السبت، 30 أبريل، 2011

عسل الدكتاتوريات المُرّ !

شاكر النابلسي
-1-
لم تحظَ المعارضة العربية، أو ما يُطلق عليه “الشارع العربي” بالاهتمام والاحترام الزائف، من قبل الأنظمة العربية، كما حظي بكل هذا، في هذه الأيام التي تستعر فيها الثورات، استعار نار جهنم الموعودة للكافرين والضالين!فتنهال الوعود المعسولة المُرَّة في ليبيا، واليمن، وسوريا، وغيرها من البلدان العربية، التي تنتظر على محطاتها قطار الثورة العربية، الذي يبدو أنه سيمرُّ على كل المحطات العربية، ولن &iae;ن يُخطئ محطة واحدة. فربما سيصل إلى بعض المحطات متأخراً، ولكنه سيصل في النهاية، لا محالة. فقد أصبحت الثورة العربية قَدَرَ العرب. وحان موعد قطاف رؤوس الأنظمة، التي شابت، وتخشَّبت، ونخرَ (السوس) رأسها، وأصبحت خارج العصر، ومفاهيمه. فقد نشأ في العالم العربي جيل ثورة المعلومات والاتصالات، وأصبحت الثورة السياسية مُكمِّلاً حتمياً لثورة المعلومات والاتصالات، وإلا بقي هذا الجيل، ووطن هذا الجيل، ومستقبل هذا الجيل خارج العصر.
-2-
وعندما قام الشباب بهذه الثورات المتتابعة، منذ ديسمبر 2010، وحتى الآن، كانت الدهشة، وكان الاستغراب من معظمنا. لأننا لم نقرأ ما قاله جواهر لال نهرو عام 1932 لابنته انديرا غاندي، تعليقاً على الثورة الفرنسية، من أن ثورات الشعوب في التاريخ، لا يقوم بها غير الشباب:“الثورات لا يخوض غمارها عادة إلا الشباب. ومع أهمية هؤلاء الشباب، إلا أن واحداً منهم لم يطبعها بطابعه الخاص، لأنها انبثقت من الطبقات السفلى، ولم تكن واقعة تحت سيطرتهم. وكانت زلزالاً بشرياً من تلك الزلازل، التي يتمخض عنها التاريخ، عندما تتفاعل العوامل الاجتماعية، والاقتصادية، والأحقاب الطويلة من الشقاء والطغيان معاً، على النار الهادئة، حتى تصل إلى درجة الغليان. ”
إذن، كان من الطبيعي أن يكون الشباب العربي، الذي يقود الحركة الرياضية، والحركة الغنائية، والحركة الطلابية، هو القائد، وهو المفجِّر لهذا الزلازل البشري الذي تحدث عنه نهرو عام 1932. ولا غرابة في ذلك. ولكن معظم العرب كانوا في عجب من أمرهم، لأنهم لم يقرأوا التاريخ جيداً، وخاصة أولئك الحكام الذين وقع لهم ما وقع، والذين ينتظرون وقوع ما وقع كذلك.
-3-
الحكام في ليبيا، وسوريا، واليمن الآن، يتوسلون للشعوب، ويطلبون منها أن تتخلّى عن الثورة، وتنصرف إلى شؤونها الحياتية، وتعدهم بتحقيق كل ما يطالبون به.وهو توسُّلٌ معكوس.
ففي الأمس القريب، كانت هذه الشعوب تتوسل للحكام، لتحقيق “بعض” مطالبهم، وتعدُّ هؤلاء الحكام بالطاعة، والسكوت، وغضِّ البصر، عن الفساد، والسرقة، والعبث العام. وكانت هذه الوعود كاذبة ومعسولة، كما هي وعود الحكام الآن لشعوبهم الثائرة. فالشعوب كانت تعتبر حكامها كالكلاب. والحكام كانوا يعتبرون شعوبهم كلاباً كذلك. وكان القذافي - وما زال - يُطلق على المعارضة الليبية “الكلاب الضالة”. وكان كلا الطرفين في هذه الحالة نفعيين. وكانوا جميعاً يرددون: (بوس) الكلب من فمّه إلى أن تأخذ حاجتك منّه.
-4-
لا خوف ولا خشية على الثورات العربية المستعرة الآن، إلا من الأنظمة نفسها، ومن عدم مساعدتها خارجياً. فالأنظمة لا تملك لمحاربة هذه الثورات غير كيل الوعود الكاذبة والمعسولة بعسل مُرٍّ وكريه. ولو كانت هذه الأنظمة صادقة في وعودها، لحققت هذه الوعود منذ زمن، في سنوات حكمها الممتدة. ولكنها كاذبة، وتريد من الشعوب، أن تدخل في قِنِّ الدجاج، أو في حظيرة الأبقار، لكي تجزَّ رأسها بسكينها المشهور في وجه الشعوب منذ زمن، وكما فعلت بعناصر المعارضة في السابق، حيث سجنتها، وعذبتها، وقتلتها في السجون.
-5-
والخشية كذلك، أن تتخلّى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وما يمثل من قوى عسكرية، ومالية، وسياسية، وإعلامية، عن هؤلاء الثوار الأبرار، المتهمين اليوم بأنهم مأجورون، وعملاء، ودخلاء، وحرامية، ومخربون.. الخ. فالشعوب في كل زمان ومكان، لم تستغنِ عن المساعدة الخارجية. وقرأنا في التاريخ الحديث، بأنه لولا التدخل العسكري الأمريكي إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، لما تمِّ القضاء على النازية والفاشية، ولما تمَّ تحرير فرنسا من براثن النازية. كما أنه لولا التدخل العسكري الأمريكي لبقي صدام حسين وحزب البعث يحكمان العراق حتى الآن. رغم أن العراق شهد منذ 2004 تحت حكم “حزب الدعوة” الديني وحتى الآن، أوضاعاً أسوأ مما كانت عليه أوضاع العراق قبل التحرير 2003. ولولا التدخل العسكري لحلف الناتو، بموجب قرار مجلس الأمن 1917 في ليبيا، ومساعدة الثوار الليبيين في القضاء على نظام القذافي، لظفرت قوات القذافي بالثوار، وفتكت بهم، كما هددهم وتوعدهم القذافي نفسه، وهددوهم وتوعدوهم من بعده أولاده.
-6-
فيا أيها الثوار الأحرار في ليبيا، وسوريا، واليمن .. إياكم والهجوع، أو الخنوع.
لا تستسلموا لوعود وعهود الإصلاح والتغيير، فكلها كاذبة.. وكلها تدليس، ومصائد لكم.
فالأنظمة العربية اهترأت كليةً، وشاخت، وتخطّاها الزمن والعصر، وأصبحت رميماً، ولم تعد صالحة للترقيع، ولا مجال فيها للإصلاح. فهي كلوح الزجاج (المشعور) الذي يسقط، ويتناثر شظايا من جرَّاء الهزة الأولى.
وأنتم ترون الآن، كيف تلبس ذئاب الأمس جلود الحملان..!
وكيف أصبح الجلادون والجلاوزة شعراء رومانسيين، يتغنون بحب شعوبهم..!
وكيف أصبح السفاحون طيور كناري تغرِّد للحرية..!
وكيف أصبح الفاسدون يؤمُّون المصلين في المساجد..!
وكيف أصبح اللصوص أمناء الصناديق..!
وكيف أصبحت المومسات قديسات في الأديرة.