السبت، 2 فبراير، 2013

في معنى الحوار ( خلاصة) مساهمات سمير فرنجية ومحمد حسين شمس الدين وسعود المولى وهاني فحص)


يقوم الحوار بين مختلفين متعددين. فإما أن نؤمن بالحوار، وهذا يستبطن إعترافاً بالتعدد والإختلاف، وإما أن نزعم بأننا متطابقون ، فلا تكون لنا حاجة بالحوار. والإختلاف (التعدد والتنوع) ليس حالة شاذة، بل هو قاعدة تكوينية شاملة ، ومتحققة بداهة، في اي إجتماع إنساني. لذلك فإن السعي إلى إلغائه ،بدعوى التوحد والمطابقة، هو سعي عقيم ينم عن سوء تقدير، في أحسن الأحوال. ثمة أيضا، نزوع أصيل وحاجة إلى اعتماد "مشتركات" لا تنهض بدونها حياة إجتماعية. من هنا يشكل التهاون أو التفرط بالمشترك سؤء تدبير خطير،تترتب علية نتائج وخيمة عاينا- نحن اللبنانين- نماذج منها في تجربتنا الخاصة ،ولا نزال نرى تجليات مماثلة في بلدان عدة من حولنا.إن المشكلة في حد ذاتها لا تنشا من وجود الإختلاف ،ولا من وجود أنظمة لمصالح مختلفة، بل تنشأ من العجز عن إقامة نظام مشترك، أو من تخريب هذا النظام من بعد ايجاده. ينطلق الحوار إذاً ،من الإعتراف بالآخر كما هو ، شريكاً مختلفاً ،مع إحترام هذا الإختلاف وفهم أسبابه، واعتباره حافزاً على التكامل لا داعيا إلى الإفتراق.وعليه فإن الحوار لا يدعو الآخر إلى مغادرة موقعه الطبيعي والتخلي عن تطلباته المشروعة، ولا يسعى إلى استيعابه، كما لا يسعى التماهي معه. إن الجهد الحواري ينصب على اكتشاف المساحة المشتركة، وبلورتها، والإنطلاق منها مجدداً ومعاً في النظر إلى الأمور، ما يسمح بتحصيل خلاصات جديدة ينبني عليها تفاهم أكثر عمقاً ومواقف أكثر ايجابية. الحوار بهذا المعنى يتجاوز خطة "التقريب" ليدخل في مشروع "التضامن" مع الشريك، من خلال اعتبار المشتركات شأنا أساسياً لكل طرف، لا همّاً فائضاً عن اهتماماته الخاصة. ولا يبلغ الحوار نهاياته المنطقية مع العجز عن ممارسة التضامن. والحوار الحقيقي يتطلب من المحاور شجاعة في المراجعة ومساءلة الذات وهو في معناه الأعمق قدرة على رؤية الذات من موقع الآخر، وقدرة على فهم الآخر بملاحظة اعتباراته ومعاييره الخاصة. إن النجاح في بلورة المشترك، مع القدرة على التزامه، هو عينه النجاح في إقامة "التسوية" على أساس من الوعي والقناعة.وما التسوية إلا عقد ينطوي على أخذ وعطاء وتنازلات متبادلة بالضرورة فالعقد الإجتماعي التي يقوم عليها السلم الأهلي في المجتمعات إنما هي في الجوهر تسويات كبرى مركبة تتطلب عناية مستمرة وحسن تدبير من قبل أصحابها مثلما تتطلب إبداعاً في تجديدها بموازاة مستجدات الحياة. إن الحوار بحاجة إلى فكر يحترم الفروق والتنوّع ويرى إلى الحقائق المجتمعية ماهيات مركبة ذات وجوه وأبعاد لا جوهر بسيطة مطلقة ذات بعد واحد، إنه فكر يجيد التبادل والتأليف إنطلاقاً من توسط مشرف من غير أن يجنح إلى دمجية كلانية تلغي المسافات والتخوم أو يقع في تفريعية إنقسامية تقطع العلائق وتعدم التواصل.إن الإنغلاق على عصبية واحدة سرعان ما يلغي الديموقراطية بسبب عدم إعترافه بالفوارق والمغايرة. وقد أظهرت وقائع الحرب اللبنانية إن التصادم داخل الجماعة الواحدة الصافية كان أشد فتكاً من تصادم الجماعات المختلفة. إن مجمل المفاهيم المتصلة بالحوار تحملنا على الإعتقاد بأنه نهج حياة وأسلوب عيش ليس مجرد وسيلة تنتفي الحاجة إليها عند تحقيق غرض معين لذلك هو دائم متجدد يستجيب لبداهة الحياة وضرورات التواصل والإجتماع. وهو إلى ذلك موقف في غاية الإقدام والشجاعة ولا سيما أثناء صعود الغرائز والعصبيات لأنه يتجنب الهروب إلى الأمام بالتطرف أو الهروب إلى الوراء بالسلبية والإنسحاب التطهري. ولا ينجو مفهوم الحوار في بلادنا من تحريفات متنوعة تنأى به عن غايته الحقيقية فيغدو أحياناً شكلاً من أشكال النزاع البارد حين يعتبر البعض مناقشة ومجادلة (إستقصاء في محاسبة الآخر ومخاصمته) أو مساجلة (مباراة ومفاخرة وسعياً إلى الغلبة)؛ كما يغدو أحيانا أخرى آلية قاصرة عقيمة حين يعتبره البعض تبادلاً لوجهات النظر بديبلوماسية ماكرة أو هدنة بين وقتين للنزاع أو إنه إفضل المتاح مؤقتا من بين خيارات كلها سيئة وفي مختلف الأحوال فإن انتفاخ الذات وركوب الرأس يحولان دون التواصل والتبادل أي إلى الحوار الحقيقي. نزعم مجدداً إن الحوار بحث دائم عن المشترك بإنفتاح وتواضع على أساس فكرة التسوية واستناداً الى قيم التوسط والإعتدال أما بدائل الحوار فتعني عملياً الإستمرار في الخصام، وتحين الفرصة للإنقضاض على الآخر مع ما يرافق ذلك من إضعاف لمقومات المجتمع وإهدار لما راكمته الحياة المدنية والعيش المشترك وهذا كله يتجاوز في أثره الحاضر والراهن ليمثل اعتداء على مقومات المستقبل.