الحلم الذي انفجر وسط الحركة الطلابية في بيروت السبعينات . كنت واحدا من القلائل الذين أكملوا الشوط حتى نهاية الموجة . والموجة حين تنتهي في الرمل تبدأ من جديد . وأنت الآن في رحلتك الأخيرة نحو التراب ، تعيد للموجة ايقاع بدايتها ، وتعيد لبيروت شرفها ، وتعيد للقبر أسماء أصدقائك الذين سقطوا في مواجهة كل المواجهات ، وكانوا أبطال الموت لأنهم كانوا أطفال الحياة .
شيء من موتك يذكرني بخليل الجمل..
هل تذكر يا صديقي يوم جاء هذا الفتى اللبناني محمولا على نعش من غور الأردن . يومها تحولت بيروت الى بحر ، وبدأنا من اسمه رحلة جيلنا نحن .
ربما تكون أنت آخر أسماء جيلنا المأساوي الجميل . جيل الحروب الأهلية والمواجهة الأولى... لكنك أيضا الاسم الأول في منعطف الانتفاضة الذي بدأ . موتك رمز لجيل جديد يولد في فلسطين ويعلن أن الاسم الفلسطيني لا يمكن أن يمحى ، لأنه أفق كل الأسماء العربية .
(..)
نستحضرك بيننا ونحن نذهب لاستقبالك وللاستماع الى كلماتك الآخيرة . نستحضرك منذ مواجهات أيار 73 ، مرورا بكل منعطفات الحرب الأهلية ، وصولا الى الاجتياحين 78 و 82 ، كأنه كتب لحياتك القصيرة أن تكون انتقالا من حرب الى حرب .
تعبت منك الحروب وانت لم تتعب ، كأنك كنت في وداعتك وصمتك ، في قتالك وحوارك، تستحضر الحياة التي كانت تلجأ اليك ، فتهرب منها الى القتال . قاتلت كل الحروب ، ووصلت الى قمة حياتك في هذه الحرب المشتعلة منذ شهرين في فلسطين . وصلت الى الانتفاضة وكتبت اسمك في الأرض التي لم تزرها الا وبندقيتك على كتفك . هاهي الأرض التي عرفتك فدائيا صغيرا ، تفتح لك صدرها . وتأخذك كما يليق بالشهداء .
أكتب عن مروان ، فأكتشف أنني أكتب عنكم كلكم ، عن جيل كامل صنع مجد بيروت وها هو يذهب ليصنع مجد فلسطين . أكتب عن مرحلة الأسئلة الكبرى والشباب الذين أغرتهم لعبة الموت والثورة . كل واحد منهم كان كالكتاب المفتوح على أبجدية جديدة . كل واحد منهم كان القضية . كانوا في ليل بيروت ، بمعاطفهم الزرقاء ، وبنادقهم ، في رأس النبع والبسطة وخندق الغميق ووادي أبو جميل ، ثم كانوا في عاليه وبحمدون وصنين والزعرور ، ثم كانوا في الجنوب كله ، ثم كانوا وها هم الآن يتساقطون في المعركة الفاصلة ، في منعطفات الانتفاضة الكبرى ، مجبولين بالخيبة والحلم ، ويعودون واحدا واحدا الى بداية الموت ، من أجل أن تبدأ بهم الحياة .
الموت حق يا صديقي .
كل يوم نبدأ ، لأننا حتى في لحظة موتنا ، نعلن الحياة .
ومروان الحبيب الحبيب ، يعلن اليوم في موته حياتنا ، ويأخذنا في عينيه المغمضتين الى سحر
شبابنا وجمال شهدائنا .
نشرت في السفير اللبنانية وأعادت نشرها مجلة فلسطين الثورة 25-2-1988