السبت، 30 أبريل، 2011

غيوم في الربيع العربي

بقلم إدغار موران
الطريق من الطموح الديموقراطي الى تحقيق الديموقراطية صعب وخطير، هناك غليان خلاّق لدى الشباب المتمرد لكنه لا ينفصل عن فوضى تشكل ارضاً خصبة للانقسامات والاخطاء. أما الغرب فقد كان سلوكه متقلباً الى حد كبير.

اليوم فيما تتراكم الغيوم وتُهدّد الأوضاع بالدخول في الجمود من جديد، تمثل في ذهني التحية المتأخرة التي وجّهها هيغل إلى أحداث 1789 لقد "كان شروقاً رائعاً للشمس". أمام الزخم لإطاحة الطغاة الذي كان عصيّاً على المقاومة في تونس، ثم حقّق الانتصار أخيراً في مصر، والموجة القويّة التي تجتاح العالم العربي بأسره، بما في ذلك غزة، وتصل حتى إلى الصين، شهدنا شروقاً رائعاً للشمس.
لقد مزّق هذا الشروق، في أوروبا وفي العالم الأوسع، ظلمات ذهنية كانت تعتبر أنه من المحتّم على العالم العربي أن يخضع إما لديكتاتورية بوليسية-عسكرية معلمنة إلى حد ما وإما لثيوقراطية إسلامية رجعية. فالظهور المندفع، انطلاقاً من الأوساط الشبابية، لمطالبة مدهشة بالحرّية والكرامة، ولرفض جذري للفساد الذي يحيط بالطغاة بيّن لنا بصورة حاسمة أن الطموح الديموقراطي ليس حكراً على الغرب، بل هو طموح كوني تأكّد في الصين عام 1989 قبل أن يتم خنقه (والذي يستمرّ تحت واجهة تطبيع الاوضاع). من هنا الهتاف الذي أطلقتُه خلال اجتماع لا يُنسى لتحية الزخم الأول في تونس ومصر: "العرب مثلنا ونحن مثل العرب"، بالتأكيد مع أخذ الاختلافات التاريخية والثقافية في الاعتبار.
لا تدين هذه الموجة الديموقراطية الهائلة بشيء للديموقراطيات الغربية التي كانت على العكس تدعم الأنظمة الاستبدادية التي كانت تحرص على بقائها. لكنها تدين بكل شيء للأفكار الديموقراطية التي ولدت في الغرب. فمن خلال تسلّح العرب المستعمَرين بالأفكار عن حق الشعوب التي رأت النور في أوروبا التي كانت تقمعهم، تمكّنوا من التخلّص من الاستعمار السياسي. يبقى إنهاء الاستعمار الاقتصادي... الذي لم يتحقّق بعد.
بيد أن الطريق من الطموح الديموقراطي إلى تحقيق الديموقراطية، من الانتقال من دولة المرؤوس إلى دولة المواطن صعب ومتقلّب.
اللافت هو أنه في الأماكن التي حظر فيها القمع الأحزاب ودمّرها، وزجّ الديموقراطيين في السجون أو أرسلهم إلى المنفى، صنع الضعف السياسي قوّة الثورة. كانت قوّةَ عفويةٍ ذاتية التنظيم أطاحت في البداية ومن خلال طابعها السلمي، السلطات القمعية، واخترعت انطلاقاً من الهواتف الخلوية والإنترنت اتّصالاتها المباشرة والدائمة، ومن ثم تنظيماً شبكياً من دون رأس، مما يعني أنه لا يمكن قطع رأسه، لكنه برؤوس كثيرة.
سمح إبداع رائع لا ينفصل عن الطابع السلمي للحركة التي تفضّل الذكاء على القوّة، للشباب بأن يجذبوا إليهم مختلف الأجيال والطبقات الاجتماعية، مما رفع عنها ثقل الرضوخ الذي كانت ترزح تحته.
استطاع الشباب من خلال هذا الدور المحرِّك والأساسي أن يعبّروا عن طاقات وطموحات كل الشباب الذين حرّكوا المقاومات والثورات الكبرى في مختلف أنحاء العالم.
بيد أن قوّة العفوية تتحوّل ضعفاً عندما ننتقل من تدمير ديكتاتورية إلى بناء ديموقراطية. وهكذا يظهر للعلن فراغ المؤسّسات والهيكليات والأفكار والفكر الذي تسبّب به الطغيان وغذّاه. لا شك في أن غلياناً خلاّقاً يظهر لدى الشباب المتمرّد، لكنه لا ينفصل عن فوضى مشوِّشة تشكّل أرضاً خصبة للانقسامات والأخطاء التي تنجم إما عن إذعان متسرِّع وإما عن مطالب يستحيل تنفيذها على الفور.
في فرنسا وأوروبا، وفي كل مكان تقريباً في العالم، يجعلنا غياب التفكير حول التعقيدات البشرية والمجتمع وآلية العولمة التاريخية عاجزين عن التحرّك إزاء تسارع الكرة الأرضية نحو الهاوية، وعن تصوُّر تغيير منقِذ في التوجّه.
بعد السقوط السريع للنظام الاستبدادي في كل من تونس ومصر، صمّمت الأنظمة الاستبدادية الأخرى على منع موجة الحرية التي تعبر دولها أو قمعها. وهكذا اتُّخِذت إجراءات لخنق التحرّك في مهده كما حصل في الجزائر، وأُعلِن عن تنازلات مصحوبة بقمع دموي في اليمن وسوريا، وتدخّلت السعودية بطريقة قمعية في البحرين. وفي الوقت نفسه، مع ابتعاد الموجة عن بؤرتها المركزية، ضمّت مكوّناً إتنياً-دينياً كما في البحرين، مع العلم بأنها حافظت في كل مكان على طابعها التحرّري الطاغي.
في ما يتعلّق بالغرب، كان سلوك القوى متقلّباً إلى حد كبير. بدفع من أوباما، قدّمت الولايات المتحدة نفسها نصيرةً للديموقراطية في تونس ومصر، وفي ليبيا في مرحلة أولى. ثم أظهرت تحفّظاً حيال الأحداث في سوريا، ولم تشكّك قط في النظام السعودي. وتأخّرت فرنسا الرسمية كثيراً في تحيّة الربيع التونسي، ثم قرّر رئيسها التدخّل عسكرياً لإنقاذ المقاومين الذين تحوّلوا متمرّدين في بنغازي.
تشكّل الحالة الليبية عقدة من المفارقات والتناقضات والالتباسات. لا تقتصر المفارقة الأولى على العبور من التعاون الأقصى إلى النزاع المعلَن بين الرئيس الفرنسي والطاغية الليبي، بل تشمل أيضاً تدخّل قوى استعمارية قديمة لإنقاذ تمرّد شعبي.
هل هذا التدخّل إنساني؟ ديموقراطي؟ هل يحتوي على مكوّن اقتصادي (النفط)؟ ونظراً إلى أن هذا التدخّل يقتصر على ليبيا فقط في حين أن اليمن وسوريا تشهدان قمعاً عنيفاً أيضاً، وفيما جرى التعامل بلامبالاة مع العملية الإسرائيلية في غزة، الرأي العربي ملتبس ومنقسم. لا شك في أن تدخّلاً واحداً أفضل من عدم التدخّل على الإطلاق، لكننا نستنتج مرة أخرى أن الغرب يعتمد سياسة الكيل بمكيالين.
الالتباسات السياسية والعسكرية كبيرة جداً: ما أهمّية القبلية في هذه الأمة التي أصبحت حضرية إلى حد كبير؟ ما أهمية التيّار الديموقراطي في قلب التمرّد؟ ما هي المساعدة التي قدّمتها الجزائر أو بلدان أخرى إلى القذافي؟ أخيراً هناك خطر الغرق في مستنقع وكذلك خطر جنوح كل الأطراف نحو التشدّد وقيادة البلاد نحو الأسوأ.
من هنا الالتباس الكبير: ألا يمكن أن يصبح الطابع الإنقاذي الذي اتّخذه التدخّل في البداية كارثياً؟ تُبيِّن لنا أنماط التحرّك أنه لا يعود يخضع في معظم الأحيان لنيّات مطلقيه بل ينحرف ويسير أحياناً في الاتجاه المعاكس.
أما المغرب فلديه نقاط اختلاف وتشابه كبيرة مع الدول العربية الأخرى. الاختلاف الكبير هو أن الملَكية متجذّرة في تاريخ الأمة، وأن الملك طبّق إصلاحات ديموقراطية وليبرالية أولى خفّفت من حدّة الملَكية المطلقة، وأنه يُبدي استعداداً جديداً للإصلاح، وأنه جرى الاعتراف بالكامل بطابع البلاد المتعدّد إتنياً وثقافياً. أما أوجه الشبه فتكمن في عدم المساواة الشديد والفساد الذي يتفاقم مع التنمية الاقتصادية.
حلّ الربيع الديموقراطي العربي في مرحلة تفقد فيها الديموقراطيات الأوروبية حيويّتها وتواجه خطر الانحسار. بعدما تأخّرت أوروبا إلى حد ما في تحيّة الربيع العربي، إنها متعثّرة ومنقسمة. الخوف المحقّ من الفشل الديموقراطي يشلّ بدلاً من أن يحفّز على التحرّك لمنع الفشل. لا يجوز أن يكون التحرّك الداعم استمراراً للاستعمار الاقتصادي، بل يجب أن يضع "خطة مارشال" لانتهاج أسلوب جديد في التعامل، وتجاوز فكرة التنمية في إطار تصوّر تكافلي حيث تحتفظ كل ثقافة عربية بفضائلها وبأفضل ما فيها وتُدمج أفضل ما في الغرب بما في ذلك حقوق الإنسان وحقوق المرأة.
لا يمكن التغلّب على الخوف من الهجرة ومن ظهور الإسلاميين إلى الواجهة إلا من خلال الدعم الكامل للمغامرة الديموقراطية.
دخل الزخم الرائع الذي شهدته الأشهر الأولى من عام 2011 في تقلّبات التاريخ. على غرار كل زخم من أجل الحرية، إنه رهان، وعلى غرار كل رهان، يجب أن يترافق مع استراتيجيا، أي مع مرونة وقدرة على الابتكار في وجه العوائق والأنواء، وأن يتغيّر وفقاً للمعلومات الجديدة التي تطرأ. لا شك في أنه سيعرف إخفاقات ومصائب. لكنه يحمل في طيّاته مبدأ التوليد وإعادة التوليد الذي يجعل الشمس تشرق من جديد مرة تلو الأخرى.